array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 169

فرصة الفائزين بتشكيل حكومة قوية وفرصة الخاسرين بتأسيس معارضة صلبة

السبت، 01 كانون2/يناير 2022

يقوم جوهر الانتخابات على أساس تمكين الشعب من اختيار ممثلين عنه بشكل دوري، ليتولى نواب الشعب مهمة التصرف باسمه في إدارة شؤونه وممارسة سلطاته وفقًا للسياقات الدستورية، ويتطلب ذلك وجود أحزاب تخوض غمار المنافسة الانتخابية وفقًا للمعايير الدولية للانتخابات وأبرزها وجود إطار قانوني يتناسب مع الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، إذ لا يمكن  إجراء الانتخابات في أية دولة قبل وجود إطار قانوني يحول أصوات الناخبين إلى مقاعد في السلطة التشريعية، فإن صلحت هذه الآلية كانت نتائج الانتخابات نزيهة وشفافة، وان لم تكن كذلك فإن نتائج الانتخابات ستكون مشوهة ولا تعبر عن رغبات الناخبين الحقيقية. وفيما يتعلق بالتجربة العراقية فقد أفرزت احتجاجات 2019م، إطارًا قانونيًا جديدًا لم يسبق أن طبق في العراق من قبل، يتمثل في قانون الانتخابات الذي قسم المحافظات إلى دوائر انتخابية متعددة، وجرت بموجبه انتخابات العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2021م، التي فتحت أبواب جدل سياسي واسع قد يكون هو الأكبر منذ أول انتخابات جرت عام 2005م.

أولاً: توزيع الدوائر الانتخابية

بدأ العراق أول تجاربه الانتخابية بنظام التمثيل النسبي الذي عد العراق بأكمله دائرة انتخابية واحدة، وقد جرى بموجبه انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية عام 2005م، قبل أن تصبح كل محافظة دائرة انتخابية في أربعة انتخابات لمجلس النواب أعوام 2005 و2010 و2014 و2018م، ورافق ذلك اعتماد آليات مختلفة لتحويل أصوات الناخبين إلى مقاعد في السلطة التشريعية، ربما أكثرها جدلاً آلية "سانت ليغو" التي عدلت عراقيًا لتتحول إلى صيغة اتهمت بأن فيها محاباة للقوى السياسية الكبيرة.

ولم تفكر أي من الأحزاب سواء التي اعتادت على الوجود في السلطة، أو الأحزاب الأخرى، في تغيير شكل الدوائر الانتخابية لولا الدعوات التي تزامنت مع الاحتجاجات التي انطلقت في أكتوبر 2019م، رافعة مطالب عدة في مقدمتها تغيير قانون الانتخابات، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. و جرى تقديم عدة مقترحات بشأن طبيعة الدوائر الانتخابية رافق ذلك حوارات موسعة من أطراف مختلفة، إذ كان المحتجون يطالبون بدوائر صغيرة، أي 329 دائرة انتخابية بعدد أعضاء مجلس النواب، بينما قدمت رئاسة الجمهورية مقترحًا بأن يصبح كل قضاء دائرة انتخابية واحدة، رافق ذلك مقترحات مختلفة لتقسيم الدوائر الانتخابية، إلى أن صدر قانون رقم 9 لسنة 2020م، الذي قسم كل محافظة إلى دوائر انتخابية لكل منها بين 3 و5 مقاعد، على أن يكون عدد الدوائر الإجمالي 83 دائرة، أي بعدد حصة النساء في مجلس النواب لضمان وصول امرأة واحدة على الأقل في كل دائرة انتخابية.

ثانيًا: عدد الأحزاب المشاركة ومناطق نفوذها السياسي والانتخابي.

شهدت انتخابات 2021م، مشاركة 21 تحالفًا، أما الأحزاب فقد كان عددها 167 من بينها 109 مشارك بشكل منفرد، بينما انضوى 58 حزبًا آخر ضمن التحالفات.

ويؤشر ذلك لانخفاض واضح في عدد التحالفات التي كانت 25 تحالفًا في انتخابات عام 2018م، التي شهدت مشاركة 205 أحزاب سياسية من بينها 62 شارك بصورة منفردة، بينما دخل 143 حزبًا ضمن التحالفات الانتخابية.

