array(1) { [0]=> object(stdClass)#12152 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 168

المزج بين الدبلوماسية والردع لحفظ استقرار الخليج انطلاقًا من خمس آليات

الأحد، 28 تشرين2/نوفمبر 2021

شهدت مملكة البحرين خلال الفترة من (19-21 نوفمبر 2021م) انعقاد حوار المنامة الأمني السابع عشر هذا العام  والذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية  "IISS" فرع المنامة وشارك فيه أكثر من 300  شخص من مسؤولي العديد من الدول  الأمنيين والعسكريين والدبلوماسيين على المستويين الإقليمي والعالمي، بالإضافة إلى عدد كبير من باحثي مراكز الدراسات من مناطق العالم كافة، وعلى الرغم من كونه لقاءً اعتيادياً سنوياً فإن أجندة الحوار هذا العام قد عكست المستجدات الأمنية التي تواجه منطقة الخليج العربي والرؤى والأطروحات الإقليمية والدولية  لمقاربتها، وعلى الرغم من تعدد القضايا فقد كان لافتاً الحديث عن خمسة محاور أساسية وهي:

أولاً: سياسة الدفاع الأمريكية في الشرق الأوسط.

ثانياً: الدبلوماسية والردع.

ثالثاً: تعددية الأطراف والأمن الإقليمي في إطار متحول.

رابعاً: ديناميكيات الأمن في البحر الأحمر.

خامساً: الميلشيات والصواريخ وانتشار الأسلحة النووية.

 

أولاً: سياسة الدفاع الأمريكية في الشرق الأوسط

لاشك أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ضمن الاستراتيجية الأمريكية لإعادة الانتشار العسكري الأمريكي في الخارج لا يزال يثير الكثير من الجدل ليس بسبب مضمون تلك الاستراتيجية ذاتها والتي بدأت إرهاصاتها في العام 2012م، عندما أعلن ليون بانيتا وزير الدفاع الأمريكي آنذاك عن بعض من ملامحها،ولكن فيما ترتبه من تداعيات على مناطق مختلفة من العالم ومن بينها منطقة الخليج العربي ذات الأهمية الاستراتيجية وقد تضمنت كلمة لويد أوستن وزير الدفاع الأمريكي طمأنة للحلفاء والشركاء والتي استهل بها حوار المنامة فعالياته مؤكداً على أن الولايات المتحدة الأمريكية- كانت وستظل- ملتزمة بالحفاظ على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط والدفاع عن الحلفاء والشركاء انطلاقاً من العلاقات الاستراتيجية التي تربطها بالمنطقة وقد كان لافتاً استشهاده بمقولة وزير الدفاع الأمريكي الراحل كولن باول بأن"الولايات المتحدة ترتبط بهذه المنطقة بألف رابط"،وأن التجارب أكدت وبما لايدع مجالاً للشك أهمية تلك الشراكة خلال الأزمات مستشهداً بأدوار بعض الخليج العربي في إجلاء 128 ألف من المدنيين والعسكريين الأمريكيين من أفغانستان  وعلى الرغم من تكرار  وزير الدفاع  الأمريكي الخطاب التقليدي بأن الولايات المتحدة لديها عدد كاف من القوات في المنطقة بما يضمن الحفاظ على مصالحها وكذلك الحلفاء والشركاء بل إمكانية نشر قوات إضافية إذا استلزم الأمر ذلك وأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي،بالإضافة إلى الحيلولة دون إعادة تنظيم صفوف داعش مجدداً فقد حدد أوستن ملامح تلك الشراكة أو بالأحرى توجهات الإدارة الأمريكية للحفاظ على أمن الخليج العربي من خلال ثلاثة أمور الأول: استراتيجية الردع المتكامل والتي تتطلب بناء التحالفات الأمنية والشراكات ولايعني ذلك حتمية التدخل العسكري بل تعزيز دور الدبلوماسية في الوقت ذاته، والثاني:  بناء قدرات الشركاء والحلفاء سواء من حيث تعزيز القدرات الدفاعية أو التدريبات المشتركة، مستشهداً بدعم الولايات المتحدة للقوات السعودية التي تمكنت من إجهاض 90% من الطائرات المسيرة التي أطلقت تجاهها، والثالث:  شمولية الردع بحيث يتضمن مواجهة هجمات الأمن السيبراني  وكذلك  المخاطر من الجو والبحر وخاصة مع تطور التهديدات الأمنية، ومع أهمية خطاب وزير الدفاع الأمريكي فإن ما طرحه بريت ماكجورك منسق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمجلس الأمن القومي الأمريكي كان أكثر تفصيلاً  حينما أكد على خمس نقاط الأولى: الإدارة الحالية قامت بالبناء على جهود الإدارات الثلاثة السابقة التي أولت اهتماماً كبيراً بالتحولات في المنطقة وإن اختلفت وسائل كل منها بيد أن جوهر السياسة الأمريكية هو بناء التحالفات على أسس استراتيجية، ليس أقلها امتلاك الولايات المتحدة 7 أساطيل بحرية، والثانية: أن الولايات المتحدة تدرك مخاطر إيران ولكنها تعمل على تخفيف التوتر حتى لا يكون لديها سوء حسابات، بمعنى آخر في حال كانت هناك محاولة لاختبار القوات الأمريكية فسوف يتم استخدام القوة ولن تقبل الولايات المتحدة باشتباكات صغيرة مع إيران والثالثة: الحفاظ على الأمن الإقليمي من منظور أوسع من خلال دعم أمن واستقرار العراق بتعزيز قدرات قوات الأمن العراقية، والرابعة: إدراك الولايات المتحدة لكافة المستجدات الأمنية التي تواجه أمن الخليج العربي وخاصة الأمن السيبراني والتغير المناخي، والخامسة: انتهاج الشفافية حيث أكد بريت أن الولايات المتحدة لن تعطي وعوداً كاذبة ولن تطلب اتفاقات من شأنها أن تعرض أمن الشركاء للخطر،مشيراً إلى أن الرد الأمريكي على التهديدات لن يكون من قبيل الدعاية وإنما ضمن استراتيجية شاملة متعددة الجوانب أخذاً في الاعتبار التعقيدات التي تتسم بها منطقة الشرق الأوسط عموماً.

