العدد 162

التجارة غير الشرعية أفرزت نخبة اقتصادية هجينة وخلقت أنماطًا جديدة من الولاءات

الأحد، 30 أيار 2021

تعتبر التكتلات الاقتصادية المعاصرة، ظاهرة تنم عن وعي مجموعة من الدول بأهمية التكامل الاقتصادي بينها. ذلك أن المصالح الاقتصادية المشتركة، كفيلة إلى حد ما، بتحقيق الازدهار والرفاهية والاستقرار لأعضائها وخصوصًا، إذا كانت هناك قواسم مشتركة بينهم، ومن ذلك اللغة والتاريخ والعرق والثقافة والدين والمجال الجغرافي.

والمجموعات الاقتصادية هي استجابة لدينامية الاقتصاد العالمي المتسمة بالاعتماد المتبادل وكذلك الصراع الحاد والتنافس الشرس على الموارد الطبيعية والأسواق والكفاءات البشرية والتكنولوجيا...

كما أن التكامل الاقتصادي الذي ينشد الوصول إلى الاندماج الاقتصادي الشامل، ليس أمرًا هينًا بحيث رغم تراكم تجارب عديدة مثل تشكل الاتحاد الأوروبي عبر مسار تاريخي مهم، فإنه لم يحقق هذا المقصد، وأصبح اليوم مهددًا بالتفكك بعد انسحاب بريطانيا وخروجها من الاتحاد.

كما تعرف باقي التجارب الإقليمية، مثل اتحاد الغرب العربي، إخفاقًا لدواعي سياسية وأمنية، وكذلك تجارب أخرى في مناطق متعددة من العالم. ولكن رغم ذلك هناك إيمان بأن تشكيل مجموعة اقتصادية متكاملة تنشد الاندماج التام أو على الأقل الدفاع المشترك على مصالحها وسيادتها الاقتصادية أمرًا استراتيجيًا حيويًا. ذلك أنها "قلع" في مواجهة المد العولمي والليبرالية المتوحشة والحرب الاقتصادية التي تطحن الاقتصاديات الناشئة.

في هذا السياق، تندرج تجربة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، والتي مرت من مراحل تاريخية متعددة، منذ تأسيسها سنة 1975م. فهل استطاعت تحقيق مراميها؟ وهل تمتلك المقومات الكافية للوصول إلى التكامل الاقتصادي المنشود؟ وما هي طبيعة التحديات التي تواجهها في الألفية الثالثة والتي تتسم بالتعقيد والتشابك وانتشار مظاهر العنف العابر للقوميات؟ وما هي المشاهد المستقبلية لتطور هذه المجموعة الاقتصادية، في ظل سيادة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي بكامله.

أولاً: مسار التكامل الاقتصادي والفرص المتاحة.

  1. البناء المؤسساتي وإرادة التعاون والتكامل.

تأسست المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (Economie Community of West Africain States) اختصارًا (ايكواس)، في 25 مايو 1975م، بعد الاتفاق على اتفاقية "لاغوس" بنيجيريا؛ وتم تعديلها في كوتونو عام 1993م، وتضم 15 دولة وهي، بينين وبوركينافاسو وجمهورية الرأس الأخضر، وساحل العاج، وغامبيا وغانا وغينيا وليبيريا وغينيا بساو، ومالي والنيجر والسنيغال وسيراليون وتوغو ونيجيريا.

وتتضمن المعاهدة هدفًا هامًا وعامًا، وهو تعزيز التعاون والتكامل من أجل تأسيس اتحاد اقتصادي شامل في غرب إفريقيا. ونصت المعاهدة كذلك على توخي تحسين مستوى العيش والرفاهية لكل شعوب المجموعة الاقتصادية، وبالتالي دعم الاستقرار الاقتصادي والعلاقات بين دول المجموعة الاقتصادية، والمساهمة في تقدم وتنمية القارة الإفريقية. ومن بين المبادئ التي وردت في نص المعاهدة المنقحة في 1993م:

  • رفض الاعتداء بين دول الأعضاء.
  • الدعوة إلى الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
  • السعي نحو التسوية السلمية للمنازعات بين أعضاء المجموعة (ايكواس)
  • دعم وحماية حقوق الإنسان.
  • ترسيخ نظام الحكم الديموقراطي.
  • توفير بيئة ملائمة للسلم كشرط لتنمية اقتصادية.

