array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 167

العالم يقترب من حافة الهاوية وعالم ما بعد البريكس وأوكوس غير ما قبله

الخميس، 28 تشرين1/أكتوير 2021

أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا إطلاق شراكة استراتيجية في مجال التعاون العسكري والتسليح خلال قمة افتراضية في الخامس عشر من سبتمبر لم يعلن عنها سابقاً جمعت كل من الرئيس الأمريكي بايدن ورئيس الوزراء البريطاني جونسون ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون.  الغاية من قيام التحالف، وإن لم يتم الإعلان عن ذلك صراحة أثناء القمة، التصدي لتنامي دور الصين العالمي وخصوصًا في المحيطين الهندي والهادي.  كانت الخطوة الأولى التي اتخذها التحالف الجديد تزويد أستراليا بغواصات أمريكية-بريطانية متطورة تعمل بالطاقة النووية وتمتلك قدرات كبيرة من أهمها سرعة الحركة وصعوبة الاكتشاف، كما أن بإمكانها البقاء تحت الماء لفترة أشهر طويلة بسبب عدم الحاجة للتزود بالوقود. هذا القرار أدى إلى إعلان أستراليا الانسحاب من اتفاق سابق لشراء 12 غواصة فرنسية، الأمر الذي أثار غضب فرنسا، حليفة الولايات المتحدة وبريطانيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودفعها لاستدعاء سفيريها لدى واشنطن وكانبيرا في خطوة غير مسبوقة. لم تكن التصريحات والمواقف الفرنسية هي التي أثارت الاهتمام، مع عدم التقليل من أهميتها، بقدر التساؤل عن خلفية القرار المفاجئ وتبعاته وما يعنيه بالنسبة للسياسة العالمية وآثاره المتوقعة على العلاقة مع الصين وكذلك موقع الدول الأوروبية في مستقبل السياسة الأمريكية، وهي القضايا التي سوف نحاول إلقاء بعض الضوء عليها في السطور التالية.

تفاصيل الاتفاق الأسترالي-الفرنسي

تعاني الغواصات الأسترالية الحالية التي يبلغ عددها ستة، وهي محلية الصنع من طراز "كولنز" وتعمل محركاتها بالديزل من مشاكل عديدة تحد من قدراتها العملياتية لكونها بطيئة نسبيًا حيث تبلغ سرعتها القصوى 19 ميلا في الساعة كما وأنها سهلة الاكتشاف بسبب الضوضاء التي تتركها المحركات. ولأن صلاحية هذه الغواصات تنتهي في عام 2036م، ولشعور البحرية الأسترالية بأنها بدأت تفقد زمام المبادرة أمام التوسع الصيني غير المسبوق في منطقة جنوب شرق آسيا، فقد قامت بالبحث عن بديل لتحديث أسطولها من الغواصات شمل عدة دول ودام سنوات عديدة وانتهى إلى اختيار الغواصة الفرنسية "باراكودا"  التي تبلغ سرعتها القصوى 46 ميلاً في الساعة وتعمل بالطاقة النووية، ولأن أستراليا لا تمتلك الخبرة في المجال النووي مع وجود معارضة شعبية للطاقة النووية في أستراليا فقد تم الاتفاق مع الشركة الفرنسية المصنعة على إنتاج الغواصات بمحركات تعمل بالديزل بدلا من الطاقة النووية. تم التوقيع على الاتفاق بين الطرفين في عام 2016م، وتضمن شراء 12 غواصة بكلفة تصل إلى 66 مليار دولار.

