العدد 161

القبيلة ضمانة سلامة المجتمع لعدم تشربها فكر إقصائي أو ديني يحتكر الطريق إلى الجنة

الخميس، 29 نيسان/أبريل 2021

يفرض واقع اليمن الحالي مناقشة تأثير المتغيرات الفكرية والسياسية على هوية وطبيعة البناء المادي والمعنوي في القبيلة اليمنية بوصفها ركيزة رئيسة في البناء المجتمعي، ومدى تأثير ذلك على الإرث القبلي؟ وهل خف أم ازداد تأثر الشباب المعاصر بأنماط وأعراف القبيلة؟ على أن السؤال المحوري الأكثر أهمية هو: ما مدى حجم تأثير البعد الأيدولوجي الشيعي وملامح الثقافة الإيرانية على الساحة اليمنية والقبلية منها بوجه خاص؟ لاسيما مع وضوح متانة العلاقة بين سلطة الأمر الواقع في صنعاء ممثلة بجماعة أنصار الله مع جمهورية إيران في الوقت الراهن. وهل تتقاطع الزيدية والشافعية والإسماعيلية بوصفها مذاهب فكرية لها عمقها التاريخي في وجدان الشعب اليمني مع المذهب الاثنى عشري الإمامي؟ أسئلة محورية عديدة يمكن بسطها والبحث في محاور ودلائل إجاباتها بمنهج علمي بعيدًا عن أي اصطفاف سياسي أو طائفي، بغية معرفة الحقيقة والبناء عليها بشكل صحيح.  

تحرير المصطلح:

من المفيد ابتداء تحرير المصطلح، وفي ذلك فقد عرف علماء الاجتماع القبيلة بأنها: "مجموعة بشرية متضامنة تشعر بانتسابها إلى أصل قرابي مشترك، تجمعها ثقافة وأعراف ومصالح مشتركة، وتشكل تنظيمًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا واحدًا". وتمثل شريحة القبائل في اليمن أكبر شريحة سكانية من حيث العدد والتأثير في هوية المجتمع بوجه عام، وتتكون حاليًا من عدة قبائل رئيسة وهي:

  • قبيلة هَمدان بن زيد المعروفة بهمدان الكبرى، المنقسمة بدورها إلى جناحين كبيرين هما قبيلتا حَاشد وبَكيل، المتفرعتين بدورهما إلى عدة قبائل رئيسة.
  • قبيلة مَذحَج التي تتكون من قبائل عَنس ومُراد والحَدا وقَيفَة وعَبيدَة وغيرها.

 

  • قبيلة حِميَر، التي تلاشت هويتها القبلية، وما بقي من فروع صغيرة منها تأخى مع قبيلة همدان الكبرى.

ويقطن معظمها في المناطق الجبلية التابعة سياسيًا وإداريًا في أغلب الفترات التاريخية السابقة لدولة الأئمة، وهي التي شكلت أسَّ الجماعات القتالية القوية، كما يتميز أغلبها بتماسك مكوناتها البنائية القرابية، وبنزعتها الاستقلالية، وهو ما أدى في كثير من الأوقات إلى عدم الخضوع التام لأي سلطة مركزية، إلا أن يكون ذلك برغبة منها. كما توحدت ثقافتها ضمن الهوية الإسلامية التي مثلت بقواعدها وأحكامها الصيغة الأيدلوجية الرئيسة الضابط لوجدان القبيلة اليمنية عبر التاريخ، وكان لارتباط اليمن المبكر بالإمام علي بن أبي طالب دور في صياغة هوية المجتمع المذهبية لاحقًا، والسؤال: هل كانت اليمن تاريخيًا أحد محاور الصراع السني/ الشيعي؟

بذور التشيع في اليمن:  

لقد ظهر مصطلح "الشيعة" للدلالة على الفئة المناصرة والموالية للإمام علي بن أبي طالب، وهو وإن كان يعني المناصرة من حيث الدلالة اللغوية، إلا أنه كمصطلح قد اختص بمن شايع وناصر الإمام علي بن أبي طالب حال توليه الخلافة، ثم مناصرة وموالاة أبنائه وذريته من بعده. وهكذا فقد ولد مصطلح "الشيعة" كتعبير سياسي، ثم أضفيَ عليه البعد الفقهي والفكري لتنضوي تحت لوائه فرق متعددة بحسب تصنيف مدوني الملل والنحل.