جدول رقم (1): المشاركة الحزبية بين 2018 و2021م.

 

انتخابات 2021

انتخابات 2018

عدد التحالفات

21

25

عدد الأحزاب الكلي

167

205

الأحزاب المنضوية ضمن التحالفات

58

143

الأحزاب التي شاركت بشكل منفرد

109

62

 

من إعداد الباحث

ويلاحظ وجود اختلاف في مستوى المشاركة الحزبية بين انتخابات 2021 وانتخابات 2018م، إذ انخفض عدد التحالفات، كما انخفض العدد الكلي للأحزاب المشاركة في العملية الانتخابية، سواء كان العدد الكلي أو الذي شارك ضمن تحالفات انتخابية، إلا أن الذي ارتفع هو عدد الأحزاب المشاركة بشكل منفرد، ويعود ذلك إلى أسباب أبرزها:

1-طبيعة قانون الانتخابات الذي يمنح الأحزاب فرصة للحصول على عدد مناسب من المقاعد أفضل من التحالفات.

2-التحولات في فكر بعض الأحزاب والانشقاقات الناتجة عن ذلك.

3-ظهور أحزاب جديدة بعد احتجاجات 2019م، سميت بـ "الأحزاب التشرينية" قرر بعضها المشاركة في الانتخابات.

وفيما يتعلق بالنفوذ السياسي والانتخابي للأحزاب المشاركة في انتخابات 2021م، فقد اختلف من منطقة إلى أخرى، ومن حزب إلى آخر، ويمكن فهم ساحة النفوذ لأبرز القوى التي كان لها ثقل في الانتخابات من خلال التقسيم الآتي:

1-الأحزاب الشيعية.

حصلت الأحزاب الشيعية على ما يقرب من 150 مقعدًا (ما عدا مقاعد المستقلين في المناطق الشيعية) إذا ما تم جمع مقاعد الكتلة الصدرية وعددها 74، مع مقاعد الأحزاب المعترضة على نتائج الانتخابات المنضوية ضمن الإطار التنسيقي التي يتراوح عددها بين 70 و80، بينما تتحدث قيادات في الإطار عن جمع أكثر من 90 مقعدًا بهدف تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر التي تمتلك حق تشكيل الحكومة الجديدة وفقًا للدستور.

كما هو الحال في كل انتخابات فإن نفوذ الأحزاب الشيعية يبدأ من جانب الرصافة وبعض مناطق الكرخ في بغداد متوجهًا نحو جميع المحافظات الوسطى والجنوبية، ليشمل أيضًا جنوب محافظة صلاح الدين، فضلاً عن أجزاء من محافظتي ديالى ونينوى. ولأول مرة منذ أول انتخابات جرت في العراق في 30 يناير 2005م، تشهد مناطق النفوذ الشيعية صراعًا انتخابيًا محتدمًا، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة قانون الانتخابات الذي قسم المحافظات إلى دوائر انتخابية صغيرة لكل منها بين 3 و5 مقاعد، فضلاً عن وجود رغبة غير مسبوقة لدى الكتلة الصدرية لتولي منصب رئيس الوزراء لأول مرة منذ انتقال العراق إلى الديمقراطية عام 2003م.

وشهدت الساحة الشيعية حالات تصاعدية وتنازلية في نفوذ بعض الأحزاب، فالتيار الصدري مثلا تمكن من تحقيق رقم قياسي في عدد المقاعد، كما أنه حقق نصرًا انتخابيًا لم يسبق لأي حزب أن حققه بحصوله على مقاعد تفوق بمقدار الضعف أقرب منافسيه وهو حزب تقدم ليؤشر ذلك فجوة كبيرة مثلت طفرة واضحة في نفوذ التيار الصدري الذي يبحث عن رئيس وزراء صدري "قح" بحسب تعبير زعيم التيار مقتدى الصدر.

ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي الذي جاء ثالثًا بـ 34 مقعدًا زادت مقاعده هو الآخر عن انتخابات 2018م، إلا أنه اختار الذهاب إلى الإطار التنسيقي المناوئ للتيار الصدري فيما يبدو أنه محاولة لإعادة طرح المالكي لرئاسة الوزراء، أو على الأقل تقديمه مجددًا على أنه زعيم شيعي مؤثر.

أما أبرز الخاسرين فكان تحالف الفتح بزعامة هادي العامري الذي انخفضت مقاعده من 48 في 2018م، إلى 17 في انتخابات 2021م، وكذلك تحالف قوى الدولة الذي حصل على 5 مقاعد فقط على الرغم من أنه ضم شخصيتين مؤثرتين هما رئيس ائتلاف النصر حيدر العبادي، وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، كما لم تحقق الحركات السياسية المرتبطة بالفصائل المسلحة نتائج تذكر. وعلى الرغم من حديث الأطراف الخاسرة عن وجود تلاعب في نتائج الانتخابات إلا أنها لم تقدم أدلة قطعية تثبت ذلك، ويشير سياسيون ومختصون إلى أن عدم فهم قانون الانتخابات، وسوء توزيع المرشحين في الدوائر الانتخابية، والدخول ضمن تحالفات كبيرة، أسباب أدت إلى خسارة مفاجئة لبعض التحالفات.

2-الأحزاب السنية

تمكن تحالف تقدم الذي يتزعمه رئيس البرلمان المنحل محمد الحلبوسي من التربع على صدارة القوى السنية الفائزة في الانتخابات بحصوله على 37 مقعدًا، يليه تحالف عزم برئاسة خميس الخنجر الذي نال 14 مقعدًا، ثم تحالفي احمد عبد الله الجبوري (ابو مازن) وجمال الضاري اللذين حصلا على 5 مقاعد.

نفوذ القوى السنية تركز في جانب الكرخ والأعظمية إلى جانب الرصافة ببغداد، وفي محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وأجزاء من محافظتي كركوك وديالى.

الانقسامات السياسية بدت أقل في الساحة السنية التي شهدت هدوءً ملحوظًا بعد إعلان نتائج الانتخابات، ووقف تقاذف التصريحات بين تحالفي تقدم وعزم رافقه حديث عن وجود مفاوضات لدخول الأحزاب السنية ضمن تحالف واحد، وهو ما كشفه الأمين العام لحزب الجماهير العراقية أحمد عبد الله الجبوري منتصف شهر نوفمبر 2021م، قائلاً إن حزبه وتحالفي تقدم وعزم وأطراف أخرى سيعلنون بعد المصادقة على النتائج عن تحالف يضم بين 70 و80 مقعدًا.

3-الأحزاب الكردية

جاء الحزب الديمقراطي الكردستاني رابعًا من حيث عدد المقاعد، والأول على مستوى الأحزاب الكردية بحصوله على 33 مقعدًا، وحل الاتحاد الوطني الكردستاني ثانيًا بـ 16 مقعدًا، وجاءت حركة الجيل الجديد ثالثة كرديًا بحصولها على 9 مقاعد.

وتركز نفوذ القوى الكردية في محافظات إقليم كردستان، وكذلك في محافظتي كركوك ونينوى، ومع استبعاد فرضية تحالف الجيل الجديد مع الحزبين الكرديين الرئيسيين بسبب مواقف الحزبين الأخيرين منها، إلا أن احتمال التحالف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ما يزال قائمًا على الرغم من عدم وجود إعلان رسمي بذلك حتى اليوم.

ومن المؤشرات على احتمال حدوث تحالف بينهما هو حديث قيادات في الحزبين ومن بينهم رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني عن وجود رغبة بالذهاب إلى بغداد للتفاوض ضمن كتلة كردية واحدة، وكذلك إدراك الأحزاب الكردية بأن ذهاب أي منها منفردًا سيقلل من حصتها في المناصب الاتحادية، ويمكن عد تمسك الحزب الديمقراطي الكردستاني بمنصب رئيس الجمهورية من الإشارات التي قد تشي بأن الذهاب للتفاوض مع الأطراف الأخرى وخصوصًا الشيعية التي ستشكل الكتلة الأكبر سيكون من خلال كتلة كردية موحدة.

