العدد 162

3 محاور للتعاون العسكري الروسي ـ الأمريكي: بيع الأسلحة والتدريب ونشر القوات المسلحة

الأحد، 30 أيار 2021

أدى تصاعد المواجهة بين روسيا والغرب على خلفية الأزمة الأوكرانية عام 2014م، والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا إلى اتجاه موسكو لفضاءات أوسع وتركيز سياستها نحو القوى والمناطق الصاعدة في آسيا وإفريقيا. وفى هذا الإطار أبدت روسيا انفتاحًا ملحوظًا على القارة السمراء عبر بوابة مجموعة "بريكس" التي عُقدت قمتها عام 2013م، في جنوب إفريقيا بحضور الرئيس بوتين وقادة دول الاتحاد الإفريقي، وشهدت السنوات التالية زيارات مكثفة من جانب القادة الأفارقة لروسيا، فقام 12 منهم بزيارة روسيا خلال الفترة من 2015م، وحتى 2018م.

وقد كُلل ذلك بانعقاد القمة الروسية / الإفريقية الأولى في التاريخ يومي 23 و24 أكتوبر 2019 م، بمدينة سوتشي، والتي مثلت تدشيناً لدور روسي أوسع نطاقاً في القارة الإفريقية، ولشراكة استراتيجية ممتدة بين الجانبين في مختلف المجالات، وهو ما أكده الرئيس بوتين في البيان الختامي للقمة حيث أشار إلى أن "القمة فتحت صفحة جديدة للتعاون والعلاقات بين روسيا والدول الإفريقية". وحدد الأسس التي تنطلق منها روسيا في ذلك بقوله إن العالم يقوم على بناء الشراكات ذات العائد لكل الأطراف، والاحترام المتبادل للمصالح والخصوصيات الثقافية، وروسيا على وعي تام بهذا، ولذا فإن اقترابها من إفريقيا يأتي على أسس جديدة تنطلق من منظور تشاركي وتنموي.

كما أكد الرئيس بوتين على أن تطوير العلاقات الروسية مع إفريقيا أحد أولويات السياسة الخارجية الروسية في المرحلة المقبلة، وأن روسيا تعتزم تعزيز وجودها في القارة الإفريقية، معتبرًا إياها "قارة واعدة". وفى هذا السياق أعلن عن تدشين "منتدى الشراكة الروسية الإفريقية"، الذي يُعقد في إطاره قمم دورية كل ثلاث سنوات بالتناوب بين موسكو وأحد العواصم الإفريقية، ويتضمن آلية تشاورية تجمع وزراء خارجية روسيا والترويكا الإفريقية التي تضم الدولة الرئيس للاتحاد الإفريقي والرئيس السابق والقادم له، وتعقد اجتماعاتها سنوياً لضمان التنسيق المتواصل بين روسيا والقارة، كما يتولى المنتدى الإعداد للقمة الروسية ــ الإفريقية الثانية عام 2022م.

إن روسيا تحتاج إلى إفريقيا بقدر ما تحتاج الأخيرة لروسيا، فموسكو تحتاج إلى تنويع اقتصادها وتجاوز هيمنة صادرات الطاقة على الدخل القومي الروسي، الأمر الذي يقتضي فضاء اقتصادي واسع يستوعب ضخامة المنتجات والتكنولوجيا الروسية التي عجز الفضاء السوفيتي السابق عن استيعابها لمحدوديته. يتزامن هذا مع حاجة القارة السمراء لشريك جاد موثوق به لدفع التنمية الشاملة بها واللحاق بركب القارة الآسيوية التي تحررا معًا من الاستقلال، وانطلقت الأخيرة محققة قفزات تنموية وأجيال متتالية من النمور الاقتصادية الآسيوية، في حين لاتزال الدول الإفريقية في نقطة ليست ببعيدة عن لحظة الاستقلال. ويفسر هذا الإقبال غير المسبوق لكل رؤساء وقادة الدول الإفريقية وتلبيتهم دعوة موسكو لحضور قمة سوتشي في مشهد استثنائي ودلالة واضحة على تلاقى الإرادة السياسية المتبادلة للطرفين لإطلاق تعاون استراتيجي بينهما في مختلف المجالات.

