array(1) { [0]=> object(stdClass)#11584 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 165

تصور الصين لإفريقيا يتجاوز التنمية إلى بسط النفوذ وفق المنطق الامبراطوري

الإثنين، 30 آب/أغسطس 2021

وضع مجموعة من الاقتصاديين الأمريكيين من مؤسسة "ماك كنسي" في سنة 2017م، دراسة ميدانية حول تقييم العلاقات الاقتصادية الصينية - الإفريقية، بعنوان روائي " رقصة الأسود والتنانين على طريق الحرير الجديد"، انتقدت فيها سياسة الدعم التنموي السلبية التي انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه القارة الإفريقية منذ نهاية الحرب الباردة مقارنة بطبيعة الشراكة التنموية الصينية-الإفريقية، حيث قدمت المؤسسات المالية الأمريكية أكثر من 125 مليار دولار لإفريقيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كمساعدات للتنمية، والحصيلة النهائية أن أغلبية الدول الإفريقية زادت تبعية وفقرًا، وهو ما تظهره المؤشرات السلبية للتنمية البشرية وحجم الفساد المستشري في القارة الإفريقية. وبالمقابل، فإن الصين التي اعتمدت على استراتيجية تنموية شاملة مع القارة الإفريقية وفق آليات بعيدة المدى في إطار منتدى التعاون الصيني- الإفريقي الذي انطلق في سنة 2000م، ومبادرة الحزام والطريق التي أعلن عنها في سنة 2013م، بمشاريع جيوسياسية وجيو-اقتصادية عالمية في القارات الثلاثة آسيا- أوروبا وإفريقيا، يتم تمويلها بمؤسسات مالية صينية للتنمية العالمية تنافس السياسات الهيكلية لمؤسسات برتن وودز، صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، مما جعلها تهدد المكانة الأمريكية في إفريقيا.

ويشكل الفضاء الدبلوماسي والاقتصادي لمنتدى التعاون الصيني- الإفريقي في إطار مبادرة الحزام والطريق الرؤية الصينية لمكانتها المستقبلية في ظل النظام الدولي المرتقب في آفاق سنة 2050م، حيث تصبو من خلاله الصين إلى تحقيق ثلاثة أهداف متكاملة لأمنها القومي وبعدها الجيوستراتيجي ، أولها، بناء الشراكة التنموية مع إفريقيا ضمن شرعية استمرارية مؤتمر باندونغ لحركة عدم الانحياز 1955م، بترويج صورة الصين باعتبارها الشريك التنموي الكبير لهذه الاستمرارية الإيديولوجية، الرافضة لكل أشكال الاستعمار القديم والجديد. ثانيًا، تهدف الصين في شراكتها مع إفريقيا إلى تأمين التموين بالمحروقات والمواد المنجمية والمنتجات الفلاحية، فهي بحاجة لتغذية 1.4 مليار نسمة ولإنجاز الأهداف الاقتصادية المسطرة للوصول إلى 30 بالمائة من الاقتصاد العالمي في آفاق 2030م. أما الهدف الثالث، فيكمن في بناء نفوذ سياسي ودبلوماسي مع الدول الإفريقية بعزل تايوان والاصطفاف الدبلوماسي الإفريقي مع بكين في المحافل الدولية في مواجهة الضغوطات الغربية، لا سيما في مجالين أساسيين، حقوق الإنسان وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما تجلى بوضوح في التصويت الإفريقي داخل مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة بجنيف، في جوان 2020م، فيما يخص قانون الأمن القومي لهونغ كونغ، الذي وضع حدًا للحكم الذاتي وفرض عقوبات صارمة على المعارضة السياسية في إقليم هونغ كونغ، حيث صوتت 25 دولة إفريقية لصالح الصين، وفي نفس الاتجاه بسطت الصين نفوذها الدبلوماسي والسياسي على دول القارة الإفريقية فيما يخص قضاياها الداخلية وبالأخص في قضية مسلمي الإيغور في إقليم شينجيانغ بشمال غرب الصين أو في إقليم التبت.

