array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 169

بداية الحرب الباردة .. وانتهاء أزمة أوكرانيا بالتراجع عن عضويتها في حلف الناتو

الخميس، 30 كانون1/ديسمبر 2021

مرت سنة 2021م، كغيرها من السنوات على العالم، بصفة عامة، وعلى المنطقة العربية، بصفة خاصة، وفيها، مع الأسف، من السلبيات والكبوات ما هو أكثر من الإيجابيات. ومعروف، أنه لا توجد، في عالم اليوم، أي "منطقة" تعاني ما تعاني منه المنطقة العربية من اضطراب وقلاقل، وعدم استقرار، وصراعات، وحروب. هناك مناطق إقليمية كثيرة مرت (وتمر) بمراحل من الصراع والاضطراب والحروب، ثم عادت واستقرت، وساد فيها الأمن والسلم، وعلى أسس مقبولة من قبل غالبية أهلها... الذين يبدو أنهم يرضون بواقعهم السياسي الراهن، بصفة عامة. وقد أسبغ ذلك "الرضا" ديمومة وصلابة (نسبية) للاستقرار والأمن والسلام فيها.  كما مرت المنطقة العربية نفسها، في مراحل تاريخية معروفة، بفترات مستقرة، وأخرى عصيبة ... ساد فيها النزاع والاضطراب والحروب. ولكنها الآن، بصفة عامة ومنذ عقود، في وضع أسخن نسبيًا.

      يطــلق على هـــذه المنطقة عالميًا مصطلح "الشــرق الأوسط" (Middle East)) وأحيانًا يشار اليها بـكلمة " مينا" (MENA) أي تلخيصًا لمصطلح: (Middle East and North Africa). أو "شرق العجائب الأوسط"، كما يسميها البعض، وتضم الدول العربية، وكل من تركيا وإيران وفلسطين المحتلة. ويقدر عد سكان هذه المنطقة بحوالي 500 مليون نسمة، بما يشكل حوالي 6% من إجمالي سكان العالم. وحوالي 91,2% من السكان المسلمون. وبهذه المنطقة حوالي 60% من الاحتياطي العالمي للنفط، وحوالي 45% من احتياطي العالم من الغاز الطبيعي.

                                     

    ومن السياق، نرى أن كلمة "الرضا" تستحق، بالفعل، التوقف عندها للحظات، قبل الاسترسال في حديثنا.  فمن ذلك، ربما يتبين للقارئ إن "رضا" غالبية المعنيين هو المتطلب الأول لقيام الاستقرار السياسي الحقيقي، ومن ثم الأمن والسلام. وبالتالي، فإن: عدم رضا غالبية المعنيين يسبب عدم الاستقرار، ومن ثم الاضطراب، وغياب، واهتزاز الأمن، والسلم.  تلك هي المسألة ... بمنتهى التبسيط. وتلك حقيقة كثيرًا ما تغفل، أو تحاط ببعض الغموض. انظر من حولك في أغلب المنطقة ... وتساءل: ما مدى رضا غالبية أهلها-النسبي -عما هم عليه وفيه ...؟! الجواب معروف مقدمًا، وفحواه هو: السبب الأول –الرئيس لما معظم المنطقة عليه من غليان واضطراب، مستمر ومتقطع. بعض شعوب هذه المنطقة غير راضية، جزئيًا أو كليًا، عما هي فيه. في كثير من أرجاء هذه المنطقة، التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، تجد صراعًا، أو "مشروع صراع"، وفى أغلب الزوايا غضب، وأحقاد، وحنق، وغليان. وفى كثير من المضارب نزاعات ومآس، وتخلف. 

   ونذكر بأن أهم "مؤشرات" هذا العناء المضاعف الذي ابتليت به أغلب أنحاء المنطقة (والذي ينتج عن المسببين الرئيسين العتيدين، الذاتي والخارجي) هو: تعثر وبطء التنمية الشاملة، داخليًا، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي بخاصة، واستحكام حلقة "الفقر – الجهل – المرض" في تلك الأنحاء، رغم ما تحظى به من موارد.... كانت ستجعل منها بلدانًا مزدهرة، لو حظيت بإدارة سليمة.  وكذلك هشاشة الوضع الأمني، والضعف في الساحة الدولية، والمعاناة من تداعيات عدم الاستقرار والتشرذم.  إضافة إلى غياب أي تطبيق يذكر للمبادئ / القيم المبجلة عالميًا وإنسانيًا.  فلعل جزءًا من أرجاء هذه المنطقة من أكثر مناطق العالم بعيدة من تفعيل وتطبيق هذه المبادئ ... والتمتع بما ينجم عن ذلك التطبيق من خير وراحة واطمئنان.

