array(1) { [0]=> object(stdClass)#11631 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 169

خطاب الكراهية: الإعلام الإيراني نموذج

الخميس، 30 كانون1/ديسمبر 2021

في البداية علينا أن نتعرف على ما هو "خطاب الكراهيّة" بالتحديد؟، رغم الاتفاق على محاربة خطاب الكراهية، إلا أنه لا يوجد اتفاق عالمي موحد على تعريفه، فهناك من يعرّفه على أنّه "أي نوع من التواصل، بالقول، بالكتابة أو بالفعل، يستخدم لغة تمييزية تحقيرية تهجّمية عند الإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس دينه أو عرقه أو جنسيته أو لونه أو نوعه الاجتماعيّ أو أي عامل آخر يحدّد هويّته، في سياقات معينة، يمكن أن يكون مهينًا ومثيرًا للانقسام.

ووفقًا لتوصية السياسة العامة الصادرة عن المفوضية الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب الصادرة في 8 ديسمبر 2015م، فإن "خطاب الكراهية هو الدعوة أو الترويج أو التحريض على تشويه صورة شخص أو مجموعة من الأشخاص أو كراهية أو تشويه سمعتهم، وأي تحرش أو إهانة، أو التهديد لمثل هذا الشخص أو الأشخاص وأي تبرير لجميع أشكال التعبير هذه، على أساس "العرق" أو اللون أو اللغة أو الدين أو المعتقد أو الجنسية أو الأصل القومي أو العرقي، وكذلك النسب أو العمر، الإعاقة والجنس والهوية وغيرها من الخصائص أو الحالة.

    كما أن محاربة خطاب الكراهيّة لا تعني الحدّ من حريّة الرأي والتعبير أو منعها، فهي قيمة مطلقة، سواء بالنسبة للجمهور أو لوسائل الإعلام، ولكنها تعني منع هذا الخطاب من التحوّل إلى وسيلة للتحريض على التمييز والعدائية والعنف الذي تحرمه القوانين السماوية، والأرضية.

الإعلام الإيراني:

   يعد الإعلام أحد الأدوات الرئيسة في العلاقات الخارجية للدول، وهو أحد الفاعلين في صناعة الرأي العام، إذ يستند إليه صانعو القرار في تصدير ما يريدونه من رؤى في القضايا المطروحة، ويندرج من هذه الزاوية في الأدوات الاستراتيجية، ويرتبط ارتباطًا عميقًا بتوجهات مركزية بعيدة المدى.

    وهذه الحقيقة أدركتها إيران لذا سعت باجتهاد لبناء وتحديث ترسانتها الإعلامية، ووسعت شبكاتها، في إطار مشروعها التدميري ولمواجهة صراعاتها المختلفة، سواءً في محيطها الإقليمي، أو في العالم، ولطالما كانت دول الخليج العربي هدفًا استراتيجيًا للسياسات الإيرانية بعد الثورة في عام 1979م، ما جعلها أحد الموضوعات الرئيسة في أجندة الإعلام الإيراني، وخصوصًا المملكة العربية السعودية، التي حظيت بالمنزلة الأكثر بروزًا في الإعلام الإيراني، إذ تبقى قضايا المملكة السياسية والاجتماعية والاقتصادية حاضرة دائمًا في وسائل الإعلام الإيرانية المختلفة.

   فإيران تنظر للإعلام كما قال خامنئي: « له قدرة تدميرية تعادل القنبلة الذرية» وقد حظيت المؤسسة الإعلامية الرسمية في الدستور الإيراني بمادة دستورية مستقلة (المادة 175)، إذ رُبطت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ربطًا مباشرًا بالمرشد الأعلى، بل تظهر أهمية الإعلام الإيراني في ارتباطه بأكثر مرجعين قياديين أهمية، وهما المرشد الأعلى والحرس الثوري، وبالطبع فإن هذه الهيمنة في الإعلام الرسمي لها مدلولات عدة، وفي مقدمتها أن هذين المرجعين يعدّان الإعلام واحدًا من أخطر المؤسسات في الساحتين الداخلية والخارجية، بل إنه أداة لا تقل أهمية عن المؤسسات الاقتصادية والأمنية والعسكرية، بالنسبة إلى نظام يقوم على شرعية الثورة في حكم الداخل، وعلى تصديرها في الخارج.