في هذا السياق فقد كانت القبيلة اليمنية وبخاصة قبيلة "همدان الكبرى" من أكثر القبائل مناصرة وتأييدًا للإمام علي بن أبي طالب، وكانت العلاقة الوطيدة به قد ابتدأت منذ اللحظة الأولى التي اعتنقت فيها الإسلام في القرن السابع الميلادي، حال إرسال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإمام عليّ إلى صنعاء، فأسلمت على يده قبيلة همدان كلها في يوم واحد، وسجد النبي شكراً لله لإسلامهم ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان ، كما أسلمت معها قبيلة مذحج وحمير وحضرموت وكندة والأشاعرة الذين كانوا يرتجزون قبيل قدومهم: غدا نلتقي الأحبة محمد وحزبه، فقال النبي محمد فيهم: (جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا، الإيمان يمان والحكمة يمانية).

يشار إلى أن قبيلة "همدان الكبرى" قد ناصرت الإمام علي بن أبي طالب في مختلف حروبه، وهو ما خلق حالة من الحب المتبادل بين الإمام علي وقبيلة همدان، وتمظهر ذلك الحب في تلك القصيدة المنسوبة للإمام عليّ والتي امتدح فيها القبيلة، بل خصهم بميزة وكرامة كبيرة في خاتمتها، حيث تقول:

وَلَمّا رَأَيتُ الخَيلَ تَقرَعُ بِالقَنا ،،، فَوارِسها حُمرُ العُيونِ دَوامي

وَأَقبَلَ رَهجٌ في السماءِ كَأَنَّه ،،، غَمامَةُ دجنٍ مُلبَسٍ بِقُتامِ

وَنادى ابن هِندٍ ذا الكِلاعِ وَيَحصُــــبـــاً وكِندَةَ في لَخمٍ وَحَيِّ جُذامِ

تَيَمَّمتُ هَمدانَ الَّذينَ هُمُ هُمُ ،،، إِذا نابَ أَمرٌ جُنَّتي وَحُسامي

وَنادَيتُ فيهِم دَعوَةً فَأَجابني ،،، فَوارِسُ مِن هَمدانَ غَيرُ لِئامِ

إلى أن يقول:

جزى اللَهُ هَمدانَ الجِنان فإِنَّهُم ،،، سِمامُ العِدى في كُلِّ يَوم خِصامِ

لِهَمدانَ اَخلاقٌ وَدينٌ يَزينهُم ،،، وَلينٌ إِذا لاقوا وَحُسنُ كَلامِ

وَجدٌّ وَصِدقٌ في الحُروبِ وَنَجدَةٌ ،،، وَقَولٌ إِذا قالوا بِغَير إِثامِ

متى تَأتِهِم في دارِهِم لضيافَةٍ ،،، تَبِت عِندَهُم في غِبطَة وَطَعامِ

أَلا إِنَّ هَمدانَ الكِرامَ أَعِزَةٌ ،،، كَما عَزَّ رُكنُ البَيتِ عِندَ مَقامِ

أَناسٌ يُحِبّونَ النَبيَّ وَرَهطَهُ ،،، سِراعٌ إِلى الهَيجاءِ غَيرَ كَهامِ

فَلو كُنت بَوّاباً عَلى بابِ جَنَةٍ ،،، لَقُلتُ لِهَمدانَ ادخلوا بِسلامِ

على أن هذا الولاء وتلك المحبة لم تنته عند زمن الإمام علي بن أبي طالب، بل نجدها مستمرة في العمق العاطفي حتى بعد وفاته ومع ذريته من بعده، وهو ما يشير إليه ابتداء ابن عباس حال حديثه مع الحسين بن علي وقت خروجه من مكة إلى العراق في الخروج الذي قتل فيه على يد جيش عبيد الله بن زياد، وفي ذلك يذكر ابن كثير أن ابن عباس قد نصح الحسين بأن يخرج إلى اليمن، وعلل ذلك بقوله: "إن به حصونًا وشعابًا، ولأبيك به شيعة".

