array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 165

بكين تفضل دور "الموازن " لا "الحليف " في العلاقات مع إيران ودول الخليج

الإثنين، 30 آب/أغسطس 2021

يكتسب السؤال عن المسارات المحتملة للعلاقات بين الصين وإيران وانعكاساتها على منطقة الخليج العربي أهمية وزخماً خاصاً لاعتبارات ثلاثة رئيسية: يتمثل أولها، في أن هناك حكومة جديدة في إيران برئاسة الرئيس إبراهيم رئيسي، أعلنت أنها سوف تضع ضمن أولوياتها رفع مستوى العلاقات الثنائية مع الصين، في إطار سياسة "التوجه شرقاً" التي يتبعها الرئيس الجديد وتحظى بدعم واضح من جانب المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي.

وينصرف ثانيها، إلى تصاعد حدة الأزمة في أفغانستان، بعد الانسحاب العسكري الأمريكي وسيطرة حركة طالبان على السلطة من جديد في كابول في 15 أغسطس 2021م، إذ أن هذا التطور ربما يكون أحد المتغيرات الجديدة التي سوف تساهم في توسيع نطاق التفاهمات بين طهران وبكين، لاسيما أن الأسباب التي دفعت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى اتخاذ قرار الانسحاب في هذا التوقيت لا تنحصر فقط في تنفيذ تعهدات الرئيس بسحب القوات الأمريكية من الخارج وعدم التورط في "مغامرات" خارجية جديدة والتي أنتجت خسائر اقتصادية وبشرية لا تبدو هينة، وإنما تمتد أيضاً إلى تفجير أزمة جديدة في مواجهة خصوم واشنطن الإقليميين والدوليين، لاسيما الصين وروسيا وإيران، على نحو قد يدفع كلاً من بكين وطهران إلى رفع مستوى التنسيق فيما بينهما للتعامل مع الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري العمل على إعادة صياغتها من جديد في أفغانستان.

ويتعلق ثالثها، باستمرار تطلع الصين إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع إيران، سواء لاهتمامها باستمرار استيراد النفط الإيراني، أو لموقع إيران في مشروع "الحزام والطريق"، الذي يمثل أحد أهم أولويات السياسة الخارجية الصينية في الوقت الحالي. إذ تمتلك إيران احتياطيات نفطية تصل إلى 157 مليار برميل نفط، تضعها في المرتبة الرابعة على مستوى العالم من حيث احتياطيات النفط بعد فنزويلا والسعودية وكندا، حيث تصل نسبتها في الاحتياطي العالمي إلى 9.3%. في حين تبلغ احتياطيات إيران من الغاز الطبيعي 33.8 تريليون متر مكعب، تضعها في المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد روسيا، بنسبة 17% من إجمالي الاحتياطي العالمي.

وقد بدأت الصين حتى قبل الوصول إلى صفقة جديدة بين إيران والقوى الدولية خلال المفاوضات التي تجري حالياً في فيينا وتشارك فيها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير مباشر، في زيادة صادراتها من النفط الإيراني، التي وصلت إلى ذروتها في مارس 2021م، حيث سجلت 993 ألف برميل، قبل أن تنخفض في أبريل من العام نفسه إلى 448 ألف برميل. واللافت في هذا السياق، هو أن هناك مؤشرات تكشف عن أن الصين تدعم الجهود التي تبذلها إيران من أجل الالتفاف على العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما على الصادرات النفطية، حيث أشارت تقارير عديدة في 20 أغسطس 2021م، إلى أنه تم تسجيل شحنات النفط القادمة من إيران وفنزويلا على أنها قادمة من ماليزيا عقب نقلها إلى المياه الماليزية، وذلك بهدف تجنب التعرض لهذه العقوبات.

