array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

الاعتبارات الجيواستراتيجية ودورها في تحديد السياسة الإيرانية

الجمعة، 01 تموز/يوليو 2011

لا يمكنُ فهم السياسة الإيرانية إلا من خلال فهم أبعادها الجيوسياسية والجيواستراتيجية، فالاعتبارات الجيوسياسية والجيواستراتيجية لأي إقليم تلعب دوراً كبيراً في تحديد ماهية العلاقات البينية لدول هذا الإقليم وأشكالها، وآليات التفاعل التي تحكم هذه العلاقات وتحديد مساراتها واتجاهاتها وأهدافها الجيوبوليتيكية، فالعلاقات الدولية ما هي إلا استجابة لمتطلبات واقع جغرافي وسياسي واقتصادي معين يحدد هذه العلاقة ويرسم نمطية السلوك السياسي على الصعيد الإقليمي أو الدولي.

لتحديد وفهم السياسة الإيرانية لا بد من فرز محددات هذه السياسة في ضوء المفاهيم المتداخلة في الجغرافية السياسية والجيوبوليتيك والجيواستراتيجية، فمن خلال فرز هذه المفاهيم تتوضح السياسة الإيرانية لفهمها أولاً ولبيان كيفية التعامل معها ثانياً، حيث إن مفهوم الجيوبوليتيك يتداخل مع مضمون علم الجغرافيا السياسية الذي يعنى بدراسة تأثير الجغرافيا (الخصائص الطبيعية والبشرية) في السياسة، ولدى البعض فإن الجغرافيا السياسية تدرس الإمكانات الجغرافية المتاحة للدولة، وتأخذ في الاعتبار الوحدة السياسية، وتعنى بتحليل بيئتها الطبيعية والاقتصادية والبشرية تحليلاً موضوعياً لتستكشف أثر تلك الأحداث السياسية والسلوك السياسي للدولة، بينما الجيوبوليتيك يعنى بالبحث عن الاحتياجات التي تتطلبها هذه الدولة لتنمو حتى لو كان وراء الحدود أو أنها دراسة نظرية الدولة كعضو جغرافي أو ظاهرة في المكان، وبينما تشغل الجغرافيا السياسية نفسها بالواقع فإن الجيوبوليتيك يكرس أهدافه للمستقبل، أي: إن العوامل الجغرافية تحدد السلوك السياسي للدولة، وتدرس الجغرافيا السياسية كيان الدولة الجغرافي بعناصره المختلفة، وتميل إلى الثبات فهي تؤثر فقط في السلوك السياسي للدولة ولا تحدده، ويمكن القول إن الجيوبوليتيك في المنطقة الوسطى بين علم السياسة من جهة والجغرافيا السياسية من جهة أخرى، وقد بدا أنه إذا كانت الجغرافيا السياسية تنظر إلى الدولة كوحدة أستاتيكية تعكس صورة الدولة (أي تحليل القوة في بناء الدولة السياسي) فإن الجيوبوليتيك يعدها كائناً عضوياً في حركة متطورة، وتضع الجغرافيا وحقائقها في خدمة الدولة لتحقيق أغراضها في مجالها الحيوي حتى لو كان ذلك على حساب جيرانها. من هنا كان علم الجيوبوليتيك من العلوم التي تثير الحساسية لارتباطه بمفهوم التوسع والهيمنة ولأنه نشأ في ألمانيا النازية، وكان يمثل دوراً مهماً في توجيه أطماع ألمانيا نحو أوروبا. وقد منع تدريس هذا العلم في الجامعات العالمية؛ فبعد الحرب العالمية الثانية كان الاتحاد السوفييتي واحداً من تلك الدول التي منعت تدريس الجيوبوليتيك في جامعاتها استناداً إلى أن الجيوبوليتيك والجغرافيا السياسية في ألمانيا جلبَا الكوارث على القارة الأوروبية والعالم بأسره، أو ما يسميه تايلور -أشهر باحثي الجغرافيا السياسية في العقدين الأخيرين- بـ (جغرافية السيطرة من دون إمبراطورية)، والسيطرة من دون إمبراطورية هي أفضل تجسيد لتطوير الأفكار الجيوبوليتيكية بعيداً عن الأطر التقليدية للنمو العضوي للدولة، أما الجيواستراتيجية (Geostrategy) فيتكون مصطلحها من مقطعين (Geo) وتعني أرض، و(Strategy) وتعني لغوياً فن استخدام القوة العسكرية لكسب أهداف الحرب، غير أن مفهومها تطور واكتسب قاعدة علمية شمولية، وأصبحت تعني الاستخدام الأمثل للمعطيات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومن ثم يتضح أن مصطلح الجيواستراتيجية أكثر شمولاً من الجيوبوليتيكا.

