العدد 162

الأمن الإنساني وإصلاح حياة المواطن الطريق لتسوية الأزمات ونشر الاستقرار في إفريقيا

الأحد، 30 أيار 2021

تعد القارة الإفريقية من أكثر أجزاء النظام الدولي هشاشة، حيث أنها تمثل نموذجًا، للمناطق الجغرافية التي لم تسلم يومًا من التدخلات الخارجية التي اتخذت أشكالاً مختلفة عبر العصور وخاصة العصر الحديث فمن الاحتلال خلال الخمسينيات والستينيات إلى التدخل لاستعادة الاستقرار ومواجهة الصراعات وصولاً إلى التدخل لمكافحة الإرهاب خلال العقدين الأخيرين، وأمام هذا الزخم من التدخلات الأجنبية كان من المأمول أن تستفيد دول القارة الإفريقية من الخبرات الدولية في تحقيق الاستقرار والتنمية إلا أن نتائج هذه التدخلات لم تنعكس على أحوال سكان القارة، بل زادت الضغوط والأزمات التي يواجهها هؤلاء السكان، كما لم تتمكن الحكومات الإفريقية من تطوير أدائها، مما آثار الكثير من الجدل حول جدوى التدخلات الخارجية في القارة الإفريقية وخاصة التدخلات العسكرية، وعلاقة هذه التدخلات بالحرب العالمية على الإرهاب، وبقضية التنمية وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للسكان الأفارقة .

ويسعى التقرير الحالي إلى محاولة البحث عن الأسباب والذرائع التي صاغتها القوى الدولية للتدخل في القارة الإفريقية خلال العقدين الأخيرين، والجهود الإفريقية للحد من التدخلات الأجنبية في القارة، ونتائج التدخلات الخارجية في القارة الإفريقية سواء على مستوى مكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار أو على مستوى تحسين الظروف المعيشية وقضايا التنمية.

أولاً -ذرائع التدخل الأجنبي في إفريقيا

خلال العقود الثلاثة الأخيرة تطورت مبررات وذرائع التدخلات الأجنبية في إفريقيا، فخلال التسعينيات من القرن الماضي وفى ظل انحدار دول كثيرة من القارة إلى دائرة الحرب الأهلية بكل ما تحمله من تداعيات خطيرة على الاستقرار والمصالح الغربية في القارة، كانت غالبية التدخلات تتم في إطار استعادة الاستقرار ومنع انهيار الدول، إلا أن هذه التدخلات لم تخلو من أزمات ما بعد انتهاء الحرب الباردة ووجود تيار دولي كبير يدعم فكرة خروج القارة الإفريقية من دائرة الاهتمام الغربي، مما صعد من عمليات السلام التي تقودها الأمم المتحدة في إفريقيا خلال هذه المرحلة .

إلا أن بحث القادة الأفارقة عن آليات لتسوية مشكلات دولهم بعيدًا عن التدخلات الخارجية، وتأطير هذه الآليات في إطار مؤسسي ترجم إلى تطوير المنظمة القارية والإعلان عن ميلاد منظمة جديدة تمثلت في الاتحاد الأفريقي بل وبناء آليات للسلم والأمن تتبع هذه المنظمة كان لهم بالغ الأثر في ضبط التدخلات الخارجية للقارة وخاصة في ظل تبنى القادة الأفارقة لفكرة "حلول أفريقية للمشكلات الإفريقية"، بل وبروز نماذج لفشل التدخلات الخارجية وعجزها عن استعادة الاستقرار في القارة الإفريقية، في الوقت الذى أصبحت الدول الإفريقية أكثر اعتمادًا على آلياتها الأمنية والسياسية لتسوية الصراعات واستعادة الاستقرار في القارة الإفريقية.