بالمقابل، توجد مؤشرات لوجود خلافات لم تحسم بين الحزبين الكرديين الرئيسيين منها إرسال الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، وفدين منفصلين للحوار مع الأحزاب والقيادات السياسية في بغداد، وكذلك عدم تعليق الاتحاد الوطني الكردستاني على تأكيد الحزب الديمقراطي الكردستاني على تمسكه بمنصب رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة، يضاف إلى ذلك أن التظاهرات والإرباك الأمني والسياسي في السليمانية يمثل هو الآخر معرقلاً أو مؤخرًا للاتفاق السياسي بين القوى الكردية الفائزة.

4-الأحزاب التشرينية والناشئة

سجلت الأحزاب الجديدة التي تشكلت بعد احتجاجات تشرين 2019م، ما وصف بأنه مفاجأة بحصولها على مقاعد تفوق ما حصلت عليه تحالفات وأحزاب تقليدية، إذ حصلت حركة امتداد المنبثقة عن احتجاجات تشرين على 9 مقاعد، بينما حصل حزب إشراقة كانون على 6 مقاعد، بالإضافة إلى فوز شخصيات مستقلة غير محسوبة على أحزاب السلطة على مقاعد برلمانية، ومثلت محافظات الوسط والجنوب ثقلاً لهذه الأحزاب التي استفادت من قانون الانتخابات الذي يتيح فرصة للمرشحين من غير الأحزاب التقليدية بالفوز، فضلاً عن قدرة بعض المرشحين على استقطاب الجماهير الناقمة على أحزاب السلطة. ولم تحدد القوى الناشئة الفائزة وجهتها، وتحدث بعضها مثل حركة امتداد عن النية بالتوجه إلى المعارضة، إلا أن الاختبار الحقيقي لهذه الأحزاب غير المجربة سيكون خلال حوارات تشكيل الحكومة.

ثالثًا: توجهات الرأي العام العراقي في الانتخابات.

يعد التأثير في الرأي العام العراقي من أصعب القضايا، بسبب المزاج المتغير للشخصية العراقية، والتغييرات المستمرة في العوامل السياسية والاجتماعية والنفسية التي غالبًا ما تكون مؤثرة بشكل مباشر في الرأي العام الذي يقاس من خلال توجهات الأفراد الذين لكل منهم سلوك محدد تجاه القضايا التي تهمه ومنها السياسية، أي أن التوجهات تمثل انعكاسًا لرغبات الأفراد وفقًا لما يمتلكونه من معرفة، ويكون الموقف ايجابيًا أو سلبيًا، أي قابلاً بما يجري أو رافضًا له. وفيما يتعلق بالتجربة العراقية في انتخابات 2021م، ووفقًا لما تقدم فإن توجهات الرأي العام العراقي كانت كالآتي:

1-العامل القيمي

كانت القيم وما تزال تمثل مكانة عميقة في بنية الشخصية العراقية، فالذي ينتمي لعشيرته يفضلها على ما سواها، والمنتمي لطائفته وقوميته لا يمكنه التخلي عن ذلك بسهولة، وقد انعكس ذلك بشكل ملحوظ على انتخابات 2021م، في ظل وجود دوائر متعددة عززت مكانة العشيرة، ومنح الناخبون أصواتهم لمرشحي العشيرة، بل أن بعض العشائر عقدت اجتماعات للخروج بمرشح أو اثنين للعشيرة، وبالفعل أثمر ذلك بفوز عدد غير قليل من المرشحين الذين دعمتهم عشائرهم، ولم يقتصر الأمر على العشائر، إذ كان للطائفة والقومية أثر واضح أيضًا في التصويت لمرشحين محددين دون غيرهم.

2-تكرار الاستجابات السابقة

على الرغم من التغيير الجذري في قانون الانتخابات الذي اختلف كثيرًا عن القوانين التي طبقت في العمليات الانتخابية السابقة، إلا أن جمهور بعض القوى السياسية مثل التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني وائتلاف دولة القانون بقي ثابتًا نسبيًا وكرر الاستجابات السياسية السابقة مع زيادة في نسبة التصويت منحت النماذج الثلاثة المذكورة مقاعد برلمانية تفوق ما حصلت عليه في انتخابات 2018م.

