array(1) { [0]=> object(stdClass)#11873 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 169

إحلال السلام في ليبيا يحقق مكاسب اقتصادية لدول الجوار تصل إلى 162 مليار دولار

الخميس، 30 كانون1/ديسمبر 2021

 

عندما انعقد مؤتمر برلين الثاني حول ليبيا بتاريخ 23 يونيو 2021م، كان تفاؤل المشاركون تحت رعاية الأمم المتحدة يبدو واضحًا في خلاصات المؤتمر، لاسيما ما ورد في البند الثالث منه، الذي قدم وصفًا دقيقًا للبيئة العامة في ليبيا في أبعادها الإيجابية:" لقد تحسن الوضع في ليبيا بشكل جوهري منذ عقد مؤتمر برلين حول ليبيا في 19 يناير 2020م، فقد توقفت الأعمال العدائية، وهناك وقف لإطلاق النار قائم. كما تم استئناف إنتاج النفط، وأيضًا استئناف حوار سياسي شامل للجميع يقوده ويملك زمامه الليبيون بين كل الأطراف والجهات الفاعلة الليبية وتحت رعاية الأمم المتحدة. وتم إيجاد سلطة تنفيذية مؤقتة وصادق مجلس النواب على حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة". وما بين مؤتمر برلين الثاني ونهاية سنة 2021م، انتظر الليبيون والمجتمع الدولي وكل الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في النزاع الليبي تاريخ 24 ديسمبر 2021م، المحدد في خارطة الطريق المنبثقة عن لجنة الحوار السياسي الليبي، لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لوضع حد نهائي للمراحل الانتقالية المتعثرة التي عطلت إقامة مؤسسات سياسية ودستورية تضفي الشرعية على القائمين على المهام التنفيذية والتشريعية والأمنية، وتصدر بذلك شهادة الوفاة لكل الانقسامات المناطقية والمؤسساتية والأمنية، شرقًا وغربًا.

وعليه نتساءل مع نهاية سنة 2021م، عن الفرص والتحديات التي ستعرفها ليبيا في المستقبل القريب لسنة 2022م، فيما يخص الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانعكاساتها على بناء المؤسسات الشرعية في ليبيا وتأثير ذلك على أمن واستقرار دول الجوار الليبي.

أولاً، الانتخابات الرئاسية والبرلمانية: الفرص والتحديات.

تمثل الحالة الليبية في علم الانتقال الديمقراطي وفق مقاربات صاموئيل هانتغتون في كتابه المصدر حول الموجة الثالثة للديمقراطية في القرن العشرين، نموذجًا لنمط التحول الديمقراطي المزيج بين نمط التحول الإحلالي ونمط التدخل الأجنبي، وهو ما يقدم لنا بعض الخلفيات النظرية لتقييم التجربة الليبية طيلة المراحل الانتقالية (2011-2021م) لما بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي الذي هيمن على السلطة لما يزيد عن أربعة عقود (1969-2011م)، حيث صاحب السخط الشعبي المطالب بالتغيير الجذري للنظام صدام دموي عنيف، وتدخل عسكري أجنبي لإسقاط النظام، وهو ما أنتج تحديات أمنية وسياسية لبناء الدولة الجديدة المنشودة، تمثلت أساسًا في تفكيك المؤسسة الأمنية المسيطرة على الحكم واستبدالها بجماعات مسلحة متشرذمة ومنقسمة استقوت بالمرتزقة والقوات الأجنبية، استبدلت ولاءها للقبيلة والجماعات الأيديولوجية على حساب السلطة المركزية الغائبة المفككة. ومن جهة أخرى، انهارت المؤسسات الحكومية القائمة على نمط الحكم الشخصي والمتمركزة على الأيديولوجية الجماهيرية الرافضة لكل أنماط الديمقراطية الغربية، بشعار " لا سيد ولا مسود في الجماهيرية" و "من تحزب خان"، وهو ما كرسته أدبيات الكتاب الأخضر الذي طرح نظرية عالمية ثالثة مناهضة للنظامين الرأسمالي و الاشتراكي.