الإعلام الإيراني من الثورة إلى المأسسة:  

  ليس خفيًّا أن النِّظام السياسي في إيران يتبنى استراتيجية سياسية واضحة، يسعى من خلالها للتوسُّع وتعزيز نفوذه ونشر أيديولوجيته خارج حدوده، وأن الدول العربية والإسلامية هي المستهدف الأول لهذه الاستراتيجية، وبغية تحقيق هذه الغاية يعمد النِّظام إلى استخدام وسائل مختلفة، عسكرية وسياسية، إلا أن النِّظام الإيرانيّ يرى في ثلاثية «الثقافة والإعلام والاستخبارات» أداة فعَّالة تمهِّد الطريق لتحقيق طموحاته، عبر السعي لكسب قلوب وعقول أبناء الشعوب الإسلامية بالدرجة الأولى، ثم شعوب ومنظمات وإعلام الغرب، لهذا فإنه يستثمر جهودًا كبيرة وأموالًا كثيرة في هذا المجال، ومن أجل تحقيق ما يرنو إليه يبذل مبالغ طائلة لتشغيل ماكينته الإعلامية في الداخل والخارج.

       فمنذ تأسيس الجمهورية الإيرانيَّة كثورة أيديولوجية، بدأت تُستخدم أدوات القوة الناعمة، ولتصدير مفهوم الثورة تحت أسماء مختلفة، يجب أولًا أن تصل إلى عقول الشعب المستهدَف، لذلك فإن الدبلوماسيين الإيرانيّين هم أكثر انفتاحًا مع شعوب المنطقة، تحديدًا في النشاطات المجتمعية والثقافية التي تُعتبر عماد القوة الناعمة الإيرانيَّة، إذ يستخدم الدبلوماسيون الإيرانيّون كل الأدوات المتاحة لخلق صورة إيجابية عن إيران ، فهناك ممثلون ثقافيون ومسؤولون عن الدبلوماسية العامَّة، وهذا دليل على أن صانع القرار في إيران يخطِّط لهذه الدبلوماسية بدقَّة وتنظيم.

 

  وبعد ثورة 1979م، غُيِّر اسم وزارة «الإعلام والسياحة» إلى وزارة «الإرشاد القومي»، وبعد عامين أطلَق عليها وزارة «التوجيه الإسلامي»، كما أن وزارة الثقافة أُدمِجَت في وزارة التوجيه، وفي عام 1987م، تحولت وزارة التوجيه إلى وزارة "الثقافة والإرشاد الإسلامي"، وتتكون من الأقسام الآتية:

  • قسم إدارة الصحافة والإعلام الأجنبي.
  • مكتب العلاقات الصحفية.
  • العلاقات العامَّة.
  • مكتب البحوث الثقافية.
  • مؤسَّسة الحج.
  • المجلس الأعلى الإيرانيّ للثورة الثقافية.
  • منظَّمة التراث الثقافي الإيرانيّ.
  • منظَّمة الثقافة والعلاقات الإسلامية
  • شبكة المساجد الإيرانيَّة.

   كل هذه المؤسَّسات تعمل في الداخل والخارج، وتنسِّق بين هذه المؤسَّسات مؤسَّسةُ الثقافة والتبليغ الإسلامي بالتعاون مع وزارة الاستخبارات والخارجية، فإلى جانب العمليات التي تنفِّذها وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانيَّة في الترويج الإعلامي والثقافي، تشارك أيضًا في عمليات التضليل الإعلامي، شكلت «وزارة الإعلام – وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي – وزارة الاستخبارات» رأس الحربة للمرشد الإيرانيّ في حربه المستمرة مع العالَم الخارجي، ففي الوقت الذي تقدِّم فيه وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي المفردات الخطابية والثورية، يأتي دور وسائل الإعلام لترويجها على شكل موادَّ إعلامية وخبرية، وأخيرًا يأتي دور وزارة الاستخبارات في حشد الموارد المادية والمعنوية من أجل وضعها موضع التنفيذ.

