array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 169

المتغيرات العالمية تحتاج وقتًا طويلًا لتتشكل القوى المتعددة الفاعلة

الخميس، 30 كانون1/ديسمبر 2021

حالة العلاقات الخليجية-الأمريكية في العام المنصرم تشبه وإلى حد كبير حالة العديد من الملفات الساخنة في المشهد الأمريكي وإن أردنا التعميم فهي حالة السياسة الأمريكية العامة بشقيها الداخلي والخارجي التي أفضل ما يمكن أن توصف به هي حالة الضبابية الحاصلة نتيجة الانقسام الداخلي الحاد وعدم وضوح أهدافها البعيدة ولذلك فهي تعمل بردود الأفعال في مواجهة المتغيرات العاجلة مثل الأوضاع الاقتصادية والتصعيد في الملف النووي الإيراني وارتفاع أسعار النفط والعلاقات المتأزمة مع روسيا والصين.  هذه الورقة تمثل محاولة لإلقاء نظرة على أهم الأحداث في العام المنصرم وآثارها على العلاقات الأمريكية-الخليجية مع محاولة استقراء لما يمكن أن تكون عليه في المستقبل القريب، والله الموفق.

بداية متعثرة لإدارة جديدة في واشنطن

شهدت واشنطن في أول العام المنصرم استلام إدارة جديدة برئاسة الرئيس جو بايدن، وهي مراسم بروتوكولية تجري كل أربع سنوات ومن دون حوادث تذكر، لكنها لم تكن كذلك هذه المرة والسبب يعود إلى أن الرئيس المنتخب وصل إلى المنصب تحت أصعب الظروف إذ أن الرئيس السابق ترامب والذي خسر الانتخابات لم يعترف بالهزيمة بل دعا أنصاره إلى التظاهر واقتحام مبنى الكونغرس أثناء جلسة المصادقة على الانتخابات الأمر الذي أدى إلى حدوث فوضى وأحداث عنف لم يسبق لأمريكا أن واجهتها. هذه الملابسات ألقت بظلالها وماتزال على عمل الإدارة الجديدة لأنها أدت إلى زيادة حدة الانقسام في الكونغرس الذي تأخر كثيرًا في الموافقة على تولي كبار المسؤولين مناصبهم وكذلك تلكؤ الإدارة السابقة في عملية تسليم الملفات الأساسية إلى الإدارة القادمة مما جعلها تسابق الزمن في سبيل تحقيق انتقال سلس للسلطة، وكأن هذا لم يكن كافيًا فإن الإدارة الجديدة ورثت أزمات مشتعلة في العديد من النواحي الداخلية مثل وباء الكوفيد-19، وضرورة إعطاء الاقتصاد الأمريكي المتهاوي تحت وطأة الوباء جرعات إنعاشية، بالإضافة إلى الانقسام المجتمعي الحاد الذي تغذيه المواقف المتشددة لبعض السياسيين ورجال الإعلام والأحداث الأمنية التي تمثلت بالعديد من حوادث الاعتداء على المواطنين من أصول إفريقية سواء من قبل القوات الأمنية أو بعض المواطنين الذين تدفعهم أفكار عنصرية. خارجيًا لم يكن هناك نقص في عدد الأزمات أيضًا التي كان على الإدارة القادمة مواجهتها ومن أكثرها إلحاحًا ترتيب عملية انسحاب آمن للقوات الأمريكية المتواجدة في أفغانستان منذ عشرين سنة، ومعالجة أزمة العلاقات المتشنجة مع الصين ومحاولة احتواء تطلعات روسيا على الساحة الأوروبية.   

