العدد 161

التنسيق الفاعل مع الاتحاد الأوروبي لاستدامة حل الصراع والبناء المؤسسي والتنمية

السبت، 01 أيار 2021

تجذب الأحداث التي يمر بها اليمن أنظار المؤسسات الدولية والدول ذات التأثير والحضور الدوليين. ومن هذه المؤسسات الاتحاد الأوروبي ممثلاً بهيئات الاتحاد؛ المفوضية والبرلمان، ودول الاتحاد الأوروبي إما بشكل مباشر أو عبر هيئات ومنصات دولية كالأمم المتحدة وعبر مجلس الأمن تحديداً.

لقد كانت الدول الأوروبية وماتزال إلى جانب الشعب اليمني، إذ يرتبط اليمن بدول أوروبا بعلاقات صداقة وتعاون واهتمام. هذا الاهتمام لا يمضي على نحو خطي وتطوري إنما يتنوع بحسب الظرف الخاص باليمن والمصالح الاقتصادية المتاحة أو التهديدات الأمنية الممكنة من ناحية وبالاتحاد الأوروبي عينه من ناحية أخرى. ولكنه أيضًا خاضع لمتغيرات كثيرة داخلية وخارجية أو متعلقة باليمن بشكل مباشر أو بسياسات الاتحاد الأوروبي ودوله منفردة بدول المنطقة العربية والإسلامية أو ما يسمى بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

هذا ما سنحاول أن نعرضه في هذه الورقة من خلال تتبع موقف الاتحاد الأوروبي من الشأن اليمني في عقدين من الزمن مع التركيز على فترة ما بعد 2011م، التي تميزت بعملية انتقالية ثم حرب أهلية نتيجة انقلاب الجماعة الحوثية على التوافق الوطني واستخدامها السلاح لفرض رؤيتها السياسية.

ستركز الورقة على طبيعة التدخل ومتغيراته ومحددات الاهتمام الأوروبي آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي وتعدد الأصوات في أوروبا. حتى تصل الورقة إلى استشراف الدور المستقبلي لأوروبا في الشأن اليمني.

  العلاقات اليمنية الأوروبية

في حقيقة الأمر يمكن تتبع العلاقات اليمنية الأوروبية في ثلاثة أطر؛ إطار العلاقات الثنائية التي تجمع اليمن بدول أوروبا كل على حده، وعلاقة اليمن مع الاتحاد الأوروبي الذي افتتح له بعثة دبلوماسية في اليمن مهدت لتعاون تقني واقتصادي في مجالات عديدة في اليمن خصوصًا في قطاع الحوكمة والأمن، وثالثاً تأثير ودور بعض الدول الأوروبية داخل منصات سياسية دولية كالأمم المتحدة.

وكل مستوى من هذه المستويات يفرض اهتمامًا خاصًا تحدده متغيرات مؤسسية ومحددات السياسة الخارجية بالإضافة إلى هامش الفعل والتأثير لكل مستوى.

لن نخوض في تفاصيل العلاقات اليمينة / الأوروبية تاريخيًا، فهي علاقة ضاربة في القدم وتعود إلى قرون طويلة. إلا أننا سنحصر حديثنا حول عقدين من الزمن من العلاقات اليمنية / الأوروبية ذلك لأنها علاقات مع اليمن الحديث الموّحد، حيث ممارسات ديمقراطية ناشئة استحقت دعماً ومواكبة أوروبيين باتساق مع السياسات الأوروبية الخارجية، ولكن لأنها علاقة مثمرة اقتصاديًا وذات أبعاد أمنية هامة خصوصًا مع اشتداد سياسة مكافحة الإرهاب ومكافحة القرصنة في محيط اليمن في البحار. فضلاً عن تسارع الأحداث وكثافتها في اليمن في عشر سنوات حتى الآن وتم فصلاها في 2011 و2014م، بمعنى أننا سنتدارس هذه العلاقة في ثلاث مراحل ما قبل 2011م، وما بعدها وفترة ما بعد 2014م.

