array(1) { [0]=> object(stdClass)#12151 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 164

3 دروس مستفادة من كارثة غزو الكويت والاحتلال ليس خطيئة فقط بل جريمة دولية

الثلاثاء، 10 آب/أغسطس 2021

تحميل    ملف الدراسة

على عكس المتعارف عليه و المستقر في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية و ما ثبتته الدول في مواثيقها على ألا تتغير حدود الدول بالقوة، و كان ذلك التوافق الدولي نتيجة ما تكبدته البشرية من تضحيات جسام أساسها الرئيسي (التغول القومي) ضد دول أخرى، لذلك تعارف الجميع على أن أي تغيير في الحدود الدولية بين الدول المعترف بها دوليًا يجب أن يكون بالتراضي، أما غير ذلك من الطرق فهو خارج عن القانون الدولي . ولأن النخب العربية الثورية قاصرة عن فهم القانون الدولي، أو لأن المحيطين بمتخذ القرار هيابون من الإشارة إلى تلك القاعدة المستقرة التي لم يستطع النظام العراقي فهم أن احتلال الكويت هو ليس خطيئة فقط في حق الكويت فحسب، ولكنه أيضًا جرم دولي و لا يخضع لقاعدة ضبابية حفظها أهل (البعث) و القائلة (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)! فاجتمع الجهل بالصلف مع غرور القوة و نخوة عشائرية في ثوب (قومي) مما دفع بجيش صدام حسين فجر الثاني من أغسطس عام 1990م، لاحتلال الكويت، ما بعد ذلك التاريخ ليس كما قبله، في العلاقات الدولية و العلاقات الإقليمية والعلاقات العربية كما في الموقف السياسي الكويتي والخليجي تجاه الجيران، بل أن ذلك الغزو اطلق سلسلة من التفاعلات والتي ساهم فيها ( ذلك التحجر في التفكير و الصلف) لدى القيادة البعثية العراقية  إلى أخد العراق في طريق طال 23 عامًا و انتهى باحتلال آخر ( أمريكي) تشتت بعده النظام و أهله، ثم انتهى إلى ( احتلال إيراني للعراق) تلك تداعيات كبرى سوف يقف أمامها المؤرخون طويلاً، وكم هي الأخطاء تلاحق بعضها إذا ضاعت البوصلة وارتبك القرار وخضع للعاطفة المرتبطة بالجهل مما يؤدي إلى دمار الأوطان.

