العدد 162

الخليج وإفريقيا .. فرص واعدة تنتظر إرادة فاعلة

الأحد، 30 أيار 2021

قارة إفريقيا من أقرب القارات جغرافيًا وتاريخيًا للدول العربية عامة ولدول الخليج وشبه الجزيرة العربية خاصة في الجانب الثقافي والديني، ثم الاقتصادي، لذلك فإن للعلاقات العربية ـ الإفريقية أهمية كبرى، وازدادت هذه الأهمية مؤخرًا مع ارتفاع نسبة التبادل التجاري بين الجانبين، وكذلك على ضوء التواجد الدولي والإقليمي خاصة في شقه  العسكري وصراع النفوذ بين الدول الكبرى والإقليمية في القارة السمراء ولا سيما في شرق القارة وفي القرن الإفريقي، وهذا التواجد هدفه خدمة مصالح تلك الدول  في هذه القارة البكر كثيرة الخيرات وقليلة الاستثمارات، إضافة إلى التنافس على  بسط النفوذ ونشر الأيدولوجيات والمذهبيات والطائفية وقد يكون جزء كبير من هذا التنافس على حساب مصالح الدول العربية والخليجية، خصوصًا مع انتشار ظاهرة القواعد العسكرية في شرق القارة وعلى وجه الخصوص في منطقة القرن الإفريقي ومدخل البحر الأحمر أو على سواحل الدول المطلة عليه من دول شرق إفريقيا المقابلة للدول الخليجية والعربية على الضفة الأخرى.

المملكة العربية السعودية، لا تعترض على المصالح الدولية والإقليمية، فالبحث عن المصالح والتعاون بين دول القارة والدول الأخرى حق مشروع للجميع، خاصة هناك دور مهم تقوم به بعض الدول كالذي تقوم به الصين من مشروعات بنية تحتية مهمة ومنها علي سبيل المثال مشروع السكك الحديدية بين بعض دول جنوب الصحراء،  لكن شريطة ألا يمثل تهديدًا لمصالح المملكة والدول المتشاطئة على البحر الأحمر، أو يهدد الملاحة الدولية في مجرى البحر الأحمر، أو تزداد رقعة الإرهاب التي أخذت تتوسع ويهاجر إليها الإرهابيون من أماكن مختلفة في العالم وهم يستغلون البيئة الرخوة وعدم ضبط الحدود بين الدول الإفريقية ووجود نزاعات طائفية وعرقية في جنوب الصحراء الكبرى، ما يهدد استقرار وأمن دول المنطقة دون استثناء، كما يهدد خطوط التجارة العالمية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس،  والجدير بالذكر أن قيمة التجارة العالمية التي تمر بهذه الخطوط تقدر بـ 2.5 تريليون دولار سنويًا، أي ما يعادل 13% من قيمة التجارة العالمية حيث يمر بالمجرى الملاحي للبحر الأحمر ما معدله 57 سفينة يوميًا و21000 سنويَا، و4.8 مليون طن من النفط الخام والمنتجات البترولية إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

ونظرًا لهذه الأهمية للبحر الأحمر والدول المتشاطئة، أولت المملكة العربية السعودية أهمية كبرى لتحويل هذا المجرى المائي إلى ساحة للتعاون والاستقرار والأمن ، لا إلى ساحة للصراعات أو امتداد للتنافس العسكري للدول المتواجدة عسكريًا في القرن الإفريقي، ومن مظاهر اهتمام المملكة بإرساء قواعد هذا التعاون والاستقرار، سعت إلى تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، واستضافت الرياض أمانة هذا الكيان الوليد الذي يضم المملكة العربية السعودية ، مصر ، السودان ، الأردن، اليمن، جيبوتي، إريتريا، والصومال ، وتم الإعلان عن تأسيسه  بالرياض في 12 ديسمبر 2018م، عند استقبال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز  ـ حفظه الله ـ لوزراء خارجية هذه الدول، ويهدف هذا المجلس لإنشاء منطقة تجارية حرة على غرار المناطق الحرة العالمية، وتأسيس ثلاث غرف عمليات رئيسية في الرياض للتنسيق والاتصال والسيطرة والتحكم ، تتبعها ست غرف عمليات فرعية في عواصم دول هذا المجلس لإدارة منظومة البحر الأحمر وخليج عدن، والاتفاق على تشكيل 5 لجان قانونية لمراجعة ومتابعة الوضع القانوني للبحر الأحمر وخليج عدن وحقوق دول هذا المجلس وسيادتها على مياهها وفق المواثيق الدولية، وتأسيس ست شركات لتكون المظلة الإدارية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والاستثمارية برأسمال أولي قيمته مليار دولار.