على الصعيد الثنائي، ورغم وجود تمثيل دبلوماسي لكثير من الدول الأوروبية في اليمن إلا أن الدور الأبرز بقي لمجموعة من الدول، كان على رأسها بريطانيا التي تربطها علاقة تاريخية باليمن عندما كان لها حضور عسكري وإداري في عدن والمحميات في الجنوب وانتهى برحيلها عام 1967م، وتحظى بتواجد دبلوماسي نشط وبرامج تعاون ثنائي. إضافة إلى ألمانيا وهولندا اللتين ساهمتا بفعالية في مجالات تنموية عديدة منها البناء المؤسسي لقطاع المياه ومشاريع إدارة المياه في اليمن، حيث يتحدث المتخصصون في هذا المجال أن اعتماد مبدأ اللامركزية في مأسسة هذا القطاع وإنشاء المؤسسة العامة للمياه بدعم مباشر من هذه الدول كان من أهم الأسباب في قدرة القطاع على مقاومة آثار الحرب الأخيرة المدمرة على مؤسسات الدولة المختلفة. وهناك فرنسا التي كانت المستثمر الأجنبي الأكبر في البلاد وتمتلك مصالح اقتصادية حيث شركة TOTAL النفطية في محافظات شبوة وحضرموت ومأرب، ولها تعاون ثنائي تقني وثقافي من خلال المركز الثقافي في العاصمة صنعاء، ودول أخرى لها إسهامات في مجالات ثقافية وفنية.

وإجمالاً فإن مصالح اقتصادية تربط اليمن بدول أوروبا من خلال تبادل تجاري بلغ العام 2017م، قرابة 600 مليون دولار أمريكي. 

إلى جانب هذه العلاقة الثنائية أخذ دور الاتحاد الأوروبي بالتعاظم على الصعيد التقني وعلى الصعيد السياسي أيضًا انطلاقاً من نقاط اهتمام الاتحاد الأوروبي وهي الحوكمة والبناء المؤسسي وترسيخ الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان.

ولفهم السياسية الخارجية للاتحاد الأوربي والدول الأوروبية سنلقي نظرة سريعة على محددات هذه السياسة وعوامل نشوئها تاريخياً وترجمتها في العلاقات اليمنية الأوروبية.

 

أولاً، صدمة الحربين الكونيتين في الذاكرة الجمعية الأوروبية والنزوع إلى تسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية.

نتج عن الحرب العالمية الأولى ثم الحرب العالمية الثانية التي قدح شرار كل منهما من القارة الأوروبية دماراً طال أجزاءً واسعةً من دول وحاضرات القارة الأوروبية، وتسببتا بشكل مباشر في مقتل عشرات الملايين من العسكريين والمدنيين. ومع كل هذا الدمار استطاعت الحرب أن تشكل نظامًا عالميًا جديدًا بني على التعاون متعدد الأطراف (Multilateralism) وصناعة القرار المشترك، وجعل من أهم أهدافه حفظ الأمن والسلم العالمي وحل الخلافات من خلال الطرق السلمية والتفاوض وسن مبادئ دولية تلتزم جميع الدول المنظمة إلى هذا النظام بتطبيقها في حال نشوب صراع عسكري تكون طرفًا فيه، وهو ما يعرف بالقانون الإنساني الدولي.

ينعكس هذا الأمر على اليمن من خلال اهتمام دول أوروبا منفردة أو الاتحاد الأوروبي بمسار الأحداث في اليمن وتفضيل القنوات الدبلوماسية والسياسية لمعالجة المشاكل مع الاستناد إلى النهج المتعدد في التدخل. كان الاتحاد الأوروبي يسهم في ترسيخ الديمقراطية من خلال دعم إصلاح المنظومة الانتخابية في اليمن قبل 2011م. وبعد هذا التاريخ انخرطت دول أوروبية وبعثة الاتحاد الأوروبي في مرافقة العملية الانتقالية في اليمن. 

ثانياً، الناظر في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي وللدول الأعضاء فيه يجد أنها تهتم بشكل كبير بمجريات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باعتبارها ذات أهمية استراتيجية كبيرة لدول القارة من جهة، ومصدراً للتهديد الأمني والاقتصادي من جهة أخرى، بدءًا بالهاجس الأمني الذي ينقسم إلى شق مرتبط بالجماعات الإرهابية المتطرفة وإمكانية تشكيلها خطرًا على دول القارة، ثم إلى علاقاتها بدول المنطقة وما قد تشكله بعض هذه الدول من خطر على أمن الدول الأوروبية وحلفائها، مثل تركيا وإيران.