وينبغي التأكيد على اتساق الرؤية البريطانية مع نظيرتها الأمريكية بشأن أمن الخليج العربي وهي التي عبر عنها السير ستيفن لافجروف مستشار الأمن القومي البريطاني الذي أكد على عمق وتاريخ العلاقات البريطانية -الخليجية والتي تعززت من خلال علاقات بريطانيا الثنائية مع دول الخليج العربي ومن بينها مملكة البحرين من خلال اتفاقية التسهيلات البحرية البريطانية مع مملكة البحرين عام 2018م، مؤكداً على أهمية احترام قوانين البحار لكونها الإطار الذي يحمي حرية الملاحة البحرية. 

ثانياً: الدبلوماسية والردع

 حظيت الآليات التي يجب انتهاجها لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة باهتمام ضمن جلسات حوار المنامة ومن ذلك أهمية المزج بين الدبلوماسية والردع ولوحظ أن الحوار قد شهد اتفاقاً في الرؤى حول خمسة أمور الأول: أهمية الردع كآلية للتصدي للتهديدات الراهنة، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة أن يشمل الردع الدول والجماعات دون الدول،فضلاً عن تجاوز المضمون التقليدي للردع من خلال القوة الصلبة "العمل العسكري" إلى الردع الشامل والذي يتضمن الردع الإلكتروني والاقتصادي والاجتماعي، وكذلك الردع من خلال القوة الناعمة، وممارسة الردع بشكل عملي ملموس من خلال حظر الأسلحة عن الحوثيين في اليمن تطبيقاً لقرارات مجلس الأمن، والثاني: توجد ضرورة لممارسة الردع الجماعي لكونه أكثر تأثيراً في تغيير سلوك الخصم بدلاً من الجهود الفردية التي تتيح للخصم فرصاً للمناورة، والثالث:مع أهمية الردع  ذلك فإنه يجب أن  يتوازى معه في الوقت ذاته طرح الحلول الناجعة لحل الأزمات المزمنة التي تشهدها المنطقة والتي رتبت تداعيات قد يسود الظن أنها تمثل تهديداً لدولة بعينها ولكنها في واقع الأمر تهديد للأمن الإقليمي بأسره ومن ثم فإن مواجهتها مسؤولية دولية مثل مشكلة اللاجئين التي ترتبت على احتدام الأزمات عموماً وعدم حل المشكلة الفلسطينية على نحو خاص،بالإضافة للعمل دون انهيار الدول  نتيجة احتدام الصراعات الداخلية حيث أن ذلك يمثل تهديداً لمنظومة الأمن الإقليمي برمتها،والرابع أنه في ظل التهديدات الأمنية الراهنة ومن بينها الإرهاب  فإن التعاون الاستخباراتي لايزال ضرورة استراتيجية لمواجهة ذلك التحدي وربما تكون هناك حاجة لأطر جماعية أخرى، والخامس:أهمية الأداة الدبلوماسية لحل الأزمات الراهنة ولكونها هي أداة التنسيق الرئيسية بين جهود الدول المختلفة، بالإضافة إلى أنها قناة تعكس مضمون الردع بمفهومه الشامل، إلا أنه  بالنظر إلى حدة الأزمات الراهنة يتعين أن تكون هناك منصة دبلوماسية واضحة يمكن من خلالها فهم التحديات والقدرة على التعامل معها بشكل استباقي وليس رد الفعل.