ضحايا الاحتلال

تعددت ضحايا الاحتلال وكان أول ضحية هو الإجماع العربي، فقد انقسم العرب بشكل فاضح في الوقوف أمام الاحتلال، و صوت عدد من الدول العربية في اجتماع الجامعة العربية على رفض الاحتلال و عدد آخر أقل على تمييع القضية، إلا أن الجرح بدا نازفًا، من بين بعض الدول التي رفضت إدانة الاحتلال كانت الكويت قد قمت لها المساعدات المالية والاقتصادية و السياسية الكثيرة، فكانت الصدمة للشعب الكويتي صدمتين، ومن هذا ظهر التعبير (دول الضد) و الذي استخدم في الأدبيات السياسية الكويتية و الخليجية لفترة، بل وتمت مقاطعة تلك الدول (والمنظمات) لفترة طويلة. فقد كان أول ضحايا الاحتلال الوفاق العربي والذي كان يلتف حول القضية الفلسطينية والتي ساهمت الكويت و دول الخليج في الدفاع عنها في المحافل الدولية. ولكل سلبية إيجابية فقد ظهرت الحاجة و الأهمية لدول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسه المملكة العربية السعودية التي فتحت أبوبها للكويتيين، فهي الأقرب و الأكثر ترحيبًا و صلابة في الوقوف مع الحق الكويتي، ولأنها الدولة الأكبر  والأكثر قدرة، ولقد كان للقيادة السعودية و الملك فهد بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ الموقف الصلب ضد الاحتلال بتصريحات لا زال الشعب الكويتي يذكرها وهي خالدة في التاريخ، كما احتضنت المملكة عددًا كبيرًا من الأسر الكويتية بجانب القيادة الكويتية التي وصلت الطائف، وهيأت لها أسباب الاتصال بالعالم و بالكويتيين في كل مكان، بل وفتحت قصر المؤتمرات لاحتضان مؤتمر جدة الذي توافق فيه الكويتيون على كويت جديدة دستورية تقودها الأسرة الحاكمة التي لا يجد الكويتيون لها بديلاً، على عكس ما حاول النظام العراقي إغراء البعض للالتحاق بمشروعه، كما أن دول الخليج قاطبة احتضنت المواطنين الكويتيين، والبحرين و قطر و الإمارات و عمان هيأت لهم السكن ووقف الإعلام في كل تلك الدول مساندا الحق الكويتي ( صاحب المقالة كلف من قبل الحكومة الكويتية بإصدار جريدة يومية من لندن تدافع عن الحق الكويتي و و جد في جريدة الشرق الأوسط الملاذ و الدعم  و كان ذلك بتبوجيهًا صريحًا من خادم الحرمين الملك سلمان ،والذي كان أميرًا لمدينة الرياض ومشرفًا عامًا على تلك المؤسسة وقتها) ، لقد كان الشرخ العربي  غائرًا بسبب ذلك الشق وكان محزنًا أن يصدر قرار مجلس الجامعة العربية لإدانة الغزو  في اجتماعها الطارئ في 10 أغسطس عام 1990م، بأغلبية  بسيطة و امتناع كل من ليبيا و الجزائر و اليمن و السودان و فلسطين و موريتانيا و الأردن أما ( تونس لم تحضر المؤتمر) ، (من غرائب العرب أن الحكومة التونسية ( بن على) أصدرت كتابًا أبيضًا بعد ذلك تسبب عدم حضورها لأنها لم تدعى إلا متأخرة ووصلت الدعوة  بالليل !!)  هذه الأحداث وثقها كاتب المقالة في كتابة (صباح الخير يا وطني)  و كذلك السيد عبد الله بشارة في كتابه و العراق بالطبع، إلا أن الأغلبية البسيطة أخذت ذلك القرار إلى الأمم المتحدة ( كانت مصر و المملكة العربية السعودية) من حمل العبء الدبلوماسي لذلك و بناء على ذلك القرار صدرت مجموعة من القرارات الدولية من مجلس الأمن قادت إلى حشد الرأي العام العالمي و من ثم  التحرير بعد ذلك. الملاحظ أن العلاقات العربية-  العربية لم تكن قبل ذلك في أحسن حالها، فقد عقد قبل ذلك المؤتمر الطارئ أغسطس 1990م، مؤتمر قمة في بغداد في 29 مايو 1990م، كانت  أهدافه ( ضبط العلاقات العربية) وفض النزاعات  البينية بالطرق الدبلوماسية و التفرغ من أجل الدفاع عن القضايا الرئيسية التي تواجه العرب!!( وثق الأستاذ عبد الله بشارة قصة ذلك الجهد المضني للكويت في القضايا العربية و الدولية في كتاب مهم بعنوان ( مشاهدات عبد الله بشارة : بين الخارجية و الأمم المتحدة) دار ذات السلاسل – الكويت -2021 م) على رأسها القضية الفلسطينية مع كل ذلك  الجهد فإن الخلافات العربية – العربية لم تنته وبسبب الاحتلال تفاقمت بعده الخلافات، ولا زال بعض العرب لم يضبطوا بوصلة عملهم السياسي فراوحت العلاقات بين جهل و تجاهل و نكايات وحروب حتى تمزق جمعهم و لازال  يدفع معظم دولهم أثمانًا باهظة من السيادة و الموارد!

