array(1) { [0]=> object(stdClass)#11584 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 167

التحالف الثلاثي ونُذُر الحرب الباردة بين القيم والقيمة الاستراتيجية

الخميس، 28 تشرين1/أكتوير 2021

تقدمة مفاهيمية: شهدت المعرفة الإنسانية؛ منذ عصور ما قبل التاريخ المبكرة، لجنوب شرق آسيا بالسبق في مجالات كثيرة، بما فيها التوازنات الاستراتيجية بين أقطاب الصراع العالمي، خاصة في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، متمثلاً في تحالفات اليسار بزعامة الاتحاد السوفيتي، وائتلافات الليبراليين تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وكيف أن فكرة "عدم الانحياز" قد وجدت لها موطئ قدم في بيئة آسيوية عُرفت بأنها موطن الحكمة القديمة، رغم ما يعتمل في مجتمعاتها من قدرة استثنائية على استيعاب التغيرات السريعة، واستصحاب نتاج تحولاتها. فقد استطاعت؛ إلى حد كبير، عزل نفسها من الصراع العدمي لـ"الحرب الباردة"، وتعافت سريعاً حرب فيتنام، ورتبت أمر خلافاتها الصغيرة وصراعاتها العابرة بالبصيرة الآسيوية المترعة بالتجربة والخبرة. فقاومت كثيراً إغراءات أحلاف "العسكرة" وطموحات التوسع المميت، التي جبلت عليها دول الغرب منذ أن دالت لها دورة التقدم المادي. وعندما تقاربت فإنما فعلت ذلك لتعظيم مصالحها فيما يُعرف بـ"آسيان"، التجمع، الذي قدر السياسة بقدر ما تحقق من نفع اقتصادي بين أعضائه. وعلى الرغم من أن تفسير هذه الإشارات الفارقة في السلوك الحضاري بين الغرب والشرق ظل موضوع نقاش واسع لعقود خلت، إلا أنه، مع ذلك، يبدو من الواضح أن منطقة جنوب شرق آسيا مقبلة على عصر جديد من "التجييش" والأحلاف المتناظرة، التي قد يقود سباق "تمترسها" في جغرافية المنطقة المتداخلة إلى بروز حقائق جيوستراتيجية مستجدة تُعطِّل بعض هدء الاستقرار القديم. 

لقد توسع التنافس بين الولايات المتحدة والصين إلى ما وراء ميادين الجيش والاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا إلى عالم القيم حيث تقود إدارة بايدن الجديدة حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية إلى مقدمة سياستها الخارجية. وهذا بدوره يؤدي إلى تكثيف "تكتل القيم "بين الليبرالية، التي تتمحور حول الولايات المتحدة من ناحية، والليبرالية المضادة حول الصين من ناحية أخرى. وفي مقال بعنوان: "سباق القيم الصينية ــ الأمريكية ودبلوماسية اللقاحات"، نشر يوم 12 أكتوبر 2021، قال "كيم تايهوان"، أستاذ، قسم الدراسات الأوروبية والروسية، معهد الشؤون الخارجية والأمن الوطني في كوريا الجنوبية، إن تفوق دولة ما في منافسة القيم لا يؤتي ثماره فقط كأرباح من القوة الناعمة، لأنه يساعد الدولة في الحصول على النتائج المرجوة دون اللجوء إلى الإكراه، أو الدفع؛ يترجم تفوق القيمة أيضاً القوة المادية لدولة ما إلى سلطة شرعية، مما يساهم في النهاية في كسب اليد العليا في تشكيل النظام الدولي لصالحها. بهذا المعنى، يمكن أن تكون القيم مصدراً أساسياً للنظام الدولي، غير أن التنادي بـ"عسكرة" العلاقات الدولية، وتأطيرها في شكل تحالفات هو ما يميز المرحلة، التي نعيشها الآن. فكيف يمكننا تحديد منافسة القيم مع ما يجري حالياً بين الولايات المتحدة والصين، خاصة منذ مجيء إدارة بايدن؟ وكيف يتم خوض التنافس بين القوتين العظميين؛ أمريكا والصين؟ وما هي آثار ذلك على النظام الدولي اليوم؟ 