إلا أن تطورات الحرب العالمية على الإرهاب منذ عام 2001م، وما تبعها من تغيرات في بنية النظام الدولي، وتغيرات في بيئة الصراع في إفريقيا قد ساهمت في عودة التدخلات في القارة الإفريقية مرة أخرى تحت شعار " مكافحة الإرهاب"، إلا أن هذه التدخلات والتي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتم وفق قواعد تمنع تكرار الكارثة التي تعرضت لها القوات الأمريكية حال تدخلها في الصراع في الصومال خلال التسعينيات، فتغيرت قواعد التدخل العسكري التي تتبناها الولايات المتحدة في القارة، وكذلك الأمم المتحدة التي وجدت ضالتها في الاعتماد على قوات مجلس السلم والأمن الأفريقي في تنفيذ أهدافها بما يخفض من الخسائر، وأصبح هناك شعارين للتدخل الغربي في إفريقيا تحت، أولهما " مسؤولية الحماية R2P " ، وثانيهما " الحرب على الإرهاب" .

كما كانت حماية حقوق الإنسان أحد ذرائع التدخل الأجنبي في إفريقيا من قبل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي حتى عام 2011م، حيث انتهى هذا التوجه بعد التدخلات في ليبيا عام 2011م، ومالي 2013م، فبعد عام 2011م، برزت تصورات جديدة للتدخل في القارة الإفريقية، حيث لم تعد الولايات المتحدة هي الفاعل الدولي الرئيسي الذى يمكنه التحرك بين ربوع القارة لمكافحة الإرهاب، بل أدى وصول فرانسو أولاند للسلطة في فرنسا إلى فتح الطريق أمام تحقيق الأحلام الفرنسية في القارة عبر دائرة مكافحة الإرهاب، وبالفعل قامت القوات الفرنسية بالتدخل العسكري في مالي ثم في إقليم الساحل منذ يناير 2013م .

وفى حين يركز الكثيرون على عدد القوات المتدخلة ومناطق انتشارها، تطرح استراتيجيات مكافحة الإرهاب في القارة الإفريقية العديد من التساؤلات حول مدى فاعلية التدخلات العسكرية الأجنبية، حيث تختلف استراتيجيات التدخل من دولة لأخرى، فبينما تركز فرنسا على استعادة دورها المحوري في مستعمراتها السابقة وحماية مصالحها الاقتصادية، يركز المسؤولون الأمريكيون على فكرة الاستثناء الأمريكي وان الولايات المتحدة تمتلك قوة فريدة من أجل الخير في العالم.  

ثانيًا -نتائج التدخلات الأجنبية في إفريقيا

خلال السنوات الأخيرة شهدت مناطق واسعة من القارة انتشار واسع للجماعات الإرهابية، فقد أكد الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، عام 2020م، إن برامج مكافحة الإرهاب الحالية "لا تنجز المهمة". حيث تستغل الجماعات الإرهابية، من بوكو حرام في نيجيريا إلى حركة الشباب في الصومال، الدول الضعيفة وعدم الاستقرار السياسي المنتشر في إفريقيا، ويخترقون الشبكات الاجتماعية وهياكل الحكم المحلي، ويستغلون المظالم التاريخية للجماعات العرقية.

فلم تحرز التدخلات الأجنبية أي نتائج حقيقية في مجال مكافحة الإرهاب بل زادت سطوة بعض الجماعات على واقع وجود القوات الأجنبية المتدخلة، ففضلا عن نتائج التدخل الفرنسي في مالي منذ يناير 2013م، وما أعقبه من تدخل فرنسي في منطقة الساحل بأكملها وما شهدته هذه المنطقة من انتشار غير مسبوق لأنواع مختلفة من الجماعات الإرهابية أكثرها يتبع تنظيم القاعدة وبعضها انضم مؤخرًا إلى داعش، عبرت التدخلات الأمريكية عن سوء إدراك لطبيعة التهديدات، فقد أثار التدخل الخارجي لاستعادة فتيات شيبوك (300 فتاة )الذين اختطفتهم جماعة  بوكو حرام في أبريل 2014م، الكثير من الشكوك حول جدوى التدخلات الخارجية لمكافحة الإرهاب، فربما كانت هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها تدخل عسكري متعدد الأطراف لمكافحة إرهاب بوكو حرام. ومع ذلك، فشلت القدرات الاستخباراتية المشتركة لسبع دول قوية -الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا واليابان وإسرائيل -في إنقاذ أي من تلاميذ المدارس المختطفين ولم تستطع هزيمة المجموعة الإرهابية المختبئة في الغابة. كما أدت الشهرة التي صنعتها وسائل التواصل الاجتماعي حول الواقعة مع انعدام الثقة بين الحكومتين الأمريكية والنيجيرية في تبادل المعلومات الحيوية، مع وجود متعاطفين مع جماعة بوكو حرام في عدم تمكن العديد من الفتيات من الهروب من قبضة الإرهابيين. كما أدت غارة أمريكية بدون طيار لمقتل أكثر من عشر فتيات من المختطفات. وفى المقابل تم نشر 800 جندي أمريكي في النيجر و300 جندي آخر في الكاميرون لتدريب عناصر الأمن المحليين، وتوفير المراقبة، وجمع المعلومات الاستخبارية في المنطقة. لكن تصاعد خطر بوكو حرام على نحو غير مسبوق.