أهم التطورات على الساحة الدولية

هناك دلائل تشير إلى حصول عملية تغيير في النظام العالمي الحالي الذي تعود بدايته إلى مؤتمر فيينا عام 1815م، والقائم على مركزية أوروبا والذي تقوده الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية باعتبارها امتدادًا لأوروبا.  أهمية أوروبا بدأت بالتلاشي منذ سنوات عديدة بسبب فقدانها القدرة على قيادة المتغيرات العالمية والتي كان من أهمها ظهور اقتصاد عالمي جديد أساسه التوسع الكبير في وسائل الإنتاج والنمو الهائل الذي نتج عن ذلك، فعلى سبيل المثال فإن حجم الناتج العالمي الذي كان يقدر بأقل من 24 ترليون دولار في عام 1990م، نما بسرعة مذهلة ليصبح أكثر من 85 ترليون دولار بعد ثلاثين عامًا فقط وكان معظم النمو خارج القارة العجوز التي كانت معظم دولها تعاني من مشكلات اقتصادية ناتجة عن زيادة كبيرة في المديونية. القوى الجديدة بدأت تبحث عن أسواق لبضائعها وتحاول تأمين مصادر للمواد الأولية التي تحتاجها وأخذت تزاحم القوى العالمية التقليدية على مناطق النفوذ.  لابد من القول هنا بأن التغيرات التي تحدث في النظام العالمي تجري على وتيرة بطيئة جدًا مقارنة بالأحداث الكبرى، فالدولة العثمانية التي نشأت مع نهاية القرن الثالث عشر وكانت القوة العالمية التي لا منازع لها على مدى قرون من الزمن بدأت عوامل الضعف تظهر عليها مع بداية القرن السادس عشر لكنها بقيت على قيد الحياة حتى بداية القرن العشرين.  نذكر هذه الحقيقة للتدليل على بطء التغييرات العالمية التي قد لا تستغرق قرونًا في زماننا السريع، بل ربما تحدث على مدار عقود قليلة. لذلك فليس من الحكمة انتظارها بل القيام برصدها ومعرفة التوجهات العامة لها والتي كان من أهمها:

   

  1. إعادة النظر في بنية الاقتصاد العالمي: النمو الكبير في الاقتصاد العالمي الذي أشرنا إليه آنفًا جاء نتيجة هيكلية اقتصادية عالمية مبنية على الانفتاح الاقتصادي بين الدول، فالشركات العالمية صارت تبحث عن مراكز الإنتاج التي توفر أرخص اليد العاملة وأقل القيود البيئية والاجتماعية بغض النظر عن مكان تواجد تلك الفرص. ولذلك كان الانفتاح على الصين والهند والمكسيك وغيرها من الدول فأصبحت صناعة السيارات في أمريكا التي كانت متمركزة في ولاية ميشيغن على سبيل المثال، عالمية فالقطع التي تستخدم في صناعة السيارة الواحدة تنتج في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بالإضافة إلى المواد الأولية التي تأتي من مختلف مناطق العالم. هذه الأفكار أصبحت تحت المراجعة الآن ولعدة عوامل من أهمها، أن اليد العاملة في دول آسيا وأمريكا الجنوبية لم تعد قليلة الكلفة كما كانت في السابق، فعلى سبيل المثال فقد ارتفع معدل الأجور في الصين ثلاثة أضعاف في السنوات العشر بين 2010-20م، أما العامل الثاني فكان التطور الكبير في استخدام الميكنة في الإنتاج والتقليل من الاعتماد على العمل اليدوي، ولذلك فإن التنافس اليوم هو ليس بين اليد العاملة في الدول بل بين كلفة العمل اليدوي والعامل الآلي الذي تدنت كلفته ليصبح منافساً لليد العاملة.  ثم كان هناك عامل الكلفة غير المباشرة للإنتاج العالمي والتي تمثلت بفقدان السيطرة على الملكية الفكرية للشركات العالمية والتي أصبحت تشكل عبئًا على تلك الشركات ولم تستطع التقليل منها على مدى العقود الثلاثة الماضية، وهنا ظهر العامل الرابع وهو أزمة الكوفيد-19 التي أحدثت هزة كبيرة في سلسلة الموارد العالمية وكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر الاقتصاد العالمي حيث تعثرت وسائل الإنتاج والنقل والموارد الأولية والأسواق في نفس الوقت، وبدأت الشركات التي كانت بحاجة إلى قطع الغيار تجد الصعوبة الكبيرة في الحصول عليها بسبب إغلاق بعض المصانع أو عدم توفر وسائل النقل. كل هذه العوامل دفعت بالعديد من الشركات الأمريكية إلى إعادة النظر بالأساليب السابقة للإنتاج والعودة إلى فكرة الإنتاج المحلي أو على الأقل التقليل من الاعتماد على التصنيع الخارجي. وقد تقدمت الإدارة الأمريكية بمبادرة اقتصادية تشمل توفير مبلغ ترليون دولار للاستثمار في إعادة بناء البنية التحتية وتوفير الوسائل الأساسية مثل طرق المواصلات وتحديث شبكات الاتصالات لكي تساعد على حل المشكلات اللوجستية التي ظهرت في الآونة الأخيرة وتساعد في جذب الصناعة إلى الأراضي الأمريكية.  