عند طرح ما تقدم من أسئلة، نكون قد بدأنا هذا المقال بإطار مفاهيمي، يُفهم بموجبه أن تنافس القيم ينبغي أن يكون هو الأساس الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والأمني للنظام الدولي. وبناءً على هذا المرجع المفاهيمي، يقيم الطريقة الحالية لمنافسة القيم الصينية ــ الأمريكية، ويستكشف دبلوماسية "التسارع" في كسب الحلفاء وعقد الشراكات كحالة تنافسية تجريبية تعكس قيمهما المناصرة لمصالحهما الاستراتيجية، وما قد يترتب عليها من آثار على جنوب شرق آسيا. وبالتالي، من أجل تمايز أكثر شمولاً في القيم العامة، اتخذت دول الـ"آسيان"، وغيرها من دول المنطقة مسافة آمنة من تنافر القوى العظمى، وتحملت في ذلك تبعات "الممانعة"، وما يرتبط بها من جزاءات سياسية واقتصادية. وفي حين أن "المغازلة" الدبلوماسية قد تكون حدثت في منعطفات كثيرة من التاريخ الحديث؛ سواء تجاه الغرب بسيكلوجيته الإمبريالية، أو الشقيق الأكبر الصين بضغط أرباح قروضها وهجرة فائض سكانها، وعُقِدَت تحالفات "خامدة" هنا وهناك، إلا أن "الخصوصية" الآسيوية ظلت هي الحاكمة. وإن كان للتاريخ أن يُحدثنا عن "مؤثرات" حرجة من خارج المنطقة قد تكون حدثت إبان الحرب الباردة، إلا أنها لم تفعل ذلك بطريقة تُغير القناعات، أو تتبدل معها المواقف، أو ربما لأنها كانت متقطعة بشكل واضح؛ تناوبت فيها الأزمة كل من تايوان وهونغ كونغ وماكاو وتيمور الشرقية وماينمار وفطاني، وغيرها من نقاط الاشتباه في بحر الصين الجنوبي. فقد كانت عمليات التطور السياسي المحلية، وتداول الشعوب باستقلالية لشأنها الخاص أقوى بكثير في تشكيل المشهد الاستراتيجي في المنطقة.

نجاحات وعثرات:

لقد اجتهدت واشنطن كثيراً، عام 1954م، في إنشاء نظير لحلف شمال الأطلسي في جنوب شرق آسيا، فيما عُرِفَ وقتها بمنظمة "سياتو"، التي تم حلها في عام 1997م، بعد نهاية حرب فيتنام. وبينما اختفى عالم أوائل الخمسينيات منذ زمن بعيد، بمحمولاته السياسية والعسكرية، نجد أن تحولات استراتيجية مهمة قد حدثت في ذلك الأثناء، إذ انضمت الصين إلى الغرب في أوائل السبعينيات. وفي نفس الوقت تقريباً، بدأت كوريا الشمالية، التي "تعصبت" لأيدولوجيتها الشيوعية، تتخلف عن كوريا الجنوبية في معظم إجراءات القوة الوطنية، وصارت الأخيرة جزءاً من المنظومة الغربية. وانتهى الاتحاد السوفياتي من الوجود، في نهاية عام 1991م، وصارت الخصومة مع فيتنام ذكرى غابرة، وقامت بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة في التسعينيات. ومع ذلك، ظهرت منافسات ومخاطر جديدة، تتشكل على وَقْعِهَا أحداث اليوم، وما نشهده من سباق تحالفات ناشئة. آخذين في الاعتبار ترسانة كوريا الشمالية وبرنامجها النشط لتطوير أسلحتها النووية ووسائل إطلاقها لمسافات طويلة، ومحاولات روسيا بعث دورها الجيوسياسي، وما لديها من قوة نووية كبيرة. والأهم من كل ذلك، في نظر الغرب، أن الصين بدأت، منذ أواخر السبعينيات، في إعادة بناء قوتها الوطنية تدريجياً، وبشكل منهجي؛ من الاقتصاد والدبلوماسية إلى تطوير القدرات البحرية والجوية والصاروخية، لتُنْهِي بذلك قرابة قرنين من الضعف النسبي، وتصبح القوة العسكرية "الصلبة" في منطقة شرق آسيا.