 

الإعلام قوة إيران الناعمة:

   على مدى 41 عاماً، عمر إيران الخمينية، أسهمت هذه القنوات الطائفية في تنفيذ سياسات إعلامية ممنهجة استهدفت المنطقة العربية على وجه الخصوص، وبثت بذور الفتنة الطائفية، وروّجت لمشروعها التوسعي، والمتاجرة بقضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، كما لم تستثن المعارضة الإيرانية، واصفة إياها بالعمالة لأنظمة عربية وغربية، وأيضاً هدفت إلى تسويق الصورة الإيرانية، وجذب الشباب.

 

الاستراتيجية الإعلامية:

من تتبع الممارسة الإعلامية للإمبراطورية الإعلامية الإيرانية يمكن ملاحظة ما يلي:

  • حرص النظام الإيراني على استمرار وصول بث قنواته الطائفية للمجتمعات العربية والإسلامية، وعلى تعدد المنابر الإعلامية وتنوعها في المضمون والشكل، حتى تصل لأكبر شريحة ممكنة.
  • نشر أفكار الملالي بشكل مباشر أو غير مباشر، إضافة إلى برامج دينية تبشيرية.
  • نشر مسلسلات تاريخية إيرانية مدبلجة للعربية على قنوات الكوثر والفرات والمنار، تحوّر الحقائق والوقائع التاريخية، تطرح المغالطات والافتراءات حول أمهات المؤمنين والصحابة والمسلمات العقدية والتاريخية.
  • محاصرة المشاهد بجرعة مكثفة من أجواء الملالي المتمثلة بالبكاء والبؤس والأضرحة والسواد وغيرها، إضافة إلى مطاردته بسيل من الأحاديث الكاذبة، وعدم استثناء الأطفال من ذلك الغزو الفكري.
  • استغلال القضايا العربية والإسلامية المتفق عليها من الجميع، لتمرير مشروعهم وأجندتهم الخبيثة، كالقضية الفلسطينية، وتعظيم آل البيت.
  • المعيار الطائفي هو المقدم على أي شيء في سياسة الملالي الإعلامية، وعلى الرغم من أن الملالي يتمسحون بالقضية الفلسطينية لاختراق صفوف المسلمين، إلاّ أن ذلك لا يكون على حساب غلو الملالي الطائفي، إذ رفض مراسل قناة (برس تي في) بناء على توجيهات من إدارة القناة إجراء متابعة خبرية لجريمة إسرائيل بقصف مدرسة في فلسطين، والتي نتج عنه ضحايا من الأطفال الأبرياء، وكان سبب الرفض أن المدرسة تحمل اسم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  • هناك تناغم عجيب وتفاعل بين ما تبثه وسائل إعلام الملالي من أكاذيب وافتراءات، وبين ما يتداوله الشخص الشيعي البسيط في أي مكان.
  • يزاوج إعلام إيران بين خطاب الملالي، وبين خطاب الرأي العالمي الذي يؤكد على القيم المشتركة والإنسانية، وذلك في خبث ومكر كبيرين.
  • يعتمد الملالي في تدريب كوادرهم الإعلامية وتأهيلهم على مؤسسات متخصصة، ولا يسمح لأي إعلامي أن يتصدر الحديث باسمهم إلاّ من جرى توجيهه لهذه المهمة، لذلك يستخدم إعلاميو الملالي تكتيكاً موحداً للتخلص من الأسئلة المحرجة، ولو كانت الإجابات غير مقنعة، ثم التشعب في الإجابة والخروج عن فحوى السؤال، وذلك من خلال التطرّق إلى قضايا فرعية خارجة عن صلب الموضوع.
  • على الرغم من تعدد منابر الملالي الإعلامية تجاه شعوب المنطقة، إلاّ أنها تصدر عن مطبخ سياسي واحد، ورؤية مشتركة في الخطوط العريضة، وحتى في الحدث السياسي الواحد، إضافة إلى تقديم رواية متكاملة عن حدث ما في عدة قنوات حتى يكاد المشاهد يصدقه، وذلك من كثرة التكرار وعرض التفاصيل، وهي في الحقيقة ليست إلا سرابًا، معتمدين في ذلك على التلفيق وقلب الحقائق وتحريفها.

