العدد 161

المبادرة السعودية أنعشت الحل السلمي ونجاحها يحتاج ضمانات أمريكية ودولية

السبت، 01 أيار 2021

في 22 مارس 2021، أعلنت المملكة العربية السعودية عن مبادرة أحادية لحل الأزمة اليمنية وذلك من خلال المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان وبحضور الناطق الرسمي باسم التحالف العربي تركي المالكي والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر في سعي منها لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية إنسانية لممارسة الضغوط على الحوثيين لتقديم التنازلات السياسية من أجل السلام الإقليمي والعالمي. و تتضمن المبادرة شريطة موافقة الحوثيين عليها، وقف شامل لإطلاق النار تحت مراقبة الأمم المتحدة، وفتح مطار صنعاء الدولي لعدد من الرحلات المباشرة الإقليمية و الدولية، و إيداع الضرائب و الإيرادات الجمركية للسفن و المشتقات النفطية من ميناء الحديدة في الحساب المشترك بالبنك المركزي اليمني وفقًا لاتفاق ستوكهولم بشأن الحديدة. ويلي التوافق على تلك الإجراءات بدء المشاورات بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى حل سياسي برعاية الأمم المتحدة بناء على مرجعيات المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني اليمني، وقرار مجلس الأمن 2216 الصادر في 2015م، وجاءت المبادرة السعودية بعد أن قدمت الإدارة الأمريكية الجديدة مبادرتها كذلك لإحلال السلام في اليمن والتي سلمها المبعوث الأمريكي لليمن تيموثي ليندركينغ للوفد التفاوضي الحوثي في مسقط خلال الاجتماع الذي عقد ما بين الطرفين الأمريكي والحوثي. وبالرغم  من ان المبادرة السعودية تضمنت نقاط جديدة كانت سببًا رئيسيًا لرفض الحوثيين المبادرات السابقة لاسيما ما يتعلق بميناء الحديدة ومطار صنعاء، إلا أن الحوثيين سارعوا برفضها بل قاموا بالرد العسكري على ضربات التحالف العربي التي سبقت إعلان المبادرة بيوم واحد  و الذي استهدفت موقع لتجميع الطائرات المسيرة من صنعاء. يعود فشل تلك المفاوضات إلى ضرورة الأخذ بتطورات الداخل اليمني و اقتصاد الحرب، و البعدين الدولي و الإقليمي.

حرب باردة جديدة "الصين وأمريكا"

أتت المبادرة السعودية الجديدة لإنهاء الأزمة اليمينة في ظل أجواء من الحرب الباردة الجديدة مابين الصين و الولايات المتحدة الأمريكية. وقد انعكس بوضوح ذلك التوتر في أول قمة امريكية-صينية عقدت في آلاسكا بعد انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن ، حيث شهدت تصعيد من كلا الجانبين و انتهت دون صدور أي إعلان. وبعد تلك الإفتتاحية النارية من كلا الطرفين، عاد كلاهما ليؤكدا السعي نحو التعاون. أما وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن، فقد أكد أن استراتيجية الجانب الصيني كانت دفاعية .. و أن مصالح البلدين تتقاطع عند ملفات إيران و كوريا الشمالية مع وجود اختلافات في وجهات النظر.

تقاطع إيران ما بين الصين وأمريكا

في أعقاب تلك القمة الأمريكية-الصينية، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على سكرتير لجنة الحزب الشيوعي الصيني لشؤون الإنتاج والبناء في سينجان ومدير مكتب الأمن العام في الإقليم متهمًا إياهما بانتهاكات حقوق الإنسان. وعلى أثر ذلك، سارعت الصين بالإعلان عن توقيع الإتفاق الربع قرن مع إيران والذي يشمل استثمارات صينية في كافة القطاعات الاقتصادية في إيران لاسيما في القطاع النفطي، بالإضافة إلى انتشار عدد من القوات العسكرية والتي قدرت مابين خمسة آلاف إلى خمسين ألف عسكري صيني على ضفاف الخليج. وبذلك فقد سعت كل من الصين و إيران إلى تقوية مواقفهما التفاوضية، فالصين ترغب بتقوية موقفها التفاوضي في بحر الصين و في المجال الإقتصادي، في حين سعت إيران لتعظيم موقفها التفاوضي في الملف الإيراني النووي. وبذلك تحولت كافة الملفات الإقليمية لاسيما تلك التي تلعب إيران فيها دورًا رئيسيًا كالأزمة اليمنية إلى أوراق تفاوضية جديدة على طاولة مباحثات الاتفاق النووي الإيراني.