التأثير على الشخصية الكويتية:

بسبب التصاق العمل السياسي و الإعلامي و الدبلوماسي الكويتي في معظم زمن الاستقلال الكويتي قبل الاحتلال بالهم العربي كان معظم الكويتيين  (قوميون) بالمعنى العاطفي، هم مع القضية الفلسطينية حتى العظم و مع تحرر البلاد العربية واستقلالها ومع الإخاء العربي بكل ما يتطلب من مال وجهد وضد أي تدخل في شؤون البلاد العربية من أي جهة كانت، ومع سلامة الدول العربية والوقوف معها ضد أعدائها فكان المجتمع الكويتي و الصحافة الكويتية والدبلوماسية الكويتية همها الأول ( الهم العربي) فعملت الدبلوماسية الكويتية على رأب الصدع بين كل الدول العربية التي نشاء بينها خلاف، من الخلاف الموريتاني – المغربي إلى الخلاف اليمني – اليمني، إلى إشكاليات السياسة اللبنانية، إلى غيرها من الخلافات فقد كان الهم الأول للدبلوماسية الكويتية هو العمل على (إطفاء الحرائق) لأن هناك قناعة ثابتة لدى القيادة الكويتية أن أي خلاف عربي – عربي سوف يؤثر على سلامة الجميع من بينها الكويت، من هنا كانت فكرة إنشاء أولاً ( هيئة الجنوب و الخليج العربي) ومن ثم  صندوق عربي للتنمية وهو الصندوق الكويتي وكان أول مؤسسة إنمائية عربية  لمساعدة  خطط التنمية العربية ورفدها برأس المال الرخيص من أجل الإقلاع بالمستوى المعيشي للمجتمعات العربية، وكان مجلس الأمة الكويتي كمؤسسة شعبية منتخبة يعطي الكثير من وقته للاهتمام بالقضايا العربية كما أن الدبلوماسية الكويتية كانت تلك أولويتها، من هنا فإن الروح الشعبية الكويتية كانت معبأة بالانتماء العربي، عدا إنه على مر السنوات منذ الاستقلال (1961م) تدفق على الكويت عمالة عربية كبيرة من مصر و فلسطين (زادت بعد هزيمة 1967م) و الشام و السودان و اليمن وجميعها كانت تعمل في الكثير من القطاعات الحيوية من بينها الإعلام والصحافة فكانت قضاياها هي الغالبة على أخبار وتحليلات الصحف، كما نشأ في الكويت تيارت قومية (في القالب قوميون عرب) و بعثيون بل وحتى شيوعيين عرب، كما عمل كثير منهم في الإدارة العامة. لذلك فإن الكويتيون أصيبوا بصدمة هائلة بمجرد أن تم الاحتلال في الأيام الأولى من أغسطس عام 1990م، لقد كانت العلاقات مع العراق بين مد وجزر ، فكانت الستينات رفض العراق لاستقلال الكويت والوقوف ضدها في الجامعة العربية، بل تهديد عبد الكريم قاسم لها في بداية ذلك العقد إلى درجة أن الكويت استعانت بقوات عربية لتوقي ذلك التهديد، وكانت المملكة العربية السعودية أول من لبى بل يذكر لنا الأستاذ عبد الله بشارة في كتابيه (الكتاب الأول (الغزو في الزمن العابس ) دار ذات السلاسل 1919  و الثاني ( مشاهدات عبد الله بشارة )، ذكر سابقًا ،إن القوات السعودية هي الوحيدة بين القوات العربية التي كان لها تفويض من دولتها بالاشتباك إن لزم ذلك، و كان الملك سعود بن عبد العزيز كما ينقل بشارة يحمل ودًا خالصًا للكويت، جزء منه أنه ولد على أرضها، تلك العلاقة الشائكة لم يتوقع أحد أن تتحول إلى (قوات احتلال) لقد كانت العراق كلما تتأزم داخليًا أو تحتاج إلى دعم مالي تثير  قضية الكويت، كما قلت تحولت العلاقة من رفض استقلال الكويت وإلى اعتراف دون ترسيم الحدود إلى ترسيم دون توقيع، لذلك لم يتوقع أحد من الكويتيين أن يصل الصلف المعروف لدى القيادة العراقية إلى حد المغامرة، لقد وقف الكويتيون عن بكرة أبيهم ضد الاحتلال