فاليوم، نشهد إعادة إنتاج لثقافة الكراهية ولكن بشكلها “المودرن” مع توظيف التاريخ والأدبيات السياسية التي رسختها الثورة الإيرانية بطابعها المقيت، لاستثارة الإيرانيين وغيرهم من الشعوب والدول ضد العرب، لذا ليس من المستغرب أن تنشط وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي الإيراني اليوم وبكثافة قومية ومذهبية مغلفة بالعداء وخطاب الكراهية الغير المسبوق للعرب، وتيرة وشكل هذا العداء المعلن والصريح ترعاه مؤسسات النظام الإيراني بكافة مستوياته، بل ولا تتوانى عن دعمه بالمال والكادر والمعلومات.

وفي الواقع أن ما يتم اليوم في إيران، لا تبدو معه هذه الكراهية مصممّة فقط لنقد السياسات الرسمية العربية، بل تمتد لغرس الكراهية عن طريق التشهير بالقيم والعادات والتقاليد والتراث واغتيال الشخصية، ونسف المنظومة القيمية العربية بمجموعها، من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة وجيل الشباب لتعبئة الشعب الإيراني ومحاولة قولبة وتوظيفها الحداثة لغرس أدوات الكراهية ضد الشعب” العربي.

وليعكس هذا التوجه الحقد الدفين على العرب المسلمين الذين فتحوا بلاد فارس، وليجسد السلوك الإيراني الطامح لبناء مجاله الحيوي على أطلال البلاد العربية وأنقاضها، فلم يجد بُداً من تعبئة شعبه وأتباعه على وجه الخصوص وشحنهم قومياً ومذهبيًا لتسهيل مهمة تجنيدهم للقتال خلال مداخل الأزمات العربية؛ لا سيما في العراق وسوريا واليمن وغيرها.

ولم يكتف النظام الإيراني بتسخير الإعلام لبث خطاب الكراهية بل سخر السوشيال ميديا بطريقة منمقة ساخرة، لبث خطاب الكراهية للفئة العمرية المستهدفة من الشباب، من خلال صناعة النكات المختلفة التي تصف العرب بأقذر الصفات، بدعم مباشر من مكتب المرشد.

من هنا بدأت المؤسسات الثورية الإيرانية تتسابق في رعاية أية فعالية درامية، موسيقية، مسرحية…… تجسد العنصرية الرخيصة ضد العرب، حيث أصبحت كراهية العرب ظاهرة عامة تتم وتجري تحت رعاية رسمية، بشكل يومي، في وسائل الاتصال الإيرانية الرسمية، والممولة إيرانيًا بما يعرف بإعلام الظل.

إن رصد ما ينشر في وسائل الاتصال الإيرانية، وتحليل محتوى هذا الخطاب، يعكس نية إيران تجاه العرب حتى أن السعودية بشكل خاص أصبحت مادة ثابته في وسائل الاتصال الإيرانية، التي تسعى لاختلاق الأكاذيب ونشر الشائعات ونفث السموم الطائفية في القضايا العربية.

