العدد 161

الانقلاب الحوثي يدمر البنية التعليمية ويحول الجامعات إلى ثكنات عسكرية

السبت، 01 أيار 2021

قبل نحو 15 سنة، كانت لنا فرصة المشاركة في مؤتمر علمي دولي كبير في اختصاص الرياضيات، أشرفت عليه أعلى السلطات اليمنية واحتضنته جامعة صنعاء التي كانت تعجّ بالطلبة والطالبات المتعطشين إلى العلم والالتقاء بالعلماء. وكان ضيف الشرف في المؤتمر العالم المصري الشهير الجيولوجي فاروق الباز الذي عمل في وكالة "ناسا" الفضائية، وكان أيضًا خلال تلك الفترة يتعاون رسميًا مع الحكومة اليمنية لبعث البحث العلمي في البلاد. ونذكر أيضًا أثناء انعقاد المؤتمر أن مؤتمر تعاون إقليمي مع الجيران الأفارقة كان قائمًا في صنعاء جمع قادة إريتريا والصومال وجيبوتي واليمن. لقد ترك هذا النشاط العلمي والسياسي آنذاك لدى المشاركين في المؤتمر العلمي انطباعًا طيّبًا حول مستقبل اليمن في مجال التربية والتعليم والنهوض بالبحث العلمي. لكن الرياح جرت بما لم تشته السفن، وتعفّن الوضع السياسي بعد ذلك بسنوات، وذهبت تلك الجهود سدى.

       

  1. الجامعات في مرمى القذائف

        ففي سبتمبر 2014م، اضطرت ثلاث جامعات -هي جامعة صنعاء وجامعة الإيمان وجامعة العلوم والتكنولوجيا-في العاصمة اليمنية إلى غلق أبوابها حتى إشعار آخر، بعد اندلاع اشتباكات عسكرية في صنعاء. وكذلك فعلت وزارة التربية والتعليم حيث علّقت الدراسة في جميع المدارس بالمدينة. والسبب هو أن جلّ المؤسسات التعليمية كانت في مرمى القذائف، منها ما سقط داخل حرم جامعة صنعاء على مقربة من الحي السكني للأساتذة. وقد تسبب ذلك في خسائر مادية اضطر من جرائها عديد الأساتذة في السكن الجامعي إلى مغادرة بيوتهم للجوء عند الأقارب والأصدقاء في المدينة. كما عاد عدد منهم إلى قُراهم ومدنهم الأصلية خوفاً من استمرار العنف.

ذلك ما دفع برئيس جامعة صنعاء، إلى إيقاف كل الدروس والمحاضرات لحماية أرواح الطلاب والأساتذة مصرّحًا أن “الجميع مسؤول عن كل قطرة دم...”. كما ناشد نائب عميد كلية الإعلام بالجامعة الجميع قائلا: "أطالب جميع القوات والأحزاب السياسية باختيار مكان آخر للنزاع بعيدًا عن المدارس والجامعات والمناطق السكنية. لقد دبّ الخوف والرعب بين صفوف الطلاب والأساتذة وأولياء الأمور. الكثير يخافون من العودة للدراسة الآن".

لكن هذا النداء لم يكن له صدى وزاد وضع التعليم العالي سوءًا وتدهورًا بدءًا من عام 2015م، بعد أن عمّ العنف أرجاء البلاد. وتعرضت مبان جامعية كثيرة للقصف، بينما تحولت أخرى إلى ثكنات عسكرية. ولذا فالكثير من الطلاب في الجامعات اليمنية المختلفة -التي يفوق عددها 30 جامعة، ثلثها حكومية والبقية جامعات خاصة أنشئت في كبريات المدن-يعانون ماديًا ونفسيًا وصحيًا من العنف والدمار الذي حلّ بالبلاد خلال السنوات الست الأخيرة. كان الوضع خلال هذه الفترة غير آمن والسلاح منتشراً في كل مكان، وهو ما جعل بعض أولياء الأمر يمنعون أبناءهم وبناتهم من مواصلة الدراسة ومن الذهاب إلى الجامعة. كما أن جائحة كورونا زادت الطين بلة وجعلت العديد من الجامعات تتبنى التدريس عن بعد الذي لم تتوفر شروط نجاحه في البلاد.