كما تضاعفت قوة الجماعات الإرهابية في القارة في ظل تراجع الالتزامات الغربية لمكافحة الإرهاب في إفريقيا فقد أعلن رئيس أركان الجيوش الفرنسية الجنرال فرانسوا لوكوانتر في ديسمبر الماضي أن فرنسا تفكر بجدية في سحب قواتها من منطقة الساحل الإفريقي، وتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن سحب هذا الموضوع، كما يسعى البنتاجون إلى نقل الموارد من إفريقيا، وأمر الرئيس السابق دونالد ترامب بانسحاب القوات الأمريكية من الصومال في عام 2020م، (وقد قوبلت الخطوتان بمعارضة في الكونجرس). كما تدرس إدارة بإيدن فرض قيود أكثر صرامة على ضربات الطائرات بدون طيار فلم يعد هناك مجال لمصطلح " الحرب الأبدية". إلا أن انسحاب القوات الأمريكية من المناطق المتدخلة فيها في العالم لا يعنى أن التهديد الإرهابي التي تدخلت لمواجهته قد انتهى.

ويمكن تفهم السلوكيات الأمريكية الأخيرة حول التدخل لمكافحة الإرهاب في مناطق مختلفة من العالم ومنها إفريقيا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية في هذه المناطق في إطار بروز التحدي الصيني الذي أصبح بالنسبة لواشنطن أكثر إلحاحًا، فمن المرجح أن تتبع الولايات المتحدة نهجًا مختلفًا في مكافحة الإرهاب في إفريقيا. وسوف تؤكد على الاحتواء بدلاً من القضاء على أخطر المنظمات. إلا أن استراتيجيات المسؤولية المحدودة غالبًا ما تؤدي إلى نتائج محدودة. كما نرى في موزمبيق، فغالبًا ما تكون الجيوش الإفريقية أضعف من أن تتعامل مع التهديدات التي تواجهها، حتى عندما تكون مدعومة ببعثات استشارية أمريكية أو دولية صغيرة. الأسوأ من ذلك أن قوات الأمن المحلية في مالي وبوركينا فاسو ودول أخرى قد ارتكبت فظائع ضد السكان المدنيين، وهو نوع من القسوة التي تميل إلى جعل السكان المحليين أكثر تعاطفًا مع المتطرفين في وسطهم.

وقد ساهمت الأزمات الهيكلية التي تعاني منها الدول الإفريقية في إفشال جهود التدخل لمكافحة الإرهاب، حيث استمرت أزمات البطالة، والتعسف في تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب، واستمرار حالة التهميش لبعض المناطق في الدول الإفريقية في جذب مزيد من المتعاطفين والمقاتلين للجماعات الإرهابية. كما أكد باحثون أن جهود واشنطن الفاشلة للقضاء على جماعة بوكو حرام، إلى جانب انتشار عمليات الاختطاف قد ساهمت في تشجيع بوكو حرام في الواقع. وكانت الحكومة الفرنسية قبل أشهر من اختطاف الفتيات في شيبوك قد دفعت الحكومة الفرنسية ما يزيد قليلاً عن 3 ملايين يورو (حوالي 3.6 مليون دولار) لتحرير أسرة مكونة من سبعة سائحين اختطفتهم بوكو حرام. كما قامت جماعة بوكو حرام باختطاف أكثر من 800 تلميذ في شمال غرب نيجيريا منذ ديسمبر 2020م، كرهائن ذوي قيمة عالية.

