array(1) { [0]=> object(stdClass)#11584 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 164

الدبلوماسية السعودية-المصرية جمعت الأغلبية رغم الانقسام لردع العدوان

الثلاثاء، 10 آب/أغسطس 2021

مثل الغزو العراقي للكويت حالة عربية تعكس المزاج العام لبعض القادة والزعماء العرب الذين يرهنون مستقبل أوطانهم ومستقبل الأمة العربية وفق حسابات شخصية مزاجية، تعكس الرؤية الاستبدادية الفرعونية " لا أوريكم إلا ما أرى". وتتجلى هذه الرؤية في طبيعة النزاع السياسي العراقي-الكويتي بين نظام صدام حسين ودولة الكويت، الذي حمل هذه الأخيرة كل الكوارث الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية للعراق لما بعد الحرب العراقية –الإيرانية (1980-1988م)، التي كانت تداعياتها كبيرة على شرعية النظام العراقي القائم، مما استدعى كما يقول علماء النفس الاجتماعيين البحث عن عدو افتراضي خارجي لتوجيه الاحباطات الداخلية للرأي العام الداخلي نحو هذا العدو الافتراضي. وهو ما عكسته بشكل واضح مذكرة وزير الخارجية العراقي، طارق عزيز، الموجهة للأمين العام للجامعة العربية، الشاذلي  القليبي، بتاريخ 15 يوليو 1990م، :" اشتراك حكومتي الكويت والإمارات العربية المتحدة باستغلال انشغال العراق مع إيران في إقامة المنشآت العسكرية والمخافر، بعملية مدبرة لإغراق السوق النفطية بمزيد من الانتاج خارج حصتهما الفردية خارج منظمة الأوبك، مما كبد العراق خسارة 89 مليار دولار في الفترة ما بين 1981-1990م، وكل نقص في سعر برميل النفط بدولار واحد تخسر العراق مليار دولار سنويا"، وتضيف الوثيقة العراقية الموجهة للأمين العام للجامعة العربية اتهام آخر للكويت، باستغلال حقل الرميلة النفطي قدره نظام صدام حسين بحوالي مليارين ونصف دولار خلال الفترة 1980-1990م، مما جعل العراق يطالب بإلغاء الديون المستحقة عليه من دول الخليج، وإقامة مشروع مارشال لكل التعويضات التي خسرها في الحرب مع إيران.  بعد ثلاثة أيام من المذكرة العراقية، ردت الكويت بمذكرة للأمين العام للجامعة العربية مما جاء فيها:" إن الكويت تلقت بدهشة واستغراب بالغين المذكرة العراقية وأن ما ورد بها من عبارات لا تتفق وروح العلاقات الأخوية القائمة بين البلدين". فأولاً، اعتبرت الكويت أنها تضررت مثل العراق من أسعار النفط رغم أنها كان بإمكانها الإنتاج أكثر لما تملكه من احتياطي نفطي ضخم، ثانيًا، فيما يخص الجزء الجنوبي من حقل الرميلة فإنه يقع ضمن الأراضي الكويتية ولم يتم إنتاج النفط في الأراضي العراقية، ودعت الكويت إلى تشكيل لجنة عربية في إطار الجامعة العربية لكي تفصل  في موضوع ترسيم الحدود الكويتية - العراقية.

 كانت الدهشة العربية والعالمية قد فاقت كل التوقعات التاريخية، القانونية والسياسية  عندما قام الجيش العراقي بغزو الكويت بحجة اعتبارها محافظة عراقية، وبذلك انتقل النزاع من مطالب لتعويضات الحرب العراقية-الإيرانية إلى الضم القسري لدولة الكويت، فكيف أدار النظام الإقليمي العربي هذا النزاع الفريد من نوعه؟ وما هي العبر والدروس التي يمكن أن تستفيد منها الدول العربية للوقاية من استنساخ مثل هكذا تجربة؟