طبيعة اتفاق أوكوس

الاتفاق بين الدول الثلاث يشمل عدة قضايا لم يتم التطرق إليها كثيرًا لأن الحديث انصب على الغواصات وتداعيات إلغاء العقد مع باريس، لكن النصوص التي وردت وكذلك تصريحات العديد من المسؤولين في البلدان الثلاثة رسمت صورة واضحة عن الطبيعة الاستراتيجية للاتفاق الذي نص على التعاون في مجالات القدرات السيبرانية، والذكاء الصناعي والتقنية الكمية بالإضافة إلى القدرات البحرية. رئيس الوزراء الاسترالي أعلن أن الاتفاق يشمل تزويد أستراليا بصواريخ تاماهوك وصواريخ جو-أرض بالإضافة إلى صواريخ بعيدة المدى مضادة للسفن. الغاية البعيدة للاتفاق إذن هي أكبر بكثير من عملية شراء غواصات، وهي كما شرحها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس العموم البريطاني تشمل توحيد مجمعات الصناعة العسكرية في الدول الثلاث من خلال استخدام قاعدة معلوماتية واحدة واشتراك في تطوير التكنولوجيا الأساسية والتي سيكون لها مردود كبير خصوصًا على المملكة المتحدة وأستراليا.

الغواصات التي تم الاتفاق على تزويد أستراليا بها تعمل محركاتها بالطاقة النووية والأمر المهم هو أن هذه الغواصات وإن لم تكن تحمل الصواريخ النووية إلا أن المفاعلات التي توفر لها الطاقة تعمل باليورانيوم عالي التخصيب 93-97%، ومن المعلوم بأن اليورانيوم المستخدم في إنتاج الأسلحة النووية هو الذي تزيد نسبة التخصيب فيه على 90%.  إذن فوصول الغواصات إلى أستراليا سوف يجعل منها دولة نووية وإن لم تعلن ذلك صراحة.  ولن يطول الأمر على ذلك بانتظار الغواصات الجديدة التي لن تدخل الخدمة على المدى القريب، ربما ليس قبل 2040م، لأن البحرية الأسترالية ربما تلجأ إلى تأجير بعض الغواصات من الولايات المتحدة وبريطانيا في القريب العاجل لتسريع العملية وتقليل الفجوة مع البحرية الصينية وتدريب الكوادر الأسترالية على التقنية الحديثة.

الاتفاق وما يحتويه من معلومات يشكل نافذة للنظر في مستقبل الصراعات العالمية التي هي الأخرى بدأت تشهد تحولاً جذريًا بعيدًا عن الصورة المعتادة التي كان عليها الحال خلال الحروب الكونية الكبيرة والتي أساسها الجوانب القتالية المعتادة التي تقوم على المواجهة بين المقاتلين من الطرفين يكون الطرف الفائز فيها هو الذي يخرج بأقل الخسائر. هذه الصورة بدأت تتلاشى وتحل محلها حروب شمولية في ساحات صراع واسعة من أهمها العالم الافتراضي واستهداف البنية التحتية للعدو، لذلك فإن الاتفاق الثلاثي يؤكد هذه الصورة من خلال النص على التعاون في تقنية المعلومات ويجعل الأولوية في امتلاك التكنولوجيا التي تمنح القدرة على السيطرة على الأجواء الافتراضية للخصوم وكذلك امتلاك قدم السبق في تطوير تلك الآليات وتسخيرها لخدمة الأهداف الاستراتيجية، فعلى سبيل المثال جاء نص الاتفاق على التعاون في مجالا تطبيقات التقنية الكمية (Quantum Physics) في عالم المعلومات والتي تمثل قفزة نوعية غير مسبوقة في صناعة الكمبيوتر من حيث كمية المعلومات التي يمكن خزنها وسرعة العمليات التي يمكن إنجازها وهي أمور ذات طبيعة استراتيجية لمن يتمكن من تطويرها. الاتفاق بالطبع لم يغفل الجوانب التقليدية للصراعات من خلال شموله تطوير قدرة الغواصات والصواريخ المضادة للسفن، وهي إشارات واضحة إلى القلق الغربي المتزايد من امتداد نفوذ الصين في البحار والمحيطات بالإضافة إلى العالم الافتراضي. 