من جانب آخر فقد أدى ذبح بسر بن أرطأة قائد معاوية بن أبي سفيان إلى اليمن لأبناء عبيد الله بن العباس وإلى علي بن أبي طالب على صنعاء إلى زيادة نفور قبيلة همدان الكبرى من بني أمية جملة، وفي ذلك يذكر الطبري في تاريخه قائلا: "ثُمَّ مضى بسر إِلَى اليمن، وَكَانَ عَلَيْهَا عُبَيْد اللَّهِ بن عباس عاملا لعلي، فلما بَلَغَهُ مسيرُه فَرَّ إِلَى الْكُوفَةِ حَتَّى أتى عَلِيًّا، واسْتخْلفَ عَبْد اللَّهِ بن عبد المدان الحارثي عَلَى اليمن، فأتاه بُسْرٌ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ ابْنَهُ، ولقي بسر ثقل عُبَيْد اللَّهِ بن عباس وفيه ابنان لَهُ صغيران، فذبحهما.. وَكَانَ اسم أحد الطفلين اللذين قتلهما بسر عبد الرَّحْمَن، والآخر قثم وَقَتَلَ بُسْرٌ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ جماعةً كثيرةً من شِيعَةِ عَلِيٍّ باليمن" .   

هوية التشيع في اليمن:

هكذا يمكن القول بأن قبيلة "همدان الكبرى" ومعها قبيلة "مذحج" وهما مَن تحتلان أرجاء واسعة من الشمال اليمني قد اصطفتا في خانة الموالين للإمام علي بن أبي طالب وذريته منذ الابتداء، وتعمق ولاءهما بعد ذلك جراء انتشار أفكار ومذاهب موالية لآل البيت كالإسماعيلية والشافعية وصولاً إلى الزيدية التي انتشرت مع احتضان القبيلة اليمنية عام 284هـ/897م، لمؤسس دولة الأئمة في اليمن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم الرسي، الذي قدم من وادي الفُرْع في الجنوب من المدينة المنورة  بدعوة من زعماء القبائل الهمدانية في صعدة ليقوم بحل المنازعات التي استشرت بينهم، وليكون عمودهم الديني والسياسي الذي يرتكزون عليه، خاصةً وأنه قد انتشر في اليمن خلال تلك الفترة أتباع المذهب الإسماعيلي بزعامة الدَّاعيين الحسن بن حوشب (منصور اليمن) وعلي بن الفضل الخَنْفَري ، فكان أن أعلن الإمام الهادي في خطبة شهيرة قواعد حكمه القائم على كتاب الله وسنة رسوله، داعيًا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشترطًا عليهم النصيحة في السِّر والعلن، والطاعة ما أطاع الله.

 

وبحكم احتضانها التاريخي لأئمة الزيدية فقد تبنت القبيلة اليمنية موقف الإمام زيد بن علي الرافض ذم الخليفتين أبي بكر وعمر والقدح في الصحابة إجمالاً، وبذلك فيمكن القول بأن هوية التشيع في اليمن قد اقتصرت ملامحها على جانب إظهار الموالاة والمناصرة السياسية بعيدًا عن أي إسقاط مذهبي، وهو ما شكل علامة خلاف فارقة بين الزيدية وباقي فرق الشيعة، كما مثل نقطة اتفاق جوهرية بين الزيدية والشافعية، لاسيما وأن الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي قد اشتهر بموالاته لآل بيت الرسول وفق مدلول أبياته الشهيرة التي تقول:

يا راكبا قف بالمحصب من منى     واهتف بساكن خيفها والناهضِ

سَحَرًا إذا فاض الحجيج إلى منى    فيضًا كملـتـطـم الفرات الفائضِ

إن كان رفــضا حــب آل محـمـد    فالـيـشـهـد الثقـلان أني رافـضِ

في هذا الإطار فقد انتشر المذهب الشافعي في محافظات إب وتعز وتهامة علاوة على مختلف المحافظات الجنوبية؛ في حين انتشرت الزيدية في المحافظات الشمالية ابتداء من مدينة ذمار جنوبًا وحتى صعدة شمالا، وشملت محافظة حجة غربًا والجوف ومأرب شرقًا، بمعنى آخر فإن الزيدية توسعت في الرقعة الجغرافية لقبيلة همدان الكبرى بجناحيها حاشد وبكيل وقبيلة مذحج. في حين انحسرت رقعة المذهب الإسماعيلي في منطقة جغرافية وسكانية صغيرة.

