العدد 162

أمن العرب ووجودهم على المحك طالما استمروا في تجاهل منطلقات استراتيجية الأمن القومي

الأحد، 30 أيار 2021

الأمن القومي العربي، مفهوم اصطلاحي استراتيجي، لم يعد متداولاً، أو حتى موجوداً في خطاب النظام الرسمي العربي لا برموزه ولا بمؤسساته، ولا حتى بنظام القيم، الذي يحكمه. الأمن القومي العربي لم يكن شعاراً، وأنى يكون كذلك. الأمن القومي العربي استراتيجية أمنية عربية، تتعدى الاحتياجات والإمكانات الدفاعية القطرية، لتغطي مظلتها حمى العرب، من المحيط إلى المحيط، شرقًا وغربًا .. ومن هضبة الأناضول شمالاً إلى بحر العرب والقرن الإفريقي والصحراء الكبرى جنوباً.

 

مُسَلّمَة الأمن القومي العربي

 

الأمن القومي العربي ليس فرضيةً، تحتاج لاختبار مدى ارتباط أطراف معادلتها، لإثبات أو رفض نظريتها، بل إن مفهوم الأمن القومي العربي يصل لمستوى المُسَلّمَة، التي تفرض واقعها وحتمية ضرورتها، حقائق التاريخ .. وتضاريس الجغرافيا .. ومنطق الحقيقة، نفسها. الأمن القومي العربي هو: قضية تاريخ ووجود ومستقبل أمة، وليس ترفاً أكاديمياً، يخضع لمناطقية "سفسطائية" "الأكاديميين" وجدلهم الممل .. ولا شعاراً سياسياً يمكن المزايدة به، أو المساومة عليه، من قبل أطراف محترفي السياسة المقتاتين على موائدها والمتكالبين على فتات تلك الموائد، في الأقطار العربية.

 

الأمن القومي العربي، وإن غابت حكمته التاريخية والوجودية عن بعض النخب السياسية، لأسبابٍ لها علاقة بصراعهم المحتدم على السلطة في دولهم ومجتمعاتهم، سواءً للبقاء فيها، أو المشاركة في مواردها، أو القفز على كرسييها .. أو تاه مفهوم حقيقة أصالة معناه وعلمية موضوعية مضمونه في أزقة وكواليس جدل سفسطائية "الأكاديميين" وترف مناطقيتهم، يظل الأمن القومي العربي، نظريةً وواقعاً ومآلاً، مفهوماً يتمتع بدرجةٍ علميةٍ رفيعةٍ، تتجاوز حسابات بعض الساسة ومنطق الدولة الضيق، لتغوص عميقاً في ضمير الأمة، تستشعر به واقع وجودها .. وإمكانات استمرارها .. وفرص نمو مجتمعاتها .. واستشراف مستقبلها، بالرغم من كل التحديات، التي مرت بها وتواجهها وتتوقع تطورها في المستقبل.  

 

"إسرائيل" بؤرة استراتيجية الأمن القومي العربي

 

وجود "إسرائيل" في خاصرة النظام العربي، كان ومازال المحور الرئيس وجبهة التحدي الاستراتيجي الأساس في نظرية وواقع الأمن القومي. تظلُ "إسرائيلُ " مسرح عمليات معارك هذه الجبهة النشطة، كون ً"الدولة" العبرية بؤرة الصراع الإقليمي والعالمي، في المنطقة. "إسرائيلُ" وقت احتدام حركة الصراع العنيف، مع العرب، منذ قيامها وحتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، أثبتت أنها أكبر اختبار استراتيجي (عنيف)، لفاعلية العرب في مواجهة أكبر تحدٍ لوجودهم القومي، خبروه في العصر الحديث، ضمن حمى أمنهم الجغرافي والتاريخي والحضاري، بحدوده التاريخية والثقافية، الممتدة جغرافياً في قارتي آسيا وإفريقيا.