وأنشأت المجموعة الاقتصادية "ايكواس"، ثلاثة أجهزة أساسية، الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي (برلمان المجموعة) والجهاز القضائي (محكمة المجموعة). فالجهاز التنفيذي هو مفوضية "الايكواس" والتي تم توسيعها وتعديلها عدة مرات، أما برلمان المجموعة فهو يقوم بمواءمة القوانين والتشريعات ويمثل شعوب المجموعة "الايكواس" وتم إحداثه سنة 2006م، أما محكمة المجموعة والتي تم تأسيسها سنة 1991م، فهي تتوخى النظر خصوصًا في قضايا انتهاك حقوق الإنسان وتنظر في الخلافات بين أعضاء المجموعة، وتستشار في بعض المسائل القانونية.

وبالإضافة إلى هذه الأجهزة، هناك مؤسسات، بنك الاستثمار والتنمية لمجموعة الايكواس، ومنظمة الصحة لدول غرب إفريقيا ومجموعة العمل الحكومية الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في غرب إفريقيا (GIABA). وهناك كذلك وكالات متخصصة ومن أهمها الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا (WANA) والمعهد النقدي لغرب إفريقيا (WAMI) والوكالة الجهوية للزراعة والغذاء (RAAF) ومركز الايكواس لتنمية النوع (CCDG) وغير ذلك من الوكالات المتخصصة.

ويبدو جليا أن المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، تتمتع بمؤسسات مهمة ووكالات متخصصة تساهم في تحقيق الأهداف المنشودة في هذا التكتل والتي من أهمها تنسق السياسات الاقتصادية وخلق فرص للتعاون الاقتصادي وترسيخ ثقافة الاعتماد المتبادل وفض النزاعات بشكل سلمي، والتمكين للمرأة والشباب وتحقيق انتقال ديموقراطي وبناء دولة القانون والحق ودعم مبادرات حفظ السلام والأمن الدوليين.

وبالإضافة إلى هذا البناء المؤسساتي وآلياته المتعددة، فمجموعة "ايكواس" تتوفر على مؤهلات مهمة، تخول لها أن تكون فاعلاً اقتصاديًا مهمًا في القارة الإفريقية وكذلك على المستوى العالمي.

  1. مجال جغرافي واسع وموارد طبيعية هائلة.

تمتد مجموعة "ايكواس" في منطقة جغرافية واسعة ومهمة، إذ تقدر المساحة الإجمالية بحوالي 162، 114 كيلومتر مربع، (1.974,598 ميل)؛ كما وصل عدد السكان إلى حوالي (399,458,100) نسمة وهناك تقديرات تتوقع ارتفاع عدد السكان سنة 2050 إلى حوالي 800 مليون نسمة، %70 منهم من الشباب، وتعتبر نيجيريا أكثر بلدان المجموعة الاقتصادية (ايكواس) سكانًا، إذ وصلت حسب التقديرات الأخيرة حوالي ( (210,789,65. وهذا يبرز حجم القوة السكانية لنيجيريا ضمن المجموعة وبالتالي ريادتها "للايكواس" اقتصاديًا وسياسيًا.

وتمتلك المنطقة (ايكواس) إمكانات طبيعية ضخمة، مما يجعلها مجالاً تتهافت عليه مجموعة من القوى الدولية، والشركات المتعددة الجنسية العالمية. وهكذا نجد بأن نيجريا تمتلك مخزونًا مهمًا من الغاز الطبيعي والبترول حوالي مليوني برميل يوميًا، وبالإضافة إلى نيجريا هناك ساحل العاج وغانا وبينين وتوغو وتوجد اكتشافات مهمة في خليج غينيا.