                                            

     ولا يجادل أحد في مدى أهمية هذه المنطقة، وما تحظى به من إرث حضاري عريق، وموارد بشرية ومادية هائلة، وإمكانات طبيعية فريدة.  ولكن كل هذه الإمكانات، أو معظمها، كانت (وما زالت) أحد أبرز أسباب ما تعانيه من محن وقلاقل. أي أن معظم هذه الإمكانات لم تسخر لخدمة المنطقة، بقدر ما استغلت (في كثير من الحالات، أو بعضها) ضدها، أو لغير صالح غالبية أهلها ...؟!

     في هذه المنطقة قامت اثنتان من أهم وأقدم أربع حضارات إنسانية في التاريخ.  وقدمت هذه المنطقة لبقية البشرية الكثير من الإسهامات الحضارية، التي تنتفع الأجيال بها في كل مكان.  وكانت المنطقة – وما زالت – مهد الأديان الإبراهيمية الثلاثة. ومن حيث "الموقع"، فإن المنطقة تتربع في نقطة الوصل بين قارات العالم القديم، آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتشرف على أهم طرق المواصلات البحرية على الكرة الأرضية.  وفى الوقت الحاضر، يعرف العالم أنها تحتوي على مخزون الطاقة الأكبر (نفط، غاز) في كوكب الأرض، إضافة إلى ثروات طبيعية هامة أخرى، لا توجد (بنفس الكم والكيف الإيجابي) في غيرها من المناطق.

    ولهذه الأسباب، وغيرها، كانت هذه البقعة – وما زالت – محل اهتمام وأطماع القوى الدولية الكبرى. وكانت (وتظل) ميدانًا للتنافس "الاستعماري" بين هذه القوى.  وكثير من أنحاء هذه المنطقة تعتبر أكثر البلاد تعرضًا لما يعرف بـ "الاستعمار الجديد "، كما يقول كثير من علماء السياسة الأمريكيين، وغيرهم.  فالهيمنة على هذه المنطقة تسهم في السيطرة على العالم. ولا يمكن لأي قوة أن تكون كبرى، أو عظمى، ما لم يكن لها نفوذ قوي ومستتب بهذه المنطقة.  إن الوضع العام الراهن لمعظم هذه المنطقة يجب أن يزعج كل مواطن فيها، وبصرف النظر عن الجنسية التي يحملها.  بل وكل محب للأمن والسلام في هذا العالم.  ذلك لأن الاستقرار السياسي بالمنطقة يعتبر – في الغالب – " كل " واحد -تقريبًا.... وأي اضطراب، أو اهتزاز، في أي جزء فيه يؤثر (غالبًا) على الكل. بل لا نبالغ إن قلنا : إن أي اضطراب قوي بهذه المنطقة يهدد أمن العالم أجمع.

                                          

    وهناك، في الواقع، عدة "مداخل" نظرية وعلمية يمكن الركون إليها، أو لبعضها، لفهم ما يجري في المجال السياسي في هذه المنطقة، أو ما شابهها، فهمًا علميًا وموضوعيًا ... يجلي طبيعة المنطقة، وحقيقة الواقع الذي تعيشه الآن، وأسباب ما هي فيه من أوضاع، والمسار الذي ستسير فيه في المستقبل، إن استمرت أحوالها على ما هي عليه الآن.  وبالتالي، توضيح سبل "تطبيع" أوضاع وأحوال المنطقة، والخروج بها من مسار التخلف والاضطراب والقلاقل الذي تقبع فيه معظم أرجائها، منذ حوالي قرن من الزمان. 

