العدد 161

التفاوض والبناء رسالة السعودية لجميع اليمنيين

الخميس، 29 نيسان/أبريل 2021

الملف الرئيسي لهذا العدد من مجلة (آراء حول الخليج) يركز على المعضلة اليمنية التي تزداد صعوبة ويزداد تأثيرها ضراوة على الشعب اليمني الشقيق منذ أن انقلب المتمردون الحوثيون على السلطة الشرعية ونصبوا أنفسهم حكامًا على اليمن، وأرادوا بآلة عسكرية إيرانية، وبما استولوا عليه من مخازن الأسلحة اليمنية، بسط سيطرتهم بقوة السلاح على جميع محافظات ومديريات اليمن عنوة وتدمير مرافقه ومنشآته ومحو هويته وثقافته وإلغاء إرثه التاريخي، وتحويل هذا البلد العريق ومهد الحضارة العربية إلى مقاطعة إيرانية من حيث الهوية والانتماء والمذهب والنظام السياسي المستورد من طهران ؛أي نظام ولاية الفقيه دون الاكتراث بثوابت المجتمع اليمني وإرثه السياسي وتجاربه الطويلة في إدارة شؤون الدولة، بل وتركيبة المجتمع اليمني وتعايشه، ودون النظر إلى أبسط  حقوق الإنسان، والنساء وكبار السن والأطفال الذين زج بهم في أتون حرب لا هوادة فيها ،واتخاذهم رهائن بشرية في حرب أهلية مستعرة منذ الانقلاب عام 2014م، وضرب الحوثيون عرض الحائط  بنتائج الحوارات الوطنية وما أتفق عليه اليمنيون فيما بينهم وارتضوه لأنفسهم لحل مشكلاتهم والعيش المشترك في إطار دولة مستمرة منذ آلاف السنين، كما نقضوا الاتفاقيات التي احتضنتها العواصم الخليجية والأجنبية وبرعاية مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة وجهود مبعوثيها، كما سمحوا أن تكون اليمن منصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على المملكة العربية السعودية وأن تكون ملاذًا لعناصر الميليشيات المسلحة الأخرى الممولة من إيران والتابعة لها، وقبلت أن تنقلب على عروبتها وعلى مذهبها الزيدي المعتدل لتكون وكيلة لإيران في زعزعة أمن منطقة الخليج العربي ومدخل البحر الأحمر ومنطقة الجزيرة العربية.

المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لم يألوا جهدًا في التوفيق بين اليمنيين بما فيهم الفصيل الحوثي  الذين يعتبرونه فصيلاً من مكونات الشعب اليمني وأرادت هذه الدول أن تعيد استقرار اليمن عبر وسيلة المفاوضات لإنهاء الانقلاب والتفرغ لبناء ما هدمته الحرب، فكانت مفاوضات الكويت التي نقضها الحوثيون دون سبب إلا تنفيذًا لإملاءات إيرانية، وكذلك جهود سلطنة عمان المستمرة بحضور الحوثيين ومشاركات أو متابعة إقليمية و دولية، وأخيرًا المبادرة السعودية التي جاءت لإنهاء الحرب بالتفاوض بين جميع اليمنيين حول مستقبل بلادهم، وعودة تشغيل المرافق الخدمية والاقتصادية مثل الموانئ والمطارات والترتيب لإعادة الإعمار والبناء، ومع ذلك رفضتها جماعة الحوثي ، رغم إنها تنسجم مع القرارات الدولية والأممية وما اتفق عليه اليمنيون أنفسهم.

والسؤال: لماذا يتعنت الحوثيون ويرفضون كل الحلول السلمية لإطالة أمد الأزمة اليمنية وتكريس الفقر والانهيار الاقتصادي وتدمير البنية التحتية وتعطيل كافة مظاهر الحياة بما فيها المؤسسات الصحية والتعليمية والخدمية، وغيرها، إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي، وزيادة عدد النازحين.

ولعل الإجابة تأتي ضمن سياق واضح ينعكس على تصرفات هذه الجماعة ومنها أنها ليست صاحبة القرار، بل القرار يأتي من إيران التي تمول الجماعة بالمال والسلاح والأفكار والتحريض بالاعتداء على دول الجوار، وقبول جماعة الحوثي بذلك خطأ له تداعيات أكثر خطورة حيث لا يمكن أن يقبل الشعب اليمني أن يرهن قراره لإيران، ولا يتسق مع التاريخ والجغرافيا أن تكون اليمن صاحبة الحضارة بؤرة إيرانية في الجزيرة العربية والتخلي عن محيطه العربي.

كما أن جماعة الحوثي بهذا الرفض المطلق للحوارات السلمية والاحتكام للشعب اليمني تخشى أن تحصل على ما يناسب حجمها الحقيقي  في الحكم ضمن تركيبة المجتمع اليمني، وضوابط المحاصصة السياسية التي تنصاع لها جميع المكونات ،كل حسب حجمه وقاعدته الشعبية، ولذلك تفضل حكم الانقلاب العسكري المطلق الذي يقصي كافة أطياف المجتمع اليمني ويضمن بقاء الحكم في يد فصيل واحد دون مشاركة بقية مكونات الشعب اليمني، وهذا يتنافى مع أبسط قواعد الحكم الرشيد الذي يضمن المشاركة في إرساء قواعد العمل السياسي والتنمية والنهضة من مختلف زواياها لشعب يعاني منذ أن حدث هذا الانقلاب عام 2014م، وهذا ما تؤكده الإحصائيات والأرقام الواردة في هذا العدد من مجلة (آراء حول الخليج).

إن دول الخليج تريد فقط عودة اليمن إلى التعايش السلمي بين جميع مكوناته، ولا تقبل أن تحكم اليمن ميليشيات مسلحة تهدد جيرانها كما تفعل ميليشيات الحوثي ضد المملكة العربية السعودية، وأن تكون الأراضي اليمنية منصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على الأهداف المدنية والمنشآت الاقتصادية في المملكة، وهذا ما أكده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في حديثه المتلفز مؤخرًا حيث نبه سموه إلى خطورة هذه التصرفات، وأوضح أن المملكة تريد السلام وتريد الجوار الحسن مع الجميع بما في ذلك اليمن وإيران على أن يكون ذلك في إطار من التعايش، وأوضح سموه  "إن إيران دولة جارة وكل ما نطمح له أن يكون لدينا علاقة طيبة ومميزة مع إيران. وأن المملكة لا تريد أن تكون إيران في وضع صعب وبالعكس تريد إيران مزدهرة وتنمو لدينا مصالح فيها ولديهم مصالح في المملكة العربية السعودية لدفع المنطقة والعالم للنمو والازدهار".

واستنهض سموه في جماعة الحوثي وطنيتهم وعروبتهم فقال "المملكة عرضت وقف إطلاق النار والدعم الاقتصادي لليمن وكل ما يريدونه مقابل وقف إطلاق النار من قبل الحوثي والجلوس على طاولة المفاوضات، وأعتقد أن الحوثي لا شك لديه علاقة بالنظام الإيراني، لكن الحوثي في الأخير يمني ولديه نزعته العروبية واليمنية التي أتمنى أن تحيا فيه بشكل أكبر ويراعي مصالحه ومصالح وطنه قبل أي شيء آخر".

وهذا يؤكد أن المملكة ترى أن الحوثيين فصيل يمني وأنه غير مستبعد من المشاركة في وطنه، والتعايش مع محيطه وعليه أن يعي ذلك ويقبل الحوار والجلوس على طاولة المفاوضات ليكون شريكًا في بناء اليمن لا هدمه ودماره.

 

مقالات لنفس الكاتب