وإذا حاولنا أن نوثق الانعكاسات العامة لهذا النموذج من التحول الديمقراطي طيلة المرحلة الانتقالية الطويلة، العنيفة والدموية، لا نجد أفضل من البند الرابع لخلاصات مؤتمر برلين الأول المنعقد بتاريخ 19 يناير 2020م، الذي كان أكثر تشاؤما من مخرجات برلين الثاني الذي سبق وأن أشرنا إليه في المقدمة، حيث جاء في البند الرابع :" إن النزاع في ليبيا وانعدام الاستقرار في البلاد، إضافة إلى التدخلات الخارجية والانقسامات المؤسساتية وانتشار كميات كبيرة من الأسلحة دون رقابة والاقتصاد القائم على السلب والنهب، كلها لا تزال تمثل تهديدًا للسلام والأمن الدوليين كونها توفر التربة الخصبة للمهربين والمجموعات المسلحة والمنظمات الإرهابية؛ فقد سمحت لتنظيمي القاعدة وداعش بالانتعاش على الأراضي الليبية والقيام بعملياتهما في ليبيا وفي بلدان مجاورة. كما أنها سهلت حدوث موجة هجرة غير شرعية زعزعت المنطقة وأفضت إلى تدهور هائل في الوضع الانساني".

والنتيجة العامة لما بعد نظام القذافي، أن المجتمع الليبي وجد نفسه أمام تحديات لا تزال قائمة، تتمحور بالأساس حول نمط الحكم الأفضل الذي سيضمن الاستقرار السياسي في ليبيا ويجمع كل القوى المجتمعية والسياسية، لتجاوز التناقضات المصلحية الفردية والجماعية التي تطغى عليها الصراعات من أجل الاستحواذ على السلطة والثروة والنفوذ باستخدام الأدوات العنيفة غير المشروعة في غياب السلطة الشرعية. 

وانطلاقًا من تشخيص هذه البيئة العامة الليبية، فإن الخيارات الواقعية لبناء التحول الديمقراطي عكست النمط التحولي الذي يمزج بين الداخلي والخارجي، مع طغيان التوافقات الدولية والإقليمية على الإرادة الداخلية، كما كرسه مؤتمر برلين الأول والثاني، حيث اتفقت القوى الدولية ذات المصالح في ليبيا على خريطة الطريق للحوار الليبي تشمل ثلاثة مسارات متكاملة، السياسية، الأمنية والاقتصادية، إذا تعثرت الواحدة منها تأخرت كل الرزنامة الزمنية المسطرة لبناء المؤسسات الشرعية. والملاحظ في هذه المسارات التي ترعاها الأمم المتحدة بتوصيات من مؤتمر برلين والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الأممي، أنها حققت نتائج جد إيجابية، إذا تم قياسها بالمؤشرات الأمنية، السياسية والاقتصادية. فمن الناحية الأمنية، استطاعت اللجنة العسكرية والأمنية المشتركة المعروفة اختصارًا بـ" لجنة 5+5" بأن تحقق توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في 23 أكتوبر 2020م، بين الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني التابع للقيادة العامة للقوات المسلحة، في مكتب الأمم المتحدة في جنيف، وتم تفعيل الاتفاق الأمني بعد جولات من الحوارات واللقاءات داخل ليبيا في غدامس وسرت ومرسى البريقة، استطاعت أن تعيد الهيكلة الأمنية لحرس المنشآت النفطية التي كانت تشكل جوهر الصراعات اللامتناهية على من يحتكر إدارة النفط، إضافة إلى تدابير مشتركة لبناء الثقة بين الطرفين تمثلت في تبادل أسرى الجيش الوطني الليبي وأسرى حكومة الوفاق الوطني. ساهم التقدم الكبير المحرز على مستوى المسار الأمني في إعطاء ديناميكية أكبر للجنة الحوار الاقتصادي الليبي فيما يخص الإدارة الشفافة لعائدات النفط وتوحيد المؤسسات الاقتصادية السيادية، لا سيما البنك المركزي الليبي، الشركة الوطنية للنفط وصندوق الاستثمارات. إلا أن الواقع الاقتصادي في ليبيا نتيجة استمرار غياب المؤسسات السيادية الشرعية يوصف بالحالة الكارثية، وهو ما تقدم به الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتراس، في تقريره لمجلس الأمن المؤرخ في 19 يناير 2021م، مما جاء فيه:" الاقتصاد الليبي على شفا كارثة ويقترب قطاع خدمات المرافق العامة، بما في ذلك الكهرباء والماء، بشكل خطير من حالة فشل شامل بسبب انعدام الأمن والافتقار إلى التمويل الإنمائي في آن واحد، وقد تسبب إغلاق النفط إلى جانب النزاع الدائر في إلحاق أضرار بالاقتصاد تمتد على أجيال، بما في ذلك الدين الوطني الذي يقارب 97 بليون دولار أمريكي".