في إطار هذه المظلة السياسية الهامة تتحرك موسكو على قدمين أساسيين في اقترابها من القارة الإفريقية. أولهما الشراكة الاقتصادية ذات البعد التنموي لدول القارة، فقد كان هناك قراءة روسية دقيقة لاحتياجات القارة الإفريقية بهدف بناء تعاون وثيق يخدم مصالح الطرفين الروسي والإفريقي، فالقارة تريد شراكة لا هيمنة وتنمية لا استغلال لطاقاتها وهو ما تطرحه روسيا.

يتضمن ذلك العمل في عدة محاور، من أهمها مساعدة دول القارة على استغلال ما لديها من ثروات معدنية ضخمة حيث يمثل مخزونها من الموارد الطبيعية 30% من إجمالي موارد العالم. وهناك أكثر من 30 شركة روسية عاملة في قطاعات التعدين والطاقة بإفريقيا، معظمها في جنوب إفريقيا، وأنجولا، والكونغو الديمقراطية، وناميبيا، ونيجيريا، وبتسوانا، وكوت ديفوار، وجانا، وتوجو إلى جانب دول شمال إفريقيا خاصة مصر والجزائر. ويستحوذ قطاع التعدين على شق كبير من التعاون التقني بين روسيا وإفريقيا السمراء، ومن أبرز المشروعات في هذا الخصوص مشاركة الشركات الروسية في استخراج الماس واليورانيوم في ناميبيا، التي تتمتع بثامن أكبر احتياطي عالمي من اليورانيوم، ومشروع مشترك لـ "برنامج دارويندال"؛ لتعدين وصهر أحد أكبر الرواسب المعدنية لمجموعة البلاتين في العالم بزيمبابوي. وخلال القمة الروسية الإفريقية تم توقيع اتفاق حول إنشاء صندوق استثماري مشترك بقيمة 5 مليار دولار لدعم المشروعات المشتركة بين الجانبين.

ويتصدر قطاع الطاقة الأولويات الروسية في إفريقيا، وهناك العديد من المشروعات المشتركة في هذا المجال، منها الاتفاق المبرم في فبراير 2015م، بين روسيا وأوغندا بقيمة 4 بليون دولار لتطوير استغلال ثروات النفط في الأخيرة في ضوء الاكتشافات الحديثة بها. كذلك مشروع مد أنابيب نقل النفط في الكونغو، والتعاون بين شركة "غازبروم" وشركة النفط الوطنية النيجيرية لإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من نيجيريا عبر الصحراء الكبرى إلى الجزائر، ثم عبر البحر المتوسط إلى أوروبا. والتعاون بين شركة "ترانس نفط" الروسية والشركة الحكومية الجزائرية للنفط والغاز "سوناطراك" لاستخراج ونقل النفط، والتعاون بين البلدين في مجال تحديث أنابيب نقل الغاز والنفط الجزائري والتنسيق بينهما بشأن حجم إنتاج وأسعار الغاز حيث تهيمن روسيا والجزائر معاً على 70% من صادرات الغاز لأوروبا. ومشاركة شركة "زاروبيجنفت" الحكومية الروسية في تطوير استخراج الغاز من الكتلة البحرية للجرف المصري جنوب شرق رأس العش شمال الغردقة على البحر الأحمر، ويمثل إنتاج الشركات الروسية أكثر من 15% من إنتاج الطاقة في مصر.

أما على صعيد الطاقة النووية، فإن موسكو تبدي اهتمامًا ملحوظًا بتصدير التكنولوجيا النووية للاستخدامات السلمية لدول القارة، وتأمل في أن تحفز المحطات الجاري إنشاؤها في جنوب إفريقيا ومصر ودول أخرى في القارة لبناء محطات نووية مماثلة لتوليد الطاقة الكهربية. وستكون محطة جنوب إفريقيا بحلول عام 2023م، أول محطة نووية تعتمد على التكنولوجيا الروسية في القارة الإفريقية، يليها محطة الضبعة المصرية. وفى عام 2017م، تم توقيع مذكرة تفاهم حول التعاون بين موسكو والجزائر في المجال النووي وبناء أول مفاعل نووي للاستخدامات السلمية وتوليد الطاقة الكهربائية بالجزائر، وذلك رغم تحفظات عدد من الدول الغربية، خاصة فرنسا التي ماطلت في مساعدة الجزائر للحصول على الطاقة النووية.