    ونقول هنا: إن حصول الرضا الذي أشرنا إليه آنفا، سيقضي (وتلقائيًا) على معظم المشاكل والإشكاليات العالقة بها، على مدار الفترة المعاصرة.  ويبقى السؤال: كيف، وهل رضا غالبية الناس غاية تدرك بهذه المنطقة ...؟!    يقول بعض علماء السياسة والاجتماع الإنساني: إن الرضا "النسبي" لغالبية المعنيين غاية يمكن أن تدرك ... والدليل تقدمه أمم كثيرة في الوقت الحاضر، عانت من مشاكل مشابهة، ولكنها تجاوزتها، وشفيت مما كانت فيه، واستقرت. التنظيم السياسي -القانوني السليم والحكيم يمكن أن يضمن تواجد ذلك المطلب العزيز .... حتى في هذه المنطقة.

                                      

      ويمكن هنا الجزم بأن: أهم "أسباب" الحال (البائس – بصفة عامة) الذي تعاني منه أغلب بقاع هذه المنطقة، يمكن رده (أو تقسيمه) إلى سببين رئيسين متلازمين، هما: سبب ذاتي، نابع من المنطقة ذاتها، وآخر خارجي آت من قوى دولية لها مطامع ومآرب معروفة بالمنطقة.  وبصفة عامة، يعتقد البعض أن من أبرز أسباب ما تعاني منه معظم أرجاء هذه المنطقة من اضطراب وعدم استقرار وصراعات، يعود لوجود الثلاثي: الاستعمار – الصهيونية – التسلط، منذ أكثر من نصف قرن. وهذا الثلاثي عبارة هو أيضًا عن " ثنائي" ... ذاتي وخارجي ... يمكن إيجازه فيما يلي:

    فهناك، في الواقع، مسببان رئيسان لما معظم هذه المنطقة فيه من ضعف وتخلف واضطراب، هما:                                                                                                                                                           

-  المسبب الذاتي (الداخلي): ويتجسد في أربعة أسباب رئيسة (التسلط في بعض الدول، الطائفية، المذهبية، الإسلاموية) وعدة أسباب أخرى متفرعة.    

-  المسبب الخارجي (الأجنبي): ويتجلى أساساً في: حركة "الاستعمار الجديد"، وما يوضع وينفذ، تجاه المنطقة، من خطط التحالف الصهيوني-الاستعماري. إضافة إلى سيـــاســات "مد ودعم النفوذ " التي تمارسها الدول الكبرى بالمنطقة.                                                                       

                                                                                          

      ويتوقع أن تستمر قوة هذه المسببات على ماهي عليه، لتكرس الوضع المزري العام، لأغلب أرجاء المنطقة.  وبدون فهم سياسات كل من هذه القوى الفاعلة، وفهم طبيعة العلاقات فيما بينها، وفيما بينها وبين غيرها، لا يمكن فهم واستيعاب حقيقة ما يجري بالمنطقة – بصفة عامة – وما يسود فيها من أوضاع، اجتماعية وسياسية وأمنية واقتصادية، غير سارة في غالبيتها. إضافة إلى فهم ما ستؤول إليه أحوالها في المستقبل القريب. إنها المنطقة الوحيدة (تقريبًا) في عالم اليوم، التي تعاني من هذا الابتلاء ... المتمثل في: المطامع الاستعمارية والصهيونية، وسياسات ما يعرف بـ "الاستعمار الجديد "، وقيام ونمو وتوسع وعربدة إسرائيل. إضافة إلى معاناة بعض بلدانها من ظاهرة "أنظمة الضرورة " القادمين عبر وسائل وطرق مشبوهة.

                                         

وباء كـــــورونــــــــا:

    ما زالت الفترة من سنة 2019م، وما بعدها، مرورًا بعامي 2020م، و2021م، وحتى دخول العام 2022م، فترة قاسية وكئيبة...  قاسى معظم العالم خلالها، وما زال، من جائحة كورونا، وسلالاتها الغامضة، ومن تداعياتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية المدمرة.  إذ لم يسبق، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م، أن وضع العالم كله في حالة خوف وترقب، وطوارئ واستنفار وقلق، يشمل كل الكرة الأرضية تقريبًا، ويحيل الحياة فيها إلى ركود وتدهور صحي واقتصادي كــــــــاسح، كـــــــــما يحصــــــل الآن، بفـــــــعل تفــــــشي وانتشــــار فيـــــــروس كـــورونــــا (COVID-19) القاتل، المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة (SARS- Cov-2). أصبح انتشار هذا الفيروس يمثل وباءً عالميًا، بحسب بيان منظمة الصحة العالمية الصادر يوم11 مارس 2020م.

