array(1) { [0]=> object(stdClass)#12852 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 160

الأهداف الأمريكية: الترغيب والترهيب والتمحور حول النفط والإسلام وإسرائيل

الإثنين، 29 آذار/مارس 2021

في العلاقات الدولية الراهنة الكثير من المظالم، و"العجائب "والمتناقضات. من ذلك: اتخاذ الغرب المتنفذ الرسمي (خاصة بجناحه اليميني) منذ عقود، نحو كثير من دول وشعوب العالم، سياسات شبه استعلائية وسلبية، في بعض جوانبها، حتى وإن كان تعامله مع أغلب الرسميين، العرب وغيرهم، لطيفًا. ويمكن القول إن بعض السياسيين الغربيين "المحافظين"، وخاصة اليمينيين المتطرفين، بل وبعض اليساريين، بصفة عامة، لهم سياسات استعمارية متصهينة نحو العالم، وخاصة العالمين العربي والإسلامي. وهؤلاء الساسة ينظرون إلى العرب والمسلمين بخاصة، من منظار قاتم، ويتعاملون مع قضايا العرب بصلافة واستخفاف. ويتحمل العرب، دون شك، جزءًا من مسؤولية هذه النظرة.

     ويرى كثيرون أن هذه السياسات هي امتداد لما يمكن تسميته بـ "سياسات الغرب السوداء" تجاه العرب والمسلمين، والتي تعود للحروب الصليبية. وقد لوحظت هذه السياسات كثيرًا في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وبمجيء إدارة "جوزيف بايدن" للسلطة في البيت الأبيض، يوم 20 يناير 2021م، يمكن القول بأن السلطة التنفيذية في أكبر وأهم دول الغرب المتنفذ هي الآن، ولأربع سنوات قادمة، على الأقل، في يد ساسة ليبراليين غربيين، يمثلون الوسط السياسي الغربي المعتدل. وهذا ما يوحي بتغيير (إيجابي طفيف) في السياسات الأمريكية، أو هكذا يجب أن يقرأ هذا الحدث. فلقد أسفرت انتخابات الرئاسة الأمريكية للعام 2020م، عن خسارة اليمين الغربي المتطرف (ممثلا بترامب) وفوز الوسط الأمريكي المعتدل (ممثلا ببايدن). وذلك سينجم عنه فرق، وإن كان محدودًا، وعودة لمسار سياسي عقلاني معهود.

                                ****

    أذكر أننا في عام 1980م، كنا طلبة مبتعثين، في مرحلة الماجستير بجامعة كليرمونت بكاليفورنيا. كان البروفيسور "فريد نيل"( Fred Neal) رئيسا لقسم العلاقات الدولية (تخرج فيه خمسة سعوديين بدرجة الدكتوراه، وستة بدرجة الماجستير، حتى تاريخه). وكان "نيل" يرتبط بصداقة وطيدة مع "جوزيف بايدن". وكان يدعو بايدن لإلقاء محاضرة شهرية لنا في العلاقات الدولية. وأذكر من الزملاء الذين كانوا يحضرون تلك المحاضرات كل من: الدكتور سليمان توفيق، والدكتور عبد المحسن هلال.

    كان بايدن يحاضرنا عن علاقات أميركا بالاتحاد السوفييتي، المنافس الرئيس لأميركا في تلك الفترة. وكان "نيل" يمتحننا في مضمون محاضرات بايدن، الذي كان سيناتورا ديمقراطيا معتدلا، من ولاية ديلوير. كان بايدن، وما زال، كما يبدو، من أكثر الساسة الأمريكيين ثقافة واطلاعًا وخبرة في السياسة والقانون. إضافة إلى تواضعه، وأخلاقه الحسنة، ووسطيته.

                                 ****  

    لقد اتسمت سياسات ترامب بسلبيات معروفة، بالنسبة لأمريكا وللعالم. وهذه الإدارة تسلمت حكم أمريكا وهي قوية ومتماسكة، ورحلت وأمريكا تعاني، على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى المستوى الأمريكي، هناك انقسام اجتماعي-سياسي حاد بين الأمريكيين "البيض"، وبعضهم عنصري، وبقية الأمريكيين "الملونين". وهذا الانقسام تجسد في نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة. حيث صوت حوالي 74 مليون أمريكي لترامب، بينما صوت لبايدن حوالي 81 مليون أمريكي... في الانتخابات التي شهدت أعلى نسبة مشاركة ( Turnout) في الفترة المعاصرة.  