وعلى مستوى مركز الخليج للأبحاث، فقد أسس المركز برنامجًا للتعاون الخليجي ـ الإفريقي، وعقد عدة دورات في إطار هذا البرنامج كان أولها في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا خلال الفترة (24 ـ 25 فبراير 2009م)، حيث ناقش العلاقات السياسية والاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي والدول الإفريقية، بهدف توطيد العلاقة بين الجانبين من خلال تقييم معمق لحالة العلاقات  القائمة بين الطرفين ، وتقديم وجهة نظر مستقبلية حول العلاقة مع إفريقيا كشريك اقتصادي وسياسي استراتيجي مهم، وجاءت الدورة الثانية في الرياض برعاية كريمة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ خلال الفترة (4 ـ 5 ديسمبر 2010م،) وبمشاركة 40 شخصية رفيعة المستوى من الرؤساء والأمراء والوزراء المعنيين بالعلاقات من الجانبين، وبحضور 850 مشاركًا من المسؤولين والباحثين ورجال الأعمال وممثلين عن منظمات إقليمية متخصصة ومعنية.   

وكان ذلك استشعارًا من مركز الخليج للأبحاث لأهمية قارة إفريقيا كشريك مهم لدول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك لدرءً المخاطر التي قد تترتب على عدم تنسيق دول الخليج مع دول القارة الإفريقية في ظل التنافس الدولي والإقليمي المحموم على إفريقيا جنوب الصحراء والقرن الإفريقي بصفة خاصة من عدة دول ومنها دول لها أجندات ومصالح غير منسجمة مع مصالح دول المنطقة، ولذلك نأمل من دول مجلس التعاون الخليجي، والدول العربية البناء على مخرجات القمم العربية / الإفريقية، وعلى نتائج المؤتمرات التي عقدت في هذا الصدد وما تمخض عنها من توصيات ودراسات لتفعيل تعاون واقعي قائم على وضوح الرؤية وعلى دراسات علمية بمشاركة مسؤولين وباحثين من الجانبين لتحديد مجالات التعاون، واختيار الفرص الاستثمارية المتاحة والممكنة لبناء تكامل ناجح قائم على مصالح مشتركة لخدمة الشعوب وليس شعارات براقة تلمع في المؤتمرات ثم سرعان ما تخبو وتختفي ولا تترك أثرًا على أرض الواقع، وبالفعل يوجد دور خليجي فاعل في إفريقيا، وزيارات رسمية يقوم زعماء دول الخليج إلى إفريقيا لها تأثير ودلالات مهمة.

التعاون مع إفريقيا متاح، بل ترحب به الدول الإفريقية وهذا ما أعلنه الرؤساء والمسؤولون الأفارقة في مؤتمر الرياض، لكن يظل تفعيل ذلك يتطلب برامج مدروسة، ورؤى واقعية، وخطط مبرمجة وتنسيق بين الحكومات، على أن يضطلع القطاع الخاص العربي والخليجي بدوره في هذه الشراكة المربحة خاصة أن الفرص الاستثمارية كثيرة ومتوفرة.

مقالات لنفس الكاتب