أولاً: واقع العلاقات الإيرانية- الصينية وآفاقها:

تتجه العلاقات بين الصين وإيران نحو مزيد من التطوير. وقد بدا ذلك جلياً في توقيع الدولتين على اتفاق الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى طهران في 27 مارس 2021م، وتسعى بكين وطهران عبر تلك الاتفاقية إلى تحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية عديدة، فبالنسبة لإيران، فإن هذه الاتفاقية سوف تحقق ثلاثة أهداف أساسية تتمثل في:

  • تطوير البنية التحتية: سوف تتضمن الاتفاقية تدفق استثمارات صينية تصل إلى 400 مليار دولار، سوف تتوزع على قطاعات مختلفة تحظى باهتمام خاص من جانب الصين، لاسيما البنية التحتية الخاصة بالطاقة من نفط وغاز التي ستحوذ على 280 مليار دولار، وقطاعات النقل والاتصالات والتكنولوجيا الذي ستحوذ على 120 مليار دولار، وستركز الصين اهتمامها على تطوير مينائي تشابها وجاسك تحديداً خاصة أن الأخير قريب من مضيق هرمز، الذي تعتمد عليه الصين كممر رئيسي لوارداتها من النفط.
  • احتواء آثار انسحاب الشركات الغربية: سوف تساعد الاتفاقية في التغلب على الإشكاليات الفنية والتكنولوجية التي واجهت الشركات المحلية الإيرانية في تطوير البنية التحتية بعد انسحاب الشركات الأجنبية من السوق الإيرانية في أعقاب الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018م، ثم إعادة فرض العقوبات الأمريكية بداية من أغسطس نفسه. فقد ثبت لطهران أنه بدون التعاون مع تلك الشركات فإنها لن تستطيع التغلب على أزمة انهيار البنية التحتية. وبدا ذلك جلياً في انسحاب شركة "توتال" الفرنسية من مشروع تطوير المرحلة الحادية عشر من حقل بارس الجنوبي، في 20 أغسطس 2018م، والذي وصلت قيمة الاستثمارات فيه إلى 4.8 مليار دولار، حيث كانت الشركة الفرنسية تمتلك، طبقاً للاتفاقية الخاصة بالمشروع، حصة تبلغ 50.1%، فيما امتلكت شركة "سي إن بي سي" الصينية نسبة 30%، بينما امتلكت شركة "بتروباس" التابعة للشركة الوطنية الإيرانية للنفط نسبة 19.9%.

ورغم أن الشركة الصينية استحوذت على حصة الشركة الفرنسية، إلا أنها سرعان ما أعلنت بدورها، في 6 أكتوبر 2019م، انسحابها من المشروع، لتعقيدات فنية ومشكلات مع شريكتها الإيرانية. وهنا، فإن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية سوف تضمن احتواء مثل تلك الخلافات، وتساعد على ملء الفراغ الناتج سواء عن انسحاب الشركات الأجنبية أو عن افتقاد الشركات المحلية للإمكانيات التي تساعدها على تطوير البنية التحتية.

  • تداعيات تصاعد التوتر مع الدول الغربية: تساهم هذه الاتفاقية في توسيع هامش الخيارات وحرية الحركة المتاحة أمام إيران على المستوى الدولي، لاسيما في ظل تصاعد حدة التوتر في العلاقات مع الدول الغربية. إذ أن مفاوضات فيينا لم تصل إلى تسوية بعد حتى الآن رغم انعقاد ستة جولات منها حتى 20 يونيو 2021م، وهو ما يعود إلى أن الخلافات العالقة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية لا تبدو هينة ولا يمكن تسويتها بسهولة، خاصة فيما يتعلق باستمرار تطوير إيران لبرنامجها النووي، حيث رفعت مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وبدأت في استخدام أجهزة طرد مركزي من طرازات أكثر تطوراً مثل "IR4" و"IR6"، ووسعت عمليات التخصيب لتشمل مفاعل فوردو إلى جانب منشأة ناتانز، في انتهاك واضح للاتفاق النووي الذي يلزم إيران بتخصيب اليورانيوم حتى نسبة 3.67%، باستخدام أجهزة طرد مركز من الطراز الأول "IR1"، وحصر عمليات التخصيب في منشأة ناتانز فقط.

كما أن إيران ما زالت ترفض بإصرار مطالب الدول الغربية بتوسيع نطاق المفاوضات لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي، حيث ترى أن أى صفقة محتملة قد تسفر عنها المفاوضات سوف تنحصر في الجوانب الفنية من البرنامج النووي فحسب. وقد كان الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي حريصاً، في أول مؤتمر صحفي عقده بعد إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية، في 21 يونيو 2021م، على تأكيد أن المفاوضات مع القوى الدولية تنحصر في البرنامج النووي فحسب ولن تمتد إلى برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي.