 

رغم "كسب" الدولة العبرية، لجولات الصراع (النظامي) العنيف مع العرب، منذ قيامها إلى قبل حرب أكتوبر ١٩٧٣م، رمضان ١٣٩٣هـ، نحن هنا نأخذ بخواتيم ونهايات ما أفضت إليه تلك الحروب النظامية (المحدودة) من واقع على الأرض .. وتبعات سياسية تكاد تصل إلى مستوى الكوارث الاستراتيجية، فرضها منطق الدولة، خارج إرادة الشعوب ووجدان ضميرهم الحر، لا اعتبارات الأمن القومي العربي الاستراتيجية. مع ذلك لم تفلح "إسرائيلُ" في كسر منطلقات مناطق القوة والمنعة الاستراتيجية، لنظرية الأمن العربي. لقد وصلت "الدولةُ" العبرية، بتلك "الانتصارات" العسكرية، التي كسبتها ضد العرب، إلى أقصى امتدادٍ جغرافيٍ يمكن أن تصل إليه، دون أن تجبر العرب على القبول والتسليم بوجودها .. أو حتى تحتمل البقاء فيها، لارتفاع تكلفة الاحتفاظ بها الأمنية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، أو حتى تساهم في ترسيخ شريعة وجودها، ذاته.  

 

فشل استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية

 

"إسرائيلُ" في حرب الأيام الستة (يونيو ١٩٦٧م) وصلت إلى أقصى مدىً توسعيٌ يمكن أن تصل إليه في الأرض العربية، وتقوى على استمرار احتلالها لها، طويلاً.  في تلك الحرب الخاطفة والقصيرة، تمكنت "إسرائيلُ " من احتلال لكامل أراضي فلسطين، ولأراضٍ تابعةٍ لثلاث دولٍ عربية (مصر، سوريا، والأردن)، وربما أبعد، بما يفوق مساحة أرض فلسطين التاريخية. عند تلك الحدود التي وصلت إليها القوات العسكرية ً"الإسرائيلية"، توقف عملياً التوسع الإسرائيلي في الأراضي العربية.

 

ليس ذلك، فحسب، بل إن الدولة العبرية بالرغم من تفوقها العسكري النوعي والمدد اللامحدود، سياسياً وعسكرياً ومادياً، التي تلقته ومازالت تتلقاه من الدول الاستعمارية الكبرى، لم تتحمل تكلفة بقاء احتلالها للأراضي العربية. لقد نجحت مصرُ في استعادة سيناء .. والأردن في استعادة منطقة في الأغوار .. ولم تستطع قواتها المحتلة البقاء في جنوب لبنان، بالرغم من احتلاله لعقدين من الزمان، تقريباً (١٩٨٢ – ٢٠٠٠م). بل حتى في فلسطين أجبرت "إسرائيل" قسراً على إنهاء احتلالها، لقطاع غزة وسمحت للعلم الفلسطيني أن يرفرف في الضفة الغربية، بعد أن كانت تروج بعدم وجود شعب فلسطيني، في الأساس. سئلت رئيسة الوزراء الإسرائيلية يومًا عن حال الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة، ردت بثقة: هو فين الشعب الفلسطيني!؟.

 

"إسرائيل" لم تتمكن، بصراعها العنيف مع العرب وبـ "انتصارها" العسكري في أربعة حروب نظامية مع العرب أن تحقق حلمها الاستراتيجي، لكسر نظرية الأمن القومي العربي. لقد أفصح وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان (١٩١٥ -١٩٨١م)، عن التصور الاستراتيجي لصراع "إسرائيل" العنيف ضد العرب، قائلاً: تنعم "إسرائيل" استراتيجياً بالأمن فقط، عندما ينسل الخيط "الإسرائيلي" في نسيج "القماش" العربي!  من ناحية أخرى: لخصت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدا مائير (١٨٩٨ – ١٩٧٨م)، هذا الهدف الاستراتيجي لـ "إسرائيلُ" في صراعها مع العرب بلغة ربة البيت، عندما قالت: يتحقق السلام مع العرب، عندما تتمكن (هي) الذهاب كل صباح إلى أسواق القاهرة وتشتري مستلزماتها من اللحوم والأسماك والخضار والفاكهة، لتعود لمنزلها بتل أبيب، لتحضر وجبة الغداء لأسرتها. 