التودد الأمريكي .. و التعنت الإيراني

بالرغم من تعهدات الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن بعدم تكرار أخطاء الإدارة الأمريكية الديمقراطية السابقة للرئيس باراك أوباما و التي كان يشغل فيها منصب نائب الرئيس لاسيما  في تجاهل دول الخليج و عدم إشراكها في مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني و التي أفضى إلى فشل هذا الاتفاق بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب الإنسحاب منه في عام 2018م، حينما أدرك بأن الإتفاق ساهم في تعظيم قدرة إيران الإقليمية و توسعها في دول الجوار، إلا أن تلك التعهدات سرعان ما تبرخت على واقع السياسات الأمريكية الجديدة في المنطقة. فكما هاجم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما دول الخليج في حديثة الشهير لمجلة "ذي اتلانتك" حينما وصفهم بالراكبين بالمجان و المستفيدين مجانًا من الغطاء الأمني الذي يوفره التواجد الأمريكي العسكري في المنطقة، فقد سارع الرئيس الأمريكي الجديد إلى إيقاف صفقة السلاح إلى المملكة العربية السعودية، و صرح بضرورة  إبداء إيران الالتزام ببنود الاتفاق النووي الإيراني السابق كشريطة للعودة لطاولة المفاوضات. و قد جاء الرد الإيراني بإطلاق مناورات إعلامية مؤكدة بأن من غادر الإتفاق هو الذي  يبدأ بالعودة الغير مشروطة إلى طاولة المفاوضات. وسعت لسياسة الانتهاكات كوسيلة للضغط لرفع العقوبات وحتى لا يتم إجراء أية تعديلات على الإتفاق النووي السابق والذي كان يصب للمصلحة الإيرانية بالدرجة الأولى على حساب الأمن الخليجي والإقليمي.  كما لوحت إيران قبيل المفاوضات بالمضي في تقليص التزاماتها بعدما رفعت عام 2020م، نسبة تخصيب اليورانيوم المسموح بها إلى 20% بدلا من 3.67% في إشارة إلى إمكانية تصاعد تلك النسبة حتى تصل إلى 90% وهي المطلوبة للتخصيب اللازم لصنع السلاح النووي. وخلال مباحثات فيينا و  التي رفضت فيها إيران التفاوض المباشر مع الأمريكيين حيث اقتصرت مشاركتهم في لجان الخبراء، أعلنت تشغيل موقع أراك في خطوة تصعيدية للضغط على المباحثات لتعزيز موقعها التفاوضي. ففي أبريل 2021م، أعلن علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية في اليوم الوطني الإيراني للتكنولوجيا بدء تشغيل القطاع الثاني لإنتاج الماء الثقيل في مفاعل أراك النووي وذلك في إطار تقليص التزام إيران بالاتفاق النووي ردًا على الانسحاب الأمريكي منه. كما تم الكشف عن البدء في مرحلة الإختبار الميكانيكي لأجهزة الطرد المركزي الجديدة المتطورة "اي ار 9" لرفع قدرة إيران في تخصيب اليورانيوم. و تعتبر إيران من ضمن الدول السبع الأوائل عالميًا في مجال التخصيب

حرب الظل الإيرانية-الإسرائيلية

يأتي التودد الأمريكي لإيران في الوقت الذي تشهد المنطقة حرب الظل القائمة منذ فترة مابين إيران و إسرائيل، وقد تجلت تلك الحرب في ظل الحروب السيبرانية و اغتيال القائد الميداني قاسم سليماني والعالم النووي الإيراني محسن فخري زادة ، و تفجير قوة القدس الإيرانية قنبلة بالقرب من السفارة الإسرائيلية في الهند في يناير2021م، والهجمات المتكررة على مفاعل ناتانز ، و قيام إثيوبيا باعتقال 15 مسلحًا مرتبطين بإيران بتهمة التآمر لشن هجمات على أهداف إسرائيلية و أمريكية و إماراتية، و إطلاق صاروخ سوري بالقرب من مفاعل ديمونا الإسرائيلي . و تعتبر حرب السفن أحد أهم أشكال حرب الظل القائمة في الوقت الحالي ما بين إسرائيل و إيران و التي بدأت منذ عام 2019م، و قدرت الهجمات الإسرائيلية ما بين 10 إلى 20 هجمة جميعها تركزت على السفن التي تحمل النفط و الأسلحة الإيرانية عبر شرق البحر الأبيض المتوسط و البحر الأحمر لاسيما أن ثلث الواردات و الصادرات الإسرائيلية تمر عبر البحر الأحمر و خليج عدن. و تعتمد إسرائيل على تنفيذ تلك الهجمات على وحدة كوماندوز " " Flotilla 13وهي وحدة بحرية تقوم بتلك العمليات منذ النشأة الأولى لقيام الكيان الصهيوني. وتؤكد بعض المصادر الأمريكية والإسرائيلية أن معظم السفن الإيرانية تحمل وقودًا وعتادًا عسكريًا للحليف السوري، كما تهدف إسرائيل إلى تجفيف مصدر مهم لعائدات النفط لإيران والتي اعتمدت على الشحن السري للبترول بفعل العقوبات الإقتصادية الأمريكية حيث تقوم سوريا بالدفع نقدًا لإيران أو من خلال تقديم المساعدات اللوجستية لأعضاء من فيلق القدس الإيراني المتمركزين في سوريا وهو من فرع الحرس الثوري ولحزب الله.