ردود الفعل على الاتفاق

جاءت ردود الأفعال سريعة ومن جهات متعددة كان أولها بالطبع الرد القوي من فرنسا التي شعرت بالخذلان من أقرب حلفائها وهما الولايات المتحدة وبريطانيا حيث وصف وزير الخارجية الفرنسي الاتفاق الثلاثي بأنه "طعنة في الظهر" وأنه "سلوك غير مقبول بين الحلفاء والشركاء"، كما أن المتحدث الرسمي باسم الحكومة قال بأن الاتفاق الثلاثي قوبل في فرنسا "بالصدمة ثم الغضب، لكن في النهاية يجب أن نمضي إلى الإمام" كذلك قامت الحكومة الفرنسية باستدعاء سفيريها لدى واشنطن وكانبيرا، الملاحظ هو عدم استدعاء السفير الفرنسي في لندن.  وللحد من التداعيات السلبية للاتفاق قام الرئيس الأمريكي بالاتصال بالرئيس الفرنسي مانويل ماكرون وأقر الزعيمان على أن الموضوع كان بحاجة إلى تواصل أقوى بين الأطراف واتفقا على اتخاذ خطوات لتعزيز العمل المشترك وتركا التفاصيل إلى اللقاء القادم نهاية أكتوبر في أوروبا.  تبع ذلك قيام وزير الخارجية الأمريكي توني بلينكن الذي يجيد الفرنسية بطلاقة لأنه قضى طفولته في باريس، في الخامس من أكتوبر بزيارة إلى فرنسا لترميم العلاقات أو على الأقل لإيقاف النزيف الذي سببه إعلان الاتفاق الثلاثي. قوبلت الزيارة ببرود من المسؤولين الفرنسيين حيث لم تتم تغطية لقاء الوزير مع الرئيس الفرنسي إعلاميًا لأن الأخير لم يرغب في الظهور مع المسؤول الأمريكي في الإعلام المحلي خصوصًا وأنه مقبل على انتخابات رئاسية قريبة سوف يخوضها بشعبية ليست مريحة على الإطلاق. الرئيس الفرنسي سوف يطالب الولايات المتحدة بدفع فاتورة الاتفاق وتوفير غطاء للخروج من الأزمة من خلال تقديم بعض التنازلات لتنمية دور فرنسا العالمي أو على الأقل إيجاد دولة أو دول أخرى لشراء الغواصات الفرنسية لتجاوز الآثار الاقتصادية والسياسية التي ترتبت على الاتفاق الثلاثي.   

الصين، وهي الطرف المستهدف من الاتفاق، سارعت إلى انتقاده من خلال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الصينية الذي كتب تغريدة قال فيها "الاتفاق حول الغواصات بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا يشكل تهديدًا للأمن والاستقرار الإقليمي ويزيد من حدة سباق التسلح ويحدث شرخًا في الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية.  إنه عمل في غاية اللامسؤولية ودليل عملي على ازدواجية المعايير لأن تصدير الطاقة النووية جاء لتحقيق مغانم سياسية".

الاتحاد الأوروبي، هو الآخر سارع إلى انتقاد الاتفاق من خلال تصريح مسؤول العلاقات الخارجية جوزيب بوريل الذي قال "نشعر بالأسى لأننا لم نكن نعلم بالاتفاق، ولم نكن طرفًا في المحادثات التي سبقته، وأنا أتفهم خيبة الأمل التي تشعر بها الحكومة الفرنسية".  الموقف الأوروبي الرافض للاتفاق سببه بالطبع التعاطف مع الموقف الفرنسي وكذلك لأن الاتحاد الأوروبي يخشى من تصاعد نبرة الخلاف بين الصين والولايات المتحدة والتي قد تؤدي بالولايات المتحدة إلى تخفيف اهتمامها بأوروبا بالإضافة إلى الخوف من قيام حرب باردة بين الطرفين والتي سوف تجبر الاتحاد على الاختيار بين أحد الطرفين، وهو الخيار الصعب الذي لا يريده.  