وقد ساهمت نيجريا في تأسيس رابطة منتجي النفط الإفريقية، (Africain Petroleum Producers Association) ، بدافع الحد من الاعتماد الكلي على التكنولوجيا الغربية وخلق بيئة للتعاون بين الدول الإفريقية لمنتجي النفط. وهناك اهتمام دولي بالتنقيب عن البترول والغاز في دول منطقة "اكواس"، وهكذا يتم التنقيب في السنغال والنيجر والبنين وموريتانيا التي انسحبت منذ 2000، من "ايكواس" والآن تجدد طلبها للرجوع إلى المجموعة.

وقد وقعت كل من السنغال وموريتانيا اتفاقًا للتنقيب واستغلال حقل من الغاز يحتوي على 44 مليار متر مكعب وذلك ابتداء من سنة 2021م.

وهكذا نجد مجموعة من الشركات الكبرى، مثل Shell) و الشركة البريطانية (BP) والشركة الإيطالية (ENI) وشركة ( Chevron وExxon)، وشركة (Total)، كلها مهتمة بالاستثمار في دول المجموعة والمجاور لها ،(النيجر وبينين وساحل العاج وتوغو ومالي وغينيا كوناكري وغينيا بيساو وغامبيا والرأس الأخضر وبوركينافاسو وغانا وليبيريا وسيراليون).وهذا الوضع يجعل من منطقة "الايكواس" منطقة استراتيجية وذات أهمية في جدول أعمال الشركات العالمية والقوى الدولية، الآن وفي المستقبل.

ولا يقتصر الأمر على البترول والغاز وإنما يشمل كذلك المعادن النفيسة والنادرة والتي يسيل لها لعاب الفاعلين الكبار في سوق الموارد الطبيعية.

وتشير بعض الإحصائيات إلى كون إفريقيا بكاملها تملك بالإضافة إلى إنتاج 300 مليون برميل والتوفر على 75 مليار برميل احتياطي، وكذلك إنتاج حوالي 22 مليون قدم مكعب من الغاز وتتوفر على 477 تريليون قدم مكعب كاحتياطي. وتنتج 76% من الكوبالت وتتوفر على احتياطي يقدر بحوالي 30% من الاحتياطي العالمي؛ وكذلك بالنسبة للبلاتين يتم إنتاج 75% وامتلاك 90% من الاحتياط العالمي؛ أما بالنسبة للحديد فيتم إنتاج 9% والتوفر على احتياطي يقدر بحوالي 15%. أما اليورانيوم فيتم إنتاج 9% و30% من الاحتياطي وبالنسبة للماس يتم إنتاج 33%والتوفر على 40% من الاحتياطي العالمي؛ أما الذهب فتنتج إفريقيا 70% وتتوفر على 30% من الاحتياطي العالمي وكذلك الألماس، إذ تنتج 56 % وتتوفر على 95% من الاحتياط العالمي.

وهكذا فإن دول غرب إفريقيا لديها كذلك نسبة من هذه المعادن، فالنيجر تتوفر على مخزون هام من اليورانيوم وفي غينيا كوناكري هناك وفرة في معدن البوكسيت, فمنطقة "الايكواس" تنتج 10 % من الإنتاج العالمي من المنجنيز و8% من البوكسيت (Bouxite) و 7% من اليورانيوم. وما بين 2006 – 2017 تم فتح عدد من المناجم في ساحل العاج ومالي (الذهب) وبوركينافاسو وغانا وغينيا.

وهناك معادن أخرى نادرة تستعمل في التكنولوجيا الدقيقة والصناعات العسكرية. كما هناك وفرة الخشب والفحم والغابات الشاسعة والحيوانات المهددة بالانقراض ونظام بيئي متنوع مهدد كذلك بالتلوث والاستغلال الفاحش.