ثالثاً: تعددية الأطراف والأمن الإقليمي في إطار متحول

 على الرغم من وجود اتفاق بين وجهات نظر الوفود الرسمية حول مستجدات الأمن الإقليمي فإن ثمة جدل أثير حول تغير ذلك المفهوم ذاته وما يتطلبه ذلك من أطر للمواجهة، وفي هذا السياق ساد توجهان الأول:  استهدف ضرورة إعادة الدفع بأدوار تنظيمات الأمن الإقليمي ومن بينها دور جامعة الدول العربية، بالإضافة إلى ظهور شراكات تعاونية إقليمية تستهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والمنافع المشتركة لأعضائها ومن بينها منتدى غاز المتوسط ، مع الدعوة في  الوقت ذاته إلى إعادة  النظر في التمثيل غير العادل في مجلس الأمن الدولي والذي يتجاهل القارة الإفريقية بما يعني أن ثمة حاجة ماسة لإعادة صياغة منظومة دولية جديدة تتسم بالفاعلية والبعد عما كان عليه التنظيم الدولي إبان العقود الماضية، أما الاتجاه الثاني: فلم ينف دور التنظيمات الإقليمية بل أنها ركيزة للتعاون الإقليمي إلا أنه في ظل التهديدات الأمنية العابرة للحدود فإن ثمة حاجة لمواجهات متعددة الأطراف وخاصة مع تنوع التهديدات وزيادة حدتها ومن بينها التغير المناخي، أخذاً في الاعتبار أن التعددية لا تمثل تهديداً لسيادة الدول بل إنها تمثل دعماً لتلك السيادة، ومن تلك المبادرات مبادرة السعودية الخضراء والتي تقدم نموذجاً متعدد الأطراف حيث أنها متاحة  للدول الأخرى للانضمام إليها، بالإضافة إلى جهود المملكة العربية السعودية لمواجهة ظاهرة التغير المناخي  خلال رئاستها لقمة مجموعة العشرين عام 2020م. وضمن هذا الإطار قال الدكتور نايف الحجرف، الأمين العام لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، " أن الكثير من التحالفات متعددة الأطراف دائما ما تنجح في جبهات متعددة" مؤكداً على أن "مجلس التعاون يعتمد على التعاون والتعددية والسياسات المتعددة الأطراف، في أوقات الحرب والسلم من أجل تعزيز النمو الاقتصادي ومواجهة التحديات المشتركة".

 ولم يقتصر الحديث عن التحولات داخل منظومة الأمن الإقليمي ذاتها بل في ضرورات الحوار ما بين الأقاليم ذاتها ومن ذلك الحوار بين مجموعة دول الآسيان ومجلس التعاون لدول الخليج العربية انطلاقاً من المصالح المشتركة والارتباط الاستراتيجي بين الخليج العربي وآسيا وأن تفعيل ذلك التعاون تدابير بناء الثقة وتبادل المعلومات وقناعة القيادات في المنطقتين بالمصير المشترك والارتباط بين أمن الخليج وأمن آسيا والعالم.

وما بين هذا التوجه وذاك فقد أثير الحديث عن مسببات عدم الاستقرار في دول الجوار الإقليمي والتي لم تعد مخاطرها تنحصر ضمن نطاقها المحلي ومن بين تلك العوامل التدخلات الخارجية والتي تتنوع ما بين دعم هذا الطرف أو ذاك بالمال والسلاح والنتيجة هي زيادة حدة الاستقطابات والاصطفافات على أسس بعيدة عن هدف بناء دولة وطنية موحدة تتيح العيش المشترك لكافة التيارات السياسية دون إقصاء أو تهميش، ولاشك أن احتدام الصراعات الداخلية على هذا النحو يمثل عبئاً هائلاً على المنظمات الدولية ذات الصلة بالعمل الإنساني ومن بينها منظمة الصليب الأحمر.