   عملت إدارة ترامب، من حيث تدري أو لا تدري، على إشعال فتن طائفية بتراخيها عن بعض الانتهاكات العنصرية، ضد الملونين الأمريكيين. وعلى المستوى العالمي، كان هم ترامب الأساسي هو: تضخيم ثروته الخاصة، وخدمة إسرائيل، كما لم تخدم من قبل. وحاول مواصلة التمدد الامبريالي، بهدف: استمرار الصدارة الأمريكية لأطول فترة ممكنة، فلم يفلح كثيرًا في تحقيق هذا الهدف، بسبب ما اتبعه من سياسات، اتسمت بالغطرسة والاستعلاء، وتجاهل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية، وعدم الاكتراث بحقوق الآخرين، وارتكاب أخطاء استراتيجية انعزالية.

                           ****

    وبالنسبة للاقتصاد، بالغت إدارة ترامب في منع التدخل الحكومي (المنظم) في الاقتصاد، وتطرفت في التمسك بـ "الرأسمالية" المطلقة، التي تمعن في ترك الاقتصاد حراً مطلقاً، وتحظر أي "ضوابط" موسعة تنظم حركته، عبر تدخل حكومي مناسب، للحيلولة دون قيام رأسمالية مطلقة، قد تؤدي إلى فوضى اقتصادية، وإلى انفراد قلة من الشعب بالمال والنفوذ، ورضوخ الغالبية للفقر والعوز المضاعف. وجاءت أزمة وباء كورونا لتزيد الطين بلة، وتسبب شللاً في الاقتصاد، وارتفاع غير مسبوق في نسبة البطالة.

     ودائما تثبت الرأسمالية المطلقة فشلها، وإن نجحت مؤقتًا في توفير بعض الأعمال. فالحالة الاقتصادية بأمريكا الآن متدهورة، بسبب الغلو الرأسمالي، وأيضًا جائحة كورونا. ويعمل الاقتصاديون في فريق بايدن لوضع الحلول المناسبة، والتي تجسد رأسمالية ذات ضوابط، وبحيث تضع الحكومة الضوابط، وتشرف على إنفاذها بدقة وصرامة، عبر: التدخل الحكومي المدروس والرشيد، والمكافحة الجادة للاحتكار. وهذا جوهر خطة بايدن، لإصلاح الاقتصاد.

                           ****

    لقد نتج عن سياسات إدارة ترامب المؤدلجة تدهورًا نسبيًا ملحوظًا في المكانة العالمية لأمريكا، واستياء حلفائها، في حلف ناتو وغيره، خاصة من مطالبات ترامب المتكررة والملحة بتحميلهم نفقات متزايدة. كما توشك أن تؤدى لبدء تداعي نظام القطبية الأحادية العالمي (الذهبي، بالنسبة لأميركا، شعبًا وحكومة) ... الذي غالباً ما سيتحول – في المستقبل المنظور -إلى نظام الأقطاب المتعددة. وتمثل هذه السياسات تركة ثقيلة... ستظل إدارة "جو بايدن" تنوء بحملها. وقد تتمكن هذه الإدارة (خلال فترتها الأولى) من التخفيف من وقعها، وتجاوز آثارها، وقد تعجز عن إصلاح ما أفسدته نرجسية ترامب. كل الاحتمالات تظل واردة... في ظل عودة السياسة الأمريكية لمسارها المعروف والمعتاد قبل مجيء ترامب.

                                  ***

  سياسة الرئيس بايدن القادمة بالمنطقة:

   إن مدى "قوة" أي دولة يقاس بالنسبة لغيرها من الدول النظيرة. وما حصل بأميركا في عهد ترامب هو: تدهور (نسبى) في مدى قوتها، قابله تصاعد (نسبى) في مدى قوة دول أخرى منافسة، وبالتحديد: الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي. وهذه الحقيقة هي التي، لو تفاقمت في عهد الرئيس بايدن، ستؤدي لاحقا لتحول النظام العالمي، من نظام القطب الواحد إلى نظام الأقطاب المتعددة.