يتزامن هذا مع سعى روسيا لمضاعفة التبادل التجاري مع إفريقيا، والبالغ 20 مليار دولار عام 2018م، ليصل إلى 40 مليار دولار على الأقل وذلك في غضون سنوات قليلة قادمة، وقد أشار الرئيس بوتين إلى ذلك صراحة خلال القمة واعتبره مسعى أساسي لروسيا، إلى جانب زيادة عدد الشركاء التجاريين لروسيا حيث تستأثر مصر "بنصيب الأسد" على تعبير الرئيس بوتين، من حجم التبادل التجاري مع إفريقيا (حوالي 40%). وفى هذا السياق تم خلال قمة سوتشي توقيع اتفاقية لإنشاء آلية مالية لتحفيز وتسهيل العلاقات التجارية بين المصدرين الروس والشركاء الأفارقة، واتفاقية بين المركز الروسي للتصدير وبنك جمهورية غانا للاستيراد والتصدير لتشجيع الصادرات الروسية، ومذكرة تفاهم بين اللجنة الاقتصادية التابعة للاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا ويضم عددًا من دول الفضاء السوفيتي السابق ومفوضية الاتحاد الإفريقي.

وإثر أزمة كورونا وتداعياتها طلبت نحو 30 دولة في مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية (سادك) مساعدة روسية لمواجهة فيروس كورونا المستجد، ووفقاً لما أعلنه المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض، في 19 فبراير 2021م، قدمت روسيا 300 مليون جرعة من لقاح "سبوتنيك v" للدول الإفريقية. واقترحت روسيا حزمة تمويل لفريق العمل المعني بالحصول على اللقاحات في إفريقيا بقيادة الاتحاد الإفريقي، حيث تمكن الجرعات الإضافية القارة من التطعيم المستهدف لحوالي 60% من سكانها، كما قدمت موسكو أجهزة لإجراء اختبارات لفيروس كورونا لجنوب إفريقيا.

ثانيهما، التعاون الاستراتيجي بجناحيه الأمني والعسكري، فقد أكد الرئيس بوتين خلال قمة سوتشى، أن بلاده كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي ستواصل خطها الاستراتيجي لتعزيز السلام والاستقرار في إفريقيا وتحقيق الأمن الإقليمي، وأن مواقف روسيا والدول الإفريقية متقاربة مما يسمح بتنسيق المواقف والتحركات في الساحة الدولية. وقد حظي التعاون الأمني باهتمام ملحوظ من الجانبين حيث ناقشت القمة التعاون في مجال مكافحة الارهاب والأمن السيبراني والأمن الحيوي في مواجهة الأوبئة العالمية. وعلى هامش القمة بحث زعماء مجموعة الساحل الإفريقي الخمس مع الرئيس بوتين نشر مستشارين عسكريين روس بالمنطقة، وتضم المجموعة التي تأسست عام 2014م، مالي، والنيجر، وتشاد، وموريتانيا، وبوركينا فاسو، وتهدف إلى مواجهة التحديات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، والتي يخشى أن تكون موطئ جديد لتمركز داعش بعد ما لحق بها في سوريا والعراق.

وأكد الرئيس بوتين على خطورة التنظيمات الإرهابية في إفريقيا وضرورة تنسيق الجهود للقضاء عليها. وإلى جانب التعاون الهام مع مصر في هذا المجال استطاعت روسيا تطوير تعاون أمنى ومعلوماتي مع عدد من دول إفريقيا السمراء وفى مقدمتها جنوب إفريقيا، وأطلق الجانبان نظام الأقمار الصناعية المعروف باسم مشروع كوندور، الذي يوفر المراقبة للقارة الإفريقية بأسرها، ويخدم الاستخبارات العسكرية الروسية ونظيرتها في جنوب إفريقيا. كما تشارك روسيا في قوات حفظ السلام في عدد من الدول الإفريقية منها الكونغو الديمقراطية وكوت ديفوار وإثيوبيا وإريتريا والسودان وجنوب السودان والصحراء الغربية، وتقوم بتدريب رجال الشرطة في أكثر من 18 دولة إفريقية على عمليات حفظ السلام، وقدمت دعمًا ماديًا لصندوق حفظ السلام التابع للاتحاد الإفريقي.