رابعاً: ديناميكيات الأمن في البحر الأحمر

حظي أمن البحر الأحمر باهتمام بالغ ضمن حوار المنامة السابع عشر، وقد أثيرت ثلاث قضايا أساسية الأولى: على الرغم من تعدد التهديدات التي تواجه أمن البحر الأحمر فإنه يأتي في مقدمتها تداعيات الأزمة اليمنية في ظل سعي إيران لتنفيذ مشروعها الإقليمي الداعي للهيمنة بحيث تضع دول الخليج العربي ضمن شقي رحى مضيق هرمز شمالاً ومضيق باب المندب جنوباً بما يعنيه ذلك أنه يتعين على كافة الأطراف الإقليمية والدولية التي تستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في تلك المنطقة التعامل مع الحرب في اليمن على أنها حرب إقليمية بالوكالة في ظل تأكيد كافة المؤشرات على سعي إيران للاقتراب من البحر الأحمر وخليج عدن، ولم يكن قيام الولايات المتحدة عام 2012م، بضرب السفن جيهان 1 و2 التي كانت تحمل أسلحة للحوثيين من إيران سوى إدراك الولايات المتحدة بشكل مبكر للدعم الإيراني للحوثيين ، ولا تقتصر تداعيات الأزمة اليمنية على الأبعاد العسكرية بل هناك مخاوف من انفجار ناقلة النفط صافر التي يحتجزها الحوثيون في البحر الأحمر وعلى متنها مليون برميل من النفط  الأمر الذي سوف يمثل كارثة بيئية للمنطقة بأسرها، والثانية: من المنظور الجيواستراتيجي فإن كافة التحديات التي تواجه دول القرن الإفريقي بمعناه الواسع تنعكس وبلا شك على أمن القرن الإفريقي ومن ثم البحر الأحمر ، بالإضافة إلى عسكرة القرن الإفريقي من خلال سعي العديد من القوى الإقليمية والدولية لتأسيس قواعد عسكرية لها في تلك المنطقة الأمر الذي أضفى المزيد من التعقيد على واقع تلك المنطقة وخاصة في ظل إرهاصات حرب باردة جديدة ، ولعله من نتائج ذلك التنافس بدء دول تلك المنطقة في الدخول في تحالفات، ومع أن القواعد العسكرية في تلك المنطقة سوف تشكل رادعاً ضد التهديدات المشتركة من خلال الدوريات التي تقوم بها السفن في باب المندب، فضلاً عن عمليات المراقبة الجوية والتي تعكس عملاً مشتركاً بين الدول الإفريقية ونظيرتها الخليجية  فإن تلك القواعد ربما تمثل تحدياً في المستقبل حال تضارب المصالح، الأمر الذي يثير الحديث عن دور أطر الأمن الإقليمي ومن بينها منظمة الإيجاد للتعامل مع قضايا السلام والأمن، والثالثة:  أن أمن البحر الأحمر يهم العديد من الأطراف الدولية ومن بينها الاتحاد الأوروبي وتتمثل رؤية الاتحاد في هذا الشأن في ضرورة تسوية الصراعات المحتدمة في الدول المحيطة بمنطقة باب المندب وإلا فإن تبعاتها ستكون بالغة الخطورة على أمن الملاحة في البحر الأحمر، وتلك هي مسؤولية متعددة الأطراف من جانب القوى الدولية والإقليمية ، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك عناصر فصل وأخرى ربط في تلك المنطقة ، بمعنى آخر وجود عوامل إيجابية بالإمكان البناء عليها منها التجارة المشتركة من خلال الممرات المائية والتاريخ المشترك، وعوامل سلبية منها انتقال الجهاديين عبر تلك المنطقة والهجرة غير المشروعة ، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية في دول القرن الإفريقي التي حال تطورها فإنها لن تظل داخل حدود تلك الدول وتقدم حالة دول البلقان دروساً مستفادة في سياق تلك الصراعات المحتدمة،  ومن أجل مواجهة تلك التحديات فإن هناك حاجة لمفهوم إقليمي جديد أبعد من الإطار الثنائي بما يتطلبه ذلك من إنشاء هيكلية أمنية للانطلاق من بلدان القرن الإفريقي إلى بلدان الخليج العربي، فضلاً عن حاجة الاتحاد الأوروبي للربط ما بين المسائل الأمنية والاقتصادية، فالمنطقة بها فرص استثمارية واعدة وهذا يتطلب التعاون بين الاتحاد الأوروبي والتنظيمات الإقليمية ومنها منظمة الإيجاد التي يمكن من خلالها التصدي للتهديدات المشتركة ومنها التغير المناخي وقضايا المياه والتهديدات العابرة للحدود ، والحيلولة دون المزيد من عسكرة البحر الأحمر.