    وهذا الفيروس الغامض المدمر للجهاز التنفسي للبشر ينتقل بين الناس بسرعة هائلة، عبر التنفس واللمس. وقد ظهر في مدينة "ووهان"، بمقاطعة هوبي بالصين، ابتداءً من شهر ديسمبر2019م. ثم أخذ يتفشى وينتشر في العالم كله، انتشار النار في الهشيم، فأصاب سكان كل دول العالم، تقريبًا. وقارب عدد المصابين به في العالم حوالي 266مليون شخصًا، أما عدد من ماتوا بهذا الوباء، فقد بلغ 5,26 ملايين شخصًا، حتى كتابة هذه السطور (ديسمبر 2021م).  لقد اجتاح العالم من شرقه لغربه، ومن شماله لجنوبه. وهذه الجائحة اضطرت حوالي 6 بليون شخص حول العالم للبقاء في منازلهم، في حجر منزلي اضطراري عالمي غير مسبوق. ولنا أن نتخيل آثار هذا الحجر، خاصة الآثار الاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية، البالغة السلبية. فالخسائر الاقتصادية العالمية تقدر الآن بالتريليونات من الدولارات. ولنتخيل مدى الارتباك الصحي الذي تمر به الدول المصابة، رغم أن معظمها من الدول المتقدمة.

                                

    ومازالت هذه الجائحة مستمرة، وتدخل عامها الثالث بقوة. رغم أن العالم الآن يعمل بقوة لوقفها، بعد استحداث لقاحات... تقي منها، ولدرجة معقولة. ولكن خطورة كورونا تزايدت بازدياد عدد السلالات المتحورة من فيروسه الأصلي، وبخاصة سلالة "أوميكرون"  Omicron))، التي تتفشى بسرعة أكبر من بقية سلالات كورونا، ولا تفيد اللقاحات الموجودة الآن في الوقاية منها.  ويعتقد البعض أن سنة 2022م، ستكون السنة التي يتخلص العالم فيها من وباء كورونا المدمر، إن تمكن من محاصرة سلالاته بلقاح مبتكر فعال. وذلك ربما يكفي للتفاؤل بمقدم هذه السنة، وتنفس الصعداء فيها... فرحًا بالتخلص من وباء فتاك.

                                        

العالم والمنطقة عام 2022م:

    وعند محاولة فهم ما يجري، وسيجري، في المنطقة العربية بالذات، لابد من التذكير بأن: فهم – وتوقع – ما سيجري بهذه المنطقة يسهل إن فهمت حقائق وأطر نظرية معينة، أهمها: نظريات: الاستعمار الجديد، النظام العالمي الراهن، الحركة الصهيونية، الحكومات المختلفة، سياسة القوى الكبرى نحو المنطقة..... الخ.  ومراجعة هذه الأطر، والنظر من خلالها، لا تنبئ بخير، من وجهة نظر المصلحة العربية.

     وفي إطار التكهن بأهم ما يحمله العام الجديد 2022م، من تطورات سياسية، يبدو أن معظم القضايا الكبرى، على الساحة العالمية، ستظل كما هي – بصفة عامة-مع تزايد الاهتمام الغربي والعالمي بالأمور الاقتصادية والمالية .... خشية التدهور المعيشي. وبعض القضايا الأخرى ستظل معلقة.                                                                                                                                                    ويعتبر العالم العربي – بصفة عامة – وللأسباب التي ذكرت، وباستثناء بعض أجزائه، أقل مناطق العالم احتمالا للنهوض، إن استمر فكره وتكوينه السياسي، في تلك الأنحاء، على ما هو عليه. هذا ما يردده معظم الخبراء المعنيين، ويقدمون البراهين على ذلك ...