جدير ذكره فإن العلاقة بين شافعية اليمن وزيديته قد ظلت ولقرون طويلة محكومة بالأسس الشرعية الضابطة لقواعد الاتصال الفكرية أولا، والسياسية والعسكرية ثانيًا، إذ لم ينظر كل منهم للآخر بنظرة التكفير أو التفسيق، وبالتالي فلم تنطلق خلافاتهم السياسية والعسكرية من منحى طائفي مذهبي، كما لم تشكل مسائل الخلاف العقدي حجر عثرة في وجه التقارب الفكري بين المذهبين في اليمن، ناهيك عن ضآلة الفوارق الفقهية والعبادية بينهما، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى حرص الأئمة الزيدية على توثيق الوشائج الفكرية مع علماء الشافعية من جهة، والحفاظ على شخصيتهم الفكرية حال السيطرة على مواقعهم الجغرافية من جهة أخرى. ويشهد بذلك الواقع التاريخي، حيث انضوت كثير من المناطق الشافعية تحت حكم دولة الأئمة الزيدية منذ منتصف القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، ومثلت مدينة تعز الشافعية المذهب عاصمة لبعض الأئمة وآخرهم الإمام أحمد حميد الدين المتوفى عام 1382هـ/1962م ومع ذلك فقد حافظت الشافعية على مكانتها العلمية ولم يجر أي استهداف فكري لتحجيمها وتحويل أبنائها إلى المذهب الزيدي بأي حال من الأحوال.

بهذه الأسس تكونت دولة الأئمة، ووفق ذلك المنهج الاستيعابي الوسطي تأسست قواعد التشيع ضمن أرجاء القبيلة اليمنية، التي لم تتباين في مضمونها مع المضمون الشافعي في موضوع المحبة والموالاة لآل البيت، وكانت الزيدية في مشوارها العلمي بعيدة كل البعد عن مضامين فرقتي الإسماعيلية والإمامية الاثنى عشرية، بل كانت على النقيض منهما فكرًا وموضوعًا.

وبحكم ما مثلته الزيدية من وسطية واعتدال إيمانًا منها بأن: "كل مجتهد مصيب"، وأن "الإمام حاكم"، وأن "تقليد الحي أولى من تقليد الميت"، إلى غير ذلك من الأفكار التي جعلتهم يمثلون نقطة التقاء رئيسة بين فرق الشيعة والسنة، ليتم وصفهم بأنهم سنة الشيعة وشيعة السنة، فلم يحرص أئمتها وعلماؤها على بث أفكارها العلمية في أروقة ومحيط المجتمع بوجه عام.

ويؤكد ذلك ما سبق الإشارة إليه من انتفاء قيام الآلة العلمية الزيدية بتغيير هوية المجتمع الشافعي، بل كان أن حافظت الزيدية على هوية اليمن المذهبية على الصعيد الشافعي والإسماعيلي طوال فترات حكمها، وبالتالي فلم يكن من ثقافة آلتها العلمية الاهتمام بأدلجة الناس ثقافيًا بمفاهيم وتقاليد خاصة كما هو الحال في المذهب الإمامي الاثنى عشري، لكونها لا تؤمن بعصمة أحد من الأئمة، ولقناعة أئمتها وعلمائها بكسبية العلم ونسبية الحقيقة، وانتفاء وجود أي طقوس تأبينية سواء للإمام عليّ أو الحسن والحسين وغيرهم من آل البيت، ولذلك لم يعرف اليمنيون ثقافة زيارة الأضرحة سواء لأئمة آل البيت في اليمن أو غيرهم، كما هو الحال في المذهب الإمامي الاثنى عشري، وهو ما انعكس بعدئذ على طبيعة وهوية البناء الديني للقبيلة اليمنية التي لم تتحزب لفكر ومذهب خلال صراعها البيني، بل ولم تجعل الرابط بينها وبين الآخر قائمًا على ذلك بأي حال من الأحوال، وعاشت بمنأى عن كثير من النقاشات المذهبية التي ظلت محصورة في إطار مدونات شريحة العلماء والفقهاء، الأمر الذي كانت له آثاره الإيجابية على شكل وطبيعة العلاقات البينية ضمن إطار المجتمع اليمني بوجه عام، ومنع من ظهور الدولة الدينية ذات الأهداف التوسعية وفق رؤاها العقائدية، مما منع حدوث حالة التشظي المذهبية التي تعيشها بعض الأقطار العربية. 