  

  1. إعادة التمحور لمواجهة التحديات الجديدة: أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا إطلاق شراكة استراتيجية في مجال التعاون العسكري والتسليح خلال قمة افتراضية في الخامس عشر من سبتمبر لم يعلن عنها سابقًا جمعت كلاً من الرئيس الأمريكي بايدن ورئيس الوزراء البريطاني جونسون ورئيس الوزراء الاسترالي سكوت موريسون. الغاية من قيام التحالف، وإن لم يتم الإعلان عن ذلك صراحة أثناء القمة، التصدي لتنامي دور الصين العالمي وخصوصًا في المحيطين الهندي والهادي.  كذلك تبذل الدول الأوروبية جهودًا لتوسيع حلف الأطلسي وذلك بضم أوكرانيا والتي هي دولة في الجوار الروسي الأمر الذي رفضه الرئيس بوتين الذي يحلم بإعادة الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفيتي إلى حاضنتها السابقة ولأنه يعتقد بأن تفكيك الاتحاد السوفيتي أكبر جريمة حصلت في القرن العشرين.  وتمكنت روسيا من استغلال قضية المهاجرين، ومعظمهم من دول المنطقة مثل العراق وسوريا، بالإضافة إلى حشد المزيد من القوات العسكرية على الحدود كوسيلة للضغط على أوكرانيا ومن ورائها دول حلف الأطلسي للرد على محاولة ضم أوكرانيا.  هذه القضية تشكل إحدى أهم نقاط التماس عالميًا في العام المقبل.

 

الجديد-القديم في العلاقات الخليجية-الأمريكية

هناك مثل معروف يقول "كلما تغيرت الأمور عادت إلى حالتها الأولى"، وهذا المثل يصدق على حالة العلاقات الخليجية-الأمريكية في العام المنصرم وربما على المدى القريب.  هذه العلاقات شهدت تطورات البعض منها إيجابي مثل وصول إدارة جديدة في واشنطن تسعى للعمل على تنشيط الدبلوماسية الأمريكية في العالم والمنطقة، لكنها وجدت نفسها حبيسة عوامل وتيارات قوية أعادتها إلى لعب نفس الأدوار السابقة. ولعل من أبرز القضايا التي شغلت الاهتمام الأمريكي في المنطقة بعد الانسحاب من أفغانستان كان ما يلي:

 

  1. المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني

شغلت المفاوضات غير المباشرة مع إيران حول عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا من جهة، وإيران من جهة أخرى حول المشرع النووي الإيراني والذي وقعته إدارة الرئيس الأسبق أوباما وانسحبت منه إدارة الرئيس السابق ترامب واستبدلته بفرض عقوبات جديدة على إيران. وقد سبق وأعلن الرئيس بايدن نيته العودة إلى الاتفاق تحت شرط عودة الأنشطة النووية الإيرانية إلى الحالة التي كانت عليها قبل انسحاب الولايات المتحدة. إيران من جانبها تصر على رفع العقوبات الجديدة كشرط أولي أو على الأقل العمل بفكرة الخطوة مقابل الخطوة.

 

إدارة بايدن باشرت بالتفاوض مع إيران حول العودة للعمل بالاتفاق السابق بعيد مباشرتها العمل، وقد توصل الطرفان إلى تفاهم عام حول فكرة العودة بحلول شهر يونيو الماضي، لكن ذلك لم يصل إلى اتفاق نهائي والسبب يعود إلى أن الانتخابات الرئاسية في إيران التي جرت في نفس الشهر فاز فيها رئيس جديد هو إبراهيم رئيسي وهو الذي وعد بمقاربة مختلفة تجاه المفاوضات عن الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني. لأجل ذلك لم تمض إيران بالمفاوضات إلى نهايتها لكي تنمح الإدارة الجديدة الفرصة للتفاوض على الاتفاق لأنها سوف تكون مسؤولة عن تنفيذه.  وبالفعل قامت الحكومة الجديدة في طهران بتغيير الطاقم التفاوضي وإبداله بأشخاص يمثلون موقف الرئيس الجديد وبدأ الفريق بوضع مقترحات تم عرضها في جولة المفاوضات في فيينا أول الشهر الماضي. استقبال الدول الست لتلك المقترحات كان باردًا على أضعف الأحوال ورافضًا بالكامل من قبل الولايات المتحدة التي وصف وزير خارجيتها المقترحات الإيرانية بأنها محاولة للاستحواذ على المكاسب التي تحققت في الجولات السابقة والتراجع عن تنازلاتها في تلك الجولات. وقد نقل الوزير الأمريكي حسب قوله ذلك الموقف عن ممثلي الدول الست المشاركة في المفاوضات مع بعض الاختلافات في المواقف. وقد أعربت ألمانيا هي الأخرى عن رفضها للمقترحات الإيرانية.