ثالثًا -التدخلات الأجنبية في إفريقيا والتنمية

تفتح العلاقة بين التدخلات الخارجية لمكافحة الإرهاب في القارة الإفريقية وتحقيق التنمية مجالاً واسعاً للجدل والنقاش، فالدول الغربية مع اتجاهها للاعتماد على التدخلات العسكرية في القارة الإفريقية، ركزت على طبيعة الجماعات الإرهابية المنتشرة في القارة ومدى تأثير هذه الجماعات على المصالح الغربية في المقام الأول، وظل المدخل التنموي بعيداً عن الاستراتيجيات الغربية على الرغم من أنه يمثل أحد الأدوات التي يمكن الاعتماد عليها في معالجة الأزمات التي تعانى منها الدول الإفريقية والتي تجعل من القارة الإفريقية أكثر المناطق في العالم التي يمكن للجماعات الإرهابية استخدام أراضيها كملاذات آمنة وكذلك التمكن من تجنيد الكثير من مواطني الدول الإفريقية الذين يعانون من الفقر والتهميش وإهمال الحكومات الإفريقية لهم .

وفى أعقاب الحرب على الإرهاب التي تزعمتها الولايات المتحدة منذ عام 2001م، ظهرت اتجاهات تحليلية غربية تشير إلى أن مساعدات التنمية التي تقدم للدول التي تعاني من نمو الجماعات الإرهابية قد يكون لها دور فعال في الحد من التداعيات الخطيرة للعمليات الإرهابية، بالتخفيف من الأعباء على كاهل الدولة، إلا أن بعض هذه التحليلات لا تأخذ في الاعتبار أن القوى الغربية اعتبرت عمليات مكافحة الإرهاب داعمة للتنمية في الدولة المستهدفة من الإرهاب فأصبحت عمليات مكافحة الإرهاب نشاط دفاعي تنموي استراتيجي.

وبالنسبة للعديد من منظمات المعونة، فإن الخطاب الكبير حول الصلة بين الأمن والتنمية، الذي أطلقته الأمم المتحدة لأول مرة في التسعينيات كجزء من المعنى الأوسع لـ "الأمن الإنساني"،  قد تلوث بشكل لا رجعة فيه من خلال العسكريين الذين يسعون لكسب "قلوب وعقول" السكان الأصليين دون الاهتمام بالعمليات الأبطأ والأعمق والأكثر شمولية التي تتطلبها التنمية. فالتدخلات الأجنبية في أعقاب 11 سبتمبر والثقافة العسكرية ذات الدافع السياسي والقائمة على الأهداف تتعارض بشكل أساسي مع النزعة الإنسانية." على الرغم من أن قواعد المساعدة الإنمائية الرسمية (ODA) تحظر إدراج أي أموال تُستخدم في توريد أو تمويل المعدات أو الخدمات العسكرية. في حين أن هذا التمييز قد ساعد بالتأكيد في الحفاظ على الفرق بين التنمية والأمن كمجموعتين من الأنشطة، إلا أنه ربما لم يساعد في تحسين العلاقات بين مجتمعين سياسيين متعطشين للموارد العامة.

وقد ساهمت التطورات التي شهدتها ظاهرة الإرهاب وخاصة خلال العقد الأخير من تزايد أهمية الربط بين مكافحة الإرهاب والتدخلات الأجنبية المرتبطة به وقضية التنمية، حيث انتقلت الظاهرة من تنظيم دولي رئيسي إلى تنظيمات وخلايا محلية، وأصبحت أكثر انتشارًا في مناطق جديدة مثل العالم العربي والقارة الإفريقية، وعلى واقع هذا التحول انتقلت الدوافع والأهداف الإرهابية من الأهداف العالمية المتعلقة بمعاداة الغرب والولايات المتحدة الأمريكية إلى معاداة الحكومات المحلية واستغلال الظروف المحلية في تحقيق الأهداف والتجنيد، وفي جميع الحالات، لا يمكن فصل ظهور هذه الجماعات المتطرفة وانتشارها عن الظروف المحلية للغاية، والجذور التاريخية التي تزدهر فيها، هذه المنظمات الأحدث تنشر استراتيجيات العنف أولا وقبل كل شيء على المستوى المحلي، وعندما تعمل على نطاق عابر للحدود، فإنها تميل إلى القيام بذلك بشكل انتقائي، كما حدث في تفجيرات الشباب في أوغندا في عام 2010م، أو بشكل متقطع كما حدث في هجمات حركة الشباب على شمال كينيا في 2013 و2015م، ومن اللافت للنظر أن بن لادن نفسه يئس من هذا الاعتماد على الحركات المحلية ، التي كان الكثير منها أكثر انشغالًا في قتل إخوانهم المسلمين من استهداف "التحالف الصليبي الصهيوني". وقد ذكر هذه الانتقادات في وثائقه.