ولم تستطع القوات العراقية بكل عسكرها و مخابراتها أن تغري أو تقنع أي من الكويتيين من القيادات المعروفة للانضمام إليها و تسويق الاحتلال، بل حتى العدد  القليل من (البعثيين الكويتيين) رفضوا التعاون واعتبرهم النظام العراقي خونة، فقام بإعدامهم و لما فقد الأمل في أي إقناع قامت قوات الاحتلال بعملين متلازمين، الأول إعدام النشطاء أومن يعتقد أنهم نشطاء بشكل بربري وأمام أعين عائلاتهم و محبيهم، و في الوقت نفسه اعتقال من يرغب و نقلهم إلى سجون العراق، كل ذلك ترهيبًا و تخويفًا، الأمر الثاني النهب المنظم للمؤسسات فنقل إلى العراق كل ما له علاقة بإنشاءات الطيران ومهمات الإذاعة والأرشيف والمطابع الحديثة و السيارات الجديدة و الأغذية المتوفرة، وكل ما يمكن حمله، كما قامت العناصر العراقية في الكويت من الجيش أو الجيش الشعبي بفرض الإتاوات على الناس و الابتزاز و الرشوة لمن يريد إطلاق سراحه، لقد اشمأز الكويتيون من هكذا تصرفات و زادت المقاومة الإيجابية والسلبية، واعتمد الكويتيون على أنفسهم فأداروا الجمعيات التعاونية و المخابز ووزعوا المؤنة فيما بينهم و فتح بعضهم أبواب بيوتهم لاستقبال المهددين من المقاومة، كما قامت الحكومة الكويتية بالإيعاز للتجار بتوزيع المال على الكويتيين المتوفر لهم وكذلك مستلزمات الأكل والمعيشة، ولم يستطع المحتل إلا أن يلجأ الى إرهاب عدد قليل من الكويتيين (ضباط صغار) لإعلان الحكومة الكويتية،  من المهم ذكره أن أول مظاهرة ضد الاحتلال في الأيام الأولى كانت لنساء الكويت و اللاتي قدن مظاهرة نقلتها وسائل الإعلام الدولية. لقد أدى الاحتلال إلى ضعف في الحماس الشعبي تجاه شعارات الوحدة و الشعارات المحاورة لها بل تم اقناعهم عمليًا أن كل تلك الشعارات وراءها نوايا احتلال وتسلط وسرقة و أعمال عنف و ضياع تام لحقوق الإنسان، فلم تعد الكويت و لا الكويتيون بذلك الحماس و النشاط للقضايا العربية، خاصة أن عددًا لا بأس به من الفلسطينيين انضموا إلى قوات الاحتلال طوعًا أو كرهًا، كما تصريحات معظم القادة الفلسطينيين بما فيهم أولئك الذين يحملون الجنسية الكويتية أبدوا رضًا وموافقة بل تأييدًا للغزو الغاشم، مما نتج عنه بعد  ذلك إلى ترك الكثير منهم الكويت و إسقاط جنسيات بعض القيادات التي كانت تتمتع بالكثير من الامتيازات كمواطنين في الكويت أما من بقي ولم يتورط فقط رحب به، إلا أن الجميع تم دفع استحقاقاتهم المادية كاملة، لقد كانت الغصة في حلوق الكويتيين ناتجة من عدم الوفاء من تلك الدول التي احتضنت الكويت مشروعات التنمية فيها وحازت على مساعدات كبيرة و مستمرة ، فمنظمة التحرير الفلسطينية بجانب الأموال المباشرة التي كانت تصلها و الدعم الدبلوماسي الهائل كانت الحكومة الكويتية تستقطع من العاملين الفلسطينيين لديها نسبة من مرتباتهم تذهب إلى حساب المنظمة، الجزائر أيام نضالها ضد الاحتلال الفرنسي كانت تفرض ضريبة على كل تذكرة سينما في الكويت للذهاب إلى المجاهدين، وكانت تونس ( تاج) الدعم الكويتي، شق شوارع و إنشاء محطات كهربائية و فنادق، أما اليمن فقد كان فيها مكتب للدعم الكويتي من أجل إنشاء المدارس و جامعة صنعاء و الطرق و المراكز الصحية. وكانت الكويت أول من يلبي حاجات الأردن في الدعم والمساندة، أمام كل ذلك أبدت تلك الدول أطهرت ( طهر المجن)!! فتركت الكثير من المرارة في حلوق الكويتيين .