إلى جانب ذلك، فإن إيران لا تستبعد إمكانية انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية مجدداً من الاتفاق النووي في حالة عودتها إليه بموجب أى صفقة محتملة قد تتوصل إليها القوى الدولية في فيينا، على نحو دفعها إلى تبني شرط الحصول على ضمانات أمريكية بعد الانسحاب مجدداً من الاتفاق، وهو شرط من الصعب أن تستجيب له واشنطن، لاسيما في ظل الضغوط الداخلية القوية التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية، حيث يوجه عدد كبير من نواب الحزب الجمهوري، إلى جانب نواب من الحزب الديمقراطي، انتقادات قوية للسياسة التي تتبناها الإدارة تجاه إيران، التي أنتجت، في رؤيتهم، تداعيات عكسية، بدت جلية في مماطلة إيران في الوصول إلى صفقة جديدة في فيينا، بالتوازي مع حرصها على الاستمرار في رفع مستوى أنشطتها النووية إلى درجة أدت إلى اقترابها من المرحلة التي يمكن أن تمتلك فيها القدرة على إنتاج القنبلة النووية.

فضلاً عن ذلك، تتواصل ما يمكن تسميته بـ"الحرب الخفية" بين إيران وإسرائيل، بسبب المخاوف التي تنتاب الأخيرة إزاء تطور البرنامج النووي الإيراني والدور الإيراني في سوريا. إذ تكشف مؤشرات عديدة عن أن إسرائيل هى الطرف المسئول عن شن عمليات أمنية داخل إيران بشكل مكثف خلال المرحلة الماضية، والتي بدت جلية في سرقة الأرشيف النووي الإيراني الذي سمح بالحصول على معلومات سرية وحساسة عن الأنشطة النووية الإيرانية في 31 يناير 2018م، ثم تعرض مجمع "همت" في منطقة خجير لهجوم في 26 يونيو 2020م، حيث كشفت تقارير عديدة أن المجمع مرتبط بإنتاج الوقود الصلب والسائل في الصواريخ الباليستية، أو أنه يتضمن أنفاقاً تستخدم كمخزن للصواريخ الباليستية. فضلاً عن تعرض منشأة ناتانز لهجومين في 2 يوليو 2020 و12 أبريل 2021م، إلى جانب اغتيال رئيس مؤسسة الأبحاث والتطوير في وزارة الدفاع الإيراني العالم النووي محسن فخري زاده في 27 نوفمبر 2020م، وتوازى ذلك كله مع استهداف بعض الناقلات الإيرانية التابعة للحرس الثوري في المياه الإقليمية بالقرب من سوريا وإريتريا.

وقد ردت إيران على ذلك، باستهداف ناقلات إسرائيلية في مياه الخليج العربي وبحر العرب، كان آخرها في 29 يوليو 2021م، عندما اتهمتها إسرائيل بالمسؤولية عن استهداف ناقلة تابعة لها أمام خليج عمان، على نحو أدى إلى مقتل بريطاني وروماني كانا على متنها. فضلاً عن أنها اتهمت بالمسئولية عن إطلاق الصاروخ الذي وقع بالقرب من مفاعل ديمونا في 22 أبريل 2021م، كما أنها وجهت إشارات بأنها لم تكن بعيدة عن التصعيد الذي حدث على الأراضي الفلسطينية في الفترة من 10 إلى 21 مايو 2021م، إذ كان لافتاً حرص القادة الإيرانيين وقادة حركة حماس الفلسطينية على تأكيد أن الدعم الإيراني كان له دور في التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدتها إسرائيل والأراضي الفلسطينية، لاسيما فيما يتعلق بالتحول الملحوظ في القدرات الصاروخية لحركة حماس.