لكن بالرغم من هذه الإمكانات المتعددة، من موارد طبيعية وأراضي شاسعة وموقع جغرافي متميز وكذلك فئة عريضة من الأطر والكفاءات التي حصلت على خبرات علمية وعملية في الجامعات الأوروبية والأمريكية، فإن منطقة الايكواس تواجه تحديات كبيرة تعيق مسارها التنموي.

ثانيًا: الرهانات والتحديات.

تعتبر منطقة "الايكواس" من أكثر المناطق الإفريقية تعرضًا للأزمات والاضطرابات في العقود الأخيرة. ومنها ما هو مرتبط بالديناميات الداخلية ومنها ما هو خارجي كامن في التكالب العالمي حول المنطقة والتنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي على ثروات المنطقة والسعي إلى ارتهان مستقبل هذه الدول بل كذلك أجيالها المستقبلية.

من الملاحظ أن منطقة "الايكواس" تعاني من فوارق اجتماعية حادة ومن الفقر والأمراض والفساد والحروب الأهلية والصراع غير السلمي حول السلطة وافتقاد للحكم الرشيد. وكذلك من ارتفاع معدلات الجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود، وهكذا فإن المنطقة تواجه تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية وسياسية ورهانات جيوسياسية ضخمة؛ مما يؤثر على سيادة هذه الدول ومستقبلها.

  1. التحديات الأمنية وهواجس الفوضى.

تعتبر المعضلة الأمنية في إفريقيا عامة والغرب الإفريقي خاصة، مجالاً بحثيًا بامتياز كما تشكل إعاقة كبرى لتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. والغرب الإفريقي ورث إرثًا ثقيلاً عن الاستعمار، لازال يشكل عبئًا على الدولة الوطنية الإفريقية.

ذلك أن القضايا العالقة ومنها مسألة الحدود، ساهمت في تخصيب النزاعات بين الدول الإفريقية. كما أن الهندسة الاستعمارية للحدود السياسية بين الكيانات الإفريقية دون مراعاة التعددية العرقية والخصوصيات الثقافية. قد أثرت بشكل سلبي على السلم الاجتماعي في المنطقة. ولذا كانت ولازالت هناك حروب أهلية ونزاعات عرقية طاحنة، تتغذى على اللامساواة والتهميش السياسي لبعض الطوائف.

وهكذا فإن ضعف وهشاشة الدولة الوطنية في الغرب الإفريقي، جعلتها عرضة لفاعلين جدد، يساهمون في زعزعة الاستقرار والنيل من هيبتها والسعي إلى تفتيت مقوماتها. فالفساد السياسي والاقتصادي ساهما بشكل كبير في انتشار منظمات الجريمة المنظمة والعابرة للحدود في الغرب الإفريقي.

وإن كانت التجارة غير الشرعية ليست أمرًا جديدًا في المنطقة، لكن الانفلات الأمني وصعوبة مراقبة مناطق شاسعة وسقوط نظام القذافي، كل ذلك منح المنظمات الإجرامية، فرصة ذهبية لتوسيع التجارة غير الشرعية والتحالف مع منظمات إرهابية.

والملاحظ بأن مجالات هذه التجارة غير الشرعية، تشمل سلعًا ومنتوجات لا حصر لها؛ فهناك الاتجار في الأسلحة والمخدرات والبترول والسجائر والحيوانات والبشر وغير ذلك.

وتشير بعض التقارير الدولية بان شبكة تجارة المخدرات مثل الكوكايين، تتوفر على بنية للتخزين والمواصلات، (بحرية وجوية وبرية) عابرة لمختلف دول منطقة الغرب الإفريقي. ولذا فإن تدفق تجارة الكوكايين مستمرة ولا تشهد أي تراجع، بسبب هذه "الشبكات" المتطورة والفعالة؛ بالرغم من عدد من حملات حجز مئات الأطنان من هذه المخدرات في شواطئ دول "رأس الأخضر" وساحل العاج وغانا وتوغو منذ 2019م.