مع تغير شرق آسيا، تغيرت كذلك تحالفات أمريكا. أنهت واشنطن معاهدة الدفاع المتبادل مع تايوان، في عام 1980م، كشرط لإقامة علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، لكنها لا تزال تحتفظ بعلاقات أمنية مهمة مع تايبي. وفي دراسة له بعنوان: "التحالفات الأمريكية والشراكات الأمنية في شرق آسيا"، نشرها معهد "بروكينغز" في سبتمبر الماضي، تناول "ريتشارد بوش" التحالفات الأمريكية مع اليابان وكوريا استراليا والفلبين. والشراكات الأمنية مع سنغافورة وتايوان، وسعى للإجابة على بعض الأسئلة؛ كجزء من مشروع "النظام من خلال الفوضى-Order From Chaos"، الذي يضطلع به المعهد في واشنطن. وجاء في الأسئلة: كيف يقوم الحليف/الشريك الأمريكي بتقييم بيئته الأمنية ودورهما في التخفيف من الشعور بانعدام الأمن؟ وعلى وجه التحديد، هل هناك تقارب، أو تباعد في كيفية نظر كل منهما إلى صعود الصين، وظهور سياساتها الخاصة تجاه بكين؟ وكيف يعزز الحلف قدرات كل منهما؟ وما هي اتفاقيات الأساس والوصول، التي تتمتع بها الولايات المتحدة، إن وجدت؟ وما هي الالتزامات الأمنية، التي تعهدت بها؟ وما هي "الكثافة التشغيلية" ومدى تتكامل المؤسسات الدفاعية للبلدين وخطتهما في ممارسة التمارين معاً؟ وإلى أي مدى يدعم الحليف/الشريك وجود القوات الأمريكية على أراضيها، أي تقاسم العبء؟ وهل هناك مشكلات تتعلق بالوجود المجاني و"الوجود الرخيص"؟ وهل ثمة مسائل هجر، أو فخ، أو مخاوف من ذلك؟

وفي محاولة الإجابة على هذه الأسئلة، تقول دراسة "بروكينغز" إن التحالفات كانت جزءاً من النظام الأمني، ​​الذي تقوده الولايات المتحدة في شرق آسيا منذ أوائل فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأدت ثلاثة عوامل إلى تخلي ترومان وأيزنهاور عن التحالفات لتجنب المزيد من التورط في شؤون المناطق البعيدة. الأول، كانت هجمات اليابان المفاجئة على "بيرل هاربر" والفلبين، من 7 إلى 8 ديسمبر 1941م، إذ أظهر هذا كيف أن التكنولوجيا المتغيرة للحرب قد قصرت المسافة، التي قد ينطلق منها الخصوم قوة تدميرية على أراضي الولايات المتحدة، وهو اتجاه أكدته الصواريخ الباليستية العابرة للقارات لاحقاً. الثاني، كان ظهور الأنظمة الشيوعية في القارة الآسيوية؛ الصين الشعبية، وكوريا الشمالية، وفيتنام الاشتراكية؛ يضاف إليه وجود الاتحاد السوفياتي باعتباره قوة آسيوية ضاربة. والثالث كان غزو كوريا الشمالية لجمهورية كوريا، يوم 25 يونيو 1950م، وتدخلت القوات العسكرية الصينية في وقت لاحق من ذلك العام. وما كان لأمريكا أن تسمح لهذا التمرد الشيوعي أن يستمر من دون مقاومة، حتى وإن كانت آسيا هي مجرد مصطلح جيوستراتيجي. إنها منطقة تضم أكثر من نصف البشرية، وهي ديناميكية للغاية من الناحية الاقتصادية، التي يتم من خلالها شحن حصة ضخمة من التجارة العالمية، ولا توجد دولة بمفردها ولا تحالف عسكري قد مارس سيطرة كاملة على هذه المنطقة بأكملها. كانت الإمبراطورية اليابانية في الحرب العالمية الثانية أقرب ما يكون إلى أي شخص على الإطلاق. ولكن بعد هزيمة اليابان في عام 1945م، تمكنت الولايات المتحدة من ترسيخ نفسها كقوة عظمى في المنطقة.