كما تؤثر الأشكال الجديدة من ظاهرة الإرهاب بشكل مباشر على الصلة بين التنمية وظهور العنف السياسي، وبالتالي على الحوار والتنسيق المحتمل في المستقبل بين عمل المجتمع الأمني ​​المعني بمكافحة الإرهاب وعمل المجتمع التنموي. هذه العلاقة هي الأقوى بلا شك عندما يتم إعادة صياغة الهدف على أنه مكافحة التطرف العنيف – الذي يعد جزء رئيسي من مكافحة الإرهاب. حيث تظهر أدلة متزايدة على وجود روابط بين ظهور التطرف العنيف وظروف الحرمان الاقتصادي وسوء الإدارة والصراع. فقد شهدت البلدان المنخفضة الدخل زيادة كبيرة في معدل الهجمات الإرهابية فالتحول في النشاط الإرهابي نحو المناطق التي تعاني من صعوبات اقتصادية شديدة والحرمان، مثل منطقة الساحل وشمال نيجيريا، أو إلى الأماكن التي تتفاقم فيها الصراعات المسلحة منذ عقود. كما هو الحال في الصومال، يشير إلى تزايد اصطفاف التطرف مع السكان المتضررين من المظالم والإقصاء والتهميش لفترة طويلة.

ويعرف بول روجرز التحدي الأمني ​​العالمي الجديد بأنه "تمرد من الهوامش" the “revolt from the margins” في "عالم مستقطب اقتصاديا ومقيدا بيئيا." لقد ازدهر الإرهاب من خلال إلصاق نفسه بالتوترات الهيكلية العميقة والتمزقات في الدول والمجتمعات. وفي حين أن الكوادر والقيادات في الجماعات الإرهابية، وخاصة أولئك الذين لديهم صلات عابرة للحدود، قد ينحدرون إلى حد كبير من الطبقة الوسطى المتعلمة، فمن المرجح أن يظهر المتطرفون من بين أفقر القطاعات الاجتماعية. والأهم من ذلك، أن هذه الصلة بين الفقر والصراع، وبالتالي بين الظروف الاقتصادية والمظاهر الجديدة للإرهاب، لا ينبغي تفسيرها على أنها تعني أن مستويات الدخل والظروف الاقتصادية هي المحددات الأساسية للصراع فهناك عدد من الروابط المتقاطعة بين الظروف الاقتصادية والإرهاب. يمكن العثور على هذا في الارتباط المشتبه به بين بطالة الشباب والتطرف العنيف، والذي يبدو وثيق الصلة بمناطق مختلفة من القارة الإفريقية، حيث ساهم ارتفاع معدلات البطالة، مع صعوبات سبل العيش إلى تمكن عدد كبير من الجماعات الإرهابية من تجنيد الشباب ومن بين هؤلاء الصيادين والفلاحين حول بحيرة تشاد الذين تعرضوا لمأساة خطيرة بعد جفاف 90% من البحيرة. فالمناطق المهمشة، مثل شمال نيجيريا، حيث ترتفع معدلات البطالة بين الشباب، فعالة لنشر التطرف على نطاق واسع. ومع ذلك، فإن وجود هذه الظروف لا يعني بالضرورة أن كل فرد يعيش في نفس البيئة سيختار طريق التطرف. هناك ما يشبه "سلم" التطرف، المظالم الفردية والجماعية، مثل الفقر والبطالة والأمية والتمييز والتهميش السياسي أو الاقتصادي، يمكن استخدامها كأدوات تعبئة. وعوامل الجذب، وفى المقابل تظهر فوائد الانضمام إلى جماعة متطرفة، بما في ذلك الأمن الاقتصادي، والشعور بالانتماء، وأيديولوجية الجماعة التي تؤكد أنه من الممكن تغيير المجتمع من خلال العمل العنيف بدلاً من تحمل احباطات الديمقراطية غير الكاملة أو نظام سلطوي إقصائي.