الدروس المستفادة:

لعل الأهم  اليوم للنظر إلى تلك المرحلة المشؤومة هي الدروس المستفادة من تلك الكارثة و أول الدروس هي أهمية احترام الدولة الوطنية في الفضاء العربي المشترك و تخليص الفكر السياسي العربي من تلك الشعارات الفارغة والتي ملأت الدنيا و سممت العقول ومن بينها خلق ثقافة  المواطنة فلا أكثر من حاجتنا لإعادة التفكير بشجاعة في بعض مسلماتنا، واحدة من القضايا الفكرية الملتبسة في فضائنا العربي السياسي و الثقافي والتي فجرها الغزو عدم التفرقة بين (الأمة)  وبين( الشعب) في المعالجات السياسية والفكرية والعملية. الأمة هي صورة الجماعة عبر الزمن، و الشعب هو صورة الجماعة عبر المكان، ولأن المجتمع الدولي قد تطور ليعترف من خلال نصوص وممارسات بالشعب (الوطن) كما أسلفنا أي الاعتراف  بالمكان الجغرافي المحدد و لا يعترف بالأمة لأنها مفهوم عابر للزمن، وقد تغير الزمن كليًا لذا أصبح الفكر السياسي العربي الحديث في مأزق وأدى إلى كوارث، لا يعرف أحد كيف يخرج منه، لان ذلك الالتباس أنتج عددًا ضخمًا من الأزمات و لا زال يفعل. فالحركات القومية عبر الأوطان قد انتهت و لفظت أنفاسها عالميًا مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، و قد كانت بداية التخلص من الفكرة قبل ذلك الزمن، كما أن الأفكار الأممية ماتت مع الصدام الذي واجهته الحركات الوطنية في المعسكر الاشتراكي مع السلطة واتُون التسلط المركزي، و الذي أدى في النهاية إلى سقوط الاتحاد السوفيتي وتخليه تدريجيًا عن الفكرة الأممية. العرب تبنوا فكرة القومية و في نفس الوقت الأممية لكن في الوقت الخاطئ وعلقت بهم تلك الأفكار مع الحرب العالمية الأولى و لا زالت ذيولها تفعل فعلها، لسببين الأول تقليد الفكرة القومية في الغرب و الثاني سقوط الخلافة العثمانية، و ظنت بعض قواهم السياسية أنها على الطريق الصحيح لفترة طويلة  إلا أن النتيجة أصبحت واضحة لمن رفعت عن عينيه الغشاوة، فلا القومية العربية بنكهاتها المختلفة (البعث الناصرية وغيرها) قد أنجزت ما كان أصحابها يأملون، ليس بسبب نقص في الإرادة بل بسبب خطأ الفكرة تاريخيًا، ولا الأممية (الإخوان المسلمون) أو الصيغة الأخيرة التي تروج لها النخبة الحاكمة في إيران (وحدة المذهب) بقادرة على تقديم حلول واقعية لما تواجهه الشعوب من مشكلات لأنها لم تستطع أن تفرق بين صورة الأمة المتخيلة و غير الواقعية في هذا العصر، و مطالب وآمال الجماعات المنضوية تحت علم واحد في بقعة جغرافية واحدة ( الوطن) ولم يتنبه إلى أن الفكرتين خارجتان عن العصر و مسيرة التاريخ  ومدمرتان، و مما زاد الأمر التباسًا أن النخب الحاكمة لم تلتفت لأهمية بناء المؤسسات التي تؤمن رسوًا آمنًا  على قاعدة قوانين حديثة للدولة الوطنية والتي كانت تحتاج إلى عمل جدي لصهر مكوناتها العرقية و الدينية و المذهبية و الطائفية والقبلية والإثنية، بل خلطت شعاراتها هي أيضًا بين (القومي و الأممي)  هربًا من  الاستحقاق الوطني واستحقاقًا  لزيادة الجرعة للهوية الوطنية عن طريق بناء مؤسسات حديثة و نظام سياسي رشيد وعادل، هذا الغموض المفاهيمي نتيجة ترسب كثيف في الثقافة المسيطرة و في أغلبها ثقافة الإنكار و القفز على الواقع . وقد كلفت شعوب عربية أثمنًا باهظة في الحريات و التنمية على رأسها احتلال الكويت و محاولة تسويقه و بسبب هذا الالتباس تشتت قدرات الشعوب، فعلى سبيل المثال لا الحصر لولا ذلك الالتباس لما فقدت السودان نصف أراضيها و كل ثروتها، و أيضًا لما صرفت ليبيا (القذافي) كل تلك الأموال في جنوب ليبيا الصحراوي ونثر أموال على حركات مغامرة  كي يصبح ( ملك ملوك إفريقيا)! بعد أن أفلس من مسمى ( أمين القومية العربية) الذي دُغدغ به عقله البسيط، وانتهى الأمر اليوم بليبيا متشظية. نفس السيناريو ينطبق على صدام حسين الذي نحن بصدد الحديث عن كوارثه والذي هيأت له أفكاره الوهمية القائمة على شعار ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) أن يحتل بلدًا عربيًا جارًا عضوًا في الأمم المتحدة، لأنه يرمي إلى قيام الوحدة العربية !، و قتها زحف نخبة الإخوان المسلمين مقادين  بفكرة الأممية و أولها ( القومية) لمباركة العمل الذي قام به، برر الأمر بعدها أن ذلك هو الطريق لقيام ( الأمة الإسلامية !) كما قال حسن الترابي بعد ذلك في تصريح علني له، أما قصة النظام البعثي السوري في لبنان فلازالت فصولها تتمثل أمامنا. يستطيع المتابع لهذه المسيرة العسيرة أن يسرد عددًا وافرًا من تاريخ الشرق الأوسط العربي الحديث و في الجوار الذي قام ويقوم أهل السلطة فيه بتبني أو تغذية تلك الأفكار ( قومية أو أممية) عابرة للأوطان و يترك في أثره  الخراب و القتل و الإفلاس الذي حل بعدد من الدول بسبب تلك الأفكار الخارجة عن العصر .  هذا الداء الذي وصفت يمارسه النظام الإيراني اليوم من خلال أذرعته المنتشرة في الجوار، و يدفعها إلى الإعلان عن ازدراء الوطن  ملتحقة بالتبعية له و الاشتباك المسلح أو السياسي  بالمكونات الوطنية الأخرى و يغذيها بالمال والسلاح طلبًا لذلك السراب الذي يمكن أن يتخيل ولكن يستحيل الوصول إليه، وتدفع الشعوب تكاليف عالية تتحملها  إلى حد الجوع و الموت، كما يحدث اليوم في لبنان أو اليمن  أو العراق، ويراد إلى ذلك السيناريو أن يتوسع من خلال الاستفادة من كل شق أو إخلاف في الساحات الوطنية أو العربية بين الجيران. الأمر ليس بتلك السهولة للتغلب على تلك المفاهيم أو تغيرها، حيث رسخت لدى عدد واسع من الشرائح دون توقف لنقد نتائجها الكارثية.  فقط تصفح أي منهج تقوم مدارسنا بتدريسه و تحفيظه للطلاب سوف تجد غزو تلك المفاهيم و التباسها في معظم المناهج، ويتشتت الولاء الوطني بين محلي و إقليمي ، بل وحتى عنصري.  ربما الخروج من هذا المأزق الذي نحن فيه هو الانفتاح على تغيير  تلك المفاهيم في فضائنا الثقافي إليه معظم  السلط القائمة ودراسة تكوين الهوية الوطنية الجامعة و تلك لها أدوات أصبحت معروفة كما النظر إلى مناهج التعليم، والتي توفر  أرضًا خصبة حتى اليوم لنمو وتوسع تلك الأفكار ( الشمولية) و عند الحديث عن المناهج هي ليست المدونة في الكتب المدرسية بل هي المعلم  وتدريبه، وهي منبر الجامع وهي شاشة التلفاز و أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي  التي تمتلئ اليوم بالغث و الضار .لعل الأمل أن ينشأ حوار بين المهتمين لزيارة نقدية لتك المفاهيم لأن في ذلك مصلحة عليا لشعوب المنطقة.