وهكذا أصبحت التحالفات أداة رئيسية في احتواء الشيوعية الآسيوية، وصار نشر القوات الأمريكية في القواعد الموجودة في الدول الحليفة هو الطريقة المفضلة للتغلب على "استبداد المسافة"، خاصة إذا علمنا أن هناك حوالي 9،900 ميل تفصل بين سان فرانسيسكو وشنغهاي. وقد كان يُعْتَقَد أن حماية حلفاء الولايات المتحدة هو الطريقة المثلى لحماية الأمن القومي لأمريكا. وسيصبح ما قد يسميه وزير الدفاع لاحقاً، روبرت جيتس، أن للولايات المتحدة "سلطة مقيمة في شرق آسيا"، ولم تعد العزلة ولا التعاون المخصص في زمن الحرب خيارين بعد الآن. وكان عدد الالتزامات التعاهدية مثيراً للدهشة: جملة من الاتفاقيات مع كل من والفلبين وتايلاند واستراليا ونيوزيلندا عام 1951م، واتفاق مع اليابان عام 1952م، تمت مراجعته في عام 1960م، ومع كوريا الجنوبية عام 1953م، ومع تايوان عام 1954م. وجرى تعليق مشاركة نيوزيلندا في المعاهدة الأمنية الثلاثية مع أستراليا والولايات المتحدة في منتصف الثمانينيات، عندما رفضت حكومة جديدة السماح لسفن البحرية الأمريكية كانت تعمل بالطاقة النووية وتحمل أسلحة نووية دخول موانئ البلاد. وضمر التحالف مع الفلبين في أوائل التسعينيات، بعد أدت السياسات القومية للبلاد وثوران بركان جبل "بيناتوبو" إلى إنهاء استخدام الولايات المتحدة لقاعدة "كلارك إير" شبه البحرية. من وقت لآخر، اختلفت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية حول كيفية مواجهة تحدي من كوريا الشمالية. وكاد سلوك أفراد القوات المسلحة الأمريكية في قاعدة "أوكيناوا" تقويض الدعم السياسي المحلي للتعاون الأمني مع اليابان. بينما ظل الاتفاق مع تايلاند حبراً على ورق، رغم استمرار التدريبات المشتركة، لكن الانقلابات العسكرية الدورية، وميل بانكوك إلى بكين، لم تجعل لعلاقات البلدين قيمة استراتيجية. في غضون ذلك، عززت واشنطن شراكاتها الأمنية مع الدول، التي ليست دولاً حليفة في المعاهدة، مثل سنغافورة.

رد غاضب:

في حين لم يتم ذكر الصين صراحة في إعلان اتفاق "أوكوس"، إلا أنه يشير بوضوح إلى تشدد موقف الولايات المتحدة تجاه الصين، وما تزعمه من زيادة كبيرة في المخاطر الاستراتيجية على جنوب شرق آسيا. فقد أشار سام روجيفين، من معهد لوي الأسترالي، إلى أنه بينما كان هناك في السابق سبب للتساؤل عما إذا كانت واشنطن ترغب حقاً في "حرب باردة" جديدة مع الصين، فإن هذا الإعلان عن اتفاق الـ"أوكوس" يعد دليلاً مهماً على أنها مستعدة بالفعل لاتخاذ مثل هذه الخطوة الهامة". وبالتالي، هذا ما دفع الصين إلى أن تسعى للحصول على دعم من جنوب شرق آسيا بعد أن كشفت الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا عن هذا الاتفاق الأمني الجديد. إذ سرعان ما التقى مسؤول كبير في وزارة الخارجية الصينية بسفراء من المنطقة لمناقشة تحالف "أوكوس" الجديد، والذي وصفه بـ"النفاق والغدر". وقالت الوزارة إن ليو جينسونغ، المدير العام لإدارة الشؤون الآسيوية بوزارة الخارجية، عقد اجتماعات منفصلة مع سفراء الفلبين وسنغافورة وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا في بكين في لاطلاعهم على رؤية بلاده حول هذا الإعلان. وندد ليو بـ"أوكوس" ووصفه بأنه عمل "مجموعات ذات دوافع عنصرية وجيوسياسية".