وتمثل هذه الأهداف الصينية في الشراكة التنموية مع إفريقيا أحد نقاط القوة والاستمرارية في التنافس الصيني ـ الغربي بصفة عامة والأمريكي بصفة خاصة، وبالعودة إلى التقرير الأمريكي حول رقصة الأسود الإفريقية والتنانين الصينية، فإنه يبرز أهمية الصين في تحريك التنمية في إفريقيا من خلال استراتيجية رابح-رابح التي تعتمدها بكين في مشاريعها المتعددة، وقد أثبتت التحقيقات الميدانية فيما يخص النشاطات التجارية، مصادر التمويل، محفزات الاستثمار في إفريقيا والتحديات المستقبلية للمشاريع التوسعية، أن الصين أضحت القوة الاقتصادية والتجارية المنافسة لجميع القوى العالمية والإقليمية، فقبل عشرين سنة لم تكن حصة الصين من الاستثمارات في إفريقيا تتجاوز 3 بالمائة لتقفز إلى أكثر من 20 بالمائة، مستغلة المعايير الأمريكية والأوروبية للاستثمار التي تستند على تقييم المخاطر، بينما تستفيد الصين من هذا الفراغ في التنافس على استثمارات في البلدان الإفريقية التي تعرف مخاطر أمنية وسياسية، وهو ما يفسر إلى حد ما تراجع حصة الاستثمارات الأمريكية في إفريقيا التي كانت تتراوح بين 20 إلى 25 بالمائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في إفريقيا إلى أقل من 15 بالمائة. وبلغة الأرقام النسبية والمتحركة، فإن الصين تشكل تحديًا مستقبليًا للمكانة الأمريكية والغربية، فهي تعد الشريك التجاري الأول لإفريقيا، والقوة الاقتصادية الأولى الممولة للبنية التحتية، والدولة الأولى من حيث نمو الاستثمارات المباشرة الأجنبية، الثالثة من حيث الدول المانحة، وبتوطين أكثر من 10 آلاف مؤسسة صينية في إفريقيا يشتغل بها ما نسبته 89 بالمائة من اليد العاملة الإفريقية، وبمشروع تفاؤلي يصل حجم التبادلات التجارية بين الصين وإفريقيا إلى 440 مليار دولار في آفاق 2025.

ثانيًا: القوة الناعمة الصينية ودبلوماسية كوفيد 19.

إن التصور الصيني لإفريقيا يتجاوز البعد التنموي والاقتصادي أو المنافسة الأمريكية في القارة، فهي تهدف بالأساس إلى بسط نفوذها وفق المنطق الجيوسياسي الإمبراطوري، حيث تقيم علاقاتها التعاونية مع المحاور الجيوستراتيجية الإفريقية الممتدة على الواجهات البحرية من المحيط الهندي حيث أقامت أول قاعدة عسكرية بحرية بجيبوتي في سنة 2017م، وتوثيق العلاقات مع كل من كينيا، تنزانيا ورواندا، وتعمل على ترسيخ نفوذها في الواجهة البحرية للبحر الأبيض المتوسط من خلال العلاقات الاستراتيجية لدول شمال وغرب إفريقيا، كما تركز تواجدها في جنوب القارة الإفريقية وخصوصًا مع دولة جنوب إفريقيا التي تشكل أحد الفاعلين للدول الاقتصادية الصاعدة إلى جانب الصين في نادي بريكس. ويترجم تكريس هذا المشروع الجيوسياسي مبادرة الحزام والطريق التي تربط أهم الموانئ والطرق الإفريقية بالمشروع الإمبراطوري الصيني الذي يشكل تهديدًا واقعيًا وعمليًا للمشاريع الأمريكية والأوروبية التقليدية التي قسمت القارة الإفريقية إلى مناطق للنفوذ منذ مؤتمر برلين لسنة 1884م، وقد مثلت أول قمة للتعاون الدفاعي والأمني بين الصين وإفريقيا التي أقيمت بالعاصمة بكين في شهر جوان 2018م، التهديد الواقعي والعملي للتواجد الغربي في إفريقيا، يعكس طبيعة النفوذ الصيني في إفريقيا من خلال ما تسميه بالشراكة الاستراتيجية الشاملة، طرحت مشاريع للتعاون العسكري والأمني من أجل استقلالية وسيادة القارة الإفريقية في شؤونها الدفاعية كما تطرحها الأجندة الإفريقية لسنة 2063م، حيث علقت عليه إذاعة فرنسا الدولية بقلق كبير :" أول منتدى دفاعي من نوعه، يثبت النفوذ الصيني المتعاظم في إفريقيا بما في ذلك المستوى العسكري، الذي يكرس الروابط المتينة القائمة مع العسكريين الأفارقة الذين يستفيدون من تكوينات تقنية، يتم تمويلها كلية من الصين".