نسلم في البداية، بأن فض النزاعات وتسويتها بالطرق السلمية بين الدول المجاورة يصعب إدارتها عندما نجد أنفسنا أمام صانع قرار يتمسك بكل قواعد اللعبة السياسية بطريقة شخصانية، يكون حبيس ورهينة حالته السيكولوجية في تعامله مع كل الخيارات والبدائل المطروحة أمامه، فكل ما يهمه أن يقفز على كل المعطيات الواقعية والموضوعية لتحقيق أوهام النصر والعظمة حفاظًا على سلطته واستمراريته في الحكم مهما  كانت التكاليف التي سيدفعها شعبه أو الدول المجاورة له، وهو ما تبين في تعامل صدام حسين مع كل المبادرات والوساطات العربية من أجل تطويق النزاع في دائرته الضيقة، ولعل التذكير في هذا الصدد بالمبادرة العراقية التي طرحها صدام حسين في 12 أغسطس 1990م، مقابل انسحابه من الكويت، نموذجًا لهذه الحالة السيكولوجية لصانع القرار العراقي، حيث ربط بين إنهاء غزو الكويت بأولوية انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي العربية، والانسحاب السوري من لبنان وانسحاب القوات الأجنبية-الدولية من منطقة الخليج. ثم إن استمرار الغزو العراقي للكويت طغت عليه الحسابات النرجسية والسيكولوجية لصدام حسين، الذي ربط الاحتلال بقداسة شخصيته الدينية، بالادعاء للانتساب إلى الأسرة النبوية وأن احتلاله للكويت هي حرب مقدسة جعلت صدام حسين يكتب بخطه عبارة "الله اكبر" في العلم الوطني.