من ناحية أخرى، تعد روسيا شريكاً دفاعياً مهماً في إفريقيا، وينمو التعاون العسكري بين روسيا والقارة السمراء في إطار عدة محاور، من أهمها بيع الأسلحة الروسية للدول الإفريقية، وتعتبر موسكو أكبر مورد للسلاح في المنطقة، وبلغ حجم واردات روسيا من السلاح إلى إفريقيا خلال الفترة بين عامي 2014 و2018م، (باستثناء مصر) 17% من إجمالي الواردات الروسية، بحسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي. وتتصدر الجزائر دول القارة كأكبر مستورد للسلاح الروسي حيث استحوذت على 15% من إجمالي الصادرات الروسية واحتلت بذلك المرتبة الثالثة بين مستوردي السلاح الروسي عالمياً بعد الهند والصين، ومثل ذلك 69% من إجمالي واردات الجزائر من الأسلحة، تليها مصر التي مثلت الأسلحة الروسية 41% من إجمالي وارداتها من الأسلحة.

وأشار مدير شركة "روسوبوروناكسبورت" الروسية لتصدير الأسلحة على هامش قمة سوتشى أن لدى روسيا عقود موقعة ومدفوعة بقيمة 12 مليار دولار، وأن موسكو تتعاون عسكرياً مع 20 دولة إفريقية في هذا المجال، وأنه خلال عام 2019م، تم تسليم معدات لتسع دول إفريقية منها رواندا وموزمبيق وأوغندا وأنجولا. وأن حوالي 80% مما تشتريه إفريقيا هي معدات جوية تتضمن مروحيات قتالية وطائرات وأنظمة دفاعات جوية تور وبوك واس-300. وأعلن رئيس مجلس إدارة شركة "راشن هيليكوبترز" أن أكثر من 900 مروحية تنتجها الشركة في دول إفريقية ويمثل هذا ربع عدد المروحيات في القارة. وبالتزامن مع القمة وصلت قاذفات استراتيجيتان روسيتان من طراز تو مئة وستون إلى مطار وتر-كلوف بجنوب إفريقيا في أول تحليق لمثل هذه الطائرات إلى أقصى الجنوب.  

ومنذ عام 2014م، وقعت موسكو اتفاقيات تعاون عسكري مع حوالي 19 دولة إفريقية، منها اتفاقات مع أنجولا ونيجيريا والسودان ومالي وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية تم توقيعها عامي 2017 و2018م. وتشمل هذه الاتفاقيات تصدير طائرات مقاتلة، وطائرات هليكوبتر للنقل والقتال، وصواريخ مضادة للدبابات، ومحركات للطائرات المقاتلة. وقامت روسيا بتوريد نظام الدفاع الجويPantsir-S1 إلى إثيوبيا، ووقعت عقداً مع غانا لتسليم الأخيرة مروحيات بقيمة 66 مليون دولار، ومع أنجولا بقيمة تتجاوز المليار دولار للتزود بمعدات روسية، من بينها مقاتلات سوخوي ومروحيات. كما تبيع روسيا الأسلحة الخفيفة لمالي، ويتضمن ذلك البنادق والمدافع الرشاشة والذخائر، وذلك بمقتضى العقد الموقع بين الجانبين ي سبتمبر 2012م، بقيمة إجمالية 12 مليون دولار، وحصلت أوغندا على مقاتلات من طراز "سو – 30 أم كا 2" الروسية. ووقعت شركة "مروحيات روسيا" اتفاقية لإنشاء مركز لصيانة المروحيات الروسية في جنوب إفريقيا مع شركة "ديفل أفييشن" الجنوبية الإفريقية، وافتتحت شركة "أورال فاجون زافود" لصناعة الدبابات مركز إقليمي لصيانة الدبابات من نوع "تي-72" في إفريقيا.

المحور الثاني للتعاون العسكري يتمثل في التدريب، وقد أعرب الرئيس الروسي عن استعداد بلاده مواصلة تدريب العسكريين الأفارقة، وأشار إلى التعاون القائم مع العديد من دول القارة في هذا المجال، وأن عسكريين من 30 دولة إفريقية يدرسون في جامعات وزارة الدفاع الروسية.