وفي الواقع، فإن الصين التي تسوق للهوية السياسية والإيديولوجية لمؤتمر باندونغ لعدم الانحياز ومحاربة الاستعمار الغربي، توظف ببراعة وبراغماتية قوتها الناعمة في إطار مشروعها الدفاعي والأمني في إفريقيا، بحيث ينتشر أكثر من 2500 عسكري صيني في إطار القبعات الزرقاء لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام والأمن في إفريقيا، مما يجعلها من أكثر المساهمين بقواتها العسكرية في عمليات حفظ السلم ضمن الدول الخمسة الأعضاء في مجلس الأمن الأممي، وبمقارنة بسيطة لهذه الصورة الناعمة والجاذبة لدى الأفارقة بين القوات الصينية  والفرنسية في مالي، يتواجد 395 من العساكر الصينيين ضمن بعثة الأمم المتحدة في مهمة متعددة الأبعاد في مالي من ضمنها البعثات الطبية والإنسانية، أعطت صورة ناعمة لبناء السلم في إفريقيا لدى الرأي العام المحلي، بينما القوات الفرنسية في إطار عمليات برخان واجهت سخطًا شعبيًا ورسميًا لعدة اعتبارات، أهمها عدم الثقة في المستعمر التقليدي الذي يراهن على الموارد الحيوية بدلاً من الحفاظ على الموارد الإنسانية، مما جعل فرنسا تعيد حساباتها، وهو ما تستثمره الصين لصالحها.  

وفي إطار التسويق للقوة الناعمة الصينية في إفريقيا، فقد مثلت مرحلة جائحة كوفيد 19 فرصة دبلوماسية لترويج المكانة الصينية في إفريقيا، من خلال الهبات والتبرعات التي قدمت للدول الإفريقية والمتمثلة في التجهيزات الوقائية الطبية لمواجهة الجائحة، واللقاح الصيني الذي أضحى ينافس اللقاحات البريطانية والأمريكية في إطار صراع المخابر الصيدلانية والبيولوجية التي تشكل أحد محاور صراعات القوة الاقتصادية والتجارية المستقبلية، مما جعل وزير الشؤون الخارجية البريطاني، دومنيك راب، يحرض البلدان الإفريقية والنامية بعدم التسرع في استخدام اللقاحات القادمة من الصين وروسيا وانتظار اللقاحات ذات المرجعية والفعالية. وهذا التصريح يعكس القلق الغربي من الديناميكية الصينية التي استخدمت دبلوماسية الكوفيد واللقاحات لكسب القلوب والعقول الإفريقية ضمن الاستراتيجية الشاملة للتنافس مع الوجود الأمريكي-الأوروبي، ولعل خطاب وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، للطلبة الأفارقة كان أكثر تعبيرًا عن هذا الهاجس :" لا نطلب من أحد أن يختار بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، لكن أشجعكم أن تطرحوا الأسئلة الصعبة، والحفر تحت المساحة، من أجل فرض الشفافية واتخاذ الخيارات الواضحة"، وما يعنيه هنا باللغة الدبلوماسية، التشكيك في نزاهة المنافسة الصينية في إنتاج اللقاحات مقارنة بجدية وشفافية المنتجات الأمريكية.

