العدد 161

التحرك فكريًا وإعلاميًا لإفشال مخطط إيران في اليمن ومحاصرة سرطانًا في دول الجوار

السبت، 01 أيار 2021

استطاعت ثورة الشعب الإيراني إسقاط الشاه محمد رضا بهلوي سنة 1979م، وكاد الإيرانيون أن يتنفسوا الصعداء، لولا الانقلاب الذي جرى على أهداف وغايات ثورتهم المنشودة، وكأغلب الثورات التي تبدأ بمطالب عادلة حقوقية واقتصادية، وشعارات شعبية جذابة...إلخ، وبعد الانتصار سرعان ما تتحقق مقولة الثائر الفرنسي جورج جاك دانتون: "إن الثورة تأكل أبناءها"، وهذا تماماً ما حصل مع ثورة الشعب الإيراني، فبعد معاناته مع حكم الشاه، سرعان ما جاء الخميني ليصادر الثورة ويطرح نظامه الجديد (الإسلامي السياسي) البديل عن الملكية، لكنه أخطر وأشد من نظام الشاه، إنه "نظام ولاية الفقيه"، فانتقل الحكم من الديكتاتورية إلى الاستبداد الديني.

 إيران ولاية الفقيه

وصل الخميني إلى طهران، قادماً من فرنسا، ومعه كل الدعم السياسي والزخم الشعبي والتطبيل الإعلامي، وسرعان ما استغل حضوره القوي في بسط سيطرته وتبديل شعار وأهداف ثورة الشعب الإيراني، ليعلن أن نظام إيران الجديد قائم ومستمدّ من الإسلام، وأطلق شعاره لا شرقية – أيْ لا توجه إلى روسيا-ولا غربية – أيْ لا توجه إلى أمريكا وبريطانيا-بل جمهورية إسلامية على أساس ولاية الفقيه، وأن دستور إيران الثورة سيستمدّ من المذهب الجعفري الاثني عشري، وفقاً للمادة 12و 72 من دستور إيران 1979 والمعدل 1989م.

 تصدير الثورة

لا شك أن الدولة العميقة في إيران تحنّ إلى عودة سيطرتها على دول المنطقة والتوسع في الإقليم من جديد، أي التوسع بأهداف وغايات قومية، لكن مع إيران الثورة الإسلامية لا يمكن ذلك أبداً، لأنه من غير الممكن الجمع بين الأهداف القومية والتوسعية تحت راية ومظلة الثورة الإسلامية، بقيادة الولي الفقيه الذي دعا منذ البداية إلى تصدير فكر ونهج ولاية الفقيه، على أنه المسؤول عن الأمة الإسلامية، ومعنيّ بمساعدتها والدفاع عنها تحت مسمى التضامن الإسلامي، وفقاً للدستور الإيراني مادة 11 ومادة 154 التي تقول بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في جميع أنحاء العالم، وهذا هو الباب المشروع لتصدير الثورة الإيرانية، ومن خلاله يسهل ويشرع التدخل في أيّ دولة تحت مسمى نصرة المستضعفين.

أطماع إيران واستغلالها للورقة الطائفية

أطماع إيران الفارسية في السيطرة على الدول العربية تاريخية، وإلى يومنا هذا هناك أراضٍ وجزر عربية تحت ظلّ الاحتلال الإيراني، بيد أنه في زمن نظام ولاية الفقيه، أي الحكومة الإسلامية الإيرانية تغيّر الأسلوب والعنوان، فمن خلال اللعب على أوتار الطائفية المقيتة وادعاء المظلومية، استطاعت إيران استقطاب علويي سوريا وبعض الشيعة العرب، وصولاً إلى بعض الزيدية في اليمن. عملت إيران الثورة للتصدي لشؤونهم بادعاء أنها مرجعيتهم، وعلى دعمهم والتدخل في شؤونهم، ثم تعبئتهم وتحريضهم ضدّ أوطانهم، مستغلّة البعد الطائفي الذي يعدّ من أهمّ الوسائل الخبيثة التي يتمّ به تحريض وتعبئة وتجنيد المخدوعين في مشروع إيران، بغية اختراق أوطاننا.