خلفية الاتفاق الثلاثي

الاتفاق بين أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة لم يأت من فراغ وليس ردة فعل آنية لبعض الأمور العاجلة مثل التغطية على الأحداث في أفغانستان، كما صوره بعض المحللين.  بالطبع هذا لا ينفي احتمال أن يكون التوقيت قد تم تحديده لأسباب سياسية، لكن الخلفية العامة للاتفاق يمكن إرجاعها إلى بعض الأحداث المهمة التي سبقته ومنها:

  • خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) الذي يعتبر نقطة مفصلية في السياسة العالمية والتي قلنا في حينها بأنها تمثل هزة للنظام السياسي العالمي وأن لها ارتدادات سوف تأتي تباعًا حيث جاء هذا الاتفاق ليشكل الخطوة الأكبر في مرحلة ما بعد البريكست. السبب يعود إلى أن خروج بريطانيا إنما هو خطوة في إعادة تشكيل النظام العالمي، أو على الأدق محاولة من الدول المتنفذة عالميًا لإعادة الإمساك بزمام المبادرة الذي أوشك أن ينفلت من يدها. إن بريطانيا المتحررة من القيود الأوروبية بدأت تعيد النظر في تحالفاتها العالمية وسوف تبدأ بالعودة إلى مناطق نفوذها التاريخية والتي من أهمها المستعمرات القديمة.
  • إعادة التحالفات لمواجهة الصين: صحيح أن الصين لم يرد ذكرها في لقاء القمة الثلاثي بين الرؤساء الثلاثة، لكنها كانت الحاضر الغائب في تلك القمة. لأن الاتفاق يعتبر خطوة متقدمة في جهود الولايات المتحدة لإعادة ترتيب الأوضاع العالمية لمواجهة الصين والتي هي أولوية إدارة بايدن. ذلك لأن التحالف يشكل خسارة استراتيجية بالنسبة للصين، لكون السياسة الخارجية الأسترالية تأرجحت بين الانحياز للغرب مقابل الصين ومحاولة الإمساك بالعصا من الوسط، فعلى سبيل المثال فقد كانت خطوة رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق كيفن رد الانسحاب من الشراكة الرباعية (QUAD) التي تمثل التعاون الأمني بين الولايات المتحدة واليابان والهند بالإضافة إلى أستراليا للتصدي للصين، أوضح دليل على رغبة أستراليا اتخاذ موقف محايد في الأزمة بين العمالقة. لكن الصين لم تبادر إلى استغلال تلك الفرصة وتعميق العلاقة مع أستراليا، لذلك قررت رئيسة وزراء أستراليا جوليا غيلارد التي تبعت كيفن رد في عام 2010م، العودة إلى الرباعية. الاتفاق الثلاثي الجديد بسبب أبعاده العسكرية والأمنية والزمنية سوف يجعل من الصعوبة إن لم يكن من المحال على أية قيادة أسترالية في المستقبل تغيير بوصلة السياسة الخارجية، الأمر الذي سوف يشكل خسارة كبيرة للصين.