وتذهب الدراسات إلى وجود صنف من رجال أعمال وهو منتشر في المنطقة بكاملها، يمارسون بشكل مزدوج التجارة الشرعية وغير الشرعية. كما أن التجارة غير الشرعية ساهمت في بروز نخبة اقتصادية هجينة، تقوم بإعادة تشكيل البنيات الاجتماعية التقليدية، وخلق أنماط جديدة من الولاء السياسي والاجتماعي مما يرسخ ويوسع من الحاضنة الاجتماعية للممارسة الاقتصادية غير المشروعة.

كما تتجه الدراسات والأبحاث بإشكالية الإرهاب الهجين (Terrorisme hybride)، إلى إبراز التحالف بين المنظمات الإجرامية والمنظمات الإرهابية. وهذا التحالف الاستراتيجي يشكل في حد ذاته تحديًا ضخمًا لمنطقة الايكواس.

وإذا كانت منظمات الجريمة المنظمة في الغرب الإفريقي، لها أهداف "ربحية محضة"، فإن المنظمات الإرهابية تمارس "الارتزاق الحربي" وفي نفس الوقت تدعي الرغبة في إحياء "الدولة الإسلامية" ومواجهة الدول العلمانية في الغرب الإفريقي وكذلك القوى الأجنبية.

فمنظمات الجريمة العابرة للحدود، تتعاون مع المنظمات الإرهابية لتوفر لها هذه الأخيرة العبور في المنطقة وكذلك ممارسة تجارتها مقابل مبالغ مالية هامة. كما أن المنظمات الإرهابية تمارس التجارة لتمويل أنشطتها الإرهابية. ولذا فإن المنظمات الإرهابية هي "مقاولات" إجرامية كذلك، تستفيد من الوضع المتأزم في منطقة الغرب الإفريقي وتتشارك مع المافيا الدولية والمحلية في تكريس الفوضى وانعدام الأمن في دول الغرب الإفريقي.

وتشير الدراسات حول علاقة التحالف بين المنظمات الإرهابية والمنظمات الإجرامية، إلى كون هذه الأخيرة تضمن للإرهابيين شبكة من الأعيان المحليين الذين له صلة بالتجارة غير الشرعية، مما يضمن للإرهابيين الحصول على المواد الغذائية والماء وغير ذلك من الاحتياجات وكذلك الولوج إلى المدن الكبيرة بشكل لا يثير الانتباه. وهناك روابط زواج وكذلك قرابة وانتماء عرقي، بين التجار غير الشرعيين والمنظمات الإجرامية والإرهابيين؛ مما يجعل مهمة محاصرة هؤلاء صعبة.

ومن الملاحظ بأن أهم وجوه التعاون بين المنظمات الإجرامية والإرهابيين، يكمن في اختطاف الرهائن وهو مصدر مهم لتمويل هذه الجماعات. وهكذا تشير مختلف التقارير والدراسات إلى كون 80 % من موارد القاعدة في منطقة الساحل، كان من جراء الحصول على فدية الرهائن، بين 2005 – 2010م؛ وهناك اقتسام للمداخيل بين الطرفين.

ونعتقد بأن هذا التحالف بين الجماعات الإرهابية والمنظمات الإجرامية، قد لا يدوم طويلاً، لأن التعاون بين دول منطقة الايكواس ودول أجنبية في محاربة الإرهاب، سيفضي حتمًا إلى التضييق مستقبلاً على الجماعات الإرهابية، لأن المصالح الجيواقتصادية تقتضي حتمًا جعل منطقة الغرب الإفريقي، منطقة جاذبة للاستثمار. وهذا سيدفع منظمات الجريمة المنظمة للتخلص من ثقل وخطورة الاستمرار في التحالف مع الجماعات الإرهابية. ذلك أن المافيا تمتلك شبكاتها المحلية والدولية وهي ليست في حاجة لأن تدفع ضريبة دعم الإرهابيين وإن كان الاثنين معًا، في الإجرام سواء.