بمعنى آخر، هناك أهمية كبيرة لموقع أوروبا الجغرافي واتصالها بالعالم العربي والإسلامي ومتغيراته السياسية وتبعاتها على الصعيد الأمني (حركات دينية متطرفة، حروب أهلية وصراعات وعدم استقرار، انقسام طائفي ومذهبي وإيديولوجي حاد بين دول المنطقة) والإنساني (موجات لجوء بسبب الحروب وجهتها المفضلة هي أوروبا وانعكاس هذا الملف على السياسات الداخلية الأوروبية، لجوء اقتصادي بسبب سوء الأحوال المعيشية في دول الجنوب وكذلك لجوء بسبب التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية).

وفي هذه النقطة يمكن ايجاز الاهتمام الأمني لأوروبا تجاه اليمن بالتهديد الإرهابي الذي تمثله الجماعات المتطرفة، وجهود مكافحة القرصنة في خليج عدن في الفترة قبل 2011م، ومن ثم ترك الاهتمام في ضمان سلاسة انتقال السلطة وتيسير العملية الانتقالية حتى لا تنهار الدولة.

لكن عملياً اليمن ليست على أبواب أوروبا ولا تشكل قضية اللاجئين اليمنيين ملفاً حساس في الرأي العام الأوروبي وإن كانت الحالة الإنسانية تأخذ حيزًا من الاهتمام الرسمي والشعبي.  

ثالثاً، الإرث الاستعماري الأوروبي الذي أوجد صلات تاريخية لها امتداداتها الراهنة واستمرار المصالح والترابط بين الشعوب. وهذه النقطة تعطي أفضلية لبريطانيا على غيرها من الدول الأوروبية باعتبارها أكثر حضورًا وربما تملك معرفة تاريخية باليمن لأنها أيضًا بشكل أو بآخر أحد عوامل صناعة التاريخ السياسي اليمني الحديث. وهذه النقطة قد تفسر جزئيًا انكفاء أوروبا في سياستها الخارجية وغياب مبادراتها تجاه اليمن والاكتفاء بأدوار قطرية تحددها المصالح الخاصة بكل دولة ورغبتها في التدخل في الملف اليمني عبر أطر دولية كالأمم المتحدة أو أطر أخرى.

رابعًا، المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. إذ تنظر أوروبا إلى الصراع الإقليمي في منطقة الخليج العربي بحذر شديد، حيث ترغب في الحفاظ على مصالحها التجارية والاقتصادية والأمنية مع دول المنطقة، وتعمل منذ سنوات طويلة على مفاوضات مباشرة مع جهورية إيران الإسلامية للتوصل إلى اتفاق يمنع إيران من تصنيع أسلحة نووية، وفي المقابل يضمن انفتاحاً اقتصادياً وتجارياً وسياسياً ودبلوماسياً بين دول الاتحاد الأوروبي وإيران. على أن هذا الطريق أيضًا محفوف بالمخاطر والأزمات، حيث تعامل الاتحاد الأوروبي مع الملف الإيراني بمعزل عن بقية الفاعلين في المنطقة وتغاضى عن الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة أمن الإقليم مما أدى مفاوضات هشة ونتائج كارثية لهذه السياسة يواجه وبالها اليوم شعوب وحكومات المنطقة، ومع صعوبة إحراز تقدم في مشاورات فيينا في الملف النووي الإيراني والإعلان عن الاتفاق الصيني الإيراني مؤخراً يبدو أن طموحات أوروبا الاقتصادية والتجارية في إيران تتعرض لهزة عنيفة قد تطيح بها في أي لحظة إن لم تكن قد فعلت!

لا تمثل اليمن في الوقت الراهن مصلحة اقتصادية كبيرة مقارنة بدول الجوار بالنسبة لدول أوروبا، خصوصًا بعد تعرض المشاريع الاستثمارية الأجنبية لجمود بسبب مجريات الحرب. لكن أهمية اليمن تأتي من موقعها في منطقة استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية لمصالح الدول الأوروبية.