أما المحور الثالث فيتضمن نشر القوات الروسية وإقامة القواعد العسكرية، ففي نوفمبر 2020م، صدق الرئيس بوتين على الاتفاق الروسي السوداني حول إنشاء مركز لوجيستي روسي على شواطئ البحر الأحمر السودانية، "قاعدة فلامينجو"، في منطقة "ترينكيتات" شمال بورتسودان، بهدف صيانة السفن الحربية الروسية وتموينها واستراحة أفراد طواقمها. ويمكن للمركز استيعاب أربع سفن بما فيها تلك المزودة بتجهيزات نووية، وعدد من الأفراد لا يتجاوز 300 شخص. وفي 28 فبراير 2021م، وصلت الفرقاطة الروسية "أدميرال جريجوروفيتش" إلى ميناء بورتسودان، وهي أول سفينة حربية روسية تدخل الميناء، أعقبها دخول الفرقاطة "ستويكي 545"، إلى الميناء في مارس من نفس العام.

ورغم ما تداولته عدد من وسائل الإعلام حول تجميد الاتفاق بين السودان وروسيا لحين موافقة المجلس التشريعي المنتظر تشكيله، وطلب السودان من روسيا سحب جميع معداتها العسكرية من ميناء بورتسودان، فإن المصادر الروسية أشارت إلى عدم وجود تأكيد رسمي في هذا الخصوص، وقد يكون السودان عرضه للضغوط الأمريكية لإنهاء الوجود الروسي بها وذلك في إطار التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو، وفى وقت تنفتح فيه الخرطوم على واشنطن بعد رفعها من قائمة الدول الراعية للإرهاب. إلا إنه في ضوء ما يمثله المركز اللوجيستي الروسي في السودان من خطوة نوعية نحو القفزة الاستراتيجية التي تسعى إليها موسكو منذ الحقبة السوفيتية حيث تعمل قاعدة فلامينجو كموقع تبادلي مع قاعدة طرطوس في حالة التهديد البحري أو الجوي لروسيا، فإنه ليس من السهل أن تتنازل روسيا عن هذا المكسب الاستراتيجي الهام. وقد تعزز هذه القفزة باستكمال مثلث القواعد العسكرية، سوريا – السودان – ليبيا، والحصول على موطئ قدم في الجفرة أو غيرها بليبيا، صحيح أن ذلك لا يبدو بالأمر اليسير في ضوء التعقيدات التي تكتنف الملف الليبي والتنافس الحاد بين القوى الإقليمية والدولية بها، إلا أنه يظل أمراً ممكناً.

على صعيد أخر، وفى أعقاب قمة سوتشى أوضح رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى، فوستان أرشانج تواديرا، أن بلاده تدرس إمكانية إقامة قاعدة عسكرية روسية على أراضيها، وكان تواديرا قد أشاد خلال كلمته في القمة بالتعاون العسكري مع روسيا وأن موسكو تساهم بفاعلية في إعداد عسكريي بلاده وتدريب كوادر القوات المسلحة والشرطة، وتحديث الجيش وتلبية جميع احتياجات بلاده من الأسلحة. وفى ديسمبر 2020م، أشارت عدة مصادر إلى نشر مئات العسكريين الروس وأسلحة ثقيلة إلى جانب مقاتلين تابعين لشركة "فاجنر" الروسية الخاصة لمساعدة رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى على مواجهة التمرد ومحاولة الانقلاب عليه ومنع إعادة انتخابه لولاية ثانية. ويعد نشر قوات روسية نظامية مؤشراً إضافياً إلى سعي موسكو لتعزيز حضورها العسكري في إفريقيا الوسطى، استناداً إلى اتفاق التعاون العسكري الموقع بين البلدين عام 2017م.