ورغم أن الصين تعلم أن الولايات المتحدة سبق وأن أقامت بالفعل قاعدة عسكرية قوية، منذ حرب فيتنام، حشدت فيها عدد كبير من القوات في المنطقة، منهم خمسين ألف جندي في اليابان، وثمانية وعشرين ألفاً وخمسمائة في كوريا الجنوبية، وخمسة آلاف في جزيرة غوام في غرب المحيط الهادئ. كما أن وجود الجيش الأمريكي في الفلبين له تاريخه الخاص، الذي ترسخ اعتماداً على العلاقات التاريخية بين واشنطن ومانيلا. لكن، يُعْتَقَدُ على نطاق واسع أن الصراع الجيوسياسي بين القوتين قد ارتدى زياً رسمياً بعد تشكيل حلف الـ"أوكوس "، الذي تهدف من خلاله الولايات المتحدة الحصول على مزيد من المشاركة مع القوى الصديقة في المنطقة، وتمكينها من حماية سيادتها. إلا أن "غوتام كومار"، من مركز الدراسات الصينية وجنوب شرق آسيا، بجامعة جواهر لال نهرو، يقول إن الولايات المتحدة منخرطة بشكل كامل في نقل "ورشة العمل الاستراتيجية غير الناجحة من أفغانستان إلى الشرق". وهذا هو عين ما ألمح إليه جو بايدن في تبريره لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان خلال الأسبوع الأول من شهر سبتمبر الماضي. وسبق أن عبرت الصين عن عدم ارتياحها لزيارة نائبة الرئيس كامالا هاريس جنوب شرق آسيا، لأنها كانت تُشير إلى أن الولايات المتحدة تسعى الآن بشكل دائم إلى المشاركة الجادة في الشرق ضد العداء الصيني المتزايد بسرعة.  

لا يعني ما تقدم من عرض تاريخي مقتضب لتحالفات الولايات المتحدة في آسيا أن واشنطن كانت دائما تذهب إلى مختلف أنحاء العالم بناء على دعوة. فقد مثلت اتفاقية الـ"أوكوس "حالة حقيقية جديدة أعربت فيها أستراليا عن عدم إحساسها بالأمن، فيما يتعلق ببحر الصين الجنوبي، ودعت للتدخل الأمريكي في المنطقة عن طريق التحالف الثلاثي. 

في التقدير العام، ليس المقصود بهذا التحالف الثلاثي درء التعديات الصينية في بحر الصين الجنوبي فقط، ولكن محاولة لإخبار العالم أن التحالفات العسكرية، التي تقودها الولايات المتحدة لا تزال قائمة. بينما يعمل هذا التحالف على زيادة الوجود العسكري الغربي هناك، فإنه يوفر لدول الآسيان أيضاً إحساساً بالأمن من الصين، ولن يقتصر الأمر على حقيقة عدم توسيع النفقات الدفاعية لهذه الدول في المستقبل. على الرغم من أن الصين طرقت أبوابها بمعدل ينذر بالخطر، إلا أنه كانت لديها، أي دول الآسيان، باستمرار العديد من النزاعات البحرية فيما بينها. لكن تكتيك الصين واضح جداً. للانخراط اقتصادياً مع الدول ودفع أجندتها الخفية للاستيلاء على المياه/الأرض كضمان. من خلال القيام بذلك، فإنها تعزز تأثيرها على الحكومات في المنطقة كلٍ على حدة لتوسيع نطاق مصلحتها الاستراتيجية، مما جعل رد فعلها على التحالف متوقعاً. فقد وصفه المتحدث باسم وزارة الخارجية بأنه انعكاس لـ"عقلية المحصل الصفري، التي عفا عليها الزمن في الحرب الباردة والنظرة الجيوسياسية الضيقة الأفق"، التي "كثفت" سباق التسلح الإقليمي. غير أن هذا الانفعال ضد التحالف، من المرجح أن توظفه بكين لصالحها في الجانب الاقتصادي. فليس من قبيل الصدفة، أن تقدم الصين، بعد يوم واحد من إعلان هذا التحالف، طلباً للانضمام إلى الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، التي وقعتها 11 دولة بما في ذلك أستراليا وكندا وتشيلي واليابان ونيوزيلندا في عام 2018م، والتي تفاوضت عليها إدارة أوباما بشق الأنفس قبل أن يسحب الرئيس دونالد ترامب الولايات المتحدة من الولايات المتحدة. الاتفاق بعد فترة وجيزة من توليه منصبه في عام 2017م.