ربما من المناسب هنا وقبل أن نخلص إلى التوقعات حول مجرى المفاوضات أن نعود إلى توضيح الموقف الأمريكي من العلاقة مع إيران والعودة إلى الاتفاق النووي والتي من المتوقع أن تشغل حيزًا مهمًا في العام القادم.  الموقف الأمريكي تحكمه الحسابات التالية:

أولاً-الموقف الإسرائيلي من المشروع النووي الإيراني، وهو موقف على درجة من التعقيد ومن الممكن توضيحه في بعض النقاط الأساسية:

  • إسرائيل لا تمانع من أن تصبح إيران قوة عسكرية تمتلك إمكانيات نووية لأن ذلك عامل تهديد للدول العربية المجاورة أكثر منه عامل تهديد لها، الأمر الذي سوف يدفع الدول العربية للتقرب منها وتطبيع العلاقات معها لمواجهة الخطر الإيراني.
  • إسرائيل تريد أن يبقى المشروع النووي الإيراني ضمن سقف معين وهو عدم تطوير السلاح النووي أو الصواريخ بعيدة المدى لأن ذلك سوف يحدث خللاً في ميزان القوى في المنطقة والذي يجب أن يضمن تفوق إسرائيل عسكريًا على دول المنطقة منفردة ومجتمعة.
  • الحكومة الإسرائيلية، وإن كانت لا تعارض الاتفاق النووي من حيث المبدأ، إلا أن ذلك لم ولن يمنعها من السعي إلى تحقيق مكاسب آنية واستراتيجية من وراء الاتفاق من خلال الضغط على الولايات المتحدة وحكومات المنطقة للحصول على مكاسب آنية على شكل أسلحة متطورة أو ضمان أن يكون لها الرأي في تفاصيل الاتفاق، وكما كان الأمر مع إدارة أوباما.
  • المعارضة الإسرائيلية للمشروع النووي قد تتطور إلى القيام بعمل عسكري محدود ضد بعض المنشآت النووية الإيرانية من أجل تثبيت حقها في مهاجمة كل ما تراه يشكل تهديدًا لأمنها القومي في المنطقة. كما في مواقفها هذه لا تريد أن تظهر بصفة المعارض لإدارة بايدن بسبب قرب الحكومة الإسرائيلية من الإدارة وكذلك عدم الرغبة في العودة إلى الأزمات بين البلدين التي صبغت العلاقات أثناء حكم نتنياهو.

 

ثانياً-الحسابات السياسية الداخلية: الرئيس بايدن ومن ورائه الحزب الديمقراطي، الذي يمتلك أغلبية بسيطة في مجلس النواب ويتقاسم عدد أعضاء مجلس الشيوخ بالنصف، مقبل على انتخابات نيابية حاسمة في نوفمبر 2022م، تشمل جميع أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. هذه الانتخابات التي تجري في منتصف عمر الإدارة عادة ما تميل إلى كفة الحزب المعارض، ولذلك يكافح الحزب الديمقراطي من أجل الحفاظ على أغلبيته البسيطة وربما الإضافة عليها، لكن التوقعات تشير إلى غير ذلك. هذا الأمر يعقد الحسابات حول التوقيع على اتفاق نووي جديد مع إيران من شأنه أن يثير حفيظة اليمين الإنجيلي ويمنح المعارضة بقيادة دونالد ترامب ورقة رابحة في الانتخابات المقبلة.