  لابد من تذكر هذه الحقيقة عند محاولة التعرف على الخطوط العامة لسياسات الإدارة الأمريكية الجديدة المختلفة، إدارة جوزيف بايدن الديمقراطي، على الساحتين الداخلية والخارجية. ولا شك أن سياسات أمريكا، سواء الداخلية أو الخارجية، ستظل تهم كل العالم، لما لها من تأثيرات واسعة... تتجاوز – بالطبع – الحدود الدولية، لعدة أسباب، أهمها: كون الاقتصاد الأمريكي يمثل حوالي ربع اقتصاد كل العالم، وكون الولايات المتحدة أقوى دولة عسكرياً، وتقنيًا.

                         ****

     ما زالت الأولوية مكرسة لتجاوز أمريكا الأزمة الصحية-الاقتصادية الخانقة التي بدأت تعاني منها، نتيجة لانتشار وباء كورونا، والتي تفاقمت مؤخرا، وتكاد تؤدي إلى ركود اقتصادي قاتل... يتسبب في تدهور مكانة أميركا واضعافها أكثر. وذلك هو الأمر الأهم في بداية عهد الرئيس جو بايدن. ولنا أن نتخيل "تبعات" هذه الأزمة الصحية الاقتصادية، وما ينجم عن هذه التبعات من معاناة اقتصادية خطيرة، بالنسبة للولايات المتحدة، ولغيرها.

    وعندما نتساءل: ما هي أهم ملامح السياسة الأمريكية، الداخلية والخارجية، لحكومة جوزيف بايدن؟!  فانه يمكننا الجزم بأن الهم الداخلي لحكومة بايدن له الأولوية الأولى على كل ما عداه، كما أشرنا. فترتيب البيت من المنطقي أن يأتي أولاً، في كل الأحوال. لذا، فإن إدارة بايدن ستظل تركز جهدها الأكبر على الداخل، فهي ترث إرثاً كبيراً من المشاكل والأزمات. ولا شك، أن التعامل مع تبعات جائحة كورونا، والتي لم تتمكن إدارة ترامب من تجاوزها، جزئيا أو كليا، ستكون لدى إدارة بايدن أولوية الأولويات. وهو اهتمام في محله. فإن لم تحل هذه الأزمة تمامًا، فستنتج عنها غالبًا عدة أزمات وكوارث ومشاكل، منها: الكساد، إفلاس الشركات الكبرى، البطالة، تفاقم الفقر، الضعف على الساحة الدولية... الخ. لهذا، فإن إدارة بايدن تولي هذا الملف جل اهتمامها. وقد بادر بايدن، بعد ستة أيام من انتخابه، بتشكيل فريقه لمكافحة كورونا.

                           ****

  أما على المستوى الخارجي، وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فإن أجندة هذه الإدارة مليئة أيضًا بمواضيع شائكة وقضايا كبرى ساخنة. ومن تحليل الأحداث المعنية وتوجهات واهتمامات إدارة بايدن، يمكن القول بأن: سياسة أميركا المتوقعة، تجاه المنطقة العربية، أي نحو الوضع العام بالمنطقة متجليًا في قضاياها الأهم، هي كالتالي، مرتبة ترتيباً تنازلياً (حسب الأهمية) الأكثر أهمية، فالأهم:

*-محاربة ما تسميه أميركا بـ "الإرهاب": إن الحرب على الإرهاب، بهذه المنطقة، سيظل هدفًا أمريكيًا، في السنوات الأولى (على الأقل) من تولي بايدن للسلطة.

 *-الوضع السياسي المضطرب والملتهب في كل من: سوريا، اليمن، ليبيا، وغيرها. ويحتمل أن نشهد محاولات أمريكية جادة لإنهاء هذا الاضطراب، خاصة بعد أن عينت أميركا مبعوثًا خاصًا لكل من هذه الدول.   