3-التصويت للوجوه الجديدة

شهدت انتخابات 2021م، فوز أكثر من 200 نائب جديد من غير الفائزين في الانتخابات السابقة ما يعكس ميلاً واضحًا نحو الوجوه الجديدة حتى وإن كانت ضمن تحالفات أو أحزاب تقليدية، ويشير ذلك إلى وجود رغبة في تغيير الطبقة البرلمانية التي لم تكن منتجة في المرحلة السابقة.

4-التصويت العقابي

التصويت العقابي كان حاضرًا أيضًا في الانتخابات الأخيرة وتسبب بحرمان شخصيات سياسية مهمة من الوصول مجددًا إلى مجلس النواب، بسبب عدم الإيفاء بالوعود، وعدم القدرة على انتشال المجتمعات المحلية من الفقر والمعاناة، وغير ذلك من الأسباب التي غيرت بوصلة توجهات الناخبين.

5-التصويت للأحزاب الناشئة والمستقلين

اللافت في انتخابات 2021م، هو حدوث تغير كبير في توجهات الناخبين تمثل بمنح أصواتهم لمستقلين ومرشحين ضمن أحزاب ناشئة غير معروفة، وبحسب الاحصائيات التي يتحدث عنها مراقبون فإن المستقلين ومرشحي الأحزاب الناشئة حصلوا على أكثر من مليون ونصف المليون صوت، ما يؤشر تحولاً واضحًا في مزاج الناخب العراقي الناقم على الطبقة السياسية التقليدية.

6-المقاطعة

إن إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن نسبة مشاركة وصلت إلى 41% يعني أن 59% من الذين يحق لهم الانتخاب قاطعوا عمليات الاقتراع في مؤشر على استمرار التدني في نسبة المشاركة بالمقارنة مع انتخابات 2018 م، التي كانت نسبة المشاركة فيها 44%، وكذلك أول انتخابات جرت في 30 يناير 2005 ونسبة المشاركة فيها كانت 76% على الرغم من عدم مشاركة السنة فيها. ارتفاع نسبة المقاطعة يؤشر خللاً إما في أحزاب السلطة التي تسببت بنفور الناخبين، أو نتيجة لضعف آليات تعزيز الثقافة الانتخابية لدى العراقيين، وتركهم يعانون من الإحباط الذي دفعهم نحو المقاطعة التي استفادت منها الأحزاب التقليدية التي تمتلك جمهورًا مؤدلجًا يصوت لها حتى في أصعب الظروف.

رابعًا: أسباب خسارة تحالف قوى الدولة والفصائل المسلحة

شهدت الانتخابات مفاجآت كبيرة مرتبطة بخسارة بعض القوى المؤثرة التي كان متوقعًا أن تحصد مواقع متقدمة من حيث عدد المقاعد لما لها من ثقل سياسي كبير، فضلاً عن امتلاكها جمهورًا مؤدلجًا منظمًا لا يمكن أن يصوت لغيرها، ومن أهم هذه القوى تحالف قوى الدولة الذي ضم تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وائتلاف النصر برئاسة حيدر العبادي، وكذلك المرشحين التابعين لحركات سياسية مرتبطة بفصائل مسلحة مثل حركة حقوق التابعة لكتائب حزب الله وغيرها من التنظيمات التي دخلت الانتخابات ضمن تحالف الفتح برئاسة هادي العامري الذي تعرض إلى انتكاسة كبيرة بعد حصوله على أقل من ثلث عدد المقاعد التي حصل عليها في انتخابات 2018م.