لكن الوضع الأمني الحالي، لازال في صالح الطرفين معًا، إذ تستفيد الجماعات الإرهابية وكذلك المنظمات الإجرامية، من انعدام الأمن والاستقرار. وبارز للعيان خطورة تداعيات الوضع الليبي والتشادي والمالي على بنية دول "الايكواس". وكل دولة من دول المجموعة الاقتصادية للغرب الإفريقي، تعاني من التسيب الأمني والانتهاك بسبب مواجهة بوكوحرام (نيجيريا مثلا)، وكذلك تعرض بوركينافاسو والنيجر لضربات إرهابية، واستمرار تهديد الأزمة في مالي والتشاد، للاستقرار في المنطقة بكاملها. وهناك سعي مستمر لداعش للتوسع في منطقة الصحراء الكبرى والدعوة إلى جذب مقاتلين جدد وتجنيد المهاجرين غير الشرعيين، والاستفادة من النزوح الهائل للسكان الهاربين من الصراعات.

كما أن جماعة "جبهة تحرير ماسينا"، تدعو إلى إحياء امبراطورية ماسينا، والمطالبة بتجميع العرق الفوالاني واستعادة الأمجاد الضائعة، مما سيزج بمنطقة الغرب الإفريقي بكاملها في دوامة تناحر لا نهاية لها. لأن الفكر المتطرف والإرهابي لجماعة "جبهة كتيبة ماسينا"، يتأسى على البعد العرقي، وهذا مكون خطير، باعتبار أن العرق الفوالاني له وجود في كافة دول المنطقة، مما يؤدي إلى بعث العصبية العرقية من جديد والتي أصلاً هي محرك للصراع السياسي الحالي.

ومن الملاحظ كذلك أن النزاعات الانفصالية مثل النزاع الحاصل في مالي، وكذلك في شمال الكاميرون والتشاد، ستساهم في انتشار المد الانفصالي وبالتالي تقويض منظمة "الايكواس" لاحقًا.

وجل الجماعات الانفصالية وكذلك الجماعات الإرهابية، تلتقي في السعي إلى تقويض مشروعية الدول الوطنية في الغرب الإفريقي؛ فالحركات الانفصالية تنتج خطابات تستهدف نسف المشروعية السياسية، بينما الجماعات المتطرفة والإرهابية، فإنها ترتكز على نسف المشروعية الدينية وكذلك السياسية، وهكذا فإن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تدعو إلى مواجهة الدولة الوطنية والغرب. وبالرغم من التنافس الحاصل بين داعش والقاعدة في الغرب الإفريقي ومنطقة الساحل، فإن الخطاب التكفيري والمتطرف والتمدد الإرهابي، وتوسع الحواضن الاجتماعية للتطرف والإرهاب؛ كل ذلك يجعل من جهود التنمية في الغرب الإفريقي ومحاولات التكامل الاقتصادية متعثرة. إذ تمتص المعضلة الأمنية نسبة مهمة من الأموال التي من المفترض أن تنفق في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي في منطقة "الايكواس".

وقد أعلن قادة المجموعة الاقتصادية لدول الغرب الإفريقي من تخوفهم من الانقلاب الذي حصل في مالي، وتأثيره على الوضع العام في المنطقة والتمكين للجماعات المتشددة الإرهابية من الاستفادة، من مختلف الثغرات الأمنية.