مرتكزات القوة في المجتمع القبلي:

من جانب آخر فيؤكد ما سبق على أن مرتكزات القوة في المجتمع القبلي قد قامت على مفهوم النظرية التعددية الذي من خلاله تتشارك عناصر المجتمع المتنوعة في تشكيل ملامح وسمات وخصائص القوة والنفوذ فيه، على اعتبار أن القوة ليست محصورة في يد طبقة مسيطرة، أو صفوة حاكمة، بل هي منتشرة بين مختلف أركان فئات المجتمع بأكمله. وهو ما وضح في حيثيات النظام السياسي لدولة الأئمة إجمالاً، الذي توازنت فيه أدوار مختلف شرائحه المجتمعية، فشريحة القبائل كان لها دورها المحوري في هرمية السلطة، كما لشريحة القضاة وظيفتهم العلمية التي يشتركون فيها مع شريحة الهاشميين. على أن ذلك قد اختل في العهد الجمهوري، جراء تفاقم الصراع بين سلطة القبيلة وسلطة العسكر من جانب، واحتدام الصراع ضمن منظومة المجتمع القبلي في ظل ضعف الدولة المؤسسية من جانب آخر.

وفي المحصلة فقد حافظت القبيلة على مركزيتها في صناعة النظام السياسي وتثبيت قواعده خلال الفترات السابقة واللاحقة كذلك، والفارق يكمن في أسلوب تعاملها مع الإمام أو الرئيس، فإن كان إمامًا شرعيًا تتوفر فيه الشروط المستحقة، أو رئيسًا تعتقد صدقه وأمانته، سلمت له قيادها بصدق وإخلاص، وإن كان متغلبًا لا تتوفر فيه الشروط اللازمة وفق القواعد العدلية الزيدية، أو رئيسًا متقلدًا السلطة بطرق غير قانونية، عملت على التحالف معه بشروط مالية مستحقة، وفي ذلك يفصح شاعرهم بقوله:            

ما مَامِيَّ أحَّدْ ولا أحَّدْ لي إمام ،،، ما مَامِيَّ إلا من ملا جيبي فلوس

في هذا السياق يمكن القول بأن جذوة الصراع بين القبيلة والدولة خلال العهد الجمهوري قد تمثل في الصراع بين سلطة الشيخ والرئيس على عهد إبراهيم الحمدي، لتنتهي الجولة بتسنم الرائد علي عبد الله صالح سدة السلطة بتأييد ومساندة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في حينه، ورضا وموافقة غيره من مشايخ القبائل الأخرى وقيادات اليمن السياسية. 

ومنذ ذلك الحين ومع بداية عقد الثمانينات الميلادي، باتت القبيلة ممثلة في شخص الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وبمساندة بعض حلفائه من مشايخ القبائل الأخرى، هي المسيطرة على مفاصل التوازن العسكري. وفي الوقت ذاته فقد حافظ أبناؤها على سمتهم الثقافي البعيد عن التحزب والانتماء لأي أيدلوجية دينية، إلا ما كان نابعًا من موروثهم التاريخي الذي شكلت ملامحه "الزيدية الثقافية" خلال قرون متوالية بمفاهيمها البسيطة.