 

الطرف الإيراني، من جانبه يريد أن يثبت أنه أقدر على الحصول على المكاسب من الفريق السابق ولذلك فهو ليس في عجلة للتوقيع أيضًا.  الحسابات المعقدة للطرفين لا تجعل من الوصول إلى اتفاق مسألة سهلة في القريب العاجل، وفي الوقت نفسه فليس من مصلحتهما عدم التوصل إلى اتفاق.  لذلك فمن المتوقع أن يتم التفاهم على إطالة أمد المفاوضات لحين الوصول إلى الوقت الذي يناسب طرفي المعادلة، أو ربما إفساح المجال لوسائل أخرى غير التفاوض لكي تثبت دورها ومن ثم العودة إلى جولة جديدة. وبالفعل فقد تم الاتفاق على جولة ثامنة من المفاوضات في الاجتماع الأخير في فيينا.

 

  1. إعادة اكتشاف دور النفط

سنوات عديدة مرت والبعض من أهل السياسة والاقتصاد يعلنون بأصوات عالية أن الولايات المتحدة من خلال زيادة إنتاجها من النفط ومصادره الجديدة بالإضافة إلى زيادة الكفاءة في الاستهلاك وخصوصًا في قطاعي النقل وإنتاج الطاقة الكهربائية قد وصلت إلى أي مرحلة تجعلها في غنى عن نفط الخليج وما يجري هناك، ولذلك فقد آن الأوان لكي تحزم حقائبها وتتوجه شرقاً إلى المحيط الهندي حيث الفرص الكبيرة والتحديات الجسيمة.  هذه الأفكار أول ما طفت على السطح أيام الرئيس الأسبق أوباما الذي كان سريع الحماس لأشياء عديدة أثبتت الأيام أنها كانت سابقة لأوانها.  بالطبع لا أحد ينكر التطور الكبير في الصناعة النفطية الأمريكية والتقدم الهائل في مجال الكفاءة في استخدام الطاقة التقليدية، لكن كما قلنا إن ذلك لن يعنى، وعلى المدى المنظور، التقليل من أهمية المصادر التقليدية للنفط والغاز وإن ذلك لن يقلل من أهمية المنطقة بالنسبة للعالم وللسياسة الأمريكية.  فماذا حصل:

 

خرج الاقتصاد العالمي من أزمة الكوفيد-19 وبدأ يستعيد شيئًا من نشاطه مما أحدث زيادة على الطلب ودفع بالأسعار إلى الارتفاع، فعلى سبيل المثال ارتفع سعر برميل النفط من نوع غرب تكساس الذي كان عند 50 دولارًا بداية العام الماضي إلى أكثر من 82 دولارًا للبرميل في أواخر أكتوبر.  هذا الارتفاع في أسعار النفط بالإضافة إلى مشكلات عديدة أصابت مصانع التكرير في الولايات المتحدة نتيجة إعصار آيدا جاءت متزامنة مع عودة النشاط الاقتصادي وفي موسم الأعياد والعطل الرسمية في الولايات المتحدة، فسببت ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الوقود ليصل إلى أرقام قياسية. هذا الارتفاع قد يشكل صدمة كبيرة لاقتصاد يحاول استرداد عافيته، لأن أسعار الطاقة تؤثر في قيمة العديد من السلع والخدمات وتشكل عاملاً مهمًا في تحديد مستويات التضخم، وهو العامل المهم اقتصاديًا لكن أهميته السياسية أكثر أحيانًا خصوصًا في أوقات الانتخابات، لذلك لجأ الرئيس بايدن إلى الطلب من منظمة أوبك وروسيا لزيادة إنتاج النفط ومساعدة الاقتصاد العالمي على النهوض من أزمة كوفيد-19 وكذلك أصدر أمرًا بإنزال كمية من النفط الخام من الخزين الاستراتيجي الأمريكي إلى السوق ودعا بعض الدول التي تمتلك خزينًا لفعل ذات الأمر في محاولة لتطمين الأسواق العالمية. بالطبع قوبلت دعوة بايدن بشيء من عدم الاكتراث في الأوساط النفطية بسبب أن سياسته العامة كانت قائمة على التقليل من أهمية النفط وعدم التشجيع على الاستثمار في صناعته.