وإذا وقفنا على المبادرات العربية في إدارة الأزمة قبل مرحلة الغزو وتقييمها، سنجد بأن الدور السعودي-المصري كان له مكانة في الوساطة والمساعي الحميدة بين العراق والكويت لاحتواء القضايا الخلافية التي طرحها صدام حسين، لاسيما الادعاء باستغلال حقل الرميلة النفطي ودفع تكاليف الحرب على إيران، وتمثلت هذه المساعي الحميدة المصرية في الاعتماد على دبلوماسية القمة من خلال زيارة الرئيس حسني مبارك لطرفي النزاع باقتراح خطة لتسوية النزاع بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، أهم بنود هذه الخطة، استبعاد اللجوء للخيار العسكري أو استخدام أدوات القوة، السعي لعقد قمة للمصالحة العراقية-الكويتية بالقاهرة مع إجراءات بناء الثقة بين البلدين من خلال وقف الحملات الدعائية المتصاعدة. وكانت حسابات مصر في تلك الفترة قائمة على الدور الإقليمي الذي يمكن أن تلعبه في النظام العربي الإقليمي الذي بدأ يتشكل في مرحلة ما بعد صدمة كامب ديفيد بعودة الحيوية في الأنساق الإقليمية العربية التي تبلورت في التجمعات العربية الثلاث، مجلس التعاون العربي الذي يضم مصر، العراق، اليمن والأردن، إلى جانب تكتل اتحاد المغرب العربي، وقبلهما مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس بدوافع أمنية واستراتيجية بعد التهديدات الإيرانية التي رفعت إيديولوجية تصدير الثورة لدول المنطقة والرهان على المذهب الشيعي لكسب الولاءات الخارجية. وبذلك كان أول اختبار لهذه المشاريع الثلاثة التي عجزت عن إدارة نزاع عربي-عربي، تاركة المجال للدور المصري داخل الجامعة العربية وفي إطار الدور الذي يمكن أن تكسبه ضمن مسار مجلس التعاون العربي، باعتبار العراق جزء من هذا التكتل الذي يقضي بتسوية كل الخلافات والنزاعات بكل الوسائل السلمية كما نص على ذلك ميثاق الجامعة العربية أو وثيقة مجلس التعاون العربي. وفي ذات الإطار، فإن الحسابات الاستراتيجية السعودية في إدارة النزاع العراقي-الكويتي كان بدوافع الثقل والدور الدبلوماسي والأمني الذي تقوم به داخل مجلس التعاون الخليجي للحفاظ على تماسك الوحدات المشكلة له، إذ كانت التقديرات الاستراتيجية الخليجية مبنية على سيناريوهات العدوان الإيراني على دول المنطقة مما استدعى إنشاء قوات عسكرية خليجية مشتركة باسم درع الجزيرة سنة 1984م، ولم يكن يتصور أن تصل العداوة العربية إلى حالة الغزو العراقي للكويت، وبالتالي ركزت المبادرة السعودية أساسًا حول دور الوساطة بين البلدين وأعلنت عن برمجة لقاء جدة بين العراق والكويت تحت رعاية ومشاركة ولي العهد، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، لاحتواء النزاع وإيجاد الآليات السياسية والدبلوماسية المناسبة لتسوية النزاع الحدودي المطروح ومناقشة القضايا النفطية التي تتحكم في أسعارها عدة عوامل جيوسياسية تتجاوز في كثير من الأحيان قرارات الدول المنتجة للنفط. ومقابل هاتين المبادرتين المصرية-السعودية، فإن الرئيس صدام حسين بعد كل مبادرة راح يرفع ويعقد من سقف مطالبه، واستطاع قبل غزوه للكويت بساعات أن يراوغ الرئيس مبارك، الذي قدم لمقابلته من أجل الوساطة قبل الذهاب للكويت بمنحه الأمان، وقد جاء على لسان مبارك قوله:" توجهت إلى العراق وأجريت نقاشًا مطولاً مع الرئيس صدام حسين، وأعتقد أنه معني بتسوية هذه القضية وليست لديه النية لمهاجمة الكويت أو أي طرف آخر". وفي الواقع، فإن سلوك صدام حسين تجاه الكويت قد راوغ الجميع، وهو ما يعترف به جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكية، في مذكراته الموسومة ب" سياسة الدبلوماسية"  بقوله:" كنا نتلقى تقارير استخباراتية عن حشود عسكرية عراقية قرب الحدود مع الكويت، واتفق رأي الخبراء في الداخل والخارج على أن صدام يراوغ على أمل تخويف الكويت لحملها على تقديم تنازلات". وقبل ثلاثة أيام من غزو الكويت أعد مجلس الأمن القومي الأمريكي بالتعاون مع الخارجية رسالة للرئيس جورج بوش موجهة إلى صدام حسين، مما جاء فيها:" سررت بنبأ الاتفاق بين العراق والكويت على إجراء مفاوضات في مدينة جدة للتوصل إلى حل سلمي للتوتر الحالي بينكما، فللولايات المتحدة الأمريكية والعراق مصلحة قوية في الحفاظ على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط"، وكانت الرسالة في مضمونها العام متطابقة مع تقرير السفيرة الأمريكية في العراق، أبريل غلاسبي، التي استقبلها صدام حسين في قصره الرئاسي، وموجزها أن صدام يريد طمأنة الرئيس بوش بأن نوياه سلمية. ويشير جيمس بيكر في مذكراته بأنه كان هناك إجماع داخل الحكومة الأمريكية بأن حدة الأزمة ستخف في انتظار اجتماع جدة يوم 31 يوليو 1990م، بين العراقيين والكويتيين، وإن كان التفسير الموضوعي الذي قدمه فيما بعد قائما على أن ثقل التركيز الأمريكي الاستراتيجي كان يدور حول التحولات الجوهرية والاستراتيجية في البيئة الدولية في إطار الصراع غرب-شرق بانهيار الإمبراطورية السوفياتية وتفكك أوروبا الشرقية.