 *-الملف النووي الإيراني: ستواصل إدارة جو بايدن الضغط الأمريكي على إيران ... للحيلولة دون امتلاكها لسلاح نووي. ويتوقع البعض إبرام اتفاق نووي جديد مع إيران، بضمانات إيرانية أكبر. كما يتوقع البعض الآخر عودة أمريكا إلى نفس الاتفاق الذي عقد بين إيران، ومجموعة 5+1، عام 215م.  ويبدو أن إدارته لا تستبعد الخيار العسكري تجاه إيران، على الأقل في المدى الطويل. وهذه الإدارة قد تؤيد قيام إسرائيل بشن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية... موفرة غطاءً سياسياً لهذا الهجوم. وستقف القوات الأمريكية بالمنطقة على أهبة الاستعداد... للرد على أي "رد فعل" إيراني عسكري ضدها. وفي هذه الحالة ستدخل أمريكا الحرب بادعاء أنها أجبرت على دخولها... دفاعاً عن النفس؟! وربما تتبنى إدارة بايدن هذا الخيار لاحقًا، إن فشلت محاولات التفاهم الدبلوماسي مع طهران.

  وقد أعلنت إدارة الرئيس بايدن، على لسان وزير الخارجية الأمريكي الجديد، انتوني بلينكن أن أميركا ستعود للاتفاق النووي مع إيران على أن يتضمن نقطتين إضافيتين، هما: أن يشمل الاتفاق وقف تطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأن تغير إيران من سياساتها الإقليمية الحالية. ولكن إيران ترفض كل ذلك، وتدعو أميركا للعودة إلى الاتفاقية، دون أي شروط إضافية.

                        ****

*-قضية الصراع العربي – الإسرائيلي: وهذا الاهتمام يأتي – كما نرى – في المرتبة الرابعة على سلم أولويات سياسة بايدن بالمنطقة، رغم إن تسوية الصراع العربي– الإسرائيلي تستحق أن تكون على رأس أولويات أي رئيس أمريكي، لما يسببه استمرار هذا الصراع من توتر إقليمي ودولي خطير. ولكن الشواهد تشير إلى أن هذه القضية ستحتل مرتبة متأخرة في قائمة الأولويات بالمنطقة العربية، رغم ما ترتكبه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. وذلك يعني المزيد من المعاناة للفلسطينيين، والمنطقة. وقد استعد الصهاينة لمقاومة أي ضغوط من إدارة بايدن في اتجاه حل الدولتين...؟! وذلك رغم أن بايدن من أشد مؤيدي الصهيونية، ولا يتوقع أن يمارس ضغوطًا تذكر على الكيان الصهيوني، لقبول حل الدولتين المجمع عليه عالميًا، خاصة بعد تطورات العلاقات الإقليمية الأخيرة.

*-ما يسميه الديمقراطيون الأمريكيون بقضية "الإصلاح" وحقوق الإنسان بالمنطقة: ستثار بزخم أكبر، في المستقبل القريب، كما يبدو.

                               ****

السياسة الأمريكية بالمنطقة: الأهداف والوسائل:

   ولأهمية السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، وتأثيرها الكبير في مجريات الأحداث السياسية بالمنطقة، نحاول هنا إلقاء المزيد من الضوء على هذه السياسة، مستخدمين أحد المداخل العلمية لفهم هذه السياسة، فهمًا منهجيًا وعلميًا. فهناك "مداخل" مبسطة، تساعد على فهم "السياسة"... والسياسة الخارجية لأي دولة بصفة خاصة. ومن ضمن هذه المداخل اعتماد تعريف "السياسة الخارجية" (لأي دولة) بأنها: الأهداف التي تسعى تلك الدولة لتحقيقها خارج حدودها – أو تجاه جزء أجنبي معين من العالم– و"الوسائل" (الاستراتيجية) التي تتبعها...لتحقيق تلك الأهداف.

  لذا، فعندما نحاول معرفة السياسة الخارجية لدولة ما معينة تجاه جهة، أو منطقة خارج حدودها، فإنه يمكن تلمس "الأهداف" المبتغاة، و"الوسائل" المتبعة، للوصول إليها. ومجموع ذلك هو: سياسة تلك الدولة نحو الجهة المعنية. وكثيراً ما يكون هناك تداخلاً بين الأهداف والوسائل... مما يجعل من الصعب أحياناً التمييز بين الغاية والوسيلة. وسنتبع هذا المدخل المبسط لمعرفة أهم ملامح السياسة الأمريكية الحالية نحو العالم العربي، بصفة عامة، ومنطقة الخليج بصفة خاصة.