بالمقابل، فإن الصين كثفت من دبلوماسية كوفيد تجاه الدول الإفريقية في ظل الصراعات الأوروبية الداخلية حول توزيع كميات اللقاحات على دولها، ففي قمة يونيو 2020 المخصصة للتضامن في مواجهة كوفيد 19، أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، قائلا:" ستكون البلدان الإفريقية من الأوائل التي ستستفيد من اللقاح المصنوع في الصين، لأننا نطمح لبناء مصير مشترك صيني-إفريقي"، وصاحب هذا الخطاب الإعلان عن بناء مستشفيات جديدة في إفريقيا بتمويل صيني وإقامة مركز إفريقي لمراقبة الأمراض بأديس بابا، كما سبق وأن شيدت مقر الاتحاد الإفريقي بنفس العاصمة الإفريقية. ويمكن أن نقيس انعكاسات هذه الدبلوماسية الصينية على القارة الإفريقية من خلال المؤشرات الكمية التي قدمتها مؤسسة البرارومتر الإفريقي لقياس الرأي العام في سنة 2020م، حيث اعتبر 59 بالمائة من الرأي العام الإفريقي بأن النفوذ الصيني في إفريقيا يعتبر إيجابيًا، وهو ما يعزز من تعاظم المنافسة الجيوسياسية الصينية في إفريقيا.

ثالثًا: المباراة بين النسر الروسي والتنين الصيني والديك الفرنسي.