وفي الواقع، فإن النجاحات المكتسبة على مستوى المسارين الأمني والاقتصادي يشكلان القوتين الدافعتين لتكملة المسار السياسي، بحيث تقتنع القوى المتصارعة حول احتكار القوة والثروة أن الإدارة التوافقية هي أفضل السبل لإنهاء مأزق الدم والألم الذي يدفع فاتورته المكلفة الشعب الليبي لما يعيشه من كوارث إنسانية بسبب استمرار الصراعات حول السلطة التي يغذيها تدخل القوات الأجنبية والمرتزقة التي لاتزال من بين القضايا الأمنية المعلقة رغم التقدم المحرز في المسار الأمني.

وإذا حاولنا أن نقيم المسار السياسي الذي أنتج خارطة طريق وفق رزنامة زمنية محددة للانتخابات الوطنية الرئاسية والبرلمانية، فإنها تعكس لنا النتائج الطبيعية والموضوعية لنمط التحول الديمقراطي المزيج بين التحولي والتدخل الخارجي، فعلى مستوى النمط التحولي، تتضح الرغبة الليبية الشعبية في المشاركة في البناء المؤسساتي، حيث استطاعت لجنة الحوار السياسي الليبي المتشكلة من 75 عضوًا أن تصل إلى تحديد تاريخ 24 ديسمبر 2021م، لإجراء الانتخابات الوطنية تخليدًا للذكرى السبعين لإعلان استقلال ليبيا الذي يصادف سنة 1951م، وهي الرمزية التي تطمح من خلالها النخبة السياسية والمجتمعية الليبية إلى بناء نموذج جديد للسيادة المستقلة عن كل الولاءات الخارجية والقبلية، مصدرها الإرادة الشعبية المعبر عنها بانتخابات حرة، نزيهة وتنافسية. كما تظهر الرغبة الشعبية في البناء الديمقراطي ذلك الإقبال الكبير على التسجيل في القوائم الانتخابية حيث أحصت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات مليونين ونصف مليون ناخب، مع إقبال قوي على الترشح في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهي ظواهر صحية في الانتخابات الديمقراطية التي تضفي الطابع التنافسي للعملية الانتخابية.