                             ****

    يمكن القول إن: "أهداف" السياسة الأمريكية نحو المنطقة العربية ظلت شبه ثابتة منذ بدء تفعيل هذه السياسة عام 1945م. أما " الوسائل"، التي تتبعها أمريكا لتحقيق هذه الأهداف، فهي تتغير من فترة لأخرى. وبعض الأهداف الأمريكية الحالية تتعارض– عندما تتطرف-مع بعض الأهداف العليا للأمة العربية والإسلامية... ويمكن إدراك هذه الحقيقة فور القيام بتحليل موضوعي سليم لمضامين هذه الأهداف والوسائل. ومعروف أن صداقة حقيقية، وتعاون إيجابي، بين أي طرفين، لن تنشأ إلا إذا أصبحت أهدافهما ووسائلهما تضمن تحقيق مصالح مشتركة لشعوب الطرفين معًا.

                            ****

   وهناك، ولا شك، عدة أهداف رئيسة لهذه السياسة الأمريكية. وقد قام عدة كتاب أمريكيين وغيرهم، بمحاولة تصنيف وترتيب أهم هذه الأهداف، بحسب الأولوية والأهمية التنازلية، في نظر معظم الساسة الأمريكيين، لتصبح كما يلي:

1-ضمان وصول النفط العربي إلى الولايات المتحدة بخاصة، عند الحاجة، وإلى حلفائها بصفة عامة، بأقل تكلفة ممكنة. وبما أن الولايات المتحدة قد أصبحت مكتفية ذاتيًا من النفط، بل ودولة مصدرة له، فإنها لا تحتاج إلى نفط المنطقة، لذاتها. هي الآن تحتاجه لحلفائها، وتحتاج للتحكم في تدفقه لخصومها...

  ولعل أهم وسائل تحقيق هذا الهدف (الأول) العمل للحيلولة دون أن يصبح العالم العربي المورد الوحيد للطاقة، التي يحتاجها الغرب، لما في ذلك من "خطورة" على المصالح الغربية – كما يقولون. فالولايات المتحدة وحلفاؤها يسعون دائماً نحو تنويع مصادر النفط، والبحث عن بدائل أخرى للنفط، ومنها ما يعرف بالنفط الصخري، ورفع المخزون النفطي الاستراتيجي...الخ. إضافة إلى التلويح أحيانا باستخدام القوة المسلحة، إذا تعرضت "المصالح" الأمريكية لـ "الخطر"، أو أوقفت إمدادات النفط.

                          ****

2-ضمان علاقة سلمية وطيدة مع دول المنطقة، لتحقيق المصالح الأمريكية المتنوعة بها.

3-إبعاد المناوئين للغرب عن المنطقة، ومحاولة تقليص أي نفوذ لهم بها، إلى أدنى حد ممكن.

4-مكافحة التطرف و"الإرهاب".

5-ضمان بقاء ورفاه وهيمنة إسرائيل بالمنطقة.

                               ****

  وتتبع أميركا لتحقيق الأهداف الثاني والثالث والرابع، الوسائل التالية

- إبعاد القوى المتطرفة والمعارضة لأمريكا عن المنطقة، وعن السلطة فيها.

- التعاون مع دول المنطقة في مكافحتها للإرهاب والتطرف، واستخدام كل الوسائل الممكنة، بما فيها القوة، في محاربة الجماعات المتطرفة.     

- تسليط الضوء على الأخطار المتوقعة على المنطقة، إلى حد المبالغة أحياناً.

 - التواجد السياسي والعسكري الأمريكي المكثف بالمنطقة، وحولها. هذا إضافة للحشد العسكري الأمريكي بالمنطقة، من حين لآخر، وتكوين تحالفات محلية موجهة ضد مناوئ سياساتها.

                          ****

   أما لتحقيق الهدف الخامس، وهو: ضمان بقاء ورفاه وهيمنة إسرائيل، فإن الولايات المتحدة تقوم– كما هو معروف – بدعم إسرائيل مادياً ومعنوياً، دعماً كاملاً. وتقدم مصلحة إسرائيل على ما عداها، بما في ذلك المصالح الأمريكية في كثير من الحالات. بل أن الولايات المتحدة كثيرًا ما تشن حروبًا ساخنة وباردة نيابة عن إسرائيل.