وتصبح بعض هذه الروابط بين الصراع والتنمية والإرهاب أكثر وضوحًا عند التفكير في النطاق الجديد للجماعات المتطرفة. فقد استغلت الجماعات الإرهابية الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي في يناير 2012م، وتحالفوا مع الطوارق، ومن ثم أصبح هناك صعوبة في تصنيف كل الجماعات على أنها إرهابية في ظل تنوع مصالحها وأساليبها وتحالفاتها المحلية، وفى شرق إفريقيا لا تتردد حركة الشباب في التحالف مع جماعات مسلحة أخرى، وتقوم الحركة بأدوار مشابهة لأدوار الحكومة في المناطق التي تسيطر عليها. ويفيد المسؤولون الدوليون والخبراء أن الجماعات الإرهابية تساهم في تخفيف الضغوط المعيشية على السكان، إلا أنها تستغل الصراعات العرقية في تدعيم حضورها في بعض المناطق في إفريقيا.

  وفى بداية عام 2021م، أظهرت العديد من التقارير ومؤشر الإرهاب العالمي ارتفاع بنسبة 43% في عمليات الجماعات الإرهابية، وزيادة حادة في أحداث العنف خلال عام 2020م، وهو ما يؤكد منحى التصعيد المتواصل خلال العقد الماضي. حيث زاد عنف الجماعات الإرهابية خلال ذروة جائحة (كوفيدــ19)، عندما كان من المفترض أن تؤدي المصاعب الاقتصادية وإغلاق الحدود إلى تقييد حركة هذه الجماعات الإرهابية.

وقد أثارت هذه التقديرات شكوكًا كثيرة حول جهود مكافحة الإرهاب الغربية وخاصة الأمريكية والفرنسية في القارة الإفريقية حيث لم تتمكن القوات الغربية المتدخلة من إضعاف بنية هذه الجماعات والحد من أنشطتها، حيث طالب بعض المسؤولين الغربيين بتوجيه الأموال المخصصة للكوماندوز الأمريكيين في إفريقيا من أجل إنفاقها بشكل أكثر فاعلية في مجالات المساعدات الإنسانية والتنمية الاقتصادية في البلدان التي يتزايد فيها خطر العنف المتطرف. فطيلة نحو عقدين من الزمان كانت قوات العمليات الخاصة الأمريكية تخوض حربًا سرية ــ في أغلبها ــ عبر مختلف أرجاء القارة الإفريقية، حيث تعاونت مع حلفاء محليين ضد عدد كبير من الجماعات الإرهابية العنيفة.

استنتاجات

تظهر التدخلات الأجنبية التي تعاني منها القارة الإفريقية العديد من العوامل التي تؤكد على زيف الشعارات والادعاءات التي تتبناها القوى الغربية المتدخلة في القارة، نظرًا لفشل القوات المتدخلة في تحقيق أي من هذه الادعاءات، مع تكبد الدول الإفريقية وسكان القارة للمزيد من الخسائر من جراء هذه التدخلات الأجنبية والتي يشوبها العديد من المشكلات أهمها:

  • التركيز على استخدام الأداة العسكرية لتسوية الصراعات والإرهاب

توضح الأدلة المستقاة من تجارب القارة الإفريقية أن الحلول العسكرية لا تنجح، وأن الوصفات المفروضة من أعلى ومن الخارج غالبًا ما تفشل. فقد ساهمت عدد من المبادرات المحلية في معالجة المظالم التاريخية. كانت النجاحات العسكرية بشكل عام قصيرة الأجل، حيث أعاد المتطرفون العنيفون تجميع صفوفهم وحولوا تركيزهم إلى المدنيين غير المحميين.