وإذا كانت هذه بعض المؤشرات الإيجابية لنمط الانتقال الديمقراطي التحولي، فإن المشهد السياسي الليبي في المرحلة الانتقالية يفتقد لأهم محركات العملية الديمقراطية، وهي الظاهرة الحزبية التي تشكل الوعاء الإيديولوجي للجماعات التي تعمل في إطار برنامج سياسي للتنافس على السلطة، وهذا ما يتضح في المرشحين الأساسيين للرئاسة الليبية، حيث القاسم المشترك بين خليفة حفتر، سيف الإسلام القذافي، عبد الحميد الدبيبة، عقيلة صالح، الاعتماد على النمط القبلي بدلا من مؤسسات سياسية أو حزبية معاصرة تتجاوز سقف خيمة القبيلة والعشيرة والمناطقية، وتقريبًا معظم البيانات المقدمة حول المرشحين الأساسيين تشبه هذا الوصف:" يعتبر سيف الإسلام امتدادًا لنظام معمر القذافي، ويحظى بدعم القبائل الممتدة من سرت شمالا إلى غات في الجنوب الغربي، مرورًا ببني وليد والشويرف وبراك الشاطئ وسبها، وهي مدن وبلدات تقطنها قبائل القذاذفة والورفلة والمقارحة والطوارق، الأكثر ولاءً للنظام السابق". ويعطينا هذا الوصف، التحديات المستقبلية لبناء الديمقراطية في ليبيا بحيث يصعب التغيير الجوهري في ظل الصراعات القبلية والشخصية، مما يعيد إحياء فتنة الثأر والأحقاد الدفينة بين الشخصيات المحسوبة على النظام القديم، حالة سيف الإسلام القذافي، أو المنشقة عنه، خليفة حفتر، عقيلة صالح وعبد الحميد الدبيبة، وهذا ما جعل الانتخابات الرئاسية تعرف جدلاً سياسيًا وقانونيًا، دفع بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات لتأجيل الإعلان عن القائمة الاسمية النهائية لمرشحي الرئاسة، التي كان من المفروض أن يتم الإعلان عنها بتاريخ العاشر من ديسمبر 2021م، ليستفيد المرشحون من المدة القانونية للحملة الانتخابية المحددة بأسبوعين، وقد بررت مفوضية الانتخابات هذا التأجيل لأسباب قضائية وقانونية. ويمكن إرجاع سبب التأجيل وهو الأقرب إلى الواقع، إلى تصاعد الصدامات العنيفة بين أنصار سيف الإسلام القذافي وأتباع خليفة حفتر، الذي بدأت ملامحه الأولى تظهر بعد إغلاق مؤيدو حفتر محكمة سبها باستخدام قوة السلاح، لمنع القذافي الابن من إيداع الطعن فيما يخص رفض ترشحه من قبل المفوضية العليا للانتخابات. كما أن تعليل مفوضية الانتخابات بانتظار استنفاذ جميع الإجراءات القانونية والقضائية، قد تمس مباشرة سيف الإسلام القذافي المتابع من قبل المحكمة الجنائية الدولية، التي طالبت من جميع الدول التعاون معها لاعتقاله من أجل مثوله أمام المحكمة بشبهة ارتكابه جرائم ضد الإنسانية.

وفي المحصلة العامة، فإن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تشكل انعكاسًا أمينًا لطبيعة القوى المتنافسة على السلطة، بين فئة تريد العودة لاستمرارية النظام القديم من جهة، وفئة امتلكت واستحوذت على السلطة والقوة في المرحلة الانتقالية وتبحث عن استمراريتها في البقاء في السلطة، ويمثل هذا النموذج عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة الانتقالية، وعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، وهو ما أثار الكثير من التحفظات على نزاهة العملية السياسية، خصوصًا بالنسبة لعبد الحميد الدبيبة الذي كان يقود حكومة انتقالية هدفها تحضير وإقامة الانتخابات الرئاسية والنيابية، المفترض أن يكون شخصية عامة حيادية ونزيهة وغير معنية بالمشاركة في الانتخابات، مما جعل الكثير من معارضيه يلوحون بالمادة الثانية عشر من قانون الانتخابات التي تشترط على كل مترشح مدني أو عسكري إلى منصب الرئاسة التوقف عن ممارسة مهامه قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر. بينما توجه الاتهامات لرئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، بأنه لم يعرض قانون الانتخابات الرئاسية لتصويت البرلمان، وتم إدراج مواد قانونية على مقاس اللواء المتقاعد خليفة حفتر بعبارة، "يسمح لكل مدني أو عسكري إذا لم ينتخب يعود لسابق عمله"، والمتعارف عليه في جميع الأنظمة الديمقراطية، أن العسكري أثناء أداء مهامه يقدم استقالته الكاملة في حالة تفرغه للحياة المدنية والسياسية، ولا يمكنه العودة للعمل العسكري حفاظًا على استقلالية المؤسسة الأمنية والعسكرية، لاتقاء شبهات استخدام النفوذ والقوة للتأثير على نتائج الانتخابات.

هذا الجدل السياسي والقانوني، هو الذي دفع بالكثير من الملاحظين ليتساءلوا عن انعكاسات هذه الانتخابات على مستقبل الاستقرار السياسي في ليبيا، وفق مجموعة من السيناريوهات أكثرها ثقلا، سيناريو التأجيل، وهو الأقرب إلى الواقع من أجل استكمال القائمة الاسمية المرشحة للانتخابات الرئاسية، وإدارة الانتخابات بطريقة تضامنية بين المفوضية العليا للانتخابات والمجلس الأعلى للقضاء، ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. يدعم هذا الاتجاه المجلس الأعلى للدولة الذي اقترح تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى تاريخ فبراير 2022م، وتنظيمها متزامنة مع الانتخابات البرلمانية.