استنتاجات خاتمة:

رغم أن ما أعلن عنه من شراكة ثلاثية جديدة، فيما يُعرف الآن بـ"أوكوس"، قد قُوبِلَ ببعض التصريحات الدبلوماسية المؤيدة؛ جاءت من الفلبين وسنغافورة، إلا أن التردد سيكون سمة الانخراط العملي في منطقة لديها القليل من الشهية لخوض حرب باردة جديدة، خاصة وأن دولها سيكون مقدر لها أن تكون مسرح هذه الحرب. وحتى إن بدت الآثار غير واضحة الآن، ولكنها محتملة، وبعيدة المدى على التوازن الاستراتيجي المستقبلي في آسيا بأكملها. وبينما ترغب واشنطن في الحفاظ على حالة "اللاحرب" هذه وتوسيع دورها كلاعب رئيس في المحيط الهادئ، تقول الصين إن نهج أمريكا في المنطقة عسكري في المقام الأول، مع الدوريات البحرية ووجود موسع للقوات. لكن ما تُدْرِكَهُ الصين حقيقة أن الولايات المتحدة تتطلع أيضاً إلى تعزيز التحالفات السياسية والشراكات الاقتصادية والتعاون التقني. وفي غضون ذلك، تسعى بكين إلى تغيير الوضع الراهن وإبقاء أمريكا على مسافة "ذراع" من منطقة نفوذها المكتسب. فعلى الصعيد الاقتصادي، حققت الصين بالفعل بعض النجاح، حيث أصبحت الشريك التجاري الأكثر أهمية لجميع جيرانها تقريباً. لكن على مدى السنوات العشر الماضية على الأقل، عمدت بكين أيضاً إلى توسيع نفوذها العسكري، من خلال تحديث قوتها البحرية والجوية وتحويل الجزر في بحر الصين الجنوبي، التي تطالب بها دول أخرى أيضاً، إلى نقاط استيطانية مدججة بالسلاح.

بيد أن السياسيين الصينين ظلوا يشكون بانتظام من أن تحالفات الولايات المتحدة مع الدول الآسيوية؛ بما فيها اتفاق "أوكوس" الأخير، هي استدعاء لآثار الحرب الباردة، التي يجب التخلي عنها، لأنها تحبط الرغبة والجهد في ذلك إنشاء بنية أمنية إقليمية مناسبة للقرن الحادي والعشرين. غير أن مثل هذا الرأي يتجاهل الحقيقة الواضحة المتمثلة في أن الحرب الباردة لا تزال قائمة في شبه الجزيرة الكورية، والصين حليف وثيق لكوريا الشمالية، مقابل الوجود الأمريكي في الشطر الجنوبي. الأمر الذي يجعل الشكاوى الصينية تعكس افتراضاً أنه بحكم تعريف بكين توجد تحالفات لمواجهة "العدو" الجديد، وبالتالي يجب أن تكون الصين الآن الخصم غير المخلص للولايات المتحدة، بعد أن لم يعد الاتحاد السوفيتي موجوداً. لكن، من وجهة نظر أمريكية، تظل تحالفاتها وشراكاتها الأمنية في شرق آسيا مجرد إظهار للقوة من أجل الاستقرار الإقليمي، وليست أداة لاحتواء الصين على غرار الحرب الباردة. هذا مع قناعة الكثيرين من خارج دائرة الولاء للعاصمتين؛ واشنطن وبكين، من أنه ستكون هناك احتكاكات وخلافات بين الصين والولايات المتحدة، وبين الصين وجيرانها الآسيويين، ولا مناص من إدارة واحتواء ما يطرأ من مشكلات من خلال آليات متنوعة تستصحب دور الدبلوماسية، وإجراءات بناء الثقة، وما إلى ذلك. فهل تريد واشنطن ترك هذه الآليات بشكل غير محدد، أم أنها استخدام التحالفات بشكل صحيح، يمثل قوة إيجابية لإدارة ودرء آثار صعود الصين كقوة عظمى؟