 الزيدية في دستور إيران

من يطّلع على دستور إيران الثورة يجد في المادة 12 منه " الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنى عشري، ويبقى هذا المبدأ قائماً وغير قابل للتغيير إلى الأبد. أما المذاهب الإسلامية الأخرى، التي تضمّ المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي، فإنها تتمتع باحترام كامل..." وما استوقفني هو ذكر المذهب الزيدي -ليس انتقاصاً منه أبداً، بل تخصيصه في الدستور الإيراني والاعتراف به رسميّاً مع المذاهب العامة - دون غيره من المذاهب الأخرى كالظاهري والإسماعيلي والإباضي مثلاً، وهم في سلطنة عمان، لعمري هذا لغاية مبيّتة وهدف استراتيجي سيمكّن إيران من استقطاب أتباع المذهب الزيدي أو بعض المدارس منه والعمل على تقريبهم وتعبئتهم طائفيّاً، وربطهم لاحقاً بمشروع إيران في المنطقة.

 تبنّي إيران للعقيدة المهدوية

جاء في الدستور الإيراني المادة 5 " في زمن غيبة الإمام المهدي تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه..." وهنا يأتي ما أكّده الخميني في عدة مناسبات أن إيران الثورة، أي العاملة بنظام ولاية الفقيه والذي يعدّ هو نائباً عن المهدي في إدارة أمور دولته إيران، التي سوف تنتشر وتبلّغ وتمهّد لظهور المهدي في العالم، ليأتي ويحكم.

 فهذه النظرية العقدية مستمدّة من عدة أحاديث نبوية ومرويات عن أهل البيت، بغضّ النظر عن التعديل فيها، أو التجريح أو السقيم والصحيح والضعيف، فليس هنا موضع بحثنا، بل الأصل والمقصد هو انطلاق النظام الإيراني وتحركه خارجيّاً على مبدأ واعتقاد أنه مرتبط بتأسيس دولة مهدوية عالمية يحكمها المهدي ولكن بالنيابة، ويديرها الولي الفقيه من طهران وحكمه يكون نافذاً على المسلمين جميعاً، وعليهم الانقياد له وطاعته وعدم مخالفته، لأن طاعته من طاعة المهدي، وطاعته من طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وطاعته من طاعة الله تعالى ومخالفته كذلك، فمن هنا نفهم أن تحرك النظام الإيراني خارجيّاً يكون وفق العقيدة المهدوية.

البعد العقائدي والارتباط التنظيمي بين الحوثي وإيران

منذ أن تمّ اعتماد دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، تمّ التركيز على المذهب الزيدي في اليمن كما أسلفنا، ثم تمّ البحث عن شخصية علمية قريبة من توجهات نظام ولاية الفقيه وموالية له، لتكون الجسر الذي يعبر منه ويصدر الثورة الإيرانية من خلاله إلى اليمن ومن ثم إلى بلاد الحرمين الشريفين لاحقاً، وتحقّق ذلك حيث استضافت مدينة قم في إيران عام 1985م، بدر الدين الحوثي، وقد استقر فيها بصفته العلمية الدينية وعلى أنه هاشمي يمني، وقُدّمت له من الحكومة الإيرانية تسهيلات ومساعدات وخدمات، ودعم كامل ليبدأ بالترويج لفكر ونهج ولاية الفقيه والسعي لتحقيق أهداف إيران في اليمن، من خلال التأكيد على دور وأهمية ومكانة اليمن في التمهيد للمهدي، وأن الواجب التحضير لقيام ثورة في اليمن تحت راية الهاشمي اليماني، وبعبارة أخرى تحولت مهمة الحوثي وتطورت من التعبئة العقائدية والعمل الدعوي إلى مهمة استقطاب الشباب اليمني المتحمس لتأسيس تنظيم لحركة شبابية تحمل فكر الثورة الإيرانية وتؤمن به، وتعمل على تحقيق العقيدة المهدوية بوجوب قيام ثورة في اليمن تسيطر عليه، لتكون ممهدة لظهور المهدي بقيادة هاشمي يمني، فتصدى لهذه المهمة حسين بدر الدين الحوثي ثم قتل، ومن بعده تسلّم أخوه عبد الملك بدر الدين الحوثي، وحصل على دعم كامل وشامل من إيران وقُدّمت له كل أنواع المساعدات وأسباب القوة ليُحكم السيطرة على اليمن، ويكون على أعتاب بلاد الحرمين، وبذلك يكون وفقاً للعقيدة المهدوية قد تحقّقت علامة التمهيد بقيام اليماني بثورته.