        أما الباحثون فيشتكون في جلّ البلاد العربية من صعوبات مختلفة يواجهونها، لاسيما التجهيزات المناسبة لإجراء التجارب العلمية في المختبرات. وفي اليمن، يضاف إلى ذلك مشكلة الصراعات العنيفة في محيط الجامعات فيتعذر إنجاز بحوث جادة: كيف يمكن مواصلة البحث العلمي في الجامعات، أو مراكز البحث عندما يغيب الأمن وينقص التمويل ويصعب توفير الكهرباء وتشح المياه؟ ولذا كان الباحثون في اليمن يسعون خلال السنوات الأخيرة إلى السفر خارج البلاد لاستكمال مسيرتهم العلمية. ففي بعض الاختصاصات، مثل الزراعة، توقف البحث العلمي فيها تمامًا. وفي هذا السياق، تشير بعض الإحصائيات إلى أن 91% من الباحثين العاملين في الدول العربية يفضلون الهجرة. وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا الرقم أعلى بكثير في اليمن: كيف لا، والأساتذة وغيرهم من الموظفين الحكوميين يعانون من مشكلة تأخر تسديد أجورهم لشهور طويلة.

        تشير إحصاءات وزارة التعليم إلى أن أكثر من 43 مركزًا علمياً حكوميًا تابعًا للجامعات اليمنية توقف عن العمل نتيجة التعرض لدمار جزئي، وهذا فضلا عن غلق نحو 15 مركزًا بحثيًا مستقلاً بسبب توقف دعم المنظمات الدولية. كما تعرض بعضها للاقتحام من قبل المجموعات المسلحة. وتوقفت العديد من المؤسسات البحثية الوطنية عن العمل. ومن تلك الهيئات مركز الدراسات والبحوث الذي أنشئ بصنعاء عام 1979م، وكان مركزًا نشيطًا في إنتاج الأبحاث قبل الحرب، لكنه توقف عن النشاط خلال الحرب بعد توقف ميزانيته تماماً بما في ذلك أجور موظفيه. كما توقف المركز اليمني لقياس الرأي، وذلك جراء اقتحامه من قبل الحوثيين، حسب تصريح مديره. ومن الجامعات التي أغلقت أبوابها أيضًا بسبب الحرب جامعة السعيد الخاصة في تعز بعد اشتداد المعارك والقصف على المدينة.

        ومن الطبيعي أن يتسبب القصف في تدمير المنشآت الاقتصادية وقطع مصادر دخل الأسرة وإيقاف تسديد الأجور، مما يضطر آلاف الأسر إلى التوقف عن إرسال بناتهم للمدارس والجامعات لحمايتهن، وأيضاً لتوفير نفقات تعليمهن.

 

  1. الهجرة هي أحد الحلول

        ومن الباحثين الذين لم يتمكنوا من مغادرة البلاد من كان يخصص جزءًا من راتبه لاقتناء مستلزمات البحوث من أدوات وتجهيزات، وهذا لنقص التمويل. فهذه مثلا باحثة افتتحت مختبراً صغيراً لتربية حيوانات التجارب، بعد أن حصلت على دعم مالي متواضع من مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة، التي تُعنى بتشجيع الشباب اليمني على البحث العلمي. غير أن حيوانات التجارب نفقت وتلفت العيّنات البحثية،

        وهذه إحدى الباحثات في الكيمياء الحيوية بجامعة صنعاء تروي مغامرتها حيث استطاعت قبل سنتين مغادرة اليمن عبر السودان إلى جامعة أوروبية رغم توقف حركة الطيران. وقد تمكنت من أن تأخذ معها عينات النباتات التي تعمل عليها رغم وجوب الحصول على شهادات من السفارات الأجنبية في صنعاء التي كانت مغلقة جراء الحرب القائمة. ومن شأن تلك الشهادات إثبات أن العينات خالية من الأمراض والفطريات والمواد السامة. وهذه المعاناة مسّت أيضًا طلاب الماجستير والدكتوراه الذين يجرون أبحاثا ميدانية (كما هو الحال في حقل علوم الأرض) فاضطر الكثير منهم إلى تغيير مواضيع البحث لتكون مواضيع نظرية لا تلزمهم بالدراسات الميدانية.