وتتميز المقاربة الجيواستراتيجية عن الجيوسياسية بأن الأولى تأخذ في الاعتبار العوامل القومية الطاغية كأهمية الموارد المتاحة للدولة، وطموحاتها وأهدافها، واستثمار الجغرافيا السياسية في اللحظة التاريخية، كما لتأثير امتلاك التكنولوجيا على المجالات الاقتصادية والعسكرية، ثم تعيد الاستراتيجية الكلية تشكيل فضاءات التبادل وتنظم علاقات القوة في الإقليم، حيث تتركز ديناميات الحركة والنفوذ حول قطاع ما، لتخلق منها تعبيرات القوة العابرة للحدود الوطنية. والمقصود بالأهمية الجيوسياسية والجيواستراتيجية هنا، تلك الأهمية الاستراتيجية للموقع الجغرافي لإيران، وقيمة هذا الموقع كأحد العناصر الرئيسية في التوازن الاستراتيجي الدولي، وأبعاد توظيفه في نطاق الاستراتيجيات الكلية الشاملة للقوى الدولية الكبرى وصراعات القوى الإقليمية.

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول إن السياسة الإيرانية تتشكل وفق منظومة متناسقة من المعطيات الجيوسياسية والجيواستراتيجية المترابطة والمتناقضة أحياناً، فإيران جيوسياسياً قومية وينعكس هذا التوجه في رسم السياسة الداخلية، أما على المستوى الاستراتيجي فإيران تتحرك ضمن دائرة أوسع من الدائرة القومية، وكلا النمطين يتسقان في رؤية جيوبوليتيكية تستثمر المعطيات الأيديولوجية وتوظفها على المستويين الديني والسياسي، حيث إن صياغة سياسة بهذا التعقيد لا شك تنبئ عن رؤية ثاقبة واعية لدهاليز السياسة وإمكانات التحكم والتأثير، لكن في الحقيقة بمقدار ما تتعقد السياسة تضعف الحقيقة الأيديولوجية التي يستند إليها المبرر والمقنع الفلسفي والفكري ويصبح براغماتياً سياسياً بعيداً كل البعد عن إقناع المتلقي والمتأثر، مما يقلل إمكانية ديمومته، وهذا أكبر ما تعانيه المنظومة الإيرانية من استنزاف في فلسفتها المبدئية، وتقهقر في مشروعها. لقد فقدت إيران وهج الارتقاء والصعود والنماء مما أضر بمشروعها العالمي الذي تطمح إلى تصديره، وهذا ما بدا واضحاً في التصريحات الإيرانية عقب الثورة المصرية، التي أعلنت أن الثورة هي محاكاة للثورة الإيرانية، والحقيقة أنها محاكاة لعالم معولم لم تعد الثورات القديمة المؤدلجة لتجتذبه، وهذه طبيعة الأشياء تتقادم مع الزمن والتغيير سنة من سنن الكون، إذ إن القيم العالمية الجديدة ستفرض نفسها ولن يقف شيء أمام أحلام الجيل الجديد في الحرية والانفتاح والرفاه الذي تنشده على مائدة الديمقراطية.

بلغ السخط الملموس للشباب الإيراني أوجه بعد الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في 2009