 

وكما لم يسلم الإعلام الإيراني من خطاب الكراهية الموجه للعرب، لم يسلم التعليم في إيران من خطاب الكراهية، حيث يدرس الطالب الإيراني فكرة خطيرة جدًا، مفادها أن كل ما يقع في منطقة الخليج العربي من دول ومن جزر كان في يوم من الأيام يتبع للإمبراطورية الفارسية وينبغي أن يعود إلى الوطن الأم، فالفتوحات الإسلامية لبلاد فارس تصفها الكتب المدرسية والإعلام الإيراني بالغزو الذي حطم الإمبراطورية الفارسية، ووصف العرب بالأعراب، آكلي الجراد شاربي حليب وأبوال الأبل، مع التشكيك بنسب العرب بأنهم أبناء زنى، فالكتب والتعليم والإعلام الإيراني يقدمان صورة العربي بأنه إنسان بدائي، وسخ، ليس لديه حضارة، ليس لديه ثقافة، ويصوره على أن ملابسه دائمًا رثة، ويطلق عليه أقبح الصفات، مثل الجبان والمتخاذل والمتآمر وأصحاب الجاهلية الأولى. 

فصورة العرب في السينما والصحافة والمسرح والنشيد الحماسي والأمثال والحكم الشعبية في إيران، كلها تنم عن استهزاء بالعرب واحتقارهم، ففي أغنية بعنوان "اقتل عربيًا" باللغة الفارسية شاهدها الملايين تحط من قدر وقيمة العرب، وتخاطب الأغنية التي وزعت بصوت مطرب الراب بهزاد بكس (Behzad Pax)، الملك الإيراني قوروش الذي بات رمزًا للقوميين الفرس المتطرفين بالكلمات التالية: "انهض يا قوروش فقد بلغ الأمر بنا ليتم تهديدنا من قبل العرب، كما طال احتقار الإيرانيين للغة العربية، عند مقارنة عدد حروفها 28 حرفًا باللغة الفارسية 32 حرفًا.

 

الدعاية الإيرانية في الهيمنة على الوعي العام العربي:

كانت إيران ومنذ سقوط الشاه (1979م) إحدى الدول السباقة إلى التركيز على الدعاية الموجهة إلى المنطقة العربية فوضعت ضمن سياساتها الرسمية فكرة تصدير الثورة والترويج لتوجهاتها، وكان الاستهداف مركّزًا في بدايته على تحريض شيعة العراق عبر توظيف إذاعة حملت تسمية "صوت الثورة الإسلامية في العراق" والملاحظ للدعاية الإيرانية الموجهة للعالم العربي يجدها تربط الخطاب الدعائي الإيراني بالمجالين السياسي والمذهبي ومن الصعب الفصل بينهما، فوسائل الإعلام التي تروج للمذهب الشيعي لا تخرج في سياستها العامة عن خدمة التوجهات الرسمية للدولة الإيرانية حتى وإن كانت بصورة خفية.

 وفي المقابل استخدمت إيران الخطاب السياسي التحريضي بمهارة فلم تعمد في بداية تسويقها لخطابها إلى التركيز على القضية المذهبية وإنما خاطبت التوجهات التحررية أو نزعات التمرد لدى الجمهور ففي الثمانينات صدرت مجلة العالم الإيرانية وركزت على القضايا السياسية في المنطقة العربية من وجهة نظر إيرانية وتجنبت الخوض في الخلافات المذهبية من أجل إيجاد موطئ قدم في السوق الإعلامية العربية ومن جانب آخر لعبت قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني دورًا مهمًا في خدمة الدعاية الإيرانية وبشكل خبيث منذ انطلاق بثها الفضائي جعلت من القضية الفلسطينية وسيلتها المركزية من أجل اجتذاب الجمهور العام والتأثير فيه وفي ظل غياب أدوات إعلامية منافسة تتبنى القضية الفلسطينية استطاعت أن ترسخ في الأذهان ولو بشكل جزئي أنها قناة المقاومة بامتياز على الأقل طيلة العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين.