الموقف الأوروبي من الأزمة اليمنية

في الحديث عن الدور الأوروبي في اليمن ينبغي التنويه إلى أنه دور واسع ومتشعب ومتغير، فمن ناحية هناك مواقف خاصة بكل دولة من الدول الأوروبية مثل السويد التي تصدرت ملفات إنسانية وأخرى مرتبطة بمفاوضات السلام كالتنظيم المشترك لمؤتمر التعهدات الإنسانية للأزمة في اليمن بالإضافة للأمم المتحدة وسويسرا الدولة المستضيفة للحدث، والنرويج التي بدأت تمارس نشاطًا أكبر في الملف اليمني من خلال دورها في العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن 2021 – 2022م، أو المانيا التي ترغب في القيام بدور أكبر سواء بالانخراط في توسيع مجموع الرباعية -وهذا لم يتم – أو حاليًا من خلال الانخراط أكثر في مسار السلام المقترح من المبعوث الأممي والمبعوث الأمريكي الجديد.

ومن ناحية أخرى هناك مواقف جمعية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعبر عنها مؤسسات الاتحاد الأوروبي وممثليها، ويبقى عنصر لا يمكن التغافل عنه أو تناسيه في صناعة القرار الأوروبي وهي منظمات المجتمع المدني المحلية والمنظمات الدولية ومجاميع الضغط والفاعلين والناشطين والصحافة، التي تساهم في صياغة الرأي العام الأوروبي وعلى البرلمانات الوطنية لدول القارة الأوروبية والبرلمان الأوروبي الذي ينتخب مباشرة من شعوب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

اتسمت تدخلات أغلب الدول الأوروبية بالبعد عن الأجندات السياسية والتدخل المباشر في الشأن السياسي اليمني، وبقيت هذه المقاربة صالحة في العموم للموقف الأوروبي في الأزمة اليمنية التي بدأت أولاً في المرحلة الانتقالية التي تلت الثورة الشبابية السلمية 2011م، حيث دعم الاتحاد الأوروبي المبادرة الخليجية والمبعوث الأممي آنداك وكانوا من الرعاة الدوليين للمرحلة الانتقالية وللتحول الديمقراطي التي كانت البلد تسعى للوصول إليه. وشهدت مرحلة توقيع المبادرة الخليجية وما تلاها من مراحل تنفيذ الاتفاق التفافاً وتأييداً كبيراً من الدول الغربية والأوروبية، وكان لسفراء وبعثات الدول الأوروبية علاقات وتواصلات مباشرة مع الأحزاب والأعضاء الفاعليين في المرحلة إضافة إلى المكونات المدنية كالنساء والشباب ممن شاركوا في مختلف المراحل لهذه المرحلة.

 وكان لبعضهم ممن كانت تربط بلادهم مصالح اقتصادية مباشرة مع اليمن تواصلات حثيثة بصانعي القرار على كافة المستويات في تلك المرحلة. يحضرني منها التردد الكبير لأحد السفراء على فريق بناء الدولة في مؤتمر الحوار الوطني (2013_2014م) ودعوته الدائمة لرئيس الفريق حرصاً منه على معرفة أي قرارات يتخذها الفريق قد تضر بمصالح شركات بلاده العاملة في اليمن.

وفي الحقيقة يصعب الحديث عن دور أوروبي موحد كما أسلفنا حتى في إطار الاتحاد الأوروبي. وذلك لان مؤسسات الاتحاد الأوروبي تملك هامشًا كبيراً لممارسة السياسية الخارجية، إذ نجد البرلمان الأوروبي يمارس سياسة خارجية ويطرح مواقف متفردة قياسًا بالمفوضية التي لا تملك دور وزارة خارجية. يتضح هذا الأمر من خلال اقتصار تناول البرلمان الأوروبي للشأن اليمني بموضوع بيع السلاح للمملكة العربية السعودية دون الخوض في تفاصيل الصراع في اليمن ومعرفة حقيقته.

فضلاً عن أن الأزمة اليمنية ترافقت مع تحولات كبيرة في البيت الأوروبي عينه ونقصد بذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتفردها بسياسة خارجية خاصة تقترب أكثر من الدور الأمريكي ومهمتها الحفاظ على المصالح البريطانية أولاً. وربما في هذه النقطة نجد تفسيراً آخراً لغياب مبادرة أوروبية مشتركة تجاه اليمن.