        أما وجهة هجرة الباحثين والأكاديميين اليمنيين فهي مرتبطة بنوع اختصاصاتهم، غير أن أغلبهم يقصدون مصر والأردن والسودان وتركيا. بينما اتجه العديد منهم نحو أوروبا كلاجئين، ومعظمهم لم يتمكن من العمل في مجال البحوث. والمؤلم أن جلّ هؤلاء يصعب عليهم العودة إلى اليمن حتى بعد استتباب الأمن، فأصبحوا يفضلون أي عمل في بلد آمن (مثل العمل في محطات الوقود...) بدل العودة إلى الديار.

        ومن المفارقات أن آلاف اليمنيين (نحو 6 آلاف نسمة) نزحوا إلى الصومال، وهم يستفيدون من مساعدات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لمزاولة دراستهم في مختلف المستويات، وهذا بعد الوقت الذي كان فيه النزوح في الاتجاه المعاكس بين الصومال واليمن!  وبحسب ما ذكرته وكالة الأمم المتحدة للاجئين، فقد عاد 35 ألف لاجئ صومالي من اليمن إلى بلدهم. أما العدد الإجمالي للاجئين اليمنيين في الخارج فيقدّره البعض بمليون مهاجر.

        وعلى كل حال، تؤكد العديد من التقارير أن المئات من أساتذة الجامعات الخاصة والحكومية على حد سواء قد هجروا بلادهم للعمل في أماكن أخرى. ومن المؤسسات العالمية التي تساعد الباحثين اليمنيين على الهجرة والالتحاق بمراكز بحث وجامعات غربية نجد مؤسسة "علماء في خطر"، وهي منظمة أمريكية تهدف إلى مدّ يد المساعدة إلى العلماء اللاجئين. وهناك أيضًا "صندوق إنقاذ الباحثين" و"مجلس أكاديمية المخاطر" البريطاني وغيرهما. ومع ذلك، يقارن بعضهم وضع الباحث اليمني داخل اليمن وخارجه ويؤكد أن الوضعين متشابهان: فالأعباء المالية في الخارج باهظة جدًا والصعوبات القانونية للإقامة والدراسة لا تنتهي.

        والجدير بالإشارة أن التواصل مع المراكز البحثية في الخارج أو التعاون مع باحثين آخرين شبه مستحيل للباحثين داخل اليمن نتيجة الحصار المفروض على البلاد وصعوبة الاتصال وتحويل الأموال. وفي هذا السياق، يقول تقرير صادر عن شبكة "علماء في خطر" إن خمس سنوات من الحرب دمرت التعليم العالي في اليمن حيث قُتل وجُرح عدد معتبر من الطلاب والباحثين وغيرهم من موظفي الجامعات. كما تمّ تدمير الجامعات والمكتبات والمواقع الثقافية والبُنى التحتية الأخرى.

         

  1. التكاليف تُثقل كاهل المؤسسات والعباد

        قبل سنتين، قال عميد كلية اللغات بجامعة المستقبل الخاصة في صنعاء، أن أكثر من نصف طلاب جامعته ترك المؤسسة. فقامت الجامعة بخفض الرسوم الدراسية بأكثر من 30%، وسمحوا للطلاب بالدفع على أربعة أقساط بدلاً من اثنين. لكن الكثير من هؤلاء الطلاب كانوا غير قادرين على تسديد المبلغ المستحق. كما قامت الجامعة بخفض رواتب الأساتذة بنسبة 40% لمواجهة وضعها المالي المتردي... ومع ذلك، تتأخر هذه الرواتب كثيرًا في جلّ الجامعات.