  خامساً: الميلشيات والصواريخ وانتشار الأسلحة النووية

استحوذت قضايا الميلشيات المسلحة والصواريخ وانتشار الأسلحة النووية على جانب كبير من مناقشات حوار المنامة وقد لوحظ أن ثمة اتفاق خلال المناقشات على عدد من النقاط الأولى: أنه لن يتم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي وأن ذلك يعتبر خطاً أحمر يستوجب الرد إلا أنه ينبغي التأكيد على أن تناول الخيارات العسكرية تجاه مثل تلك التهديدات لا تتم مناقشتها علناً بل من خلال محادثات خاصة وغير معلنة، الثانية: تؤكد المؤشرات كافة على استمرار التهديدات الإيرانية للأمن الإقليمي من خلال استهداف المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية واستهداف ناقلات النفط الخليجية وقد لوحظ أنه بالرغم من التحديات الاقتصادية التي تواجهها إيران جراء العقوبات المفروضة عليها فإن ذلك لم يكن عائقاً أمام سعيها لتطوير أسلحة تقليدية ، والثالثة: أنه في ظل سيادة تساؤلات وجدل حول عدم ممارسة الولايات المتحدة الردع تجاه إيران بالرغم من استهدافها المصالح الحيوية لدول الخليج العربي والتي تمثل تهديداً للأمن العالمي في الوقت ذاته ليس أقلها أمن الطاقة والأمن البحري ، فإن الاستراتيجية الأمريكية المطروحة هي تخفيف المخاطر ودعم طموحات الشعب الإيراني في التغيير، مع التركيز على العمل الدبلوماسي من خلال الدفع نحو إبرام اتفاق جديد وفي حال أخفقت تلك الجهود فإن الولايات المتحدة لديها خيارات أخرى  والرابعة : لاتختزل التهديدات في الميلشيات والصواريخ والقضية النووية فحسب بل إن تلك المنطقة تتأثر بالتغير المناخي والأمن السيبراني وجميعها عوامل مهمة للأمن القومي الأمريكي، كما أن الولايات المتحدة لديها التزام بالعمل مع الشركاء من خلال وعود محددة وباستراتيجية ردع متكاملة دون الاندفاع نحو رد فعل صغير لا يعبر عن واقع القوة الحقيقية التي تمتلكها الولايات المتحدة ولا تقبل المراهنة، والخامسة: أنه بغض النظر عن التغيرات الداخلية في بعض الدول الأوروبية ومنها ألمانيا على سبيل المثال فإن ذلك لا يعني تغيراً جذرياً في ثوابت السياسة الألمانية تجاه أمن الخليج العربي والشرق الأوسط عموماً ومن بينها حل الدولتين كأساس لحل القضية الفلسطينية ، فضلاً عن التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية وهذا ضمن الوثيقة التي تم الاتفاق عليها بين ائتلاف الأحزاب الثلاثة التي فازت في الانتخابات الأخيرة في ألمانيا، إلا أنه في ظل الاستدارة الأمريكية نحو بحر الصين الجنوبي، فإن ذلك يحتم على ألمانيا تعزيز شراكتها مع دول القارة الإفريقية والشرق الأوسط عموماً بالنظر إلى استمرار وجود تهديدات ترى ألمانيا أنه يجب مواجهتها من خلال التعاون مع الأطراف الرئيسية في تلك المنطقة ومنها مخاطر تنظيم داعش، وكذلك مخاطر الانتشار النووي ولألمانيا ما يعززها في هذا الشأن ومن ذلك دور دول الاتحاد الأوروبي الثلاثة" ألمانيا، فرنسا، بريطانيا" في صياغة خطة العمل المشتركة التي كانت أساساً للاتفاق النووي عام 2015م، والتي تعتبرها ألمانيا قصة نجاح للدبلوماسية الألمانية، وعلى الرغم من أن ذلك الاتفاق لم يتضمن مسألة الصواريخ الإيرانية البالستية والتدخلات الإيرانية في شؤون دول الجوار ولكنه قد وضع سقفاً لطموحات إيران في تطوير طاقة نووية لغير الأغراض السلمية، من ناحية أخرى فإن الخلاف الأوروبي مع إيران يتجاوز المسائل النووية والتهديدات الصاروخية ليطال انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، وتتمثل الرؤية الألمانية أخيراً في الترحيب بالحوار الذي تم بين المملكة العربية السعودية وإيران حيث أنه حال تكرار مثل تلك الحوارات ونجاحها فإنها سوف تنعكس بالإيجاب على أمن الخليج العربي والأمن الإقليمي عموماً إلا أن ذلك يتعين أن يتم من خلال هيكلية أمنية إقليمية لمواجهة التهديدات الراهنة والمحتملة ومن بينها إمكانية حدوث تسربات إشعاعية من مفاعل بوشهر النووي والتي سوف تمثل تحدياً هائلاً لأمن الخليج العربي والأمن الإقليمي عموماً.