1-تحالف قوى الدولة

لم يكن تحالف قوى الدولة يتوقع الخسارة المدوية التي تعرض لها، إذ ظهر رئيس التحالف عمار الحكيم في مقابلة متلفزة قبل أيام من الانتخابات قال فيها إن التحالف سيفاجئ الجميع بعدد المقاعد التي سيحصل عليها، واستمرت التوقعات بالحصول على ما لا يقل عن عشرين مقعدًا حتى يوم الانتخابات، إلا أن النتائج أظهرت خسارة كبيرة للتحالف يمكن تلخيص أهم أسبابها:

أ-الأسباب المعلنة

* الدخول ضمن تحالف كبير على الرغم من أن قانون الانتخابات الذي اعتمد الدوائر المتعددة لا يشجع على خوض الانتخابات بتحالفات كبيرة.

* قانون الانتخابات لا يشجع أيضًا وجود زعامتين مثل عمار الحكيم وحيدر العبادي ضمن تحالف واحد، إذ كان الأفضل دخول كل منهم منفردًا للظفر بأصوات مؤيديه في الدوائر الانتخابية.

* زج أكثر من مرشح ضمن الدوائر الانتخابية، إذ وصل عدد المرشحين من التحالف إلى أربعة أو خمسة في بعض الدوائر ما تسبب بتشتيت الأصوات.

* عدم القدرة على إدارة الجمهور المنظم، إذ أن من المعروف أن للحكيم والعبادي جمهور واسع، لكن لم يتم توظيفه بالشكل الصحيح.

* الفشل في استقطاب الجمهور المحايد.

* زج مرشحين في ساحة انتخابية صعبة خصوصًا في بغداد التي لم يتمكن مرشحو التحالف من الحصول على مقاعد في دوائر انتخابية محسوبة على السنة أو التيار الصدري.

ب-الأسباب غير المعلنة

ظهر عدد من مرشحي تحالف قوى الدولة الذين خسروا الانتخابات في مؤتمر صحفي قالوا فيه أن أصواتهم سرقت وأن تلاعبًا حدث في بعض المراكز الانتخابية، متحدثين تلميحًا عن وجود أطراف تقف وراء خسارتهم إلا أنهم لم يكشفوا عنها.

2-الفصائل المسلحة

دخلت بعض الفصائل المسلحة الانتخابات ضمن تحالف الفتح وهي تعول على جماهيرها وجماهير الحشد الشعبي التي تصنف على أنها جمهور مؤدلج ومنظم، وكانت تطمح بحصد عدد مناسب من المقاعد يمكنها من المنافسة داخل السلطة التشريعية، إلا أنها تفاجأت كبقية مكونات تحالف الفتح التي أظهرت خيبة أمل كبيرة لمرشحي التحالف.

ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى خسارة مرشحي الفصائل المسلحة هو دخولهم العملية الانتخابية ضمن تحالف واسع هو تحالف الفتح، وعدم دراية بعض المرشحين بتفاصيل قانون الانتخابات الجديد الذي يمنح مرشح الحزب الصغير والمستقل فرصة أكبر للفوز، فضلاً عن قدرة بعض القوى الشيعية مثل التيار الصدري على استقطاب الناخبين في الدوائر الانتخابية ذات الأغلبية الشيعية وهي ذات الساحة كان مرشحو الفصائل ينافسون فيها، يضاف إلى ذلك فقدان بعض الفصائل لجزء من جماهيرها بسبب دخولها في صراعات سياسية ومماحكات مع السلطات، كما أن وجود أكثر من مرشح لتحالف الفتح في الدوائر الانتخابية كان سببًا في تشتيت الأصوات وبالتالي عدم حصول مرشحي الفصائل على ما يكفيهم من أصوات للوصول إلى السلطة التشريعية.

خامسًا: التدخل الخارجي في الانتخابات

لم تشهد انتخابات 2021م، تسجيل ما يثبت حدوت تدخلات خارجية فيها، باستثناء ما صدر من أطراف خاسرة تحدثت عن تدخل أطراف خارجية مرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية، وحديث آخرين عن اختراق سيبراني لأجهزة التصويت شاركت فيه بعض الدول، لكن تلك الاتهامات لم تقترن بالأدلة. ووفقًا لتصريحات سياسيين وآراء مراقبين فإن الدور الإيراني تراجع كثيرًا في الانتخابات الأخيرة، بسبب رفض الشارع الشيعي لسياساتها تجاه العراق، ما انعكس بشكل مباشر على نتائج القوى السياسية التي لها علاقة وثيقة مع طهران.