ولذلك لم يساندوا مختلف الدعوات السلفية على عهد الشيخ مقبل الوادعي بالرغم من انتمائه إلى قبيلة وادعة، وتمركزه في "معهد دار الحديث" ببلدة دماج، الذي كان يعج بآلاف من الطلاب الوافدين، وأفراد معدودين من أبناء القبائل الحاضنة والمجاورة.

كما لم يتفاعلوا مع دعوات حركة الإخوان المسلمين ممثلا بحزب التجمع اليمني للإصلاح، ورغبة منهم في اختراق المنظومة القبلية وافقوا على أن يكون الشيخ عبد الله الأحمر رئيسًا عليهم، على الرغم من عدم انتمائه حزبيا لهم، رغبة منهم في تحقيق ما يصبون إليه من دعم قبلي، فكان أن تحققت المصلحة للطرفين، حيث خرج الشيخ عبد الله من ضيق المشروع القبلي واقتحم أروقة ودهاليز السياسة الخارجية في إطارها الإقليمي والدولي؛ وفي المقابل حظيت مختلف كوادر العمل الإسلامي بالحماية والرعاية من قبله.

وفي السياق ذاته لم تجد القبيلة أي غضاضة في الانتماء لحزب المؤتمر الشعبي العام، لكونه حزبًا لا يدعو أو يتبنى أيدلوجية دينية تعارض ما ترسخ في وجدانهم من مفاهيم وقيم وموروث، مع الإشارة إلى أن الآلة الإعلامية الرسمية بتأثير إخواني وتوجه جهوي ما كانت لتتوقف عن تشويه الثقافة الزيدية بإدخالها تارة في أتون الصراع السني الشيعي، وتارة في لهيب الصراع الإيراني العربي، عاملة على ربط الزيدية بمشروع الهلال الشيعي، بهدف تحجيم وتغيير المنظومة القيمية الفكرية الموروثة، على أن ذلك لم ينجح ـــ كما تبين ـــ في التأثير على وجدان القبيلة التي سرعان ما استعادت ذاكرتها بصورة سلسة كما يبدو.  

هوية الدور القبلي في الربيع العربي:

فمع حلول الربيع العربي في أوائل عام 2011م، وضح رفض القبيلة لأي دعوة أيدلوجية منافية لموروثهم التاريخي، فكان أن برز تيار قبلي معارض للنظام القائم في حينه، ولكنه غير منجذب لأطروحات ساحات اعتصام حزب الإصلاح الإخوانية، فكان ذلك بمثابة النواة التأسيسية لولادة جماعة "أنصار الله" التي انخرط فيها مجاميع متنوعة من قبيلة حاشد وبكيل ومذحج، والتي لم تستشعر أي غربة مع خطابها الديني جراء ما تراكم في وعيها من إرث تاريخي أكد تلك المقولة التي تنص على أن "ذاكرة الشعوب لا تموت". ووضح ذلك الدعم القبلي في حجم الجموع الغفيرة التي ناصرت الكيان السياسي الوليد في مطالبه الخدمية واعتصاماته السلمية ضد حكومة الوفاق الوطني بقيادة حزب الإصلاح، التي نتج عنها اندلاع المواجهة العسكرية بين المجاميع المسلحة الموالية لحزب الإصلاح مع الجموع المسلحة من أبناء مختلف القبائل، يتقدمهم جملة من القيادات التاريخية لقبيلة حاشد، الذين تم تهميشهم خلال العقود السالفة، فوجدوا في إعلان موالاتهم للحركة الجديدة مكسبًا لهم، وإعادة لكياناتهم المفقودة، وهو ما أدى إلى سقوط حاضرة آل الأحمر بلدة "خَمِر"، ومن ثم حاضرة حاشد مدينة "عَمْران" في يد الكيان السياسي الناشئ بشكل سلس وحاسم، ثم أثمر عن سيطرتهم على العاصمة صنعاء بشكل فوري جراء انهيار قيادة الفرقة أولى مدرع وانسحابها السريع من العاصمة.