إن السؤال أعلاه يفترض أن بكين تمارس ضبط النفس كجزء من معادلة قيمها التاريخية، رغم معرفتها بضرورة إظهار قوتها الصاعدة إلى الخارج كعامل ردع في توازن استراتيجي مطلوب. وكما هو متوقع، تنظر دبلوماسيتها لأي تحالف جديد بأنه إحياء لدور الولايات المتحدة كشرطي يقوم بدورية في الحي؛ جنوب شرق آسيا، مُهدِدَاً بالضرب لكل من تسول له نفسه بـ"الاقتراب أو التصوير" من مصالحه المزعومة. يكن، إذا عُدْنَا إلى منظومة القيم وحصاد القيمة، فإن هذا الوجود "المُمَأسس" في المنطقة؛ عسكرياً ودبلوماسياً واقتصادياً، يمكن أن يضع معايير حميدة لتصرفات "الآخرين" في دائرة التنافس. رغم أن الاعتماد الحصري على "الإكراه" سيرسل بالطبع إشارات مختلفة لهذا الطرف، أو ذاك، وهذا يعتمد على المعايير المفترضة لاستراتيجية الولايات المتحدة وما قد تفعله، وما تعتبره الصين فعلاً غير حميد. صحيح، هناك الكثير من المناشدات الخاصة من بكين لواشنطن بالانخراط الجدي في الحوار لإعلاء قيمة التفاهم، حتى لا تميل أمريكا إلى رؤية ملف خطط الصين لتعزيز الأمن الإقليمي على أنه عمل عدائي، وحتى لا يُنْظر إلى تحالفاتها هي بأنها بعث لروح الحرب الباردة.

لقد أثارت بعض تصريحات المعنيين حالة من الإبهام لدى الرأي العام العالمي حول طبيعة ما اتفقت عليه الدول الثلاث؛ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا. فعند إعلانه عن تحالف "أوكوس" ، في سبتمبر الماضي، وصفه رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، بأنه "شراكة إلى الأبد"، بينما قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إنها اتفاقية بين الدول "الشقيقة". وأدى ذلك إلى تصور أنه تحالفاً بين الـ"أنجلوساكسون"، مع جاء في التصريحات من توضيحات من أنه اتفاق لمشاركة التكنولوجيا العسكرية، بما في ذلك قدرة الغواصات النووية تحت البحر والصواريخ بعيدة المدى والإنترنت والذكاء الاصطناعي وتقنيات الطائرات بدون طيار. وفي غضون أيام من الإعلان، طمأن السفير الأسترالي لدى الآسيان، ويل نانكرفيس، جنوب شرق آسيا بأن "التزامنا بمركزية الآسيان لا يزال ثابتاً كما كان دائماً"، مضيفاً أن الـ"أوكوس" لم تكن تحالفاً، أو ميثاقاً دفاعياً"، وهذا ما يجعله وكأنه "مدونة" اقتصادية. وبالمثل، كانت الصين ورابطة أمم جنوب شرق آسيا تتفاوض، منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، بشأن "مدونة" قواعد للسلوك، تُوضع فيها مبادئ توجيهية لكيفية تصرف الدول ذات المطالب المتنافسة في بحر الصين الجنوبي. وفي عام 2019م، اتفقت الآسيان مع الصين على الانتهاء من هذه "المدونة" في غضون ثلاث سنوات، ولكن لا توجد علامة على أنها ستكون جاهزة بحلول العام المقبل. فقد رفضت بكين مراراً قرار التحكيم الدولي لعام 2016م، الذي أعلن أن مطالبة الصين بمعظم بحر الصين الجنوبي لا أساس لها من الصحة. وفي هذا الرفض بيان للناس في جنوب شرق آسيا أن "قيمة" القوة الاستراتيجية؛ أمريكية كانت أم صينية، هي المُقَدَمَة على "قيم" المدونات السلوكية الثقافية والاجتماعية، التي يُرادُ لها أن تقرر "ضوابط" التحالفات.

مقالات لنفس الكاتب