إلى جانب ذلك هناك مرحلة ترامب التي تميزت بتوتر العلاقات مع حلفائها الأوروبيين، ووضعت الملف الإيراني في قلب سياستها الخارجية، وانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي ما دفع أوروبا إلى التمسك بهذا الاتفاق والوقوف في وجه ترامب بالتالي الدفاع عن إيران بشكل غير مباشر وما لهذا الموقف من انعكاسات على الملف اليمني. على سيبيل المثال ما تزال أوروبا لا تدين تدخلات إيران في الشأن اليمني وتسليح الجماعة الحوثية ومخالفة بنود قرار مجلس الأمن 2216 رغم شحنات الأسلحة العديدة التي تم الترصد لها في عرض البحر.

بشكل أكثر تفصيلاً، عندما بدأت الأوضاع بالتأزم وبدأ الحوثيون باقتحام صنعاء لم يظهر موقف واضح من الدول الأوروبية حول ما يحدث في اليمن ولم نجد بيانات تستنكر الانقلاب الحوثي بشكل واضح وصريح، وأغلب الظن أن ذلك الأمر يعود أولاً للتردد بسبب قلة المعلومات المتوافرة لدى البعثات الأوروبية حول طبيعة ما يدور في الساحة وما ستؤل إليه الأمور، الأمر الآخر كان بسبب الاعتماد الكبير لهذه الدول على المبعوث الأممي آنذاك (جمال بنعمر) والذي اعتقد بقدرته على التوصل إلى حل سياسي يتوافق عليه الحوثيون من جهة والحكومة والأحزاب من جهة أخرى، واستمر هذا الموقف الأوروبي المتسم بالتردد واللاموقف لفترة طويلة حتى بعد مغادرة الرئيس اليمني للعاصمة صنعاء، وإعلانه لمدينة عدن عاصمة مؤقتة للجمهورية اليمنية ثم وصوله إلى الرياض وإعلان عاصفة الحزم وتدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس/ آذار 2015 لدعم الحكومة اليمنية واستعادة سيطرتها على جميع الأراضي اليمنية.

عملياً، لا تمتلك أغلب الدول الأوروبية الأدوات المناسبة أو المصالح المحفزة لتدخل كبير في اليمن، مما يجعلها تعتمد بشكل كبير على دور الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص في أي تدخلات مرتبطة بمفاوضات السلام وجهود التوصل إلى حل سياسي للأزمة في اليمن. ومع ذلك يظهر من وقت لآخر جهود فردية لبعض الدبلوماسيين الأوروبيين لكنها تظل جهود محدودة وفي أغلبها لا تندرج ضمن إطار رؤية أشمل للحل في اليمن، ففي الوقت الذي تتفق دول الاتحاد الأوروبي على أهمية إنهاء الأزمة اليمنية بالحلول السياسية السلمية الضامنة لمشاركة جميع الأطراف ومن بينهم النساء والمجتمع المدني في أقرب وقت، تجدها تختلف في قراءتها ومتابعتها للوقائع الميدانية ورؤيتها لدور الأطراف الفاعلة في الصراع وعلاقتها بهم.