وهذه المراوغات كلها من صدام حسين تثبت مرة أخرى أن الشخصيات النرجسية والمزاجية في الحكم يصعب التنبؤ بسلوكها وقراراتها، مما يعقد التعامل معها في إدارة النزاع وفق الآليات الدبلوماسية السلمية والتوصل للحلول التوافقية، لأنها تختزن صور البطولات الوهمية وتستند في فشلها الداخلي بالاحتماء خلف الدور المقدس وإحاطة نفسه بهالة من الألقاب والنياشين التي لم يستطع إنجازها واكتسابها في الواقع. 

أما فيما يخص دور الجامعة العربية قبل الغزو العراقي للكويت، فقد اتضح أنها لم تكن إلا صندوق بريد للرسائل والمذكرات التي كان يرسلها طرفا النزاع إلى الأمين العام للجامعة العربية، بحيث في كل مرة كانت تصدر البيانات المهدئة والمسكنة لضبط النفس، وأنها لا تزال في تلك الفترة غارقة في  كيفية نقل الجهاز البيروقراطي الضخم للجامعة من تونس إلى مقرها الأصلي بالقاهرة، في الوقت الذي كان الطرف العراقي يصعد من النزاع ويتحرك عسكريًا لتغيير الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الخليج برمتها.

الطريق إلى تحرير الكويت..

تغير السلوك العربي الجماعي بعد غزو العراق للكويت وإن لم يكن بنفس التوافق والإجماع حول الرؤية والقرارات الاستراتيجية التي يجب اتخاذها فورًا، وهو ما تبينه حالة الأغلبية في غياب الإجماع على البنود التي تم صياغتها في القرار الصادر عن وزراء خارجية الجامعة العربية بتاريخ 3 أغسطس 1990م، التي طالبت بإدانة العدوان العراقي على الكويت ورفض أي آثار مترتبة عليه، وعدم الاعتراف بتبعاته مع مطالبة العراق بالانسحاب الفوري، وغير المشروط، للقوات العراقية إلى مواقعها قبل تاريخ الاحتلال أول أغسطس 1990م، وقد وضحت المناقشات فيما بعد على مستوى القمة الطارئة بالقاهرة التي عقدت بتاريخ العاشر من أغسطس 1990م، المواقف المتباينة في إدارة النزاع بعد الغزو العراقي للكويت، مال في النهاية لصالح التوافق السعودي-المصري في تبني القمة لمشروع القرار السعودي، الذي أعاد التأكيد على المواقف التي تبناها وزراء الخارجية العرب، وأهمها، إدانة العدوان العراقي على دولة الكويت، وعدم الاعتراف بقرار الضم، ولا بأي نتائج مترتبة عن الغزو، مع مطالبة العراق بسحب قواته فورًا. وفي البند الثاني من القرار، التأكيد على سيادة الكويت واستقلالها وسلامتها الإقليمية، باعتبارها دولة عضوًا في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة، مع ضرورة التمسك بعودة نظام الحكم الشرعي. وقد تبنت الجامعة العربية مبدأ حق الدفاع الشرعي عن النفس ورد العدوان الذي اتخذته المملكة العربية السعودية في إطار التضامن العربي بالاستناد إلى أحكام المادة الثانية، من معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وقرار مجلس الأمن رقم 661 الصادر في 6 أغسطس 1990م . وقد اتخذت هذه الإجراءات الدفاعية الردعية لوقف العدوان العراقي الذي لم يكن له حدود خصوصًا بعد تدويل النزاع مع الكويت والدعوة للحرب العالمية المقدسة لتغطية الأخطاء الاستراتيجية التي اتخذها صدام حسين لتجاوز الإحباطات الداخلية الذي يعيشها الشعب العراقي بعد ثمانية سنوات من الحرب العراقية-الإيرانية.