التعنت الحوثي بالتبعية

تعنت السلوك الإيراني يفسر تعنت السلوك الحوثي بالتبعية و الذي بادر برفض المبادرتين الأمريكية و السعودية للسلام في اليمن لاسيما أن الحوثي الآن على مشارف مدينة مأرب الغنية بالبترول و الموارد الطبيعية. و يفسر ذلك الرفض نتيجة المواقف الأمريكية الأخيرة و المتمثلة برفع اسم الحوثي عن قائمة الإرهاب - إلا أنه في نفس الوقت فرض عقوبات على القيادات الحوثية في تناقض صارخ للقرار مما يؤكد إشكالية القرار- وتجميد صفقة السلاح إلى السعودية و تعيين مفوض أمريكي خاص باليمن و عقد مباحثات الوساطة الأمريكية-الحوثية في عمان، حيث رأى الحوثي في ذلك إشارة إلى الضعف و فرصة للتوسع ميدانيًا.و في مؤشر مبكر على رفض الحوثيين للمبادرة السعودية، كتب محمد عبدالسلام الناطق الرسمي للحركة الحوثية تغريدة أكد فيها أن المبادرة السعوية استحقاقات طبيعية و أن إعادة فتح مطار صنعاء و ميناء الحديدة يعتبر حق إنساني لا يخضع للشروط السياسية والعسكرية. كما جاء الرفض كذلك على لسان زعيم جماعة أنصار الله عبد الله الحوثي الذي علق قائلا "مقايضة الملف الإنساني كوصول المشتقات النفطية والمواد الغذائية والطبية باتفاقات عسكرية وسياسية مرفوض." وتمثل الرفض العملي من خلال عملية عسكرية أطلقها الحوثيون بعنوان "عملية يوم الصمود الوطني" استهدفت فيها بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية مناطق في العمق السعودي بما فيها محطة توزيع منتجات البترول في جازان، واستهداف مقرات شركة أرامكو في رأس التنورة، ورابغ وينبع، كما استهدفت قاعدة الملك عبد العزيز في الدمام باثنتي عشرة طائرة مسيرة، ومواقع عسكرية في نجران وعسير.

السلام...تهديد

مع دخول اليمن عامه السابع في الحرب الأهلية، لا تزال أفق السلام تبدو بعيدة بعد أن تجذرت حالة الانقسام المذهبي والمناطقي بصورة يصعب تجاوزها، فهي تتجاوز قضية الشراكة في الحكم وفقًا للتصور الدولي لحل النزاع. فلاتزال القوى المتصارعة مستمرة في القتال لإستمرار الأسباب التي انخرطت من أجلها في تلك الحرب الأهلية. فالحوثيون الذين يملكون القوة الميدانية و يسعون للسيطرة على مأرب، و يؤمنون بالحق الإلهي في الحكم الذي يرفض تقاسم السلطة. أما رئيس الحكومة الشرعية عبدربه منصور هادي فهو كذلك يسعى للحفاظ على كرسي الرئاسة حتى لو كان ذلك في المنفى، و بالرغم من مناداة الشرعية بالعودة إلى مخرجات الحوار الوطني و الدولة الاتحادية إلا أنها كذلك تسعى لمقاومة مشروع الحوثي بالأدوات الطائفية، أما المجلس الانتقالي الجنوبي فهو يسعى لاستعادة دولة الجنوب ما قبل عام 1990م، و لا ترى بقية المناطق و القوى السياسية فرصة التمثيل السياسي ما بعد وقف إطلاق النار، ولذلك فإن كافة الأطراف السياسية اليمنية المتحاربة ترى في السلام تهديدًا و جميعها فشلت في وضع تصور شامل لمستقبل الحكم و احترام التوافقات التي توصلت اليها في مؤتمر  الحوار الوطني الذي رعته الأمم المتحدة لبناء دولة يمنية اتحادية جديدة.