ونحت دول الاتحاد الأوروبي المقاربة الإنسانية في تعاملها مع المشهد اليمني منذ تصاعد الأزمة، و تصدرت ملفات العمل الإنساني وحقوق الإنسان وحماية المدنيين رأس أولوياتها مع وجود تباين كبير بين حدة مواقف الدول بهذا الشأن، بينما تجنبت أغلبها قدر المستطاع الخوض في تفاصيل الحل السياسي أو الظهور بمظهر المنحاز إلى طرف من أطراف النزاع في اليمن أو الحامل لأجندة سياسية، وهذه المقاربة التي تركز على معالجة الأزمة الإنسانية وتغفل جذور وأسباب استمرار المشكلة التي هي سياسية بالمقام الأول لها تتسم بالسطحية والمثالية البعيدة عن ديناميكيات الصراع ووقائعه، وهي بالأصل تخالف مبادئ الاتحاد الأوروبي الذي يعمل على تعزيز الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وتجريم الانقلابات والمليشيات المسلحة، ثم هي في أحسن الأحوال تتسبب في آثار سلبية بعيدة المدى فمن ناحية يشجع هذا النهج مليشيا الحوثي على التمادي في تصلبها ورفضها لأي حلول سياسية تنتزع منها مكاسب سياسية ومالية وسلطوية حققتها بالحرب وقوة السلاح والإدارة البوليسية لمناطق سيطرتها، ومن ناحية أخرى يشجع على خلق مجاميع غير قانونية تسعى لفرض شروطها في المشاركة السياسية بتأسيس مليشيات مسلحة وفرض الأمر الواقع وعقد الصفقات السياسية مع أطراف داخلية وخارجية بما يتعارض مع مبادئ العمل السياسي السلمي التعددي ومع تعزيز مبادئ الديمقراطية، ومما لاشك فيه أن انتشار هذه الثقافة والممارسات سيكون لها آثار وتبعات عميقة على وجود الدولة اليمنية وعلى أمنها وسلامة ووحدة أراضيها، وعلى سلامة وأمن الإقليم بشكل عام.

ولعل اتفاق ستوكهولم الذي بدأ بدعوات أممية تطالب بإيقاف تقدم قوات الحكومة اليمنية والتحالف العربي والمجاميع الموالية له للسيطرة على مدينة الحديدة ومينائها استنادًا للقرار الأممي 2216، وذلك بحجة الخوف من تدمير الميناء باعتباره المنفذ الوحيد، بحسب زعمهم، لاستيراد البضائع والوقود والمساعدات الإنسانية خصوصًا في المناطق الشمالية من البلد، دليل واضح على أن "الطريق إلى جهنم محفوف بالنوايا الحسنة وربما الساذجة". فالناظر إلى مآلات الاتفاق لن يستطيع إنكار تعثر تنفيذ بنوده، وازدياد تعنت مليشيا الحوثي وتصلبها واستخدامها للورقة الإنسانية في تحقيق مكتسبات وحضور سياسي وما زالت المفاوضات ترواح مكانها إلى يومنا هذا بخصوص خزان صافر العائم الذي تحول إلى قنبلة موثوقة بيد الحوثيون في وجه اليمن حاضرًا ومستقبلاً وفي وجه جميع الوسطاء بعد رفضهم مراراً السماح لفرق الأمم المتحدة بالوصول إلى الخزان وتفريغه.

اتفاق الرياض

بمجرد الإعلان عن توصل الرياض لاتفاق بين الحكومة الشرعية وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تشكل بدعم إماراتي في فترة تلت تحرير المناطق الجنوبية من سيطرة مليشيا الحوثي وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، توالت بيانات الترحيب الأوروبية بالاتفاق، وهو أمر ينسجم مع توجهاتهم في تفضيل الحلول السياسية لأي خلافات، وتشكيل حكومات وحدة وطنية.

وفي فبراير/ شباط 2021م، زار وفد من سفراء وقائمي بأعمال بعثات أوروبية لدى اليمن وبقيادة سفير الاتحاد الأوروبي هانس جروندبرج العاصمة المؤقتة عدن والتقوا خلال الزيارة برئيس الوزراء معين عبد الملك وبوزير الخارجية أحمد عوض بن مبارك، وبعدد من الوزراء والمسؤولين في الحكومة اليمنية التي شكلت بناء على اتفاق الرياض. كان الهدف من الزيارة واضحاً منذ البداية، حيث عبر السفراء عن رغبة بلدانهم في إظهار الدعم السياسي لحكومة الكفاءات المشكلة من مختلف الأحزاب السياسية ممثلة بالحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي بناء على اتفاقية الرياض، وفي هذا رسالة واضحة لرغبة المجتمع الدولي، لطالما عبر عنها، في رؤية حكومة فاعلة تعمل على أراضي الجمهورية اليمنية في تحسين وتفعيل الملفات الأكثر أهمية ومنها ملف الخدمات والأمن والاقتصاد وغيرها.