ويستند النظام الإيراني في وجوب تدخله في اليمن عقائديّاً إلى أحاديث مروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وعن أهل بيته في ثورة اليمن كعلامة ممهدة لظهور المهدي، والرجوع إلى ذلك وفقاً لأحاديث متعددة عن علامة حدوث هذه الثورة، وتصفها بأنها راية هدى تمهّد لظهور المهدي وتنصره، بل تصفها عدة روايات بأنها أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق، وتؤكد على وجوب نصرتها، ويذكر بعضها أن عاصمتها صنعاء، أما قائدها المعروف في الروايات باسم (اليماني) فتذكر رواية أن هاشميّاً من ذرية زيد بن علي: (يهدي إلى الحق، ويدعو إلى صاحبكم، ولا يحلّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو إلى النار).

اليمن حرب عسكرية بإيديولوجية إيرانية

 

تمَّ التدرج في المقال والانتقال من فقرة إلى أخرى من خلال الإضاءة على البعد الإيديولوجي للحرب في اليمن، ومدى التخطيط السياسي والتنفيذ الميداني بطابع وارتباط عقدي متصل بموروث ديني، تمَّ استغلاله بشكل محكم عبر سيناريو سياسي-عسكري خبيث، استطاعت طهران تنفيذه وفقاً للبعد العقدي المهدوي. ترى القيادة الدينية في إيران ومعها القيادات السياسية والعسكرية وفقاً لما جاء في الروايات المهدوية بأن واجبهم الشرعي وتكليفهم الإلهي، هو دعم ومساعدة ما يسمى بثورة اليماني-وباعتقادهم الحوثي -وهذا يعجل بظهور المهدي، وأيّ تخلف أو تقاعس عن نصرته يعني أذية للمهدي وتأجيلاً لظهوره.

 فمن هنا نجد بأن قوات القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، ومعها كل مؤسسات إيران السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية تتحرك وفقاً لهذه الإيديولوجية، وفي الوقت نفسه يتعاملون مع الحوثي على اعتبار ثورته علامة من علامات التمهيد لظهور المهدي.

 وهذا تماماً ما حصل في أثناء الحرب الإيرانية-العراقية وتعامل إيران مع الحرب بإعطائها بعداً عقائديّاً لتعبئة جنودها على أنهم سيحررون كربلاء، وهم كانوا على حدود (كرمناشاه) قصر شيرين، والقائد يقول لهم كربلاء قريبة وتبعد بضع مئات الأمتار!! حتى يتقدموا لتحريرها. وفي الحقيقة المسافة بين قصر شيرين وكربلاء (٣٣٢٫١ كم) وما كان يقوله القائد الإيراني سوى تحريض وتعبئة عقدية لجنوده للبقاء وعدم الفرار، فهذا هو الخيال والوهم والوعد السراب بلباس الدين.

خلاصة القول، إن دخول إيران إلى اليمن ذو أبعاد إيديولوجية دمّر البلاد وخرب عقول العباد، وأمامنا مشكلة كبيرة ليست فقط سياسية وعسكرية، بل مشكلة فكرية أيضاً، تتمثّل في غسل الأدمغة بالأفكار والمفاهيم الهدامة والمعدية أيضاً.

 لذا، يجب علينا التحرك فكريّاً وإعلاميّاً فوراً لإفشال مخططات إيران في اليمن والتصدي لها، ومعالجتها عبر إصلاح ما أفسدته أفكارها، قبل أن يعدي وينتشر هذا الوباء الفكري في دول جوار اليمن، ويصبح سرطاناً خطيراً خبيثاً داخل دولنا.

مقالات لنفس الكاتب