إن أول ما يلفت النظر في تأمل السلوك الاستراتيجي الإيراني في الإقليم، هو هذه القدرة على التخطيط لاستراتيجيات متعددة وتنفيذها جميعاً بالتوازي والتزامن وفق نمط من التفاعل والارتباط بينها، من أجل تعزيز قدرات إيران كدولة إقليمية مسيطرة واتباع سياسة الأطراف المتعددة والتي تتعامل إيران من خلالها مع أطراف عدة متناقضة من خلال التبني المزدوج وعدم الوضوح في تبني طرف على حساب آخر، وهذا الغموض إنما يأتي نتيجة لتقديرات إيران لطبيعة القوى التي تتعاون معها، فإن أي وضوح للموقف الإيراني قد يتسبب في مشكلات حقيقية بين هذه القوى، كما يضعف إمكان استفادة إيران من كل القوى في الوقت ذاته لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، ومن هنا تأتي أهمية الجغرافيا بكل مفاهيمها السياسية في فهم السياسة الإيرانية وتداعياتها على العملية السياسية في الداخل والخارج، أي بين المحددات الداخلية التي تواجهها إيران، والضغوط والمحددات الخارجية الإقليمية والدولية، فقواعد لعبة الجغرافيا السياسية تفعل فعلها في رسم استراتيجية الهجوم الدائم، فإيران تمزج بين المواقف السياسية والإعلامية والاستعدادات العسكرية من خلال الاستعراضات المكثفة لعناصر قوتها الردعية أو الهجومية. إننا أمام (استراتيجية إيرانية عامة) تنتظم فيها استراتيجيات متعددة في مناطق ذات ظروف وصراعات متنوعة، ووفق أهداف محددة تصب في المصلحة الاستراتيجية لإيران، وهو ما يشير إلى وجود عقول مخططة على مستوى من الكفاءة للتخطيط والإدارة الاستراتيجية للأزمات لتحقيق أهداف إيران العليا. ولذلك يبدو مهماً الإشارة إلى تصريح أطلقه الرئيس الإيراني مؤخراً إذ قال إن إيران مستعدة للمساهمة في حل مشكلات العالم، وهي بهذا تفرض نفسها قوة إقليمية، لكنها في الوقت نفسه تعاني من مشكلة عدم الاعتراف بثقلها ودورها في الإقليم لسبب بسيط أن الإقليم المحيط بإيران لا ينظر إلى الاستراتيجية الإيرانية بإيجابية، بل على العكس من ذلك استطاعت إيران أن تستفز المنطقة برمتها من خلال الاستقطاب الأيديولوجي وهذا أكبر خطأ تعاني منه السياسة الإيرانية، ولا يمكن لسياسة ناضجة إلا أن تتعامل مع العالم كما هو لا كما تريده أن يكون، وهذه هي حقيقة السياسة الواقعية، وهو ما يعني التداخل الواضح بين التحليل الجيوسياسي في رسم السياسة الإيرانية والاستراتيجية المتبعة، فالسياسة الإقليمية الإيرانية لها محدداتها الداخلية والخارجية كالمشكلة الاقتصادية التي تعاني منها إيران، فقد خرج المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية ليطالب الإيرانيين بـ (الجهاد الاقتصادي لإحباط مخططات الأعداء). لقد كان هذا التصريح بمثابة اعتراف بالوضع المزري لاقتصاد البلاد رغم الأموال غير المسبوقة التي دخلت خزينة الدولة خلال السنوات القليلة الماضية نظراً للارتفاع القياسي في أسعار النفط.

ويفيد تقرير اقتصادي إيراني صدر مؤخراً بأن اقتصاد البلاد يعاني من مشكلات عديدة أبرزها وصول معدل التضخم إلى نحو 40 في المائة، ووصول البطالة إلى 15- 20 في المائة (التقارير غير الرسمية تشير إلى نسبة أعلى من ذلك). وأشار تقرير أعده ثلاثة باحثين حكوميين (منصور كياني، خليل عطار، وجيلا حبيبي) إلى أن نسبة العوائل التي تعيش تحت خط الفقر في المدن وصلت إلى ما بين 44 و55 في المائة، وأن حوالي 23.3 مليون على الأقل من سكان المدن يعيشون تحت خط الفقر، وتحاول حكومة نجاد الاستفادة من أموال الدعم التي كانت تقدمها لمواجهة العقوبات الدولية المتزايدة؛ لكن من غير المتوقع أن تحل هذه الخطوة المشكلات الحقيقية للاقتصاد الإيراني، كما أن التقارير تشير إلى مشكلة متفاقمة في حجم التضخم ونسبة البطالة، فالحكومة تخلق 300 ألف وظيفة سنوياً فقط في الوقت الذي من المفترض أنها تنشئ أكثر من مليون وظيفة لاستيعاب الشباب الذين يدخلون سوق العمل سنوياً. ويشير تقرير اقتصادي لجواد صالحي أصفهاني إلى حصول صدمة عند رفع الدعم، فمقابل تلقي العائلات 40 دولاراً للفرد، تضاعفت أسعار الخبز مرة واحدة كما زادت أسعار الوقود 4 أضعاف وأسعار الغاز 8 أضعاف وأسعار الديزل 9 أضعاف.