       إذ يتوقع أن يستمر حال أغلب العالم العربي – بصفة عامة– على ما هو عليه، في المدى المنظور.... باعتبار طبيعة "النظام العالمي" الراهن، وتوجهات الغرب المتنفذ الاقتصادية والسياسية الانتهازية. وكذلك استتباب "العوائق الذاتية" المعروفة، التي يعاني منها جل هذا العالم. وقد شهدت الفترة الأخيرة بعض التآكل في قوة القطب الوحيد، المسيطر الآن على مقاليد السياسة الدولية.  وربما يكون هذا "الضعف" (النسبي – بالطبع) هو بداية التراجع (الحتمي) في هيمنته .... ومؤشرًا على تصاعد قوة ونفوذ قوى كبرى قادمة (الصين بخاصة، ثم روسيا، الاتحاد الأوروبي، وغيرهم) قد لا تكون أكثر إنصافًا وأٌقل جشعًا. ومع ذلك، ما زال القطب الأمريكي يقود (عنوة، وبما لديه من عناصر القوة) الكثير من توجهات ومسارات السياسات الإقليمية والدولية الراهنة.

  وسيشهد هذا العام بداية "الحرب الباردة" بين أمريكا والصين. وسيتركز الصراع بين هذين القطبين على عدة محاور، أهمها: جزيرة تايوان، والتمدد الاقتصادي الصيني في آسيا وأفريقيا. ويبدو أن الأزمة الحالية بين روسيا وأمريكا حول أوكرانيا، غالبًا ما ستنتهي بقبول دعم روسيا لشرق أوكرانيا للحصل على الحكم الذاتي ودعمه، مقابل عدم قبول أوكرانيا في عضوية حلف "ناتو".

                                          

      أما "القضايا" الساخنة، التي تشهدها المنطقة الآن، فستظل – على الأرجح –مستمرة في المدى القصير. وأهمها -كما هو معروف -ما تبقى من أحداث وتطورات الربيع الفوضوي العربي، ثم قضية فلسطين، فالوضع المتوتر الخطير في منطقة الخليج بين إيران وأمريكا، بشأن الملف النووي الإيراني وغيره. ثم الأوضاع المضطربة في كل من: العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، اليمن، الصومال. إضافة إلى قضايا الإصلاح والتنمية، مكافحة الإرهاب، وما يرتبط بها من أحداث... وهذه قضايا يمكن استيعابها-وفهم توجهاتها المستقبلية، بموضوعية -عبر فهم الأطر العلمية المشار إليها آنفا. فمن العبث محاولة فهم مشاكل المنطقة وما ماثلها (فهمًا صحيحًا) دون فهم هذه النظريات (والحقائق) العامة التي تقع الأحداث في إطارها ....

    ويبدو أن سنة 2022م، حبلى بمشاكل وأزمات خطيرة (أكثرها بالمنطقة العربية) وهي أزمات قديمة – جديدة. الأمر الذي يبقي الشرق الأوسط بخاصة، كأكثر مناطق العالم سخونة والتهابًا، وقابلية للاضطرابات والقلاقل والحروب، في الوقت الحاضر. وأهم ما يجعله كذلك هما: المسببان العتيدان، وبخاصة الأطماع الامبريالية – الصهيونية فيه، وتخبط أغلب أجزائه – فكريًا وسلوكيًا.  ومن التطورات الإيجابية القليلة المفرحة، التي ستشهدها المنطقة في السنة الجديدة، انعقاد مباريات كأس العالم بقطر، وعودة العلاقات الخليجية – الخليجية إلى الوئام والتلاحم الأخوي. وذلك، سيسلط أنظار العالم أكثر على المنطقة، وعلى ما فيها من إشكاليات.  

                                           

لمحات عن القضايا الإقليمية الأكبر:

     يقول بعض المراقبين أنه طالما استمر الكيان الصهيوني في سياساته الاستيطانية والعدوانية، فلن تشهد المنطقة أمن أو استقرار حقيقيين. فإسرائيل، كما يبدو، لا تريد سلامًا، ولا تستطيع العيش دون عدوان وهيمنة.  لم يمر يومًا واحدًا دون وجود عدوان صهيوني من نوع ما، على هذه الأمة، منذ قيام إسرائيل عام 1948م.  وهي الآن تمتلك أكثر من 250رأسًا نوويًا، موجهة – بالفعل – لمعظم بلاد المنطقة، وتستخدمها (على مدار الساعة) لإرهاب وابتزاز وتهديد شعوب المنطقة، ثم تدعى أن امتلاك هذه الدولة، أو تلك، لقنابل نووية، يهدد أمنها ...؟!