 

  1. نتائج الانتخابات العراقية وتداعياتها

تعتبر الانتخابات البرلمانية التي جرت في العراق أواخر العام المنصرم من أهم الأحداث بالنسبة للعلاقات الأمريكية مع المنطقة بعد الانسحاب من أفغانستان.  النتائج أبرزت فوز التيار الصدري بأكبر عدد من المقاعد بلغت 73 من أصل 329 مقعدًا يليه تحالف تقدم برئاسة رئيس مجلس النواب الذي حصد 38 مقعدًا ثم المستقلون بــ 37 مقعدًا وتحالف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي 35 مقعدًا والحزب الديمقراطي الكردستاني بـ 32 مقعدًا. عموم النتائج دلت على أن التيارات المرتبطة بإيران والتي خاضت الانتخابات تحت شعار إخراج القوات الأمريكية من العراق كانت أكبر الخاسرين.  الإدارة الأمريكية سارعت إلى إعلان دعمها لتلك النتائج وحشدت الدعم الدولي لها، لكنها جوبهت بمعارضة من التيارات المرتبطة ببعض الميليشيات المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي والتي سارعت إلى رفض النتائج متهمة الهيئة العليا المستقلة المشرفة على الانتخابات في العراق بالتزوير وقامت بالتظاهر ومحاصرة المنطقة الخضراء التي تحتوي مرافق الحكومة المهمة ومعظم السفارات الأجنبية. الحدث المهم الذي جاء بعد ذلك هو قيام إحدى تلك الفصائل بمحاولة اغتيال مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء من خلال استهداف منزله بثلاث طائرات مسيرة. الحكومة الأمريكية من جانبها سارعت إلى استنكار العملية وإبداء دعمها للعملية السياسية والإعلان أن القوات الأمريكية باقية في العراق في مهمة غير قتالية تهدف إلى إسناد وتدريب الجيش العراقي.

 

الخلاصة، كان العام المنصرم عامًا انتقاليًا بين مرحلتين في عدة جوانب من أهمها وصول إدارة أمريكية جديدة بتطلعات وتوجهات جديدة للسياسات الداخلية والخارجية وقد حاولت جاهدة وضع تلك التصورات موضع التنفيذ ولكن وقفت أمامها عقبات كبيرة من أهمها الانقسام الداخلي ومواجهة تداعيات كوفيد-19 والمتحورات العديدة التي نشأت عنه، كذلك هو عام حكومة جديدة في إسرائيل تشكلت لأول مرة منذ سنوات من دون قيادة رئيس الوزراء نتنياهو وحزب الليكود الأمر الذي جعل العملية السياسية هناك في وضع غير مستقر نتيجة الانقسام السياسي هناك، وهو عام شهد وصول رئيس جديد لإيران مع تدشين مبادرات جديدة وتوجهات جديدة ربما أكثر طموحًا من قدرة تلك القيادة على الأداء وأكبر مما تسمح به الأوضاع العالمية، كذلك هو عام ظهرت فيه بوادر التغيرات في السياسة العالمية وطفت على السطح بوادر صراع أمريكي مع محور صيني-روسي بدأ يتبلور ويحاول أن يتمدد في العديد من مناطق العالم وفي مقدمتها أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط. 

هذه المتغيرات العالمية كبيرة جدًا وتحتاج إلى وقت طويل لكي تتشكل بسبب تعدد القوى الفاعلة فيها وفي غياب خارطة طريق لتلك المتغيرات. ليس المطلوب في ضوء الضبابية في الأوضاع العالمية الانتظار لما قد تتبلور عنه تلك الأوضاع فهذه قد تطول، لذلك فلابد من قيام مبادرات جريئة تستجيب لحاجات المنطقة الأمنية والاقتصادية تكون أساسًا لحوار استراتيجي مع الحلفاء والشركاء في المنطقة وخارجها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإيران.  القضية السياسية سوف تكون إقناع إيران بأن مصلحتها الأولى إنما تكون بتخفيف حدة الصراع في المنطقة وفتح باب الحوار مع دول الجوار حول القواسم المشتركة، وهذه هي العقبة الكؤود لأن إيران اعتقدت أنها حققت مكاسب كبيرة في المرحلة الماضية على حساب دول الجوار، وهي واهمة في ذلك، ولن تكون عملية إقناعها بتغيير مقاربتها بالأمر اليسير لكن على دول المنطقة الإصرار على ذلك لكونه الطريق الوحيد لتحقيق مصالح الجميع.

 

مقالات لنفس الكاتب