ومع هذا فإن إيران تدرك ثقلها الإقليمي، وبالقدر ذاته تسعى إلى جعله أمراً مقراً به من دون الوقوع في حالة الخضوع للقوى الخارجية، وفي ما يتعلق بالموقف والرؤية الإيرانية فإنها محكومة بالبحث عن نسبة في الأمن والمصالح الإقليمية تستجيب لمصالحها القومية، وهي مصالح أخذت ترسخ أكثر فأكثر في الفترة الأخيرة، صوب المحور الروسي-الصيني الآسيوي، وهو توجه تشجعه روسيا وتدعمه من الناحية السياسية والدبلوماسية والعسكرية أيضاً. ويبقى التساؤل هل يمكن الاعتماد على الدعم الروسي واعتباره ضمانة لإيران في مواجهتها للغرب في ملفات شائكة كالملف النووي. لقد أثبتت مواقف روسيا أنه لا يمكن اعتبارها ضمانة أكيدة، حيث إن المرحلة التي تلت نهاية الحرب الباردة كانت حاسمة عبر تغيير استراتيجي في السياسة الروسية تتلخص في ضرب الأطراف بعضها بعضاً من دون استنزاف الاقتصاد الروسي في صراع وهمي، فهي من ناحية تدفع إيران إلى المواجهة مع الولايات المتحدة لإنهاك الطرفين وإشغالهما، ومن ناحية أخرى تحافظ على ديمومة هذا الاستنزاف للأطراف المتصارعة، وتنخدع إيران من هنا بلعبها دوراً إقليمياً أكبر بكثير من قدراتها الاقتصادية، مما يؤدي إلى ضمورها الاقتصادي يوماً بعد يوم على حساب انتعاش الاقتصاد الروسي، وتجلى هذا السلوك في اللحظات الحاسمة التي كانت فيها روسيا مع قرارات الأمم المتحدة في تشديد العقوبات على إيران، وكذلك انتهاك حقوق إيران في بحر الخزر (قزوين) مازال مستمراً على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي السابق اعترف رسمياً بمقتضى اتفاقيتي 1921 و1940 بأن بحر الخزر هو بحيرة مشتركة بينه وبين إيران، إلا أنه لم يكن يحترم حقوق إيران في هذا البحر مطلقاً. وفي هذه المعاهدة تم التأكيد ثانية على حق البلدين بالملاحة في هذا البحر بشكل مشترك؛ ومع هذا لم يكن لإيران في تلك الفترة أي نوع من الملاحة في هذا البحر، وتمكن الاتحاد السوفييتي بهذه المعاهدة من وقف المد الإيراني في بحر الخزر، كما سيطر على كل المياه الإيرانية عن طريق قواعده البحرية في هذا البحر المهم، فمن زاوية الجغرافيا السياسية تعد منطقة بحر الخزر منطقة شاسعة تمتد من القوقاز في الغرب حتى آسيا الوسطى أي الشرق، ويقسم بحر الخزر هذه المساحة الشاسعة إلى شطرين، وفي الوقت نفسه يربطهما ببعضهما، بعبارة أخرى من الممكن اعتبار القوقاز والخزر وآسيا الوسطى منطقة جغرافية سياسية خاصة، يطلق عليها اسم (الخزر - آسيا الوسطى)، وهذه المنطقة هي منطقة قلب الأرض (الهارتلاند) الجديدة، وأنه سيكون لها تأثير كبير على الجغرافيا السياسية في القرن الـحادي والعشرين، وقد وضع هذا التشخيص الجغرافي السياسي الأمريكي إيران في قلب الهارتلاند الجديدة، وأوجد لإيران أهمية جغرافية سياسية عظمى.