  • الخلفية التاريخية والعرقية للتحالف: ترتبط الدول الثلاث بخلفية تاريخية حيث كانت الولايات المتحدة وأستراليا من أهم المستعمرات الخاضعة للتاج البريطاني، كما وأن هذه الدول تتحدث الانكليزية بوصفها اللغة الرسمية وكانت في وقت من الأوقات تمتلك أغلبية تنتمي إلى الأنكلوساكسونية عرقيًا. هذه القضية كانت في صلب تصريح ليز تراس وزيرة الخارجية الجديدة حين قالت" هذا الاتفاق هو أكبر من كونه سياسة خارجية بالمعنى النظري، لأنه يخدم المواطن البريطاني من خلال الاتفاق بين بلدان تحمل نفس العقلية لبناء تحالف قائم على القيم المشتركة والمصالح المشتركة". بالطبع هذه ليست المرة الأولى التي تشكل فيها الخلفية العرقية والتاريخية أسس للتعاون الأمني والعسكر، فهناك اتفاقية "العيون الخمسة" التي تشكل منظومة التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول الثلاث بالإضافة إلى دولتين تشتركان معهما في نفس الصفات وهما كندا ونيوزلندا.
  • ليس الأول من نوعه: التحالف الثلاثي ليس فريدًا من نوعه، فهناك عدة جهود مماثلة تم تشكيلها من الدول الغربية التي تسعى للتصدي لدور الصين والتي من أهما:
  1. العيون الخمس (Five Eyes)‏ هو تحالف استخباراتي يضم كلاً من الولايات المتحدة وبريطانياوكندا وأستراليا ونيوزيلندا، تعود بدايته إلى المعاهدة البريطانية الأميركية متعددة الأطراف، وهي معاهدة تختص بمجال التعاون المشترك في فك الشيفرات في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.  خِلال فترة الحرب الباردة، طور التحالف نظام ايشيلون(ECHELON) لمراقبة الاتصالات في الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الشرقي سابقًا.  يستخدم النظام حالياً لمراقبة الاتّصالات في جميع أنحاءِ العالم. هذا التحالف لعب دورًا أساسيًا في الإعداد للحرب على العراق من خلال التعاون بين الدول الخمس في التجسس على بعثة الأمم المتحدة إلى العراق وممثلي الدول المعارضة للحرب على العراق في مجلس الأمن للضغط عليها لتأييد الحرب.  كما أن هذا التحالف هو الذي شكل خلفية الضغوط التي مارستها هذه الدول على الصين عندما قامت كندا باحتجاز واحدة من مدراء شركة هواوي الصينية في مطار فانكوفر وكذلك القيود التي وضعتها بريطانيا على تلك الشركة استجابة للطلبات الأمريكية. وجود هذا التحالف هو الذي جعل التحالف الثلاثي الجديد يقتصر على التعاون العسكري فقط ومن دون شمول التعاون الاستخباراتي.
  • الحوار الرباعي: ويسمى (QUAD) وهو حوار استراتيجي وتعاون أمني وعسكري بين الولايات والهند واليابان وأستراليا تعود بدايته إلى عام 2007م، اجتمع قادة الدول الأربع في عام 2017 م، على هامش قمة آسيان في مانيلا وجددوا عزمهم تقوية العمل الدبلوماسي والعسكري بين دولهم في سبيل التصدي لتنامي دور الصين في منطقة جنوب شرق آسيا.