مع تطور الثورة التقنية وسهولة البث الفضائي انتشرت القنوات الشيعية بشكل واضح، واتخذت توجهات مختلفة من حيث الأسلوب رغم اشتراكها في الهدف هو خدمة الدعاية الإيرانية وقراءتها للمذهب الشيعي. فظهرت قنوات دينية صرفة مثل الأنوار وأهل البيت وظهرت قنوات موجهة للأطفال مثل طه وأخرى غايتها إثارة الخلاف مع الجانب السني وهو ما تتبناه قنوات مثل فدك والفيحاء، ويلاحظ أن أغلب أسماء هذه القنوات ذات بعد ديني يتفق مع رواية التشيع السياسي، وهذه الاستراتيجية مطبقة على صناعة الأسلحة، ما يعني أن إيران تنظر للإعلام كأحد الأسلحة المهمة، وهو ما لا يتوفر لخصومها.

هذه الممارسة الإعلامية المبطنة برسائل عنف رمزية تتلقفها العقول البسيطة، وتختزلها في ذاكرتها، وتتداولها عبر أجهزتها، وبدأ الشحن المركز للمستخدمين دون وعي منهم، حتى أضحت عقولهم كما هواتفهم المحمولة مخترقة برسائل الكراهية التي تستهدف تشكل رأيهم وصناعة مواقفهم كما يريد القائم بالاتصال الإيراني، وهو ما يعرف بالعنف الرمزي.

    

ربما تعرضت العديد من الدراسات إلى العنف عبر وسائل الإعلام التقليدية، إلا أن المستحدثات الاتصالية وبالرغم من أهميتها، وكثرة مستخدميها، وسهولة تداول مضامينها، وإمكانية شحنها برسائل ورموز وصور ساكنة ومتحركة ذات ارتباط وثيق بالعنف الرمزي، كما في الإعلام الإيراني، بحاجة إلى تركيز الدراسات الأكاديمية العربية على هذه الظاهرة المتعددة الأوجه التي غصت بها جدران وسائل الإعلام الإيرانية وشبكة التواصل الاجتماعي، حيث مر خطاب الكراهية والعنصرية الإيراني بعدة مراحل منها:

  1. تكرار مقولة الحق التاريخي في زعامة المنطقة، لإقامة امبراطورية الخلاص الشيعي.
  2. الضخ المكثف لتعرض العراقيين الشيعة للاضطهاد أيام حكم صدام، والعزف على وتر الهولوكوست العراقي.
  3. التركيز على تميز العرق الآري وتحقير ما سواه من الأعراق الموجودة في المنطقة.
  4. الاستعلاء من خلال تكرار الأمة الإيرانية-إيران الكبرى-بعث الماضي الفارسي، ولهذه الكلمات مدلولاتها العميقة.
  5. التركيز على نشر مصطلح الإسلام السلفي الوهابي الطالباني وما انبثق منه من حركات كالقاعدة وداعش وغيرها، علماً بأن النظام الإيراني يرعى ويستخدم هذه الحركات رغم تدثرها بالغطاء السلفي.
  6. تصوير الشخصية الإيرانية باعتبارها متفوقة على شخصيات المنطقة فهي راقية وذات حضارة، وجدت في محيط متخلف.
  7. العرب من يصنع التوتر من خلال إدخالهم القواعد الأجنبية إلى المنطقة.
  8. تكريس مفهوم الخليج الفارسي.
  9. الصراع: من خلال تغذية عقل المتلقي الإيراني بفكرة الصراع التي تحمل رواسب الماضي، المذهبي والقومي.
  10. الجار العربي الذي يملك المال ويهدد به إيران.

 

يكفي إلقاء نظرة عابرة على عدد وأسماء القنوات الإيرانية أو الممولة من إيران والموجهة للعالم الإسلامي تأملوها:

الأنوار الأولى -الأنوار الثانية -الحجة -المعارف -فورتين -قناة المهدي -"قناة فدك" -الفرات -بلادي -كربلاء -الثـقلين -الغدير -الأوحد -العهد -الكوثر -المنار -المسار -المسار الأولى -الكوت -العالم -مجموعة العراقية -الفرقان -طه -السلام -بريس تي في -الاتجاه -هدهد للأطفال -قناة الأفلام -هادي للأطفال -قناة الولاية -قناة المصطفى -الإمام الرضا -الدعاء الفضائية -الصراط الفضائية -النعيم الفضائية.