أما الدرس الثاني، فهو من ضمن بناء الدولة الوطنية تعزيز  المؤسسات السياسية في الدولة، وخاصة الرقابية و التشاركية، وقد كان أحد مرتكزات تحرير الكويت وجود ( دستور حديث) لها، فقد كان كاتب هذه السطور مشاركًا عن قرب في المحادثات مع دول كبرى كالولايات المتحدة و بريطانيا وفرنسا، وكانت الإشارة دائمًا التي تقنع المسؤول المنتحب أن لدينا دستور و انتخابات و حريات  سوف تعزز من ذلك الاتجاه بعد التحرير ، في الوقت الذي يتحكم في الطرف الآخر (العراق) دكتاتورية غاشمة بالغة الغلاظة.

أما الدرس الثالث، فقد كان الاهتمام بنقطة قل النظر إليها ولكنها بالغة الأهمية، وهي الاهتمام بالثقافة و بناء المؤسسات  الثقافية، فقد تبين أن للكويت بجانب ( المساعدات التنموية) مساعدة ثقافية عربية، فكانت مجلة العربي محط اهتمام المثقفين العرب بكل توجهاتهم، و عالم المعرفة، و مجلة عالم الفكر و سلسله المسرح العالمية و كل الإصدارات الثقافية الأخرى بجانب النهضة المسرحية و الفنية و الموسيقية، تذكرها المثقفون المحايدون و بدأوا الكتابة مع الحق الكويتي بسبب تلك الأعمال الثقافية، وأذكر وأنا رئيس تحرير ( صوت الكويت) أن وصلتني رسالة من فتاة أردنية قالت فيها ما معناه ( أنا لم أزر الكويت و ليس لي أقارب تعمل هناك و لكني تعرفت على الكويت من خلال مكتبة الجامعة الأردنية و التي ضمت مطبوعات الكويت الثقافية و التي قدمت لي الزاد المعرفي) ووضعت تلك الرسالة في صدر الصفحة في اليوم التالي، عدى الكثير من الكتاب العرب الذين ثمنوا عاليًا المنتج الكويتي و عبروا عن رفضهم للاحتلال من زاوية احتمال فقدان تلك المنابر ، والتي استمرت بعد التحرير  ولا زالت تغذي  الساحة الكويتية وبسقف حريات مشهود .

                                                           الخلاصة

لعل ما حل بالكويت يعطي دروسًا واضحة لكيفية ضبط العلاقات العربية – العربية في المستقبل و أن القوة أو التنمر بين الدول العربية يسمم الأجواء و يعطل التفاعلات و يمنع تبادل المنافع الاقتصادية، وأن التدخل في شؤون الغير أو الإضرار بمصالحهم في إطار المسرح العربي أو الإقليمي هو خسارة مؤكدة في عالم يزداد في العمل على ربط المصالح و تعظيم الجوامع.

مقالات لنفس الكاتب