العدد 162

العلاقات العربية ـ الإفريقية: التحديات والحلول

الخميس، 27 أيار 2021

تظل قارة إفريقيا ضلعًا هامًا من أضلاع الأمن القومي العربي، وأداة للاستقرار والتعاون متعدد الجوانب إذا ما تم التعامل معها بما يحقق المنافع ويدرأ المخاطر، وفي الوقت نفسه فإن إفريقيا بوابة قد تجلب الكثير من المصاعب، وملعب شاسع للمخاطر والتدخلات الخارجية، وإهدار المقدرات العربية ، وهذا ما أدركه العرب الأوائل منذ فجر التاريخ، ثم جاء الدين الإسلامي ليكون قاطرة لهذه العلاقات التي ربطت شرق وغرب إفريقيا بالمنطقة العربية، ودخل العرب إفريقيا عبر الفتوحات الإسلامية والتجارة واستقر الكثير من أبناء القبائل العربية في إفريقيا، كما جاء أبناء إفريقيا للحج أو البقاء في المنطقة العربية، واستمر الترحال والانصهار بين العرب والأفارقة حتى تدخل الاستعمار الغربي وتمكن من فصل عرى الالتقاء بين الجانبين.

وإذا كان الاستعمار القديم قد نحج في تحقيق أهدافه، إلا أن الاستعمار الجديد أكثر خطورة على العلاقات العربية ــ الإفريقية فهو لم يستهدف خيرات القارة السمراء فقط كسابقه، بل دخل بأجندات سياسية، اقتصادية، عسكرية، ودينية طائفية وغير ذلك، ووجد ضالته في قارة بكر في شتى المجالات تبحث عن التخلص من بقايا الاستعمار القديم والانطلاق نحو التنمية والأخذ بأسباب الحضارة بعد عقود طويلة من التبعية واستنزاف الموارد والانكفاء على الصراعات الداخلية والتناحر بين الإثنيات وتداعيات الانقلابات العسكرية والرغبة في السيطرة على الحكم بالقوة.

الخطر على الأمن القومي العربي عبر البوابة الجنوبية يأتي من التغلغل العسكري الأجنبي داخل نطاق هذا الأمن وعلى محاوره، وكذلك الصراع على الموارد الاقتصادية الإفريقية المتقاطعة مع الموارد العربية، ولعل المثال الواضح على هذا الصراع هو محاولة سيطرة إثيوبيا على مياه النيل واقتطاع  كميات من الحصة التاريخية لمصر والسودان وتحويل جزء من مجرى النهر وتوصيل المياه لأول مرة خارج مجراه التاريخي، بل خروج المياه والكهرباء إلى دول أخرى خارج حوض النيل أو خارج قارة إفريقيا عبر إريتريا البوابة الإثيوبية على البحر الأحمر ، ومن قبل كانت قد رسمت التكتلات الاقتصادية بين أبناء القارة الإفريقية التعاون والمشاركة بين دول الجنوب ـ الجنوب دون أن تضم أو تلتقي مع دول الشمال الإفريقي العربي، باستثناء حالات نادرة ، خاصة بعد أن ابتعدت المغرب ومصر عن الاتحاد الإفريقي أو بعد فتور علاقة الدولتين وعزوفهما عن التلاحم مع بقية دول القارة جنوب الصحراء، فيما أخذت العلاقات العربية ـ الإفريقية طابع المبادرات الفردية بين دول من الجانبين لكن تعثرت خطى التعاون الجماعي باستثناء حالات قليلة جدًا تلك التي شهدت تفعيلاً جماعيًا لهذه العلاقات وعلى قلتها بدت متباطئة عام 1977م ،في قمة القاهرة (القمة العربية ـ الإفريقية الأولى) ، ثم التأمت القمة الثانية بعد أكثر من 30 عامًا في سرت بليبيا عام 2010م، قبل أن تأتي القمة الثالثة في الكويت عام 2013م، وأخيرًا الرابعة في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية عام 2017م، وما بين القمة الأولى والأخيرة كانت هناك طموحات كبيرة وخططًا كثيرة لتأسيس منظمات وهيئات مشتركة لتأطير التعاون ووضعه في قوالب مؤسساتية تضمن استمراره لكن لم يتحقق منها الكثير، أو تجمدت تلك الطموحات تحت  أنين الاختلافات والصراعات ولعل المشكلة التي شهدتها القمة الأخيرة بسبب اعترافها بجبهة البوليساريو تعبر عن مدى الاختلاف بين هذه الدول خير مثال لارتباك العلاقات بين الجانبين.

وكان من الأولى أن تعمل الدول الإفريقية على تصفية الخلافات فيما بينها وتهيئة أرضية التعاون قبل البدء في التعاون نفسه، فقضية الصحراء المغربية كانت سببًا في غياب المملكة المغربية والانسحاب من الاتحاد الإفريقي لعقود، وهذه الخلافات تجددت مؤخرًا بين مصرـ السودان وإثيوبيا حول السد الذي تقيمه الأخيرة على النيل الأزرق مورد المياه الرئيسي لمصر والسودان وعجز الاتحاد الإفريقي عن تقديم الحلول السلمية لهذا الخلاف ،بل وصل الأمر إلى أن بعض المصريين اتهمه بالانحياز إلى إثيوبيا ضد مصر والسودان.

وبناء على واقع القارة الإفريقية، وطبيعة العلاقات العربية ـ الإفريقية، فإن تطوير العلاقات بطريقة واقعية يتطلب السير في اتجاهين، الأول على الصعيد الإفريقي ـ الإفريقي، والاتجاه الثاني، يتعلق بطبيعة العلاقات العربية تجاه إفريقيا، وفيما يخص الجانب الأول:

من الضروري تنقية العلاقات الإفريقية ـ الإفريقية، وتجاوز الخلافات البينية وحالات الاستقطاب وتأثير البعد الخارجي على العلاقات البينية وإقامة الحكم الرشيد القائم على احترام إرادة الشعوب لا الانقلابات والصراعات الإثنية، وتفعيل دور الاتحاد الإفريقي على أسس صحيحة دون انحياز أو افتعال.

أما عن الجانب الثاني: ضرورة تفعيل العلاقات العربية الجماعية مع إفريقيا تحت مظلة الجامعة العربية بدلًا من العلاقات الفردية للدول حتى تؤتي هذه العلاقات ثمارها وتستطيع مواجهة التغلغل الإقليمي القائم على القوميات أو الطائفية والمذهبية.

مقالات لنفس الكاتب