لقد تحول الخطاب الإعلامي الإيراني من مرحلة الدعاية الرمادية التي تتخفى وراء شعارات المقاومة والوحدة الإسلامية والأخوة في الله كما كانت تروج مجلات الثمانينات من قبيل مجلة الوحدة الإسلامية ومجلة العالم أو خطاب قناة المنار في بدايات بثها الفضائي لتمارس لاحقًا خطابًا مذهبيًا فجًا يحض على كراهية الآخر ويبحث عن مواطن الخلاف ويروج لسياسات الهيمنة الإيرانية بشكل معلن، وقد لعبت الثورة السورية دورًا مهمًا في إماطة اللثام عن الخطاب الدعائي الإيراني حيث أصبحت السياسة الإيرانية الرسمية في مواقفها من المشهدين السوري واليمني واضحة المعالم، من خلال :

  • التركيز على رسائل إعلامية ذات مضامين من قبيل نحن طيبون.. وهم أشرار.
  • إن عدونا في المنطقة والعالم يقوم بقيادة مؤامر دولية ضدنا ويهدد حضاراتنا الفارسية العريقة.
  • الاستجابة الوحيدة للتعامل مع العدو هي امتلاك قدرات عسكرية غير تقليدية.
  • على المواطن دعم سياسة بلاده الخارجية للحافظ على أمنه.

 

سبل المواجهة:

  • ‏التربية الإعلامية الناقدة، وأن تكون ضمن المقررات الدراسية في جميع مراحل التعليم.
  • التوعية الإعلامية المهنية المستمرة.
  • لابد أن يتسم الإعلام المضاد بالكيف وأن يُتبنى رسميًا وشعبيًا وأن يُبذل عليه أضعاف ما تبذله إيران.
  • ‏ لإدراك أهمية ‫الإعلام الإيراني وأثره؛ لابد من معرفة أن هذه القوة الناعمة القائمة منذ عقود هي التي مهدت لإيران اجتياح العواصم العربية.
    • ‏لمواجهة الإعلام الإيراني لابد من إقامة جسور التفاهم مع المجتمع الإيراني من خلال قنوات فارسية تشرف عليها مراكز البحوث والدراسات، والإعلاميون المتخصصون.
    • ‏ لابد من إيجاد مطبخ إعلامي سياسي من خبراء إعلاميين متمرسين في الشأن الشيعي والإيراني يقدم المشورة والتوجيه لأي حدث، أو بيان.
  • ‏ لابد من تكثير المنابر الإعلامية المقاومة للتشيع، وبعدة لغات ، موازاة لما يسلكه الإعلام الإيراني.
    ‏• نحتاج وبعزم إلى حملة تطهير قنواتنا الإعلامية المختلفة من أبواق إيران الصريحة والمستترة.
    •‏ النشاط في الإعلام الموجه للداخل الإيراني، ومناطق نفوذه الخارجي كما تنشط في مناطقنا لنخاطب الجمهور الإيراني بجميع لغاته وقومياته عبر وسائل متطورة.
    • ‏ معرفة نقاط ضعف الإعلام الإيراني، وتجنبها، ومنها:

‏-النزعة المذهبية والطائفية.

‏-تبنيه أضعف نظرية أنجبها العقل (نظرية ولاية الفقيه)

  • تغليب الجنس الفارسي على ما سواه من الأجناس حتى وإن كانت شيعية.
  • ‏‫الإعلام الإيراني إعلام ممول وميزانيته مفتوحة دون قيد، ويتحتم لمواجهته دعم سخي وبذل مستمر حتى يتم إجهاض تحركه وإنهاء أثره.
  • تفعيل دور السفارات السعودية وملحقاتها الثقافية، وأن تعمل بنفس الطريقة التي تمارسها سفارات إيران وقنصلياتها وملاحقها في الخارج.
مقالات لنفس الكاتب