ولا يجادل أحد في كون المشاكل الأمنية والمواجهات مع المجرمين والجماعات الإرهابية في الغرب الإفريقي، ترهق ميزانية الدولة الوطنية في مجمعة "الايكواس"، كما أن المخصصات المالية التي من المفترض أن يتم ضخها في مجالات التنمية ودعم سبل التكامل الاقتصادي وتجديد وتطوير البنيات التحتية، في منطقة  "الايكواس"، تستنزف في الجهود المكثفة لمواجهة قضايا النزاعات ومحاربة التطرف والإرهاب والجريمة ويمكن الرجوع إلى تقرير  ¨Global Peace index¨و ¨Global Terrorisme index¨ للاطلاع علي  تداعيات ذلك على اقتصاديات دول الغرب الإفريقي.

  1. رهانات الأمن الصحي والغذائي وتداعيات ما بعد كرونا.

لقد واجهت دائما دول "الايكواس" عدة أمراض فتاكة (ايبولا مثلاً)، ولذا تنبه منظمة الصحة العالمية إلى التحديات التي تواجهها النظم الصحية في إفريقيا جنوب الصحراء في زمن العولمة؛ وهي تحديات التحول الصحي. فالعولمة تودي بحكم انتقال السلع والأشخاص عبر العالم إلى نقل الأمراض والجراثيم والفيروسات، مما يشكل خطرًا مضاعفًا على النظام الصحي في المنطقة ويهدد أمنها الصحي. إذ تتوقع منظمة الصحة العالمية بارتفاع الوفيات بالأمراض غير السارية بنحو 27% في الإقليم الإفريقي. ومن المعلوم أن الأمراض السارية وغير السارية لها تأثير ضخم على اقتصاديات الدول النامية وعلى الخصوص دول منطقة الايكواس، وهذا يشكل عبئا كبيرا على دخل الأسر الفقيرة والمتوسطة وبالتالي على النظم الصحية وإعاقة كبيرة للتنمية.

كما أن وباء كرونا، قد ساهم في إحداث خلل كبير في النظام الصحي والاجتماعي والاقتصادي لبلدان المجموعة الاقتصادية لدول الغرب الإفريقي. ولذا تحاول دول "الايكواس" التفاوض مع القوى الدولية على إمكانية الحصول على مساعدات مالية، لتجاوز الأزمة واحتواء آثارها الحالية والمستقبلية، مما يؤدي فعلاً إلى ارتهان مستقبل المنطقة.

وفي دراسة صدرت من منظمة Futuribles  الفرنسية المهتمة بالدراسات المستقبلية، إشارة إلى رؤيتين حول غرب إفريقيا ما بعد كورونا. فالرؤية الأولى تؤكد على اعتماد استراتيجية تنويع الأنشطة الاقتصادية وتأهيل اليد العاملة لرفع تحدي المنافسة؛ وهناك نوع من الإجماع داخل المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، على ضرورة إلغاء الديون المترتبة عليها أو تحويلها إلى استثمارات؛ من أجل التمكين لاقتصاديات الايكواس من الانطلاق من جديد وتجاوز الأزمة. أما الرؤية الثانية، تشير إلى إعادة النظر بشكل جذري وكلي في الخيار النيوليبرالي، وإرجاء الحديث حول الديون والاهتمام بالدرجة الأولى بالمنطلقات التالية:

  • تشجيع التعاون البيئي بين الدول الإفريقية، (Panafricanisme) في مجالات الاقتصاد والثقافة والبحث العلمي والتكنولوجي والمجال التعليمي والتربوي وبالتالي التحقيق من الاعتماد على الدول الغربية.
  • بناء علاقات إفريقية مع شركاء خارج إفريقيا، تستند إلى المساواة والتحرر من التبعية.
  • إعطاء الأولوية للمجال الاجتماعي وابتكار آليات جديدة للرعاية الاجتماعية.
  • ترسيخ النهج الديمقراطي في اتخاذ القرار وتشجيع اللامركزية.
  • اعتماد نهج تنموي يراعي مطالب الشعوب والاهتمام بتأهيل الأطر وتمكينها من المهارات اللازمة.
  • اعتماد الشفافية ومحاربة الفساد في إدارة وتدبير المرافق العمومية وكذلك القطاع الخاص.
  • بناء نموذج تنموي واقتصادي يراعي ويحترم البيئة.