إلى جانب الدور العربي داخل الجامعة العربية، كان الخيار الشرعي قائما على اللجوء لمنظمة الأمم المتحدة حيث أصدر مجلس الأمن مجموعة من القرارات حسب تطور النزاع، ابتداءً بالقرار الذي يفرض الحظر المالي، التجاري والعسكري على العراق إلى غاية القرار 678 الذي يشرع استخدام القوة لتحرير الكويت مع تحديد آجال 15 يناير 1991م، عند منتصف الليل للانسحاب من الكويت. وهو القرار الذي كان حصيلة فشل كل المساعي الحميدة والوساطات العربية وحتى الأممية، بعد الدور الدبلوماسي الذي حاول من خلاله الأمين العام للأمم المتحدة، خافير بيريز دي كويلار، تليين موقف الرئيس العراقي الذي بقي متصلبًا ومتشبثا بقراراته، ولم تتخذ واشنطن قرار الحرب داخل الكونغرس إلا بعد استنفاذ كل الوسائل الدبلوماسية، كانت آخرها المحادثات بين وزيري الخارجية للبلدين، جيمس بيكر وطارق عزيز بتاريخ 9 يناير 1991م.

ولقد مثل الخيار العسكري لتحرير الكويت الخيار الأكثر عقلانية والأكثر تكلفة في الوقت ذاته لكل من الكويت والعراق، فعملية عاصفة الصحراء لدول التحالف العربي-الدولي من أجل تحرير الكويت، أرغمت صدام على الاستسلام بعد أن تم تدمير الكويت ونهب ثرواتها وإشعال أكثر من 750 بئرًا من النفط، وهو ما أدى بمجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ قرار بتجميد الأرصدة العراقية لدفع التعويضات الأولية للمتضررين من الغزو قدرت بـ 52 مليار دولار.

ثالثًا، الدروس المستفادة من الأزمة .

بعد ثلاثة عقود من تحرير الكويت (1991-2021م) تستوقفنا الكثير من الدروس والعبر من هذه التجربة المريرة والمأساوية، يمكن إجمالها في النقاط التالية:

أولاً، أن ثقل الخطاب العربي الذي ساد الوطن العربي طيلة عقود من الزمن حول الوحدة والتضامن العربي، ومشاريع البناء الإقليمي قد اصطدم بنزوات صانع قرار جعل أمن واستقرار الشعبين العراقي والكويتي رهينة حساباته النرجسية، لا تزال المنطقة العربية تدفع تكاليفه إلى يومنا هذا. 

ثانيًا، رغم الانقسام داخل الجامعة العربية إلا أن الدبلوماسية السعودية-المصرية استطاعت أن تجمع الأغلبية لردع العدوان العراقي على الكويت، بعدما فشلت كل المساعي الحميدة والوساطات بين القاهرة وجدة، بسبب تعنت صدام حسين الذي اعتقد في حساباته الضيقة أن احتلال الكويت سيعوض احباطاته وأزماته المتعددة بعد حربه ضد إيران.

ثالثًا، مثل اللجوء إلى الأمم المتحدة خيارًا استراتيجيا لإجبار الجيش العراقي على الانسحاب من الكويت، من خلال قرارات مجلس الأمن التي اعتبرت أن الغزو العراقي بمثابة عدوان يهدد الأمن والسلم الدوليين، مما استدعى استصدار القرار الذي يبيح استخدام القوة طبقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بعدما استنفذت كل الوسائل السلمية والدبلوماسية طبقًا للفصل السادس من الميثاق ذاته.

رابعا، تشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وانضمام الدول العربية الفاعلة مثل تجربة واقعية، لغياب ميزان القوى العربي الذي يفتقد للقدرة العسكرية لمواجهة مثل هكذا عدوان عسكري، مع عامل المفاجأة الذي لم يكن في حسابات كل الدول العربية بما فيها الكويت ذاتها، من أن حسابات صدام الجنونية، كما قال جيمس بيكر، فاقت كل التوقعات الدولية.

خامسًا، يجب الوقوف كثيرًا عند الحسابات العربية غير العقلانية، بالأخص أمام سلوك الدول التي كانت مترددة في فهم ما كان يجري من حولها، وضاعت في نقاشات بيزنطية على شاكلة، أيهما أسبق الدجاجة أم البيضة، لأن احتلال بلد عربي من جار عربي، لا يستدعي أي تأويلات من حيث المبادئ والاستراتيجيات، فالعدوان يستدعي بناء إجماع عربي لردعه بكل الوسائل بما فيها الخيارات العسكرية، لأن المثل العربي يقول :" لا يفل الحديد إلا الحديد". 