الاقتصاد الايراني يعاني من مشكلات عديدة أبرزها وصول معدل التضخم إلى نحو 40 في المائة

من هذه الرؤية الجيوبوليتيكية نستطيع القول إن توجه إيران في رسم توجهاتها الاستراتيجية نحو المنطقة العربية يعد خطأً استراتيجياً لأن الامتداد الطبيعي بكل عناصره الثقافية والحضارية والتاريخية لإيران إنما هو باتجاه آسيا الوسطى موطن الجنس الآري، فأصل كلمة إيران كلمة (آري) وجمعها آريون يقول ول ديورانت في كتاب قصة الحضارة (يسمي الزرادشتيون وطنهم الأول (إيرانا فيجو) أي موطن الآريين، ويطلق استرابون لفظ إيرانا على البلاد التي يطلق عليها الآن هذا اللفظ وهو إيران) والشعب الآري كان يسكن المناطق الممتدة من آسيا الوسطى حتى شرق أوروبا، ما يحقق لإيران مصالحها القومية ويحافظ على كينونتها الحضارية ويحصن مشروعها القومي بعيداً عن التناقضات الكبيرة التي تضطر إيران لإيجاد توافقات لها وفي كثير من الأحيان تجد نفسها في متاهة كبيرة من المتناقضات التي تضطرها لصياغة أيديولوجيا بعيدة تماماً عن المعطيات الحضارية الطبيعية لبلاد فارس التاريخية. إن العرب كأمة يتفوقون على إيران في هذا الجانب تفوقاً كبيراً بفعل طبيعة الثقافة المنسجمة مع الدين الإسلامي والمنبثقة من رحمه بينما تواجه إيران تناقضاً عنيفاً بين ثقافتها الفارسية وطبيعة الدين الإسلامي الذي يتميز عن كل الأديان بكونه يمتص الحضارات ويغير الهويات القومية في بوتقة من الإسلام والعروبة لا يكاد يمكن الفصل بينهما ضمن حضارة عالمية واحدة. والإسلام في الحقيقة هو من أسس للعولمة ومن ابتدعها وخط بداياتها بطرحه لمشروعه العالمي وتعميم القيم الأخلاقية الكبرى التي تصلح دستوراً بشرياً يضمن حقوق الإنسان ويرفع عنه العبودية والرق والجاهلية العقائدية والثقافية، وينحو بالمجتمعات نحو المدنية الحقة، ويفتح باب الاجتهاد والعقلنة والإبداع، وبناءً على هذه الرؤية انصهرت أمم وحضارات في الحضارة الإسلامية العالمية.