                             ****

    ويلاحظ اتصاف هذه الأهداف والوسائل بخاصيتي الترغيب والترهيب، وتمحورها حول ثلاثي "النفط – الإسلام – إسرائيل". وهناك أهداف أخرى، دينية وثقافية واجتماعية...الخ.  ولكنها أقل أهمية من الأهداف الأهم المذكورة. وهذه الأهداف تعكس (ضمن ما تعكسه) التناقض التقليدي المعروف في السياسة الأمريكية نحو المنطقة. من ذلك أن الولايات المتحدة تلتزم بضمان بقاء وازدهار وسيطرة إسرائيل، وفي الوقت نفسه تسعى للاحتفاظ بعلاقات طيبة مع الشعوب العربية...

    ونترك للقارئ تحديد "مدى" نجاح هذه السياسة الأمريكية... أخذًا في الاعتبار مدى "تحقق" كل هدف في أرض الواقع، والـ " تكلفة" المادية والمعنوية، بالنسبة لأميركا، لما تحقق ويتحقق.

                                 ****

  أهم اهتمامات أمريكا العالمية الراهنة:

يمكننا القول بأن سياسة الديموقراطيين، بزعامة الرئيس جوزيف بايدن، والتي ستحكم أمريكا على مدار أربع سنوات قادمة، تتسم بسمات إيجابية وسلبية، بالنسبة لأمريكا والعالم.  وهذه الإدارة تسلمت حكم أمريكا وهي في أوج معاناتها من وباء كورونا، الذي أنهكها، وأضعف اقتصادها، ويكاد يزعزع من مكانتها العالمية، خاصة بعد تشكيك ترامب في نتائج انتخابات الرئاسة الأخيرة، والتي أسفرت عن فوز كاسح لبايدن. وكان كثير من المراقبين السياسيين الأمريكيين يعتبرون جورج بوش الابن أسوأ رئيس مر على أميركا في هذا العصر، ولكنهم الآن يعطون هذا الوصف، وبما يشبه الإجمـــــاع، لدونـــالد ترامب.  

لقد لفقت إدارة ترامب عدداً من الأكاذيب الصارخة المعروفة... واتخذتها كـ " ذرائع " لتجاوز المؤسسات والقوانين والأعراف الدبلوماسية. وقد نجم عن ذلك الكثير من الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بأميركا. وقد أسهمت سياسات ترامب في فقدان الحزب الجمهوري رئاسة أميركا، وتمهيد الطريق لفوز بايدن بهذا المنصب.  

                            ****                       

      وإن سلم المراقبون بأن الرئيس ترامب كان– بصفة عامة -" أسوأ " رئيس مر على أمريكا حتى الآن، فإن العالم يتطلع الآن إلى الرئيس " جو بايدن" ... راجيًا ألا ينافس ترامب على ذلك المركز، ويتراجع عن بعض وعوده " الانتخابية " غير المناسبة. 

      وقد أوجزنا أعلاه ما يعتقد أنه أهم ملامح السياسة الأمريكية القادمة بمنطقة الشرق الأوسط، وأهم القضايا الداخلية التي توليها إدارة بايدن الأولوية. وعلى المستوى العالمي، نجد أن أجندة سياسة إدارة بايدن، تمتلئ أيضا بمواضيع خطرة وقضايا كبرى ساخنة. ومن تحليل الأحداث المعنية وتوجهات واهتمامات هذه الإدارة (حتى الآن – مارس 2021م) يمكن القول بأن: أهم القضايا، بالنسبة لهذه الإدارة، على المستوى الخارجي بعامة، تهدف لتكريس هيمنة أمريكا على النظام العالمي، عبر تقوية الذات الأمريكية اقتصاديًا وسياسيًا، واضعاف المنافسين، أو تحجيمهم. وسيتجلى ذلك في القضايا التالية، المرتبة ترتيباً تنازلياً (حسب الأهمية):

أولاً: العلاقات الأمريكية – الصينية: تعتبر الصين ثاني أكير اقتصاد عالمي بعد أميركا. ولعلها الآن المنافس الأول لأمريكا. وهي أكبر مصدر للسلع للولايات المتحدة، وأكبر دائن. والعلاقات الثنائية بين البلدين كثيرًا ما يسود فيها الصراع على التعاون. ومعروف، أن من أهم عوامل الصراع بين أميركا والصين هي: المسألة التايوانية، ورعاية الصين لكوريا الشمالية، والتواجد العسكري الأمريكي المكثف في بحر الصين الجنوبي. إضافة إلى التنافس الاقتصادي والتجاري الحاد، وسباق التسلح الصامت بينهما.