وفي هذا السياق، فإن هذا التصعيد أثار قلقاً واضحاً لدى الدول الغربية التي أبدت دعمها لموقف إسرائيل، خاصة بريطانيا- التي قتل أحد رعاياها في الهجوم على الناقلة الإسرائيلية في 29 يوليو 2021م- والولايات المتحدة الأمريكية التي تعهدت بأن يكون هناك "رد جماعي" على إيران بسبب هذه التصرفات. وهنا، تتزايد أهمية الصين بالنسبة لإيران، حيث أن العلاقات معها يمكن أن توفر لها ظهيراً دولياً يستطيع تقليص حدة الضغوط التي تتعرض لها بسبب التصعيد والخلافات المستمرة مع الدول الغربية.

أما بالنسبة للصين، فإنها ترى أن توسيع نطاق العلاقات الثنائية مع إيران يمكن أن يحقق بدوره ثلاثة أهداف رئيسية، يمكن تناولها على النحو التالي:

  • استثمار موقع إيران الاستراتيجي: خاصة في ضوء تطلع الصين إلى اتخاذ مزيد من الخطوات الإجرائية لتنفيذ مشروع "الحزام والطريق"، حيث تقع إيران على مفترق طرق بالنسبة لهذا المشروع، وقد سعت خلال المرحلة الماضية إلى تأسيس مشروعات استراتيجية مع العديد من دول آسيا الوسطى، على نحو يمكن أن يوفر ممرات حيوية وطرق إمداد لوجيستية بالنسبة للمشروع الصيني، وتتمثل أبرز تلك المشروعات في الممر الذي يربط بين قيرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان وإيران، والممر الذي يربط بين إيران وأفغانستان وباكستان.
  • رفع مستوى التنسيق مع إيران في أفغانستان: ترى اتجاهات في بكين أن التمدد الإيراني داخل أفغانستان عبر العلاقات القوية مع بعض المكونات المجتمعية- مثل قومية الهزارة- لا يهدد بشكل مباشر المصالح الصينية، بل إن هذا التمدد الذي يتوازى مع التفاهمات التي تجريها إيران بصفة مستمرة مع خصمها السابق ممثلاً في حركة طالبان التي وصلت إلى السلطة، يمكن أن يساعد في حماية المصالح الصينية في أفغانستان وتحييد أية مخاطر محتملة قد تنتج عن وصول الحركة إلى الحكم من جديد.

وقد كان لافتاً في هذا السياق، أن الحركة سارعت إلى الرد على بيان مجموعة الدول السبع، في 24 أغسطس 2021م، والذي أشار إلى أن "الحركة ستحاسب على أفعالها فيما يتعلق بمنع الإرهاب وحماية حقوق الإنسان لاسيما حريات المرأة"، وتمثل ردها في التأكيد على أن علاقاتها مع كل من الصين وإيران وروسيا وباكستان جيدة، حيث قال المتحدث باسم الحركة محمد نعيم: ""علاقاتنا مع إيران والصين وباكستان وأوزبكستان وغيرها ليست جديدة وهذه الدول غير قلقة... ولدينا علاقات وتواصل مستمر مع دول جوار أفغانستان ونريد تطوير ذلك"، مضيفاً أن "الصين دولة جارة لنا وتجمعنا معها علاقات جيدة، وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا". وهنا، فإن الرسالة واضحة ومفادها أن اتجاه الدول الغربية إلى تصعيد حدة الضغوط والعقوبات على الحركة خلال المرحلة القادمة سوف يدفعها في المقابل إلى تطوير علاقاتها مع خصومها الدوليين والإقليميين لاسيما روسيا والصين وإيران.

  • إدارة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية: يبدو أن التوتر سوف يتصاعد بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة القادمة، خاصة أن بكين باتت تعتبر أن الانسحاب العسكري الأمريكي من مناطق الأزمات في الشرق الأوسط يعني زيادة تركيزها على محاصرة الدور الصيني المتنامي على الساحة الدولية. وقد بدا جلياً أن الرئيس الأمريكي جو بايدن يمنح الأولوية، منذ وصوله إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2021م، لمواجهة الصعود الصيني. وفي هذا السياق، أصدرت الإدارة الأمريكية، في 3 مارس من العام نفسه، وثيقة "التوجيه المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي"، والتي تتضمن الآليات التي ستتبناها الإدارة في التعامل مع التحديات الدولية، وكان لافتاً أن اسم الصين ذكر فيها نحو 15 مرة رغم أن عدد صفحاتها لا تتجاوز عشرين صفحة. وقد جاء في الوثيقة ما يلي: "يجب علينا أن نتأهب لحقيقة أن توزيع السلطة في جميع أنحاء العالم يتغير، مما يخلق تهديدات جديدة. والصين على وجه الخصوص أصبحت، وبسرعة أكثر حزماً وتصميماً، هى المنافس الوحيد القادر على الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، وتحدي النظام الدولي المنفتح والمستقر".