من صنعاء إلى مأرب

شهدت صنعاء انطلاقة ثورة الشباب اليمني في 2011م، والمطالبة برحيل علي عبد الله صالح الذي حكم اليمن لــ 33 عامًا، إلا أنه واجه تلك المطالب بأساليب قمعية أفضت إلى محاولة اغتياله في 3 يونيو، حيث نقل للعلاج وعاد للسلطة في 23 سبتمبر لكنه ما لبث أن تنازل في 23 نوفمبر بعد إطلاق المبادرة الخليجية والتي حصل بموجبها على الحصانة القضائية ليتحول إلى لاعب من جديد في العملية السياسية. وفي 24 فبراير 2012م، تم انتخاب هادي رئيسًا شرعيًا جديدًا لليمن، وتم إطلاق الحوار الوطني اليمني وفي ذلك الوقت تمكن الحوثيون من التقدم نحو العاصمة صنعاء بعد حصار السلفيين في دماج ومن ثم اشتباكهم مع حزب التجمع اليمني للاصلاح، وبذلك أصبح الطريق مفتوحًا للحوثيين للوصول إلى صنعاء حيث تمكنوا من السيطرة عليها في 21 سبتمبر 2014 م، وتم ذلك بالتعاون مع علي عبد الله صالح الذي أصبح حليفًا للحوثيين آنذاك. في البداية وافق الحوثيون على تشكيل حكومة "وحدة وطنية" مع الحكومة الشرعية إلا أنهم وقوات صالح رفضوا الدخول في الحكومة لاحتجاجهم على نصيبهم من الحقائب الحكومية. وفي يناير 2015م، اختطف الحوثيون أحمد عوض بن مبارك مدير مكتب رئيس الجمهورية متهمينه بالفساد المالي وتمرير مسودة الدستور دون توافق على مسألة شكل الدولة. كما قاموا بالهجوم على منزل الرئيس هادي وطالب عبد الملك الحوثي بأربعة نقاط متعلقة بالشراكة ومسودة الدستور سميت "اتفاق السلم والشراكة الوطنية" التي وافق عليها هادي مقابل إطلاق سراح مدير مكتبه، وبعد أن تقدم الرئيس هادي بالإستقالة رفضها الحوثيون وابقوه تحت الإقامة الجبرية مما دفع ذلك لإعلان أربع محافظات جنوبية عدم تبعيتها لصنعاء لسيطرة الانقلابيين عليها. و في 6 فبراير أطلق الحوثيون "الإعلان الدستوري" و الذي بموجبه تم حل  البرلمان و تمكين اللجنة الثورية محمد علي الحوثي قيادة البلاد. استطاع هادي الفرار إلى عدن وهناك أعلن تراجعه عن الإستقالة وأن انقلاب الحوثيين غير شرعي، وبذلك أصدر مجلس الأمن قرار 2216 القاضي بإنسحاب الحوثيين من الأماكن التي سيطروا عليها وفرض عقوبات دولية ضد علي عبد الله صالح وكبار القادة الحوثيين بتهمة عرقلة المرحلة الإنتقالية في اليمن. ولذلك بدأت قوات الحركة الحوثية وعلي عبد الله صالح بالاتجاه جنوبًا والسيطرة على مأرب ومدينة تعز وهي ثالث أكبر مدينة في اليمن حيث سقطت بالتواطؤ مع قوات صالح التي كانت في المدينة، وتمكنت قوات صالح من السيطرة على مطار عدن الدولي وغادر هادي بعد أن تم قصف القصر الرئاسي مطالبًا الرياض بالتدخل. في 25 مارس 2015م، بدأت عملية عاصفة الحزم باسم التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية، وخلال ما يقارب الشهر أعلنت السعودية انتهاء العملية العسكرية بعد تحقيق أهدافها والمتمثلة في تدمير الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية التي تهدد أمن السعودية وتم الإعلان عن التحرك لاستئناف العملية السياسية وإفساح المجال للجهود الإغاثية والطبية والإنسانية في عملية سميت "إعادة الأمل"، ومع استمرار التحالف في حماية المدنيين ووقف تحركات الحوثيين. و في 14 يوليو، بدأ التحالف بعملية برية سميت "عملية السهم الذهبي"، بمشاركة قوات يمنية تدربت في السعودية بغطاء بحري و جوي من التحالف. و نجحت تلك القوات في تحرير عدن و عدد من المحافظات الجنوبية و استعادت السيطرة على محافظتي مأرب و الجوف و مضيق باب المندب و جزيرة ميون و منطقة ذباب الساحلية و المكلا. وفي 2016م، انطلقت مفاوضات الكويت للسلام اليمني إلا أنها لم تفض إلى نتيجة وأعلن الحوثيون وقوات صالح تشكيل المجلس السياسي لإدارة شؤون البلاد. كما تقدمت قوات حكومية من منفذ البقع الحدودي مع السعودية للدخول في محافظة صعدة وتمت السيطرة على مطار البقع المحلي. وفي عام 2017م، استمرت الاشتباكات على العديد من الجبهات، وشهدت كذلك انقلاب المؤتمر الشعبي بقيادة علي عبد الله صالح وتخليه عن الحوثيين ودعا إلى تحسين العلاقات مع دول التحالف العربي وقوات الشرعية، إلا أن الحوثيين تمكنوا من قتله واعتقال عدد كبير من قيادات المؤتمر الشعبي التابع له. وفي 2018م، تناقلت بعض الأخبار عن محادثات سرية ما بين السعودية والحوثي لإنهاء الحرب الدائرة. وفي 2019م، وجه الرئيس هادي اتهامات للإمارات بقصف قوات الجيش الوطني ودعم وتمويل المجلس الانتقالي الجنوب الانفصالي في عدن تمهيدًا لإنفصال الجنوب، وفي 2020 م، استمر الحوثيون باستهداف مدينة مأرب بالصواريخ البالستية.