   وسيظل هذا الخطر النووي الماثل من أهم مهددات الأمن القومي العربي. وقد يقود لإشعال حروب مدمرة بالمنطقة... إن كل الدول العربية – تقريبًا – ومعظم دول العالم، هي قطعًا ضد امتلاك إيران، أو غيرها، لأسلحة نووية.  ويجب أن يعمل على تحقيق هذا الهدف بكل الطرق الممكنة، وبحيث يشمل كل دول المنطقة، لا سيما وأن للاستخدام الضمني للسلاح النووي فاعلية تعادل فاعلية استخدامه الفعلي. والمنطق الصهيوني واضح المعالم والغايات، فلسان حاله يقول: لإسرائيل أن تحتكر كل أسلحة الدمار الشامل بالمنطقة، وأن تهيمن على المنطقة وعلى مقـــدراتها، وأن تكـــون هي الآمـــرة الناهية بها، وعلى الرافضين أن يسلموا بذلك ...؟!

     ولا شك أن لإيران، سياسات توسعية عدوانية. وهذه السياسات يتوقع استمرارها، رغم الرفض الشعبي والرسمي الإقليمي والعالمي لها. والمؤمل ألا ينتج عن رفض ومقاومة هذه السياسات الإيرانية، ميل للهيمنة النووية الصهيونية المبيتة والمتوثبة. إذ لا يتصور أن يأمن أحد جانب إسرائيل، طالما بقيت سياساتها تجاه العرب كما هي عليه. وذلك هو أحد أخطر التحديات التي تواجه العرب الآن.  وهو تحد قديم – جديد .... قد يكون في عام 2022م، أكثر حضورًا. إضافة للتحديات الأخرى المعروفة، وفى مقدمتها المشاكل الناجمة عن التسلط والطائفية والمذهبية.

     ولقد شهدت السنوات الأخيرة إحياءً همجيًا مدروسًا لـ "الطائفية" و"المذهبية"، أعد للمنطقة، وتجسد في "حركات" مشبوهة معروفة. ولا شك أن أعداء شعوب هذه المنطقة هم من بادر بإشعال فتيل الطائفية، وصب المزيد من الزيت على نار المذهبية ... فالخلافات والصراعات الطائفية والمذهبية هي أكثر الوسائل فاعلية في تمزيق المنطقة، وشرذمتها أكثر ... انطلاقًا من رغبة هؤلاء في الإمعان في تجزيئ المجزأ، وتمزيق الممزق. وذلك مما يجعل المنطقة أضعف، وأكثر قابلية لسيطرة الطامعين، وهيمنة الغزاة. وذلك هدف صهيوني – استعماري لا يمكن تجاهله. ومن المؤسف أن نرى أن الفتن الطائفية والمذهبية ما زالت تكشر عن أنيابها .... في كثير من أرجاء المنطقة، بسبب أن معظم البيئة العربية مهيأة لهذه الخلافات.  وبسبب إهمال التأكيد على مفهوم "الدولة المدنية"، التي تستوعب الجميع، مهما اختلفوا في إطار قانوني متين واحد. الدولة المدنية تعطي مناعة تامة من سكين الطائفية، وخنجر المذهبية.  ولا يمكن لسكين الأعداء أن يكون ناجعًا، لولا قابلية الضحايا للذبح ... وما أحوج المنطقة للتمسك بهذه الحكمة، خاصة في هذه المرحلة.  وهناك -بالطبع -مشاكل وأزمات أخرى، قابلة للاشتعال والتفاقم، في العام الجديد 2022م. ولمحدودية الحيز المتاح، نكتفي هنا بالإشــارة. ولم يكن القصد تغليب روح التشاؤم، في هذا المقال، على روح التفاؤل. ولكن الواقع، وضرورة تسمية الأشياء بمسمياتها فرضت هذه المصارحة. وكل عام وأنتم بخير.                                     

                                                                               

 

 

 

 

مقالات لنفس الكاتب