بكين تدرك ذلك بالطبع وتتابع الإجراءات التي تتخذها واشنطن لتفعيل هذا التوجيه، ومن هنا، فإنها بدأت تتحرك بدورها على أكثر من صعيد، منها تطوير العلاقات مع خصوم واشنطن، لاسيما إيران. ومن هنا، كان لافتاً أن توقيع مشروع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية في 27 مارس 2021م، جاء بعد نحو شهرين من وصول بايدن إلى البيت الأبيض، وبالتوازي مع صدور وثيقة الأمن القومي سابقة الذكر.

 ثانياً: موقف الصين من الصراعات الإقليمية:

يمكن القول إن الصين لا تبدي اهتماماً كبيراً بتصاعد حدة الصراع بين القوى الإقليمية في المنطقة، إلا إذا كان ذلك يمس مصالحها وأمنها القومي بشكل مباشر. ومن هنا يمكن تفسير تركيز الصين على ما يسمى بحرب استهداف السفن في المنطقة، حيث أنها ترى أن ذلك ربما يفرض تداعيات مباشرة على أمن الطاقة في المنطقة، بما يمكن أن يؤثر على صادراتها النفطية على سبيل المثال، فضلاً عن أنه قد يفرض انعكاسات مباشرة على مشروع "الحزام والطريق".

وفي هذا السياق، أدانت الصين، في 14 ديسمبر 2020م، استهداف ناقلة بالقرب من ميناء جدة السعودي، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أن "الصين تدين هذا الهجوم، وتعارض أى هجمات على المدنيين والمنشآت المدنية"، وأضاف أن "الصين تدعو جميع الأطراف إلى الإحجام عن أى أعمال من شأنها زيادة حدة التوتر في المنطقة". ومن هنا، فإن الصين ترى أن الوصول إلى تهدئة في المنطقة وربما إبرام اتفاقيات للتسوية داخل دول الأزمات يتوافق مع مصالحها، باعتبار أن ذلك يفرض تداعيات إيجابية على أمنها واستقرارها.

لكن ذلك لا يعني في الوقت ذاته أن بكين يمكن أن تمنح الأولوية لعلاقاتها مع إيران على حساب علاقاتها مع دول أخرى رئيسية في المنطقة، لاسيما دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك لاعتبارين رئيسيين: أولهما، أن لدى الصين مصالح استراتيجية كبيرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، لا يمكن الاستعاضة عنها. ووفقاً لتقديرات عديدة، فإن حجم التبادل التجاري بين الصين ودول المجلس وصل في عام 2019م، إلى 180 مليار دولار، بما يمثل 11% من إجمالي التجارة الخارجية للمجلس. وقد وصلت الصين إلى المرتبة الأولى في قائمة الشركاء التجاريين للمجلس في عام 2020م، بدلاً من الاتحاد الأوروبي.

وثانيهما، أن إيران نفسها تتبع سياسة براجماتية يمكن أن تفرض، في بعض الأحيان، تداعيات سلبية على مصالح بكين حتى رغم العلاقات الثنائية القوية فيما بينهما، فضلاً عن أن تحركاتها الاستفزازية في منطقة الخليج لا تحظى بتأييد من جانب بكين، لاسيما ما يتعلق بالتهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضيق هرمز. وقد سبق أن وجهت الصين، بشكل كان لافتاً، انتقادات لإيران بسبب هذه التهديدات. ففي هذا السياق، قال مساعد وزير الخارجية الصيني تشين شياو دونغ، في 6 يوليو 2018م: "تعتقد الصين أن على إيران بذل المزيد من الجهد للإسهام في السلام والاستقرار بالمنطقة والمشاركة في حماية السلام والاستقرار هناك، خاصة وأنها دولة تطل على الخليج لذا عليها أن تكرس نفسها لتكون جارة صالحة".