تواجه إيران تناقضاً عنيفاً بين ثقافتها الفارسية وطبيعة الدين الإسلامي

إن إعادة توجيه الاستراتيجية الإيرانية في ضوء سياسة تصفير المشكلات والتوجه نحو آسيا الوسطى كامتداد طبيعي والابتعاد عن التشويش الحضاري الذي تزج نفسها فيه ستؤدي إلى نشوء دولة إيرانية أكثر تقدمية وديمقراطية، وستمكّن طهران من أن تخرج من العزلة التي أنزلتها بنفسها إلى حدٍ كبير، وأن تدرك قدرتها المهولة في لعبة السياسة بالشرق الأوسط حيث لا غالب ولا مغلوب، والحال أنه فيما تظهر إيران أكثر فأكثر على الساحة العالمية، يبدو أن وتيرة ضمورها الداخلي تتسارع؛ لقد بلغ السخط الملموس للشباب الإيراني أوجه بعد الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في عام 2009، وأجبرت الانشقاقات الداخلية المتعمقة النظام على الاعتماد على استخدام العنف بهدف الحفاظ على السلطة، حيث إن إيران لم ترتق بعد إلى مصاف البحث عن بدائل في التطور تتجاوز حدود وقيمة (جغرافيا الدولة) والمشكلات السياسية، وإن تم الشروع بتصفير المشكلات فإن ذلك يفترض إعادة رسم السياسات الحالية ضمن رؤية عقلانية تضمن للمنطقة أمنها بعيداً عن اللعبة الجيوبوليتيكية، بمعنى انتهاج سياسة تتوهم الإقليم فراغاً يمكن ملؤه واستثماره لخدمة الأهداف الكبيرة في الحلم السياسي، حيث إن البحث عن حلول واقعية وعقلانية مبنية على أساس منظومة المصالح المتبادلة يعزز منظومة الأمن الخليجية ويحقق المصالح المشتركة، وأول هذه الحلول حل الخلافات حول الجزر الإماراتية الثلاث، وتجاوز العقد التاريخية إذ إن التاريخ الحديث محكوم بصعود الفكرة القومية ومصالح الدولة والديمقراطية والجيل الجديد الذي يؤمن بالقيم العالمية في الحرية والمساواة والعدالة وتحقيق الرفاه سيتجاوز كثيراً من المفاهيم المؤدلجة التي لم تعد صالحة لتكون عقداً اجتماعياً أو هدفاً استراتيجياً يرتبط بتاريخ من الأدلجة التي سقطت بقوة مع أول إرهاصة لعالم جديد (عالم ما بعد العولمة)، بمعنى التقاف الثمار الأولى لعولمة صاغت جيلاً جديداً لا يكترث لكثير من المبادئ بقدر ما يكترث لحريته وتحقيق أحلامه في الحياة والاستمتاع بها في ضوء الديمقراطية، وهي مكونات غير متناقضة في حال وضعها ضمن سياقها السليم بما يحقق مصالح الجميع من دون فكرة الهيمنة أو التوسع وفق الحسابات الجيوبوليتيكية التي تستنزف الاقتصاد وتدمر العلاقات الخارجية لإيران في إقليم تحكمه معادلات عالمية معقدة ومرتبط بأمن الطاقة العالمي وطرق الإمداد، كما أن القوة الحقيقية للدولة يجب أن تكون ضمن الدائرة الجيوسياسية فقط بكل تفرعاتها وخصوصاً البشرية، وتعاني إيران في هذا الجانب من مشكلات كبيرة، حيث تشكل فئة الشباب في إيران ممن هم في عمر 30 عاماً فما دون 60 في المائة من مجموع السكان وفقاً لتقرير أعدّه كل من أوميد ميماريان وتارا نيسواداراني. وتعاني هذه الشريحة الواسعة من الشعب الإيراني من الكثير من الأزمات والمشكلات الاجتماعية وهذا ما يفسر في حقيقة الأمر أحد الأهداف الحقيقية من الإصرار الدائم للنظام الإيراني على تحويل الأنظار إلى الخارج بدلاً من الالتفات إلى مشكلات الداخل ومنها المشكلات السكانية والاجتماعية، فإيران تضم عدداً كبيراً من القوميات والإثنيات، فإلى جانب الفارسية التي تشكل ما بين (45 و47 في المائة) من إجمالي السكان، تشكل القوميات الأخرى في مجموعها بين (53 في المائة -55 في المائة)، أبرزها التركية (33 في المائة-35 في المائة) والكردية (10 في المائة) والعربية (5 في المائة) والبلوش (5.2 في المائة) والتركمان (5.2 في المائة). أما من الناحية الدينية فهناك السنة أكبر هذه الأقليات على الإطلاق، وهناك اليهود والمسيحيون والزرادشت وغيرهم. ويشكل السنة في إيران قرابة 15 في المائة من عدد السكان كحد أدنى، فيما يرفع البعض نسبتهم اعتماداً على نسب القوميات المذكورة إلى 30 في المائة، علماً أن الشيخ عبدالحميد إسماعيل الزهي (بمثابة مرجع السنّة في إيران) يقدّرهم بـ 25 في المائة من نسبة السكان، وهو ما يعني أنهم بحدود 20 مليون نسمة. وهذه الأقليات بدأت تبحث عن حقوقها ولم يعد بالإمكان التغافل عن الحقوق المشروعة للشعوب الإيرانية في ظل التداعيات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، ولن تكون إيران بمعزل عنها، فهل تستطيع إيران في ما تبقى من وقت أن تتدارك صياغة وتعديل استراتيجية جديدة تضمن للشعوب الإيرانية رفاهها وطموحاتها؟ كما أنه يتحتم على دول الخليج العربية أن تدرك واجبها التاريخي تجاه الأمتين العربية والإسلامية وذلك من خلال اعتماد مشروع عربي إسلامي قادر على توحيد الجهود العربية وتعزيز الرابطة الإسلامية لتحصين المنطقة من النزعات الجيوبوليتيكية. فلقد آن الأوان لمواجهة المشكلات الكبرى التي تضعف الكيان العربي عموماً، وأكبر هذه المشكلات الخروج من حالة التفرق والنظرة القطرية الضيقة لمواجهة المتغيرات التي يفرضها عالم جديد معولم.

 

مجلة آراء حول الخليج