اقتصاد الحرب

بالرغم من أن الحرب الأهلية اليمنية لعام 2015م، أكثر الحروب اليمينة دمارًا للبنية التحتية والعسكرية والاقتصادية في اليمن حيث تقدر كلفتها بمئات المليارات، إلا أن التمويل لا يأتي من الخارج فحسب. فاستمرار تلك الحرب مرجعه مصادر للتمويل الذاتي و التي بدورها لعبت دورًا كبيرًا في توفير الأسلحة و الذخائر للفصائل المتحاربة. فالحكومة اليمنية تتهم جماعة الحوثي بنهب المساعدات الإغاثية وسرقة مدخولات ميناء الحديدة المخصصة لتسديد رواتب الموظفين. كما ذكر تقرير لجنة الخبراء التابعة للامم المتحدة بأن "جماعة الحوثي تحصل بطريقة غير رسمية على أموال من الجبايات والزكوات المختلفة تزيد على مليار وثمانمائة مليون دولار، إلى جانب طرق رسمية عن طريق الشركات والكيانات الاقتصادية التي نشأت واستفاد منها النافذون في الجماعة... وقد نشأ في الجانب الأخر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اقتصاد حرب آخر مماثل.... وأن تفكيك اقتصاد الحرب سيكون أصعب من الوصول إلى حل سياسي." ويفسر اقتصاد الحرب، الهجمات الحوثية المتكررة على محافظة مأرب الغنية بالثروات الطبيعية لاسيما النفطية والمعدنية، وبذلك سوف تتحول تلك الثروة إلى ميادين للصراع ومصادر هامة لتمويله وبقائه. و يمتلك اليمن 87 قطاعًا نفطيًا يتم الإنتاج الفعلي في 12 قطاعًا منه، و تعمل فيها 11 شركة نفطية بحيث تبلغ مساحة القطاع الواحد قرابة 4 آلاف كيلومتر مربع. كما أن هناك 26 قطاعًا استكشافيًا تعمل فيه 16 شركة نفطية، و هناك 7 قطاعات قيد المصادقة، و نحو 28 قطاعًا مفتوحًا، و 14 قيد الترويد، و يبلغ حجم احتياطي اليمن من النفط 9.718 مليار برميل. أما الغاز فقد بدأ اكتشافه في 1984م، في القطاع 18 بحوض مأرب-الجوف النفطي، وثروة اليمن من الغاز المكتشف في القطاعات النفطية حتى عام 2006م، فهي بنحو 17.028 تريليون قدم مكعب. و تبلغ مساحة قطاع صافر النفطي بمحافظة مأرب ما يقارب 8 آلاف كليومتر مربع. ويؤكد الباحث اليمني مصطفى الجبزي، أن الحوثيين يسعون إلى تعديل قوانين التحصيل الضريبي والجمركي والزكوات بما في ذلك النفط والغاز واللذان لا ينتجونهما، ولكن يسعون لمضاعفة أسعار اسطوانات الغاز سبعة أضعاف شرائه من مأرب بأساليب لا تراعي ظروف السكان. كما يحصل الحوثيون على شحنات نفط مجانية من إيران بقيمة حوالي ثلاثين مليون دولار لكنهم يبيعونها في السوق السوداء بسعر يتراوح 1-10 أضعاف قيمتها من أجل تعزيز المجهود الحربي.