وعلى ضوء ذلك، ربما يمكن القول إن بكين تفضل ممارسة دور "المُوازِن" بدلاً من "الحليف" فيما يتصل بالعلاقات مع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث تسعى عبر ذلك إلى توسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها في التعامل مع التحديات التي يمكن أن تتعرض لها العلاقات بينها وبين تلك الدول.

ثالثاً: سياسة بكين تجاه أزمة الملف النووي:

في إطار سعيها إلى تعزيز حالة الاستقرار في المنطقة لحماية مصالحها، تحاول الصين المساهمة في الجهود التي تبذل من أجل الوصول إلى صفقة جديدة تعزز من استمرار العمل بالاتفاق النووي. ومن هنا، كانت الصين إحدى الدول الخمس التي شاركت بشكل مباشر في المفاوضات التي تجري مع إيران في فيينا وانتهت جولتها السادسة والأخيرة في 20 يونيو 2021م.

وفي رؤية بكين، فإن الوصول إلى صفقة جديدة يمكن أن يساعد في تحقيق هدفين هما:

  • تهدئة حدة الأزمة في المنطقة: لاسيما فيما يتعلق بتحركات إيران المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية في دول الأزمات وفي مقدمتها العراق، حيث تحاول إيران الإيعاز لحلفائها من الميليشيات المسلحة في بعض تلك الدول من لاستهداف المصالح الأمريكية سواء لرفع كُلفة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها أو لتعزيز موقعها التفاوضي في مباحثات فيينا.
  • تقليص احتمالات نشوب حرب جديدة في الخليج: خاصة أن فشل المباحثات واستمرار إيران في رفع مستوى أنشطتها النووية التي وصلت بالفعل إلى مرحلة خطرة بعد أن زادت الأخيرة من مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60% بشكل يساهم في اقترابها من المرحلة التي يمكن أن تمتلك فيها القدرة على إنتاج القنبلة النووية، يمكن أن يعزز من هذا الاحتمال، لاسيما أن الاقتراب من تلك المرحلة يمثل "خطاً أحمر" لن تسمح به الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل على نحو قد يدفعهما إلى التفكير في الخيار العسكري كآلية لتحييد مخاطر البرنامج النووي الإيراني في المستقبل، وهو ما ترى بكين أنه يمكن أن يفرض عواقب خطيرة على مصالحها في المنطقة.

وعلى ضوء ذلك، تتبنى بكين آليتين للتعامل مع التطورات في هذا الملف تحديداً: الأولى، هو العمل على تعزيز فرص الوصول إلى تسوية في فيينا من خلال محاولة تقليص حدة الخلافات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. والثانية، مساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأمريكية، من خلال مواصلة استيراد كميات من النفط الإيراني. ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتابع مسارات تصدير النفط الإيراني إلى الصين خلال المرحلة الماضية، فإنها تغاضت عنها، من أجل تشجيع إيران على إبداء مرونة أكبر في مفاوضات فيينا. إلا أن استمرار الخلافات العالقة بين الطرفين وتعمد إيران رفع مستوى أنشطتها النووية، دفع الإدارة إلى تغيير موقفها، حيث ربما تتجه خلال المرحلة القادمة إلى فرض عقوبات جديدة تقلص عبرها من مستوى صادرات النفط الإيرانية إلى الصين.

خاتمة:

في النهاية، يمكن القول إن تطوير العلاقات بين الصين وإيران يبدو هو الاحتمال الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة القادمة، في ظل تعويل الطرفين على تلك العلاقات لتحقيق أهداف اقتصادية واستراتيجية عديدة. لكن ذلك لا ينفي أن كلاً منهما يسعى إلى توسيع هامش المناورة وحرية الحركة المتاحة أمامه، من خلال الحفاظ على قنوات تواصل مع قوى إقليمية ودولية أخرى، حيث تسعى إيران إلى تطوير علاقاتها مع روسيا، على نحو بدا جلياً في استعدادها لتجديد اتفاقية التعاون التي وقعت بين الطرفين في عام 2001م. فيما تحرص الصين على تطوير علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي والعديد من القوى الأخرى من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.

مقالات لنفس الكاتب