سادسًا: دور الأمم المتحدة في الانتخابات

كان دور الأمم المتحدة من خلال بعثتها في العراق وما يزال واضحًا في دعم الانتخابات العراقية ونتائجها، ووصل إلى الدعم إلى حد الوقوف بوجه الأطراف الرافضة للنتائج والتي انضوى أغلبها ضمن الإطار التنسيقي، ومر الدور الأممي في الانتخابات العراقية بمراحل متسلسلة هي:

1-التهيئة للانتخابات

كانت بعثة الأمم المتحدة في العراق داعمة للمطالب التي أطلقتها احتجاجات تشرين التي اندلعت عام 2019م، لإجراء انتخابات مبكرة، وأشرفت البعثة على عملية اختيار مفوضية انتخابات جديدة، وراقبت سير صياغة وتمرير قانون الانتخابات في البرلمان، كما قدمت دعمًا واضحًا للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات خلال أشهر الاستعداد لإجراء العملية الانتخابية.

2-المراقبة

قررت بعثة الأمم المتحدة في العراق الاضطلاع بدور المراقبة للانتخابات العراقية بهدف منح نتائجها الشرعية الدولية، وبالفعل زجت 130 مراقبًا تابعين لها في يوم الاقتراع، فضلاً عن تنسيقها مع 900 مراقب دولي آخرين وفقًا لرئيسة البعثة جينين هينيس بلاسخارت التي قالت إن حجم المراقبة الأممية والدولية غير مسبوق ويهدف للحيلولة دون تكرار عمليات التزوير التي حدثت في انتخابات 2018م.

3-دعم النتائج

رحبت بعثة الأمم المتحدة في العراق بالنتائج التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، مؤكدة أن تقييمها للعملية الانتخابية كان إيجابيًا، وأن عملية الاقتراع جرت بصورة سلمية وشفافة.

4-دفع مجلس الأمن للاعتراف بالنتائج.

لم يقتصر دور البعثة الأممية في العراق على الترحيب بالنتائج بل قامت رئيسة البعثة جينين هينيس بلاسخارت بتقديم إحاطة في مجلس الأمن بشأن العملية الانتخابية أكدت خلالها أن الانتخابات كانت شفافة وتستحق التقدير، ومثل نقطة انطلاق مهمة على مسار استعادة ثقة الشعب. الموقف الأممي وإن استفز الأطراف المعترضة التي حذرها من جر العراق إلى العنف، إلا أنه يمثل مقدمة لاعتراف دولي واسع بالحكومة المقبلة التي ستكون أحد اهم مخرجات العملية الانتخابية.

الخاتمة:

ختامًا، يمكن القول إن انتخابات 2021م، وعلى الرغم من الجدل السياسي الكبير الذي تلاها، وتشكيك بعض الأطراف المعترضة بآلياتها ونتائجها، إلا إنها تعد استمرارًا للسياق الديمقراطي الذي سار عليه العراق بعد عام 2003م، إذ يمتلك الفائزون فرصة قد لا تتكرر بسهولة لتشكيل حكومة أغلبية يمكن أن تمهد لمفهوم السلطة الخادمة التي تدين بالفضل للشعب، كما يمتلك الخاسرون أو المعترضون على النتائج فرصة لا تقل أهمية لتشكيل كتلة معارضة برلمانية قوية يمكن أن تراقب وتحاسب وتؤسس لحكومة ظل. المهم في كل ذلك هو أن الحالة العراقية أصبحت بأمس الحاجة إلى حكومة قوية وفاعلة لا تخشى من ضغوط وتهديدات الأحزاب التي يمكن أن تطيح بها في حال كان هناك توافق قبل تشكيلها، فوجود حكومة نابعة من الأكثرية في البرلمان يمنحها قدرة كبيرة على الحركة، وتكون قراراتها بعيدة عن تأثيرات المعارضين الذين لن يجدوا سوى الانتخابات الجديدة سبيلاً للتغيير.

 

 

مقالات لنفس الكاتب