ويلاحظ بأن الرؤية الثانية التي تبناها مجموعة من الخبراء من دول الغرب الإفريقي، تستوعب باقي التحديات المطروحة على مجموعة "الايكواس"، ومن ذلك بناء حكم رشيد وحوكمة قادرة على رفع تحديات الألفية الثالثة والانفلات من التبعية الاقتصادية وبناء شراكة اقتصادية عادلة مع الغرب وكذلك الاهتمام بإشكالية الأمن الغذائي التي لها صلة بكل القضايا المشار إليها وارتباطها بضرورة بناء تصور جديد للمستقبل الإفريقي.

ثالثًا: المشاهد المستقبلية لمجموعة "الايكواس".

إن عملية بناء المشاهد المستقبلية (السيناريوهات) ليست أمرًا هينًا، وإنما تحتاج إلى عمل متكامل لتخصصات متعددة وامتلاك قاعدة بيانات صحيحة، وأهم من ذلك انخراط المجموعة الاقتصادية لدول الغرب الإفريقي في نقاش ديموقراطي حول صياغة رؤية مستقبلية مشتركة، ويمكن إجمالاً تصور المشاهد التالية:

  1. مشهد مستقبلي غير مرغوب فيه:

هذا المشهد قائم وكارثي ويكمن في الانحدار المستمر إلى الهاوية؛ بحيث تتفاقم الديون وتتكالب الشركات الكبرى على المقدرات الاقتصادية للمنطقة وتتوالى الصراعات الحدودية والنزاعات حول السلطة وانبعاث الطائفية العرقية والدينية وبالتالي انهيار سيادة الدولة وفشلها وعجزها عن ضمان الخدمات الأساسية من أمن واستقرار وأمن غذائي وصحي واجتماعي وتربوي...

وفي هذا المشهد تتمكن قوى عابرة للحدود، من منظمات إرهابية ومنظمات الجريمة المنظمة وميليشيات المرتزقة من السيطرة على المنطقة ونهيها وإنهاكها، وبالتالي تحول المنطقة بكاملها إلى بؤرة توتر كبيرة وإحداث "ثقب أسود" في غرب إفريقيا، من شأنه ابتلاع القارة بكاملها وخلق فوضى عارمة.

  1. مشهد مرغوب فيه.

تبني نهج تنموي اقتصادي جديد مع شراكة حقيقية مع بقية دول العالم، مبنية على العدل والمساواة للعلاقات الدولية، قوامه الوعي بضرورة بناء مستقبل مشترك، وليس استعمار مستقبل الشعوب.

هذا النموذج يعلي من قيم وأخلاق التدبير الراشد والتداول السلمي حول السلطة واعتماد النهج التشاركي في اتخاذ القرارات وترشيد النفقات وإعطاء الأولوية للإنسان ورعايته وخلق فرص الازدهار والنمو ومراعاة التنوع البيئي والحفاظ عليه وصيانة الأمن الفكري والروحي والانفتاح على التكنولوجيا وتجديد طرق التعليم وتشجيع روح المبادرة والابتكار.

خاتمة

إن التكتل الاقتصادي المبني على منطق التعاون والتكامل وخلق التوازن في الاقتصاد العالمي ومواجهة أطماع مختلف الفاعلين في النظام الاقتصادي الدولي، جدير بتعميق النظر والرعاية والتطوير ولذا فإن المجموعة الاقتصادية للغرب الإفريقي مطالبة بالتمسك بهذا التكتل والدفاع على مكتسباته وعدم الاستسلام أمام مختلف التحديات وليس حتميًا أن تظل هذه الدول في مستنقع التردي والعجز والفوضى فبإمكانها تحقيق نهضة شاملة، إذا كان هناك وعي حقيقي بضرورة البلوغ إلى صورة مستقبلية واعدة.

مقالات لنفس الكاتب