        ومن المحاولات التي بادرت بها بعض الجامعات الخاصة، أنها قدمت عروضًا وتخفيضات للطلاب بخصم نسبة من الرسوم تراوحت بين 30 و40 % في حالة الدفع الفوري للرسوم، غير أن ذلك لم يكن حلاً لجميع الطلاب. وهذا الوضع أدى بكثير من الطلاب إلى هجرة الجامعة. فعلى سبيل المثال، في أحد الجامعات الخاصة بمدينة تعز، تخلى أكثر من نصف الطلاب عن الدراسة في الجامعة.

        ومن جهة أخرى، عطلت المشاكل المرتبطة بالتمويل والنقل تعليم العديد من الطلاب. فحتى الطلاب الذين لم يفقدوا أفرادًا من أسرهم بسبب الحرب تأثروا بالتضخم الذي حدث في أسعار المواد الغذائية والبنزين. وبصفة عامة، يشكو طلاب الجامعات الخاصة من ارتفاع الرسوم الجامعية في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية واستمرار انتشار جائحة كورونا. فقد حددت الجامعات الخاصة رسومها بالدولار وتسمح للطلاب بالتسديد بالريال اليمني وفق سعر صرف تحدده إدارة الجامعة، ويعجز غالبية الطلاب عن تسديده.

ومن المعلوم أن طلاب الجامعات الحكومية يدفعون رسوماً دراسية أقل بكثير مما يدفعه طلاب الجامعات الخاصة، لكن تكاليف النقل تزايدت وأصبحت باهظة، ويصعب أن يتحملها جيب الطالب الجامعي. ولتخفيض مصاريف النقل، فمن الطلاب من لجأوا إلى التعاون في هذا الباب حيث يتنقل كل منهم خلال أيام معينة إلى الجامعة، ثم يتبادل مع زملائه دفاتر الدروس. ومشكل النقل يشتكي منه أيضًا الأساتذة الذين لا يلتحقون بالجامعة بسببه. زد على ذلك أن عدم الاستقرار يجعل كل مواطن يخشى على حياته التي قد يفقدها وهو داخل مركبة النقل، أو في مباني الجامعة، أو في الشارع. والمشكل المالي يلاحق بطبيعة الحال حتى أولئك الذين استطاعوا المغادرة إلى بلد آمن حيث توقفت المنح الدراسية الحكومية وإعانة الأهالي لم تعد كافية.  

        يذكر أحد طلاب جامعة تعز أن رسوم الدراسة بلغت نحو 2500 دولار، ولم يدفع منها حتى الآن سوى 250 دولارًا، ذلك أن جزءا منها كان يأتيه من الخارج، لكن ساءت الأوضاع مع جائحة كورونا في العالم والحرب في اليمن فأنقطع ذلك المبلغ. ويتراوح متوسط أسعار الرسوم الدراسية في الجامعات الخاصة ما بين 750 دولار للعلوم الإنسانية والإدارية، و4 آلاف دولار لطب الأسنان، و2550 دولار للصيدلة، و1800 دولار للمختبرات الطبية، و1550 دولار لتقنية المعلومات وعلوم الحاسب.

        وللمقارنة، نذكر أن البنك المركزي في صنعاء حدّد عام 2014م، سعر الدولار بـ 250 ريال يمني، وتمّ العمل به حتى عام 2017م. وبعد انتقال البنك المركزي إلى مدينة عدن، بدأ تحرير سعر الصرف، حيث يتراوح هذا السعر في الجامعات الخاصة بين 400 و500 ريال. ومن جهة أخرى، يختلف سعر صرف الدولار من مدينة إلى أخرى في اليمن. ففي الوقت الذي حددت فيه الجامعات الخاصة في تعز سعر صرفه بـ 400 ريال، حددت جامعتَا عدن وحضرموت سعره بـ 500 ريال. كما تفرض بعض الجامعات الخاصة على الطلاب في عدن الدفع بالدولار مباشرة، وذلك ما يجعلهم يلجؤون إلى السوق السوداء التي بلغ سعر الصرف فيها 820 ريالاً للدولار الواحد!