وقد تزامن البدء في تنفيذ اتفاق الرياض وعودة الحكومة اليمنية إلى عدن مع صعود الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس بايدن الذي تحدث عن اليمن في أولى خطاباته للرأي العام الأمريكي، و تعيين وزير الخارجية انتوني بلينكن المعروف بميله إلى أوروبا، والذي بدوره عين السيد تيم ليندركينج مبعوثًا أمريكيًا خاصًا إلى اليمن، الأمر الذي ساهم في ارتفاع منسوب التفاؤل لدى الكثير من الدوائر الأوروبية وإحياء الآمال بالقدرة على التوصل إلى حل سياسي ينهي الصراع اليمني الذي دخل عامه السابع، وظهر على الساحة تنسيق أوروبي أمريكي عالي بعد فترة قطيعة شهدها عهد الرئيس ترامب، ولاحظنا أخباراً عن لقاءات ضمت المبعوث الأمريكي برؤساء البعثات الأوروبية، وأحيانًا بالمعنيين بالملف اليمني في العواصم مباشرة.

ولطالما سئلت في أي لقاء خضته في الفترة الأولى عن رأيي في التوجه الأمريكي الجديد وكنت أرى في عينهم توقعًا لإجابة عالية التفاؤل، وصرنا نضحك معًا في مشهد من مشاهد الكوميديا السوداء على أي إجابة تتضمن الرد "أنا متفائل بحذر" (cautiously optimistic) لشدة ما استخدمناها في الفترة الأخيرة لتجنب رفع التوقعات في ملف أصبح يزداد تعقيدًا مع مرور كل يوم!

على أن وجود الإدارة الأمريكية الحالية ورغم غياب آليات واضحة للتعامل مع المليشيا الحوثية في خططها وتخييبها لآمال الكثير منا نحن اليمنيون برفع جماعة الحوثيين عن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، ساهم كثيرًا في إلقاء الضوء على طبيعة الحركة الحوثية الميليشياوية المتطرفة، ولوحظ لدى الكثير من المراقبين تغيرًا في لغة الإعلام والباحثين والمهتمين بالشأن اليمني في المحيط الأوروبي.

المبادرة السعودية لإنهاء الصراع في اليمن

تلقفت العديد من الدوائر الأوروبية الحكومية وغير الحكومية بترحاب كبير المبادرة المعلنة مؤخرًا من المملكة العربية السعودية لإنهاء الصراع في اليمن، والتي تنساق من وجهة نظرهم مع دعاوى الاتحاد الأوروبي لحل الصراع بالطرق السلمية، وتصب في صميم عمل المبعوث الأممي الذي يحظى بدعم كبير منها.

إلا أن إصرار الحوثيين حاليًا على السيطرة عسكريًا على محافظة مأرب، صار يمثل حجرة عثرة كبيرة في وجه كل الجهود العربية والدولية لإنهاء حرب أكلت الأخضر واليابس، وأصبحت تهدد أمن الإقليم والعالم، ومعها رأينا تحركات أممية و أوروبية تنادي ميليشيا الحوثي بالتوقف عن الأعمال العسكرية  العدائية والانخراط مباشرة في حوار سياسي بنوايا صادقة وجادة، وفي زيارة هي الأولى من نوعها توجه المبعوث السويدي الخاص إلى اليمن بزيارة امتدت ليومين إلى محافظة مأرب للاطلاع على ما يدور ميدانيًا وأثر الصراع على مخيمات النازحين الذي تستضيف المحافظة ما يربو عن المليونين نازح من مناطق سيطرة الحوثيين. لكنها ما زالت تحركات خجولة ومحدودة خصوصًا إذا ما قورنت بالتحركات التي سبقت اتفاق ستوكهولم.

 

في المجمل، يبقى الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية شريكًا مهمًا وذا ثقل دبلوماسي وسياسي واقتصادي كبير لليمن والإقليم، ومع عدم توقعنا منه أن يعزف منفردًا في الشأن اليمني، إلا أن التنسيق المستمر والفاعل معه يضمن استدامة لحل الصراع اليمني حال التوصل إليه، ويسمح باستعادة الدور الأوروبي المهم في الحوكمة والبناء المؤسسي والتنمية وتعزيز الديمقراطية في مرحلة إعادة الإعمار.

مقالات لنفس الكاتب