ويمكن في هذا الإطار، أن تمنح الفرصة للأطراف الليبية المتعارضة أن تجتمع حول مقاربة توافقية تطرحها المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفاني ويليامز، باعتبارها صاحبة الخبرة في هندسة مخرجات الحوار السياسي الليبي وعملية وقف إطلاق النار، ولكن في الوقت ذاته تتلقى بطريقة موازية الدعم الأمريكي والغربي، باعتبارها دبلوماسية أمريكية، وتمثل الرؤية الأمريكية البرغماتية في إدارة النزاعات الداخلية ذات المصالح المتناقضة. ونشير هنا، أن تعيين ستيفاني ويليامز بالنسبة للأمين العام للأمم المتحدة تمثل طوق النجاة، بعد استقالة المبعوث الأممي الخاص، السلوفاكي يان كوبيش، بعد يوم من إغلاق باب الترشح إلى الانتخابات الرئاسية وقبل شهر من التاريخ المحدد لإجرائها، لأسباب عللت دبلوماسيًا بأنه لا يشعر بالدعم الكاف، ولكن عمليًا يدرك أن العملية الانتخابية بدون توافقات دولية يصعب إنجازها في غياب متغيرات نمط التحول الديمقراطي التوافقي.

وفي هذا المجال، سننتقل إلى المستوى الثاني لنمط الانتقال الديمقراطي في ليبيا الذي يفترض مجموعة من العوامل الخارجية من أجل التوصل إلى الرسوخ الديمقراطي، أهمها، توافق المجموعة الدولية والقوى الإقليمية ذات المصالح المتناقضة في ليبيا على دعم العملية السياسية وفق توازن المصالح، وهذا ما كان يبدو نسبيًا في مؤتمر برلين الأول والثاني، إلا أن المصالح المتناقضة في كثير من الأحيان تساهم في عرقلة مسار العملية السياسية في ليبيا بسبب الأنانيات الضيقة للقوى الدولية التي تبحث عن مصالحها الحيوية، ونشير هنا على سبيل المثال إلى تحفظ تركيا على المادة الخامسة لمخرجات مؤتمر برلين الثاني حول ليبيا، التي تنص على سحب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة دون تأخير، مع العلم أن تقديرات الأمم المتحدة في تلك الفترة كانت تشير إلى تواجد ما يقارب 20 ألف مرتزق أجنبي يتم توظيفهم في الصراعات الداخلية والخارجية. أما المثال الأقرب إلى العملية الانتخابية والذي يوضح صراع الأنانيات الدولية الضيقة، يبرز في دعم أو رفض ترشح سيف الإسلام القذافي للانتخابات الرئاسية، فبينما دعمت روسيا ترشح سيف الإسلام وعارضت بشدة إقصاءه في المرحلة الأولى من قبل المفوضية العليا للانتخابات، حيث عبرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بقولها:" من المثير للاهتمام أنه تم استبعاد عدد من الناشطين البارزين في البلاد من قائمة المترشحين في الانتخابات لمنصب الدولة الأعلى في ليبيا، بما في ذلك سيف الإسلام الذي يحصد حسب استطلاعات الرأي العام شعبية متزايدة". ولم يكن خفيًا على الخبراء المتابعين للشأن الليبي، الدعم القوي الذي تلقاه نجل القذافي من قبل روسيا، ففي صيف سنة 2020م، نشرت صحيفة تايمز البريطانية تقريرًا لمراسلها الحربي، أنتوني لويد، عرض فيه قضية السجينين الروسيين ماكسيم شوغالي وسمير سعيفان، تم اختطافهما من قبل جماعة مسلحة مقربة من حكومة الوفاق الوطني، كانا يعملان على خطة أعدها الكرملين تدعم سيف الإسلام ليكون القائد الجديد في ليبيا، ومن محاور الخطة الروسية إنشاء حركة سياسية يقودها نجل القذافي يطلق عليها تسمية" نهضة ليبيا" تتلقى الدعم الروسي في المجال السيبراني لتهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لعودة القذافي بصورة المنقذ لحالة الفوضى والخراب، وهي خبرة اكتسبتها روسيا في تغلغلها في القارة الإفريقية لا سيما في الساحل الإفريقي في الفترة الأخيرة. ونفس المعلومات تناقلتها الوكالة الأمريكية بلومبرغ، في أغسطس 2021م، تشير إلى سعي روسيا لتنصيب سيف الإسلام حكما لليبيا، إذ يعتبر بوتين ملف ليبيا قضية شخصية ومصلحية.