        تذكر بعض التصريحات الرسمية، منها تصريحات وزير التخطيط والتعاون الدولي، أن الاقتصاد اليمني تكبّد خلال السنوات الخمس الماضية خسائر تُقدّر بنحو 88 مليار دولار. ومن تداعيات ذلك تردي قيمة الريال اليمني التي تراجعت بنسبة 180%، وهو ما أثر بقوة على مصاريف الدراسة في الجامعات اليمنية، لاسيما الخاصة منها، وجعل الطلاب يطالبون بتخفيض سعر صرف الرسوم، لكن بدون جدوى. فقد تجاوز سعر صرف الريال في البنك المركزي اليمني حاجز الـ 520 ريال للدولار الواحد. وبهذا الخصوص، أجاب مدير إحدى الجامعات الطلاب المحتجين بأن "التعليم سلعة كغيره من السلع التجارية، يخضع لنظام السوق الحرة؛ والجامعة الخاصة هي شركة تجارية تهدف إلى الربح ولا تستطيع تحمل فرق العملة"!

        أما وزارة التعليم العالي في عدن فتتبرأ من هذه القضية، وتؤكد أن دورها يكمن في الإشراف على تنظيم العلاقة بين الجامعات والطلاب ولا يكمن في تنظيم أسعار الرسوم الدراسية بشكل عام في الجامعات الخاصة، بل إن تلك الرسوم تعتمد على مستوى الدراسة في الجامعة ونوع التخصص والخدمات المقدمة.” ومع ذلك، يدعو وزير التعليم العالي الجامعات الخاصة مراعاة ظروف الطلاب، في الوقت الذي يتفهم فيه طبيعة شكوى الجامعات من ارتفاع تكاليف التشغيل وسعر صرف الدولار.

        من الطبيعي، والوضع على هذا الحال، أن يشعر الطلاب، حتى في المناطق التي تعرف بعض الاستقرار والأمان، بالإجهاد والتعب النفسي. ففي جامعة صنعاء الحكومية التي يعتبر محيطها آمنا إلى حد معيّن، يُقدَّر عدد الطلاب الذين هجروا الدراسة بنسبة 20% من مجمل الطلاب المسجلين في هذه الجامعة والبالغ 85 ألف طالب.

       

  1. جامعات تقاوم آثار الحرب

        الجامعات الحكومية في اليمن هي: جامعة صنعاء، جامعة عدن، جامعة تعز، جامعة حضرموت جامعة ذمار، جامعة إب، جامعة البيضاء، جامعة الحديدة، جامعة حجة، جامعة عمران، جامعة سيئون. ومن الجامعات الخاصة، نذكر جامعة الأندلس للعلوم والتقنية، جامعة الملكة أروى، جامعة العلوم والتكنولوجيا، جامعة سبأ، الجامعة البريطانية في اليمن، الجامعة اليمنية الأردنية، الجامعة اللبنانية الدولية، جامعة الأحقاف، الجامعة العربية للعلوم والتقنية، معظمها موجودة في المدن الكبرى.

        وجامعة صنعاء هي أول جامعة حكومية افتتحت في اليمن. كان ذلك سنة 1972م، وتلتها جامعة عدن سنة 1975م، تضم حالياً أكثر من 124 تخصصاً وشعبة علمية، ويدرس فيها ما لا يقل عن 85 ألف طالب وطالبة. وفضلا عن ذلك، تم إنشاء عدد من المراكز الأكاديمية المتخصصة وألحقت بالجامعة. كما رأت النور العديد من الكليات الفرعية التابعة لها في عدة مدن أخرى حيث تحوّل البعض منها، عبر السنين إلى جامعات مستقلة. والآن أصبحت جامعة صنعاء تتكون من 22 كلية: 12 منها في المركز الرئيسي بصنعاء، و10 كليات في مدن أخرى. وقد انطلقت الجامعة في مطلع الثمانيات في منح الشهادات الجامعية العليا (الماجستير والدكتوراه) في العديد من التخصصات.