تداعيات الاتفاق الثلاثي

  1. آثار الاتفاق على التحالفات القديمة: حلف الناتو تم تشكيله في وقت كان الصراع العالمي يتركز على الساحة الأوروبية بين معسكرين غربي بقيادة الولايات المتحدة وشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي. وقد تم تأسيس الحلف كجزء من سياسة احتواء الاتحاد السوفيتي ولكي تضمن الولايات المتحدة من خلاله عدم وقوع أوروبا تحت المظلة الشيوعية. الولايات المتحدة ومنذ وصول الرئيس أوباما بدأت تشعر بأن الصراع العالمي بدأ يتحول من أوروبا إلى المحيطين الهادي والهندي ولذلك اتخذت شعار "الانحياز نحو المحيط الهادي" (Pivot to the Pacific). فهل يشكل الحلف الجديد بداية لظهور تحالفات جديدة بدلاً من القديمة التي أصبحت قليلة الفائدة؟  لعل هذه التساؤلات هي التي تفسر القلق الأوروبي من أن المظلة الأمنية الأمريكية لا يمكن التعويل عليها طويلا خصوصًا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والشعور بأن الولايات المتحدة سوف تميل إلى الجانب البريطاني بدلا من القاري. الاتفاق الثلاثي إذا أعاد فتح هذه الصفحة من جديد وبجدية أكبر حيث أكد مسؤول السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن اتفاق "أوكوس" الأمني كان بمثابة ناقوس إنذار للاتحاد الأوروبي بأن أولويات الولايات المتحدة سوف تتغير.  وأكد على ضرورة استعداد الاتحاد الأوروبي لتحمل العبء الخاص بمهامه الدفاعية، خصوصًا بعدما حدث في أفغانستان وأن هذه القضية سوف تكون من أولى القضايا المطروحة في القمة الأوروبية القادمة.
  2. آثار الاتفاق على العلاقات الأوروبية: فرنسا طالبت على إثر إعلان الاتفاق الثلاثي بطرح موضوع الأمن الأوروبي في القمة الأوروبية نهاية أكتوبر. الرغبة الفرنسية وراء طرح الموضوع تقف وراءها أهداف من أهمها أنها هي الأخرى أصبحت تتطلع إلى تغيير دورها العالمي وذلك من خلال تقديم نفسها كزعيمة لأوروبا بعد خروج المنافس البريطاني، لكونها القوة العسكرية الأكبر أوروبيًا وإن أي تقليص في الدور الأمريكي في أوروبا سوف يفرد لها الساحة الأوروبية. والسبب الآخر يعود إلى أن طرح مثل هذه المبادرة هي أكبر وسيلة للضغط على الحليف الأمريكي.  والسؤال الذي يبرز هنا هو هل أن الاتفاق الثلاثي بمثابة بادرة لإعادة ترتيب الساحة الأوروبية؟ وهل يشكل بداية جديدة للصراع بين فرنسا وبريطانيا بعد بريكست؟ وما هو الموقف الألماني من ذلك كله؟
  3. آثار الاتفاق على العلاقة مع الصين: الاتفاق الثلاثي قد يشكل بداية سباق تسلح عالمي على مستويات غير مسبوقة. إن تزويد أستراليا بالغواصات التي تعمل بالطاقة النووية ليس الخطوة الأخيرة، بل ربما تتبعها خطوات الغاية منها ربما استنزاف طاقات الصين في سباق تسلح عالمي يشغلها عن التطوير والمنافسة عالميًا. وتشير بعض التقارير إلى أن خطوات تالية في هذا المجال ربما تشمل تطوير القدرات العسكرية لليابان والهند من خلال تطوير التعاون في الرباعية.  في المقابل لقد كان اللافت للنظر هو إشارة السفير الصيني في فيينا في خطابه أمام وكالة الطاقة الذرية العالمية إلى أن قيام دول نووية (الولايات المتحدة وبريطانيا) بتوفير التقنية النووية إلى دولة غير نووية (أستراليا) "سوف تترتب عليه عواقب سلبية كبيرة على الجهود الدولية" الرامية إلى معالجة المشكلة المتمثلة بالمشروع النووي الكوري الشمالي. فهل هذه إشارة إلى أن الصين سوف تدفع بالجهود الكورية الشمالية لكي تتحدى الولايات المتحدة وحلفاءها المحليين خصوصًا كوريا الجنوبية واليابان؟ ومما زاد في حدة التكهنات ظهور الرئيس الكوري الشمالي كيم قبل أيام محاطًا بترسانة الصواريخ التي تمتلكها بلاده في رسالة تحد للولايات المتحدة وحلفائها المحليين.  هذا بالإضافة إلى أن الاتفاق قد يدفع بالصين إلى زيادة دعم المشروع النووي الإيراني ولو سياسيًا من خلال وضع العراقيل أمام عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران. ثم هناك الأزمة المتمثلة بتايوان والتي أثيرت مجددًا بعد تصريح الرئيس الصيني الذي أشار فيه إلى أن كل صيني يحلم بتوحيد تايوان مع الصين وأن ذلك آت لا محالة، فهل تلجأ الصين إلى العمل العسكري لضم تايوان؟ وما سيكون رد فعل الولايات المتحدة وإلى أي مدى سوف تذهب في حماية تايوان من التنين الصيني الذي بدأت نيرانه تضيء سماء الجزيرة من خلال العشرات من الطلعات الجوية لطائرات القوة الجوية الصينية في تحد مباشر لسلطات الجزيرة؟  

بالطبع هذه الخطوات من جميع الأطراف نتيجتها الوحيدة هي أنها تقرب العالم أكثر فأكثر من حافة الهاوية المتمثلة بصراع عسكري شامل يهدد الوجود البشري وتصرف الجهود عن التعاون في حل المشكلات التي تعصف بالعالم مثل أزمة المناخ والأوبئة الفتاكة والفقر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سفير العراق الأسبق لدى اليابان والمملكة العربية السعودية

 

مقالات لنفس الكاتب