 

كلا الحلمين الاستراتيجيين لم ولن يتحققا، لـ "الدولة" العبرية. وإن بدى للبعض أنهما، قد تحققا، لكن شكلياً، إلى حدٍ بعيد .. وهما أبعد من التحقق بمعناهما الاستراتيجي العميق، كما تصوره مؤسسات ورموز رسم استراتيجية الأمن الإسرائيلية. لقد ثبت للساسة والعسكريين الإسرائيليين أن القماش العربي لن يقبل أن يكون في نسيجِهِ خيطٌ "إسرائيليٌ" .. وأنه لو ذهب الإسرائيليون إلى أي سوقِ للخضارٍ واللحوم والأسماك ومحلات بيع المواد الغذائية في القاهرة أو أي مدينةٍ عربيةٍ لن يجدوا بائعاً يبيع لهم، أو يقبل تداول عملتهم.

 

الردة عن استراتيجية الأمن القومي العربي

 

أكبر تحدٍ لاستراتيجية الأمن القومي العربي، يأتي من قبل العرب، لا بفعل إسرائيل، مهما بلغت قوة وإمكانات من وراءها. المعاركَ الرئيسة، التي خاضتها "إسرائيل" ضد العرب، ليست تلك التي خاضتها على امتداد حدود كيانها الجغرافية المباشرة مع العرب في الحروب النظامية الرئيسية الأربع المعروفة (١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣م)، لكن عندما استطاعت إسرائيل أن تخترق (استراتيجياً) الجبهة الرئيسية، في نظرية الأمن القومي العربي "سلمياً"، دون إطلاق طلقة نار واحدة، مع أكبر وأقوى وأهم دولة عربية (مصر)، بموجب اتفاقات كامب ديفيد (١٧ سبتمبر ١٩٧٨م).

 

تمكنت "إسرائيلُ" منذئذ من الالتفاف على العرب من أطراف حدودهم الجغرافية، من موريتانيا والعراق ومنطقة الخليج العربي والقرن الإفريقي، لتفتح لها قارة إفريقيا أبوابها مشرعةً، بعد أن كان محرماً عليها دخولها، حتى أواسط سبعينيات القرن الماضي. الدويلة، التي كانت محاصرة من قبل الدول العربية والبحر، أضحت هي من تحاصر أعضاء جامعة الدول العربية، من أقصى أطراف حدود العالم العربي!

 

حتى دولٍ أوروبية، مثل: إسبانيا، واليونان، والفاتيكان، كانت مترددة، حتى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، عن الاعتراف بإسرائيل.  بالإضافة إلى دولٍ آسيوية ومن منطقة أمريكا الجنوبية والوسطى، كانت رافضة الاعتراف بإسرائيل... الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وغيرها من الدول الغربية كانت تحترم الشق الاقتصادي من نظرية الأمن القومي، الخاص بالمقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل. حتى اليوم، من الناحية الرسمية، ترفض دول العالم رسمياً القبول بضم إسرائيل للأراضي العربية المحتلة .. وترفض ما أقدمت عليه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بضم القدس والجولان لإسرائيل... ومازال العالم يرفض بشدة بناء المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وكذا ضم الجولان السورية واحتلال مزارع شبعا اللبنانية، من قبل "إسرائيل".

 

عندما تخلى العربُ عن البعد الاستراتيجي لأمنهم القومي، بمكوناته الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية، لم يسمحوا لإسرائيل فقط أن تفرض شروطها للسلام، بل أغرى ذلك دولاً جارةً على حدود النظام العربي الشرقية والشمالية، أن يجربوا هم أيضاً حظوظهم لتسوية ثارات تاريخية لهم مع العرب. اليوم العربُ تطرق أبواب حدودهم الشرقية والشمالية قوى إقليمية، حتى أن بعضها، بدأ عدوانه على العرب من داخل حمى الأمن القومي العربي، نفسه! مثل ما هو حال توغل إيران في العراق والهلال الخصيب، حتى البحر الأبيض المتوسط ودعم ميليشيات الحوثي الإرهابية، التي استولت على السلطة في صنعاء، وتقوم بشن حربٍ إيرانية، بالوكالة ضد أمن المملكة العربية السعودية .. وتهدد أمن دول الخليج العربي، جميعها.