إذا كانت القارة الإفريقية تعرف تنافسًا جيوسياسيًا وجيو-اقتصاديًا بين بكين وواشنطن، بأهداف ووسائل متعددة من أجل الصراع الدولي على رقعة الشطرنج المحيطة بما يسميه علماء الجيوبوليتك " بالمحور الجغرافي للتاريخ"، أي أوراسيا، فإن اللاعب الجيوستراتيجي الآسيوي الصيني يواجه تنافس لاعب جيوستراتيجي أورو-آسيوي، المتمثل في النسر الروسي العائد من بعيد لإعادة إحياء الحلم السوفياتي في إفريقيا بعدما أهملتها طيلة مرحلة ما بعد تفكك الإمبراطورية السوفياتية، ويعكس هذا الحلم أول منتدى روسي- إفريقي تم تنظيمه في أكتوبر 2019م، بالمدينة السياحية سوتشي، وعرض على هامش المنتدى 170 صورة تذكارية لستة عقود من العلاقات السوفياتية- الإفريقية، من أبرز الصور المعروضة الرئيس جمال عبد الناصر وهو يصافح يوري غاغرين، أول رجل صعد إلى سطح القمر أو مساهمة الاتحاد السوفياتي في بناء سد أسوان، للتذكير بالعلاقات التاريخية بين روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي ورموز القارة الإفريقية، وخلال المنتدى ذكر الرئيس بوتين القادة الأفارقة بالقرار الذي سبق لروسيا أن قامت به لصالح الدول الإفريقية، والمتعلق بمسح الديون الموروثة عن الاتحاد السوفياتي التي تجاوزت 20 مليار دولار، مما يوحي بمبادرة دبلوماسية لبناء الثقة من جديد مع القارة الإفريقية التي تطمح من خلاله روسيا إلى مضاعفة حجم التبادلات التجارية في الخمس سنوات القادمة. وبنفس الإيديولوجية الصينية، فإن روسيا خاطبت القادة الأفارقة بالمصير المشترك فيما يتعلق بمحاربة كل أشكال الاستعمار، وهي رسالة موجهة للقوى الأوروبية الغربية التي تقاسمت القارة الإفريقية إلى مناطق نفوذ ونصبت العداء لمعظم الدول الإفريقية بعد استقلالها، استغله الاتحاد السوفياتي لبسط نفوذه العسكري والتقني والتجاري في إطار الحرب الباردة، فقبل سنة 1991م، استثمر السوفيات في تكوين 240 ألف طالب بإفريقيا و60 ألف إفريقي بالاتحاد السوفياتي، كما أقامت قواعد عسكرية في غينيا، أنغولا، الصومال وإثيوبيا. وحاولت روسيا أن تعيد إحياء التعاون العسكري والأمني مع الدول الإفريقية من خلال ما تسميه بدبلوماسية "تصدير الأمن"، فما بين 2014 و 2019م، وقعت روسيا تسعة عشر اتفاق تعاون عسكري وتقني مع البلدان الإفريقية، وبعض هذه البلدان لا تزال محسوبة على النفوذ الفرنسي مثل مالي، موريتانيا أو إفريقيا الوسطى. وأضحى المركب الصناعي العسكري الروسي، وفق تقديرات المعهد الدولي للبحث والسلام بستوكهولم، أول مصدر للسلاح لإفريقيا في الفترة ذاتها (2014-2019م). والملاحظ في دبلوماسية تصدير الأمن لإفريقيا، أن روسيا لجأت إلى خصخصة النزاعات المحلية داخل بعض الدول الإفريقية بالاعتماد على الشركة الأمنية "فاغنر" كما هو الحال في ليبيا وإفريقيا الوسطى، ومقابل هذه الاتفاقيات العسكرية والأمنية تستفيد روسيا من الثروات المنجمية والمعدنية الإفريقية، و تمثل حالة جمهورية إفريقيا الوسطى أكثر مثال شاهد على هذه الاستراتيجية، فبعد إمداد نظام تواديرا بالسلاح الروسي ودعمه بمستشارين عسكريين روس وإرسال مجموعة فاغنر الأمنية، في جويلية 2018، وتعيين فاليري زاخاروف، أحد قدماء الاستخبارات الروس، مستشارًا أمنيًا للرئيس تواديرا، بطلب منه، منحت جمهورية إفريقيا الوسطى رخص لاستغلال الذهب، الألماس واليورانيوم لشركات روسية. وتشكل هذه السلوكيات الروسية منافسة قوية للطموح الإمبراطوري الصيني وللنفوذ الفرنسي التقليدي في المنطقة، وهو ما جعل الخبير الروسي المحافظ، فياشيسلاف تيتيكين، عضو لجنة الدفاع في الدوما يعلن بقوله:" قامت روسيا فعليًا بطرد فرنسا من لعبة إفريقيا الوسطى، وأضحت كل من روسيا والصين تلعبان الأدوار الأولى في المنطقة". وإذا كانت إحدى القواعد العامة في علم الجيوبوليتيكا، أن الشهية تأتي بالأكل كما يقول المثل الفرنسي، فإن الرهان الروسي على إفريقيا يبقى قائمًا بالتمدد في مناطق الضعف الفرنسي والصيني، وتستثمر في النزاعات الإفريقية الداخلية كما حدث في مالي والتشاد وليبيا، إلا أنه ما يؤخذ على روسيا مقارنة بالصين أنها لا تمتلك استراتيجية إفريقية شاملة، لكن لديها علاقات استراتيجية ثنائية متميزة مع الدول الإفريقية الفاعلة مثل الجزائر، مصر، نيجيريا وجنوب إفريقيا، ولديها تعاون في التكنولوجيات المتقدمة، في بناء المنشآت النووية، وتتميز شركاتها الطاقوية بسمعة عالمية مثل غازبروم، روسنفط، لوكيل وغيرها من مؤسسات المركب الصناعي العسكري. وبالمعطيات الإحصائية لسنة 2018م، تبين أن روسيا لا تزال بعيدة عن الخمسة شركاء التجاريين الكبار لإفريقيا، حيث يصل حجم التبادلات التجارية مع إفريقيا وفق الترتيب التالي، 275 مليار مع الاتحاد الأوروبي، 200 مليار دولار مع الصين، 70 مليار دولار مع الهند، 53 مليار دولار مع الولايات المتحدة الأمريكية و 20 مليار دولار مع تركيا، بينما لم تتجاوز مع روسيا 17 مليار، وهنا نفهم خطاب بوتين في أول قمة روسية- إفريقية لماذا راهن على مضاعفة حجم التبادلات التجارية على المدى القريب، لإدراكه أن الاستثمارات الضعيفة التي تصل إلى 5 مليارات دولار تحتاج إلى مشاريع مشتركة ضخمة لبناء النفوذ الموازي لمشاريع الحزام والطريق الصينية التي تسير بسرعة البرق. كما أن الرهان على السوق الإفريقية باعتبارها مركز النمو الاقتصادي المستقبلي من خلال العولمة والثورة التكنولوجية، لا يمكن اختزاله في التجانس بين الاقتصاد الطاقوي الروسي وبعض الدول الإفريقية، أو بالحسابات الستاتيكية التي ذكرها ديمتري ميدفيداف :" من أن روسيا والبلدان الإفريقية تملك موارد طبيعية معتبرة تقدر حسب بعض المعطيات ب50 بالمائة من الموارد العالمية".