 

الخلاصات الاستراتيجية لمناقشات حوار المنامة السابع عشر

 

أولاً: أعاد الخطاب الرسمي الأمريكي التأكيد على أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها التزام ثابت بأمن دول الخليج العربي عموماً والقدرات الدفاعية للمملكة العربية السعودية على نحو خاص بما يدحض كافة الكتابات التي تروج لانحسار أمريكي عن المنطقة أو تراجعها في سلم أولويات الإدارة الأمريكية، صحيح أنه لكل إدارة أساليب تكتيكية إلا أن ذلك لا يعني تغير الثوابت ومن بينها أمن الشركاء والحلفاء.

ثانياً: في ظل تعدد التهديدات الراهنة وزيادة حدتها فإن ثمة حاجة لمزيج من الأدوات الدبلوماسية والردع ولكن بمضامين جديدة، فالدبلوماسية الفردية برغم أهميتها إلا أنه يجب أن تكون هناك منصة دبلوماسية مشتركة وذات ديمومة للتعامل مع تسارع وتيرة تلك التهديدات، بينما يجب أن يتسم الردع بالشمول بما يتجاوز الردع العسكري ليطال الردع الإلكتروني والاقتصادي والاجتماعي.

ثالثاً:    في الوقت الذي توافق فيه كافة المشاركين على أن مواجهة التهديدات الأمنية الراهنة لأمن الخليج العربي وأمن الجوار الإقليمي يفوق قدرات أي دولة أو حتى التعاون الثنائي بما يعنيه ذلك من حتمية وجود إطار متعدد الأطراف فقد لوحظ وجود تيارين الأول: يرى أهمية تعزيز تنظيمات الأمن الإقليمي الراهنة لكونها مظلة إقليمية ملائمة لمواجهة تلك التهديدات بل إمكانية الحوار بين التنظيمات الإقليمية المماثلة، بينما رأى أنصار التيار الثاني: أن ثمة حاجة لإطار متعدد الأطراف في ظل طبيعة التهديدات الأمنية العابرة للحدود والتي تتطلب وجود ذلك الإطار بل ذلك الإطار من شأنه تعزيز سيادة الدولة وأمنها الوطني فمن خلاله يمكن وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للعديد من الدول وهو من أبرز مهددات الأمن الوطني للدول.

رابعاً:  يرتبط أمن البحر الأحمر بالتطورات الداخلية في الإطار الجيواستراتيجي لتلك المنطقة سواء في اليمن دول منطقة القرن الإفريقي بمعناها الواسع والتي تضم دولاً مثل كينيا، وقد مثلت التهديدات التي تواجه تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية للتجارة الدولية مدخلاً للعديد من القوى الإقليمية والدولية لتأسيس قواعد عسكرية على مقربة من الممرات المائية مما أدى لعسكرة تلك المنطقة، وبرغم ذلك لاتزال هناك حاجة لحشد كافة الجهود من أجل تأسيس إطار متعدد الأطراف للحفاظ على أمن البحر الأحمر من منظور المفهوم الشامل للأمن الذي يتضمن إلى جانب التعاون العسكري ضخ الاستثمارات والتعاون التجاري.

 خامساً: وجود اتفاق بين كافة المشاركين على مخاطر الميلشيات والصواريخ والأسلحة النووية، وعلى الرغم من تصميم الدول الكبرى على عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي فإن التحدي الأكبر يتمثل في ممارسة الضغوط على إيران لإبرام اتفاق جديد بحيث لا يقتصر على المسألة النووية بل يتضمن مخاطر الصواريخ الباليستية والتدخلات الإيرانية في دول الجوار الإقليمي عموماً.

مقالات لنفس الكاتب