سادسًا، افتقاد الجامعة العربية لآليات فعالة لحل وتسوية النزاعات بين أعضائها، رغم الكم الهائل من الاتفاقيات والمعاهدات التي تبنتها الدول العربية، حيث تفتقد للقوة والقدرة على فرض المبادئ الأساسية المصادق عليها في ميثاق الجامعة العربية، لاسيما تلك الواردة في المادة الخامسة من الميثاق التي تنص على التزام الدول الأعضاء بعدم اللجوء إلى القوة لفض المنازعات، مع التحكيم الاختياري لمجلس الجامعة لفض الخلاف بين دولتين أو أكثر بشرط ألا يكون الخلاف متعلقًا باستقلال الدولة وسيادتها أو سلامة أراضيها، كما يقوم مجلس الجامعة بوساطة في الخلاف الذي يخشى منه وقوع حرب بين دولتين من أعضاء الجامعة.

ونلاحظ هنا، أن المبدأ العام المكرس في ميثاق الجامعة العربية هو ذاته الذي تصادق عليه جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والمتمثل في عدم اللجوء للقوة لفض النزاعات، كما يبينه الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، ويبقى أن نشير إلى أن التحكيم الاختياري لمجلس الجامعة وليس الإلزامي، يفقدها بعض المصداقية والصرامة في التعامل مع النزاعات التي ترتقي إلى حالات العدوان كما هو حال الغزو العراقي للكويت. كما أن ميثاق الجامعة لم ينص على جميع الآليات الدبلوماسية والقانونية المشار إليها في الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، في مادته 33، التي تستوجب من أطراف النزاع اللجوء إلى المفاوضة، التحقيق، الوساطة، التوفيق، التحكيم والتسوية القضائية. وهو ما يستدعي تعديل نصوص ميثاق الجامعة فيما يتعلق بآليات تسوية النزاعات مع ضرورة إحياء مشروع الجهاز القضائي لحل المنازعات العربية كما أشار إلى ذلك ميثاق الجامعة، من خلال إنشاء محكمة العدل العربية الذي تم الموافقة عليها مبدئيًا في قمة الإسكندرية 1964 وصيغت مسودة المشروع في 1974، وللأسف لم تر النور إلى غاية اليوم بسبب الخلافات العربية-العربية.

سابعًا، بالرغم من أن الجامعة العربية تمتلك الإطار القانوني والتنظيمي لإنشاء القوة العسكرية الجماعية طبقًا لاتفاقية الدفاع العربي المشترك، التي يعود تأسيسها إلى سنة 1950م، إلا أنه بعد ستة عقود من وجودها لم يتم تفعيل هيآتها الاستشارية، المتمثلة في الهيئة الاستشارية العسكرية لرؤساء أركان الحرب، من أجل الإشراف على اللجنة العسكرية الدائمة التي ورد ذكرها في المادة الخامسة من المعاهدة، التي ترفع تقاريرها إلى مجلس الدفاع المشترك طبقًا للمادة السادسة من الاتفاقية، التي تسهر بالأساس على ردع أي عدوان خارجي. ويمكن في هذا الإطار الاستئناس بتجربة الاتحاد الإفريقي في مشاريع بناء قوات للتدخل السريع وقوات عسكرية إقليمية، من خلال تفعيل قوات درع الجزيرة العربية التي تم إنشاؤها في سنة 1984م، مع إيجاد قوات عربية للتدخل السريع وتفعيل قوات الطوارئ لحماية المناطق الساخنة في الوطن العربي كما تم تقريرها في القمة العربية لسنة 2007م، لردع أي عدوان يعيد استنساخ التجربة العراقية المأساوية مع الكويت.

مقالات لنفس الكاتب