تتضح من المنافسة الصينية-الروسية في إفريقيا، أن الديك الفرنسي هو الذي يدفع تكاليف النفوذ الروسي الذي يلعب على ورقة التاريخ الاستعماري السلبي لفرنسا والجرائم الإنسانية المقترفة في حق الشعوب الإفريقية، كما توظف السخط الشعبي في منطقة الساحل الإفريقي ضد الوجود العسكري الفرنسي، وتبين مؤشرات قياس توجهات قادة الرأي العام الإفريقي الفرنكوفونية الصادرة عن المجلس الفرنسي للاستثمارات في إفريقيا في سنة 2020م، بأن فرنسا تأتي في المرتبة السابعة من حيث الدول المفضلة في إفريقيا، ويرجع ذلك إلى العقدة النيو-كولونيالية التي لا تزال فرنسا تتمسك بها، لاسيما بالإبقاء على منطقة الفرنك التي لا تزال حبيسة هيمنة سياسة "فرانس-أفريكا" وتصاعد المنافسة القوية من قبل الصين، روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الهند، تركيا وبلدان الخليج، ولعل تراجع نصيب فرنسا من حصتها في السوق الإفريقية خلال الفترة الممتدة ما بين 2001-2017 من 11 بالمائة إلى 5.5 بالمائة إلا دليلاً على تراجع المكانة الاقتصادية، الذي يضاف إليها تفوق ألمانيا عليها باعتبارها أول ممون أوروبي لإفريقيا في سنة 2018 وتجاوزت استثماراتها 10 مليارات يورو.

يبدو أن سخط الرأي العام الإفريقي على النفوذ الفرنسي قد توسعت دائرته إلى داخل فرنسا ذاتها، كما تبينه وثيقة الإعلان التي وقعتها مجموعة من الفاعليين المجتمعيين والسياسيين من مختلف الألوان الإيديولوجية ولا سيما المنضوية في مكافحة العولمة المتوحشة، تطالب من خلالها بإعادة بناء العلاقات الفرنسية-الإفريقية وحددت مجموعة من النشاطات على هامش قمة فرنسا- إفريقيا المزمع إقامتها بمنبولي في أكتوبر 2021م، تهدف إلى المطالبة بوقف الوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا، ووضع حد للسياسة التجارية النيوليبرالية من خلال اتفاقيات الشراكة واتفاقيات التبادل الحر التي تستفيد منها الشركات المتعددة الجنسيات على حساب تنمية الشعوب الإفريقية، مع وقف التدخلات الفرنسية في الشؤون السياسية الداخلية للبلدان الإفريقية، وباختصار فإن الوثيقة البيانية ساندت بشكل صريح الاحتجاجات التي عرفتها بعض العواصم الإفريقية ضد السياسة الاستعمارية الجديدة لفرنسا، التي لا تزال تكرس منطق الهيمنة والتبعية منتقدة القرار الأحادي الذي اتخذه الرئيس ماكرون ورئيس كوت ديفوار الحسن واترا في ديسمبر 2019م، باستبدال عملة الفرنك بالإيكو التي تبقي التبعية المالية لدول المنطقة وتسلب منها سيادتها النقدية، بما تعمق من فجوة التنمية من خلال التبعية للواردات الفرنسية مقابل الإضرار بالصادرات الإفريقية التي تكبح كل السياسات الصناعية والفلاحية لهذه البلدان.

وإجمالاً، فإن القارة الإفريقية ستشهد المزيد من التنافس الدولي بين القوى الآسيوية الصاعدة والقوى الأوروبية التقليدية، مع التذكير فقط، أن رقصة التنين الصيني مع الأسود الإفريقية تحتاج إلى فرض الإيقاعات المتنوعة للأفارقة، لأن طريق الحزام والطريق الذي يبدو بعيدًا وعسيرًا ومحفوفًا بالكثير من المتعرجات التي تقف في وجهها النسور الروسية والديكة الفرنسية، مع الجزم هنا، أن الديك الفرنسي خفت صوته في الفجر ولم يعد يعلن نهاية الليلة في إفريقيا، بسبب سياستها الاستكبارية التي كلفتها احتجاجات مستمرة على نفوذها التقليدي الذي تتقاسمه القوى الجديدة، بمنطق مؤتمر برلين ناعم.

مقالات لنفس الكاتب