 

لم يعد الخطر الاستراتيجي على العرب من إسرائيل، وحدها ومن يقف معها من القوى العالمية، لكن أيضاً من جيران العرب التاريخيين من الشرق (إيران)  والشمال (تركيا) والجنوب ( الحبشة)... بل إن بعض الدول التي تسمى أنظمتها بالعربية (سوريا، وإلى حدٍما اليمن) أحضروا دولاً كبرى وأخرى إقليمية لتدمير دول عربية قائمة معترفاً بها دولياً وتشريد شعبها في تيهٍ إنساني جديد وإِعْمَال أقسى أنواع التطهير العرقي والطائفي والديني والإحلال القسري للسكان العرب الأصليين، في هذه الدول، بآخرين من خارج المنطقة، في فصل جديد من نكبة ضياع فلسطين. الحرب في سوريا، التي تدخلت فيها روسيا بقضها وقضيضها لحماية نظام الأسد الفاشي، نتج عنها تدمير أكثر من ٨٠٪؜ من المدن والحواضر السورية وتشريد نصف الشعب السوري خارج بلادهم وأماكن سكنهم ومعاشهم وإحلال أجانب من طوائف وأعراق غير عربية، من إيران وباكستان وأفغانستان ودول القوقاز وبعض الجمهوريات الروسية الآسيوية.     

 

الخاتمة

 

تخلي العربُ عن استراتيجية أمنهم القومي أضحى مُهَددِاً للعرب من جميع الجهات، وليس من جبهة واحدة فقط. الخطر الاستراتيجي الآني والناجز والمستقبلي، هنا: أن العربَ غيروا، بصورة استراتيجية خطيرة، ليس فقط في محورية خطورة "إسرائيل" الاستراتيجية على أمنهم القومي، بل إن بعضهم يتصورون أنه: ليس فقط إمكانية التعايش مع "إسرائيل"، بشروطها للسلام، بل جعل إسرائيل حليفًا للعرب، في مواجهة قوىً إقليمية، وإن كانت تاريخياً منافسةً للعرب وخصماً تاريخياً لهم، إلا أن أولئك الخصوم الإقليميين للعرب ليسوا، من الناحية الاستراتيجية أعداء ألداء استراتيجيين للعرب، يهددون العرب وجودياً. هذه القوى الإقليمية، التي يمكن أن يُنظر إليها على أنهم خصوم تقليديون للعرب، إلا أنهم تاريخياً وثقافياً، بل وحتى دينياً، من نسيج هذه المنطقة، بأبعادها التاريخية والثقافية والحضارية والجغرافية، بشقيها التضاريسي والديمغرافي، غير "إسرائيل"، بالقطع.

 

ليس أمامُ العرب إلا إحياء استراتيجية أمنهم القومي، بأبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، اتساقاً مع توجهات الشعب العربي، الذي وإن فشل النظام العربي من تحقيق الوحدة والتكامل بين أعضائه من الدول، لن يقبل بواقع وجود "إسرائيل" في المنطقة، دعك من تصور البعض احتمال النظر إليها، كونها حليفاً استراتيجياً للعرب، يمكن الاستعانة به والركون إليه في مواجهة تحديات أمنية يحتمل تطورها من قبل جبهات على حدود الوطن العربي، يوجد بينها وبين العرب تاريخ طويل من الصراع، إلا أنه لم يشكل يوماً تهديداً استراتيجياً وجودياً للعرب، لا يحتمل إلا المعادلة الصفرية، مثل ما هو الحال مع وجود "إسرائيل" في قلب العالم العربي غارزاً خنجره في عمقِ سويدائه (القدس).

 

أمن العرب، بل ووجودهم يظل على المحك، طالما استمر العرب في تجاهل منطلقات استراتيجية أمنهم القومي، خاصةً تجاه معضلة وجود "إسرائيل"، بعقيدتها الصهيونية العنصرية .. وترسانتها العسكرية (التقليدية وغير التقليدية).. وتطلعاتها التوسعية إقليمياً للهيمنة على المنطقة، والأهم: بغضها التاريخي المقيت للعرب.

مقالات لنفس الكاتب