الخيارات و الحلول

في ظل ما تقدم من تشخيص للأزمة اليمينة في أبعادها الداخلية والإقليمية والدولية، فإن الخيارات ستكون نحو خيارين.

الخيار الأول: استمرار حالة الحرب الأهلية وضربات التحالف للأهداف العسكرية لاسيما أن السعودية كانت هدفًا أوليًا حتى قبيل انطلاق عملية عاصفة الحزم. ففي 26 فبراير 2015م، ألقى عبد الملك الحوثي خطابًا هجوميًا على السعودية مؤكدًا تغير اتجاهات السياسة الخارجية اليمنية ووجود البدلاء الدوليين. وفي 12 مارس 2015م، قام مسلحو جماعة أنصار الله بإجراء مناورات عسكرية على الحدود السعودية. وصرح محمد البخيتي القيادي الحوثي أن الحوثيين سوف يسعون لتحرير نجد والحجاز، وأنهم جاهزون لصد اي هجوم سعودي وأنهم لن يتوقفوا إلا في الرياض. ولكن يبقى خيار الحرب له أضرار إنسانية في الداخل اليمني، وأضرار سلبية على منظومة الأمن القومي العربي والعالمي لاسيما الأمن البحري والتجاري.

الخيار الثاني: وهو خيار السلام حيث يتجه إليه الجميع لاسيما التحالف والمجتمع الدولي وقد انتعش الأمل مجددًا مع مبادرات السلام المقدمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، ولضمان جهود السلام لابد من الأخذ بالعديد من الخطوات الهامة.

-تعزيز دور الوساطة العمانية في الجلوس مع الحوثيين  لاسيما أن الحوثيين يعتبرون القوة الميدانية على الأرض وكانت عمان لاعبًا رئيسيًا في نقل الطلب الحوثي إلى الإدارة الأمريكية الخاص برفع اسم الحركة الحوثية من قائمة الإرهاب.

-ضمان البدء بالعملية السياسية لتحقيق السلام الدائم بين الأطراف اليمنية بتشجيع خليجي و عربي.

-التأكيد على ضرورة الوصول إلى الحلول التوافقية لاسيما مابين الحوثيين والحكومة المؤقتة، فحتى لو كان الحوثيون يملكون القوة الميدانية فهم يفتقرون إلى الشرعية الدولية التي تحظى بها الحكومة الشرعية وبذلك يتحقق التعاون ما بين كلا الطرفين.

-التأكيد على كافة القوى اليمينة الأخرى لاسيما التي ظهرت مؤخرًا في حضرموت و شبوة و المهرة و مأرب بأنها ستكون ممثلة في السلطة و تقاسم الثروات.

-تعزيز مبدأ العدالة في توزيع الثروات والمساعدات الاقتصادية وتفكيك اقتصاد الحرب بما يضمن إيقاف التمويل الداخلي دون التصادم مع القوى المستفيدة.

-تعزيز الخطاب السياسي و الإعلامي من خلال التأكيد على الإنتماء القومي العروبي لليمن كونها تمثل منبع الأصول و الجذور العربية

-تشجيع دور الجوار الإقليمي في دعم العملية السياسية اليمنية لاسيما من قبل مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية

-تشجيع الأسرة الدولية على ضرورة النظر بأهمية العملية السلمية اليمنية بعيدًا عن المنظور الإقليمي والذي عادة ما يكون على حساب الداخل اليمني.

-ممارسة الضغوط بضرورة تحجيم الدور الإيراني في الأزمة اليمنية لاسيما في ظل الأجواء الدولية الحاضنة لمباحثات الاتفاق النووي الإيراني.

-تعزيز كافة الجهود الدولية الرامية لإنهاء الأزمة اليمنية وتحقيق السلام المستدام.

مقالات لنفس الكاتب