     وقد اتسمت تصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب بايدن الأخيرة عن العلاقات الأمريكية مع بكين بشيء من الشكوك، خاصة بعدما روج في الأوساط الأمريكية، في شهر ديسمبر 2020م، بأن الصين قد تكون وراء الهجوم السيبراني الذي طال عدة مؤسسات أمريكية حساسة.  وإن ثبت هذا، فانه سيزيد في توتر العلاقات بين هذين القطبين. فهذا الاتهام أثار استياء الصين وانتقادها. 

                              ****

ثانيًا-العلاقات الأمريكية – الروسية: سيتم فتح ملف العلاقات الروسية – الأمريكية من جديد، ومحاولة لجم الدب الروسي... ومعروف أن إدارة ترامب تسببت في توتير العلاقات الغربية مع روسيا... بإصرارها على إقامة ما يعرف بالدرع الدفاعي الصاروخي على مشارف الحدود الغربية الروسية...  بحجة حماية أوروبا وأمريكا من هجمات صاروخية قد تشن من إيران، أو كوريا الشمالية ...؟! ولكن الهدف الحقيقي لذلك المشروع، كان – وما زال – محاصرة روسيا عسكرياً وصاروخياً... وهو الأمر الذي ترفضه روسيا، وتعمل جاهدة على إفشاله، ومواجهته. إضافة إلى رفض روسيا العقوبات الغربية ضدها، بسبب قضيتي أوكرانيا وشبه جزيرة القرم. إضافة إلى خلافات الطرفين حول الوضع السوري.

                                ****

 ثالثًا -تحسين وتطوير العلاقات الأمريكية مع أمريكا اللاتينية (البوابة الخلفية لأمريكا) ... تلك العلاقات التي تهم أمريكا كثيراً، والتي تأثرت هي الأخرى، بالسلب من مواقف ترامب أثناء رئاسته، وما صرح به تجاه بعض القضايا الحيوية التي تهم تلك القارة بعامة، والمكسيك الجارة على وجه الخصوص، وبناء سور على حدودها لوقف هجرة المكسيكيين، كما طالب ترامب في حملته الانتخابية. ولكن سيتم التشدد ضد هذه الهجرة.

رابعًا: الاهتمام بقضايا التغيرات المناخية المتوقعة:

خامسًا -محاولة التوسع في نشر النفوذ الأمريكي في إفريقيا... وتقليص النفوذ الصيني المتزايد في هذه القارة، التي تخضع الآن لمطامع دولية مختلفة، ومحاولات بسط نفوذ واسعة ....

سادسًا -دعم "حلف الناتو" وتقوية علاقات أمريكا بحلفائها الأوروبيين، وخاصة بريطانيا. ويشمل هذا البند تطوير وتحديث ترسانة أسلحة الدمار الشامل بالولايات المتحدة.

                              ****      

وهناك، ولا شك، قضايا أخرى هامة. ولعل ما ذكر هو أهم القضايا الخارجية بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة. ويلاحظ أن القضايا العربية والإسلامية، التي تطرقنا لأهم ملامحها، هي التي تمس مباشرة – بالطبع -العالمين العربي والإسلامي. وأي تطور سلبي يحدث في هذه القضايا سيلحق ضررًا بشعوب العالمين العربي والإسلامي. وذلك قد يفاقم من العلاقات المتوترة أصلاً بين هذين الطرفين. وقد يقدم الرئيس الأمريكي "جوزيف بايدن" على اتخاذ سياسات إيجابية تجاه العرب والمسلمين، ويمد جسور تفاهم حقيقي معهم. ولكن أغلب المؤشرات حتى الآن لا تدعو لكثير من التفاؤل.

مقالات لنفس الكاتب