وواقع الحال فقد كان ذلك بمثابة الصدمة لقوى الإسلام السياسي في اليمن، الذين تصوروا أن الربيع العربي قد أينع وبلغ منتهاه بوصولهم للحكم أسوة بما هو حادث في مصر وتونس، ولذلك لم يتمكنوا من استيعاب التغيير الجذري الحادث في الخريطة السياسية اليمنية، ولم يتفهموا ضمور قوة الشيخ القبلي عبدالله بن حسين الأحمر وأبنائه، الذين تحالفوا معهم طوال العقود الماضية، وكان من جراء ذلك أن عملت آلتهم الإعلامية القوية وفي مقدمتها قناة "الجزيرة" الفضائية وغيرها، على رسم الصورة التي تتوافق مع رغباتهم، وليس وفقًا لما هو قائم في أرض الواقع. وبذلك تم تصوير الصراع بين "أنصار الله" و"الإصلاح" في إطاره الطائفي الإقليمي، ضمن إطار ما يعرف بالصراع العربي الإيراني في جانبه السياسي، أو السني الشيعي في جانبه الديني، بالرغم من أن المحرك في كل ذلك كان راجع إلى الخلاف البيني النابع من إشكال داخلي بصورة كلية.

حجم وتأثير الثقافة الإيرانية في القبيلة اليمنية:

على أن الصورة الإخوانية قد وجدت ما يسندها حال قيام جماعة "أنصار الله" المدعومة قبليًا بعقد اتفاقات مع جمهورية إيران فور انقلابهم على السلطة، كما دشنوا آنذاك أكثر من أربع عشرة رحلة جوية أسبوعية بين صنعاء وطهران، وقام بعض مسؤوليهم بزيارة إلى طهران لبحث أطر التعاون وتعزيز قوة الحركة، وكان أن عاد الوفد بالكثير من الوعود الإيرانية التي خاب جلها حسبما أكده عدد من أعضاء الوفد لاحقاً، وصار واضحاً أن إيران تفضل استغلال الحوثيين واستثمار وجودهم لتحسين وضعها التفاوضي على الصعيد الإقليمي والدولي، لاسيما وأنها لا تنظر لليمنيين بنفس النظرة التي تنظرها لحزب الله في لبنان على سبيل المثال . ذلك أن العلاقة بين الحوثيين والإيرانيين ليست متناغمة تماماً، إذ لا تحبّذ إيران وجود نسخة شيعية عربية معتدلة مثل الزيدية لا تؤمن بمبدأ الإمامة والولاية المعصومة.

والسؤال: هل لو شعرت الحركة الجديدة بالأمان واستعادت هويتها المذهبية التاريخية، هل كان يمكن أن تلجأ لإيران مع البون الكبير بينهما مذهبيًا وتاريخيًا؟ وما التفسير المنطقي لعدم وجود ممانعة واضحة للعلاقات الوثيقة مع إيران من قبل مجاميع القبيلة اليمنية مع امتلاكها لإرادتها وقوتها العسكرية؟ وبناء على ذلك، هل تمكن الإيراني خلال السنوات الفائتة من نسج موروثه الثقافي ضمن أروقة المجتمع اليمني القبلي بوجه خاص؟ 

أسئلة عديدة يمكن طرحها، على أني أؤمن بأن ذاكرة الشعوب لا تتغير بسهولة، ومن الصعب أن يتأثر اليمني زيديًا أو شافعيًا وحتى إسماعيليًا بأي مذهب خارجي، ولو كان ذلك ممكنًا لما تلاشى مدّ مدرسة أهل الحديث في اليمن (السلفية) بشكل كبير وفي فترة وجيزة. كما أن طبيعة وذهن المجتمع اليمني القبلي الزيدي وحتى الشافعي لا تتوافق مع أدبيات المذهب الإمامي الشيعي وطقوسه البكائية، ناهيك عن حجم الفوارق الكبيرة في الأصول بين الزيدية كمذهب والإمامية، مما يجعل الزيدية في خانة واحدة مع باقي المذاهب الأربعة في نظر الإمامية الاثنى عشرية.