وكان للتدخل الأجنبي في القرن الإفريقي نتائج مماثلة. في الصومال، فقد أدى تكثيف الضربات الجوية الأمريكية إلى زيادة النشاط المتطرف وإعادة التركيز المقابل على الأهداف المدنية

  • تجاهل أزمات التنمية والأمن الإنساني

لابد من توضيح العوامل التي تقوض الأمن الإنساني في إفريقيا، فالدين والعرق ليسا الأسباب الجذرية للصراعات الإفريقية، ولكن مصادر الصراع ترتبط بالتفاوتات الهيكلية العميقة -الفقر والتخلف والقمع السياسي -والأثر المدمر لتغير المناخ. فقد أدى الإهمال الحكومي وجفاف بحيرة تشاد إلى تمكن جماعة بوكو حرام التي تأسست في شمال شرق نيجيريا من التوسع وتنفيذ أهدافها من خلال عمليات التجنيد للصيادين والفلاحين من ضحايا التغيرات المناخية؛ أدى اتساع رقعة الصحراء في غرب السودان إلى وضع الرعاة في مواجهة المزارعين في كفاحهم من أجل الحصول على المياه والأراضي الصالحة للاستخدام؛ وأدى تدمير سفن الصيد الأجنبية إلى أعمال قرصنة قبالة سواحل الصومال.

فبدون تغيير اجتماعي واقتصادي وسياسي لمواجهة التطرف العنيف لن تنجح استراتيجيات مكافحة الإرهاب، كما يجب على الولايات المتحدة وغيرها من القوى الغربية سحب دعمها للحكومات الفاسدة والقمعية التي تغذي السخط.

  • قتل المدنيين

كان لعمليات مكافحة الإرهاب التي نفذتها القوى الغربية وحلفاؤها آثار كارثية على سكان القارة، فالتدخل الأجنبي في مالي ونيجيريا، والضربات الصاروخية الموجهة من الخارج بطائرات بدون طيار، أدى إلى قتل عدد لا يحصى من المدنيين العزل. مما زاد من أعداد المتعاطفين مع الجماعات الإرهابية وتزايد الدعم المقدم إليهم.

ونادرًا ما تعالج الحكومات المحلية المدعومة من القوى الغربية المشكلات الهيكلية التي أشعلت الصراعات. نتيجة لذلك، تحول السكان المحليون، الذين أهملتهم حكوماتهم، إلى الجماعات المتطرفة من أجل الدخل والخدمات الأساسية والحماية. كما فشلت اتفاقيات السلام، المفروضة من أعلى ومن الخارج، في إعطاء صوت للسكان المتضررين، وحُرمت المنظمات الإرهابية من المشاركة في اتفاقات السلام، على الرغم من أنها أطراف أساسية في الصراع.

وفى الأخير ، لابد من التأكيد على أن المبادئ التي تبناها القادة الأفارقة منذ بداية الألفية الثانية، والتي تؤكد على ضرورة وضع " حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية " هي السبيل الأمثل لكافة قضايا الصراع والأمن والتنمية في القارة ، حيث حققت قوات الاتحاد الإفريقي نجاحات كبيرة خلال السنوات الأخيرة في مكافحة إرهاب حركة شباب المجاهدين، كما أحرزت المساعي الشعبية - التي تنظمها التعاونيات الزراعية، والنقابات العمالية، ومجموعات النساء والشباب – بعض التقدم في معالجة المظالم التي تنبع من الفقر وعدم المساواة والصراعات التي تنجم عن ذلك. فالجهات المحلية يمكنها توجيه وتحقيق المصالح الغربية بما لا يضر بالمصالح الإفريقية، إلا أن الجهود الإفريقية لا تزال تحتاج إلى الدعم والمساندة الخارجية التي يمكن أن تزيد من قدراتها وفعاليتها على مواجهة التحديات وفى مقدمتها تحدى الإرهاب، لذلك يجب أن تعيد القوى الأجنبية المتدخلة في القارة صياغة سياسات التدخل بما يسمح بتفعيل المبادرات والآليات الإفريقية.  

كما يجب أن تؤمن القوى الخارجية أن السبيل الوحيد لدعم أمنها القومي وتحقيق مصالحها في القارة هو تحقيق الأمن الإنساني بين ربوع القارة الإفريقية، على الرغم من أن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلوبة قد تستغرق عقودًا من الزمن، إلا إن إصلاح الحياة للإنسان الإفريقي هي السبيل الوحيد لتسوية الأزمات ونشر الاستقرار في القارة.

مقالات لنفس الكاتب