مقابل الدعم الذي يتلقاه نجل القذافي من روسيا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وتدعمها القوى الأوروبية الغربية ترفض عودة سيف الإسلام للمشهد السياسي الليبي، ولهذا الرفض تبريره حسب الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية، صامويل وربيرغ، الذي صرح قائلا:" إن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي يصعب عليهما تصور وجود سيف الإسلام القذافي يتقلد منصبًا حكوميًا في ليبيا، لأنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية وخاضع للعقوبات الدولية". ولدعم الموقف الأمريكي اتخذ المجلس الأوروبي مجموعة من الإجراءات التقييدية ضد مجموعة "فاغنر" الروسية، حيث سيتم تجميد الأصول المالية للكيانات والأشخاص داخل الاتحاد الأوروبي، وتستند التدابير التقييدية على نظم العقوبات الأوروبية المختلفة من ضمنها تلك المتعلقة بالوضع في ليبيا وسوريا.

 ليبيا إلى أين؟

انطلاقًا من تشخيص الأوضاع السياسية، الأمنية والاقتصادية في ليبيا، فإن الخيارات الواقعية التي تطرح أمام القوى الدولية والإقليمية، لبناء الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا يتطلب القناعة بأن استمرار الرهانات على بعض القوى المحلية في ليبيا لفرضها على إدارة البلاد دون مراعاة للخصوصيات المجتمعية، والتأخر المفرط في فتح ملف المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية التي تستوجبها المراحل الانتقالية الديمقراطية، ستجعل العملية السياسية تعود لمربع الصفر من خلال توسيع الانعزال القبلي واستخدام قوة السلاح لفرض الإرادات المتناقضة بحثا عن قوة الأشخاص والجهات على حساب ما تم إنجازه من مكاسب لصالح السلطة المركزية، بالسعي نحو توحيد المؤسسة الأمنية-العسكرية، وتوحيد المؤسسة النفطية والبنكية، التي تحتاج بدورها لمؤسسات سياسية شرعية قائمة على دستور متفق عليه يخضع لإرادة وسيادة الشعب الليبي الذي لم يجد الفرصة المناسبة بعد لممارسة هذا الحق الذي يعد أحد الركائز الأساسية لنقل الصراعات المستديمة والدموية من الشارع إلى دائرة التنافس السياسي داخل أبنية البرلمان وقصر الحكومة، وفق برامج سياسية واقتصادية يزكيها الشعب بانتخابات دورية.

ولعله من المفيد في النهاية، أن نذكر بأن الاستقرار السياسي المنشود في ليبيا لا يعود بالفائدة فقط على الشعب الليبي وإنما سيحقق منافع كبيرة لدول الجوار، وهذا ما توصلت إليه دراسة صادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، صدرت في شهر يونيو 2021، تشير إلى أن إحلال السلام في ليبيا سيحقق مكاسب اقتصادية لدول الجوار، لا سيما مصر، تونس، الجزائر، والسودان، تصل إلى 162 مليار دولار إلى غاية 2025م، كما أن المشاريع الاستثمارية وإعادة البناء بعد بناء السلام في ليبيا ستعود بالمكاسب الاقتصادية على الشركاء الدوليين لليبيا، مثل إيطاليا، ألمانيا، فرنسا وتركيا. فإذا كانت فرص السلام تحقق هذه المكاسب الاقتصادية المتبادلة بين الشعب الليبي وجيرانه وشركائه فمن الذي لا يزال يدعم استمرارية حالة الفوضى والألم في ليبيا؟ وللقصة بقية.

 

 

مقالات لنفس الكاتب