أشير في السياق ذاته إلى أن الوجود الإيراني ما كان ليكون لولا حالة الاستهداف الذي تعرضت له الزيدية على مدار عدة عقود سابقة، حيث عمد النظام السياسي وفي سبيل محاربته للنظام الإمامي إلى ربط الزيدية كمذهب بالإمامة كنظام بالهاشميين كشريحة سكانية في دائرة قمعية واحدة، وكان أن اعتمد بعض أركانه إثارة النعرات وتصعيد الخلاف بين العصبية الهاشمية والقحطانية، وفي ذلك يذكر الشيخ سنان أبو لحوم في مذكراته قائلا: "ويوم 12/10 كنت في البيت متعبًا فزارني قاسم غالب وتحدثت معه كثيرًا، وكان عائدًا من القاهرة وأثنى على البيضاني، وقال: إننا غيرنا الفكرة إلى القحطانية والهاشمية، لأنها كانت مفيدة، فقد انتهت النعرة بين الشافعية والزيدية، وهو كان من دعاة ذلك" .  

وهو أيضًا ما تبناه الدكتور عبد الرحمن البيضاني بحسب شهادة الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني، الذي عبر عن رفضه لمثل تلك الممارسات العنصرية والطائفية بقوله: "إن الدكتور البيضاني قد جاء ليفرق بين أبناء الشعب فيهاجم الهاشميين تارة، ويهيج الشافعية ويتباكى عليهم أخرى" .

وعلى الرغم من هذه الرؤية المعتدلة للرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني، إلا أن كاتب مقدمة مذكراته وهو مطهر الإرياني قد تبنى ذلك الخطاب المتطرف حين يشير إلى أن الحركة الوطنية في اليمن تعود بامتداداتها إلى أواخر القرن الثالث الهجري، معتبرًا علي ابن الفضل الخنفري القرمطي، والمخالف صريح الكتاب والسنة الصحيحة بإجماع العلماء، مناضلاً يستحق الإشادة لكونه محاربًا للإمام الهادي في حينه، ولا يكتفي بذلك، بل يعتبر وجود الهاشميين جزءًا من الصراع بين عرب الشمال وعرب الجنوب وفق تعبيره.

خاتمة:

هكذا سيق اليمن لعقود سابقة إلى أتون معركة زائفة، وتبنى بعض اليمنيين من خارج نسق القبيلة خطابًا عنصريًا لا يزال قائمًا حتى اليوم، وأريد للقبيلة اليمنية أن تكون رحى ذلك القمع دون أن تدرك، لكنها هي أيضًا من قاد التحرر من ذلك القمع بوعي أو بغيره. وكان أن أثبتت عمق حكمتها في التعامل مع الأزمات حال تداول الصراع البيني في فترات الفوضى السياسية في اليمن، باتفاقها المبدئي على الالتزام بحيثيات الأحكام العرفية الضابطة لأطر وشكل العلاقات البينية بينها، وأطر وشكل وحدود العلاقات مع باقي أفراد المجتمع من جهة أخرى، فكانت تلك الأعراف بمثابة القانون المدني الوَجاهي، الذي يشكل الضمانة القطعية لتداول الصراع المحدود والسلمي بين مختلف القبائل ضمن أرجاء اليمن، وهو ما أدى إلى حفظ الحرمات، ورعاية الحقوق، والالتزام بخصال المروءة ، بل وبروز مفهوم "عقلانية الحرب" جراء ضعف سلطة الدولة وأجهزتها المركزية طوال فترات الفوضى السياسي، ومثلت القبيلة حين ذاك وحتى اللحظة، بأعرافها وعاداتها وقيمها وحتى أمثالها الشعبية، الضمانة الأقوى لسلامة المجتمع من الانفلات المطلق، والانزلاق في مهاوي الحرب الأهلية، لكونها لم تتشرب ذهنيًا بأي فكر إقصائي، ولم يتغلغل إلى أعماق مرتكزاتها البنائية توجه ديني يختزل الحقيقة والطريق إلى الجنة. وهو ما يجعلها اليوم وفي ظل الأزمة السياسية الحالية مركزًا يمكن الاعتماد عليه لتحقيق ما تصبو إليه المنطقة من سلم وأمان.

مقالات لنفس الكاتب