وقد أثار الحراك الروسي في القارة الإفريقية على هذا النحو مخاوف القوى الغربية من مزاحمة موسكو لنفوذها الموروث من الحقبة الاستعمارية، فإفريقيا كانت ومازالت ساحة أساسية للتنافس الدولي والإقليمي، وذلك بالنظر لما تذخر به من ثروات طبيعية ضخمة لم تُستغل بالكامل بعد، وما تتمتع به من آفاق واعدة للنمو حيث أصبحت القارة من أسرع المناطق نمواً في العالم، ويبلغ متوسط معدل النمو بها حوالى 5%، ومن المتوقع إن تصبح 10 اقتصادات إفريقية ضمن الأسرع نمواً في العالم، وتصبح إفريقيا واحدة من الاقتصادات الرئيسية عام 2050م، كما تعتبر إفريقيا سوق واسعة للتكنولوجيا بمختلف أنواعها.

في هذا الإطار، أعلن جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي، عام 2018م، عن خطة أمريكية جديدة في إفريقيا، تهدف بشكل أساسي لمحاربة نفوذ روسيا والصين. والذي تعتقد واشنطن أنه سيكون حتماً خصماً من مصالحها ونفوذها في القارة، لكونه يطرح بدائل لدول القارة في غير صالح واشنطن. وعلى سبيل المثال عندما اتُهم جنود حكوميين في نيجيريا بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضد المشتبه بهم في قتال البلاد ضد بوكو حرام عام 2014م، ألغت الولايات المتحدة شحنة من طائرات الهليكوبتر الهجومية على الرغم من توقيع الصفقة بالفعل، وفي نفس العام، قدمت نيجيريا طلبا لروسيا وتلقت ست مروحيات قتالية من طراز Mi-35M منها.

ورغم أنه لدى الصين قدرة لتصبح مصدراً أكبر لإمدادات الأسلحة في إفريقيا والتي تمثل حالياً 13 ٪ من صادرات الأسلحة إلى القارة. إلا إن موسكو لا تنظر للصين على أنها تهديد لإمدادات الأسلحة الروسية في إفريقيا حيث يظل المنافسون الرئيسيون لها هما الولايات المتحدة وفرنسا. فاهتمام الصين بإفريقيا اقتصادياً بالأساس ولا تسعى موسكو لمنافسة الصين في هذا المجال لأنه من الناحية الاقتصادية لا تستطيع روسيا تقديم ما تقدمه الصين للدول الإفريقية.

ويظل لروسيا رصيد ضخم وقدرة تنافسية عالية وقبول واسع من جانب الدول الإفريقية، فخلافاً لغيرها من القوى الكبرى المتكالبة على إفريقيا تتميز روسيا ليس فقط بعدم وجود ماضي استعماري لها، وإنما برصيدها الإيجابي الضخم في القارة حيث دعم الاتحاد السوفيتي حركات التحرر الوطني التي كانت تموج بها القارة الإفريقية منذ خمسينيات القرن الماضي، وكان لعقود المصدر الرئيسي للمساعدات الاقتصادية والعسكرية والتقنية للدول الإفريقية حديثة الاستقلال. وفى الوقت الذي كانت واشنطن تعتبر الزعيم الإفريقي ورمز الكفاح ضد الاستعمار نيلسون مانديلا "إرهابي"، كان الاتحاد السوفيتي يدعم المؤتمر الوطني الإفريقي قائد النضال ضد التمييز العنصري. وكان للاتحاد السوفيتي دور بارز في إعداد وتدريب القيادات الإفريقية في مختلف المجالات، ومنهم العديد من الرؤساء والقادة. ويعطى هذا البعد التاريخي خصوصية لروسيا ويجعلها طرفاً دولياً أكثر قبولاً لدى دول القارة، فروسيا لم تبدأ علاقاتها بإفريقيا من الصفر، كبعض القوى الأخرى، وإنما من رصيد ضخم موروث من الحقبة السوفيتية. فضلاً عن أن التخوف الإفريقي من حضور بشرى طاغي مهيمن، كما هو الحال فيما يتعلق بالصين، غير وارد في الحالة الروسية التي لا تمتلك هذا الفائض البشري الضخم الذي يمكن ضخه في إفريقيا.

في ضوء ما سبق، من المتوقع أي إلى جانب انطلاقها من مبادئ الاحترام المتبادل والشراكة القائمة على المصالح والمنافع المتبادلة، وما تبديه موسكو من حرص على تحقيق الاستقرار وتهدئة الصراعات والنزاعات الداخلية والبينية التي تموج بها القارة.

مقالات لنفس الكاتب