        ومن الجامعات الخاصة الشهيرة في اليمن جامعة العلوم والتكنولوجيا غير المختلطة التي تأسست عام 1994م، ولهذه الجامعة فروع في صنعاء (حيث مقرها الرسمي) وعدن وتعز وحضرموت والحديدة وإب. ويقارب عدد طلابها الملتحقين بجميع فروعها، 20 ألف طالب. وتفتخر الجامعة بكونها تحتل المرتبة الـ 117 في تصنيف الجامعات العربية، وهي تتكون من 7 كليات، (الطب، العلوم الصحية، الهندسة، طب الأسنان، الصيدلة، العلوم الإدارية، الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات، التعليم المفتوح).

        وكانت الجامعة قد حصلت على جائزة الاستثمار لعام 2009م، من قبل الهيئة العامة للاستثمار كأفضل جامعة خاصة في اليمن؛ وفازت أيضًا بجائزة التميّز والإبداع في التعليم المفتوح للعام 2011م، على مستوى الجامعات العربية. ومن المعلوم أن الجامعة أعدت استراتيجيتها الخمسية الثانية 2018-2022م، وتمّ اعتمادها والعمل بها رغم تداعيات الحرب الدائرة على الحياة الجامعية والمناخ العام الذي لا يشجع البحث ولا التحصيل العلمي.

        ومن أبرز الجامعات الخاصة أيضًا جامعة الأندلس للعلوم والتقنية التي تُعدّ من أوائل الجامعات الأهلية العاملة في اليمن حيث تأسست عام 1994م، لكنها لم تفتح أبوابها إلا عام 2003. ورغم الظروف التي تمرّ بها اليمن في الوقت الراهن، فقد نجحت الجامعة في القيام بدور فعال في التعليم العالي، بل إنها استطاعت القيام بالعديد بالأنشطة العلمية حتى خلال ظروف الحرب الصعبة، مثل تنظيم المؤتمر العلمي الثاني للعلوم الإنسانية والاجتماعية. كما حصلت مجلة الأندلس التي تصدرها الجامعة باستمرار على معيار التأثير العربي (أرسيف) والخاص باتحاد الجامعات العربية.

        ورغم الوضع الأمني العام، تواصل مثل هذه الجامعات مواجهة الظروف القاسية التي تعيشها منذ سنوات. فهذه جامعة حضرموت تنظم يوم 15 مارس 2021م، المؤتمر الدولي الأول للهندسة والتكنولوجيا، وكذا المؤتمر الأول للعلوم الأساسية والتطبيقية والتقنية تحت شعار "الإبداع في العلوم والتكنولوجيا" وذلك بالاشتراك مع جامعة ماليزية بحضور وزير التعليم العالي. وكان المؤتمر يهدف إلى إبراز الثورة الصناعية الرابعة من خلال الابتكار والتميّز.

        وقد أكد السيد الوزير أن الحكومة تولي اهتمامًا كبيرًا بالبحث العلمي في الجامعات اليمنية، وبعقد اللقاءات الدورية من أجل تطوير التعليم الجامعي في اليمن. كما دعا الوزير بقية الجامعات اليمنية الحكومية والخاصة إلى تنظيم مثل هذه المؤتمرات الدولية التي من شأنها رفع قدرات الباحثين، وتبادل الخبرات الأكاديمية والعلمية بين اليمن وجامعات العالم. والجميل أن باحثين من 16 دولة في العالم استطاعوا المشاركة عن بعد في هذين المؤتمرين. ومن المزمع أن تحتضن هذه الجامعة مؤتمرات علمية مماثلة خلال شهر يوليو 2021م.

ذلك هو حال التعليم العالي في اليمن اليوم. ومما لا شك فيه أنه بمجرد أن تضع الحرب أوزارها ويستتب الأمن في هذه الديار، ستسترجع الجامعات اليمنية الخاصة والحكومية عافيتها وتحقق قفزة نوعية تجعلها تستدرك ما فاتها خلال سنوات الدمار.

مقالات لنفس الكاتب