array(1) { [0]=> object(stdClass)#12152 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 172

قدرات إيران متواضعة على الأرض وتستعرض إمكانيات "زائفة" وتعتمد على "البروباجندا"

الثلاثاء، 29 آذار/مارس 2022

رغم أن إيران تمتلك بعض مصادر ما يمكن تسميته بـ"القوة الشاملة"- التي تتضمن متغيرات عديدة مثل التعداد السكاني والمساحة الجغرافية والإمكانيات الاقتصادية والقدرات العسكرية وغيرها- إلا أن ذلك لا ينفي أنها تعاني من مصادر ضعف لا تبدو هينة، فرضتها السياسات التي يتبناها النظام السياسي الحاكم، والتي تقوم في الأساس على استنزاف الموارد التي تمتلكها إيران في الإنفاق على مغامرات خارجية لا تعود على المواطن الإيراني العادي سوى بتفاقم الأوضاع المعيشية وتصاعد حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بسبب ارتفاع مستويات التضخم والبطالة والفقر وغيرها.

وبعبارة أخرى، يمكن القول أن السياسات التي اتبعها نظام "ولاية الفقيه" على مدى الأعوام الثلاثة والأربعين الأخيرة ساهمت في تقويض مصادر القوة التي تحظى بها إيران، وإنضاج نقاط الضعف التي تعاني منها، على نحو بات يمثل مصدر تهديد لا يستهان به سواء لمستقبل النظام الحاكم نفسه أو لمستقبل الدولة في حد ذاتها.

 ومن هنا، كان لافتاً أن الاحتجاجات العديدة التي تشهدها إيران، وأصبحت بمثابة ظاهرة معتادة في المدن الإيرانية المختلفة، والتي أصبح الشعار الرئيسي فيها هو الدعوة لسقوط الديكتاتور أو "الموت للديكتاتور" (مرگ بر ديكتاتور)، بدأت تربط بين تفاقم الأوضاع المعيشية وفشل الدولة في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين وانهيار البنية التحتية والدعم الذي يقدمه النظام إلى الحلفاء في الخارج، لاسيما نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وحزب الله اللبناني، وحركة أنصار الله الحوثية المتمردة اليمنية، وميليشيا "الحشد الشعبي" العراقية، والميليشيات الطائفية التي قامت إيران بتكوينها وتدريبها للمشاركة في الصراع السوري إلى جانب قوات الأسد، على غرار "لواء فاطميين" الذي يضم شيعة أفغان، و"لواء زينبيين" الذي يضم شيعة باكستانيين.

 

أولاً: القوة الحقيقية لإيران:

 

تعد إيران إحدى أكثر دول منطقة الشرق الأوسط غنى بالموارد الطبيعية. إذ أنها تحتل المرتبة الثالثة في قائمة دول منظمة أوبك-بعد فنزويلا والسعودية-في احتياطات النفط، التي بلغت في عام 2020م، نحو 209 مليار برميل. وفي نهاية عام 2020م، حازت إيران على 25% من احتياطات النفط في منطقة الشرق الأوسط و12% من الاحتياطات على المستوى العالمي، وفقاً لوكالة معلومات الطاقة الأمريكية. وتأتي إيران في المرتبة الثانية من حيث احتياطات الغاز الطبيعي، بعد روسيا، حيث تمتلك 1.200 تريليون قدم مكعب، بنسبة 16% على المستوى العالمي. واللافت في هذا السياق، هو أن الاقتصاد الإيراني متنوع، رغم اعتماده على تصدير الموارد الأولية. ففي عام 2016م-وهو العام الذي تلى رفع العقوبات الدولية بعد الوصول للاتفاق النووي وقبل انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منه ثم إعادة فرضها عقوبات على إيران في 8 مايو 2018م-شكلت عائدات تصدير النفط والغاز نحو 40% من الإيرادات الحكومية.

 

وعلى المستوى الاجتماعي، يمكن القول إن المجتمع الإيراني شاب، حيث تمثل الفئة العمرية ما دون الثلاثين عاماً نحو 50% من عدد السكان، في حين تمثل الفئة العمرية ما بين 15 إلى 29 عامًا نحو 25% من السكان. وعلى المستوى العسكري، تمكنت إيران من تطوير ثلاثة قطاعات من قدراتها العسكرية، هى الصواريخ الباليستية والقوات البحرية والطائرات من دون طيار، وسعت إلى استخدامها بشكل كبير سواء في تهديد مصالح العديد من الدول أو في استعراض قوتها في منطقة الخليج.

 ثانياً: نقاط الضعف:

على الرغم من تعدد مصادر القوة التي تمتلكها إيران على المستويات المختلفة، إلا أن ذلك لم يستغل في تطوير بنية الدولة وتحقيق التنمية على المستويات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بل يمكن القول إن مصادر القوة نفسها تحولت-بسبب السياسات التي يتبناها النظام-إلى نقاط ضعف، على نحو بدا جلياً في كل الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها إيران على مدار العقود الأربعة الماضية. ويمكن تناول أبرز نقاط الضعف التي تعاني منها إيران على النحو التالي:

  • على الصعيد الاقتصادي: تعاني إيران من أزمة اقتصادية تتفاقم حدتها تدريجياً، على خلفية الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، في 8 مايو 2018م، ثم فرض العقوبات الأمريكية على إيران بداية من 7 أغسطس من العام نفسه. وعلى ضوء ذلك، تراجعت الصادرات النفطية الإيرانية من نحو 2.5 مليون برميل يومياً في أبريل 2018م، إلى أقل من مليون برميل يومياً حالياً، حيث تواصل إيران عمليات تهريب النفط ومحاولات الالتفاف على العقوبات الأمريكية من أجل تقليص حدتها على الساحة الداخلية. وقد بدت مؤشرات هذه الأزمة جلية في وصول معدل التضخم إلى 42%، ومعدل البطالة إلى حوالي 12%.

ورغم أن العنوان الرئيسي للأزمة الحالية التي تواجهها إيران يتمثل في سياسة "الضغوط القصوى" التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إلا أن ذلك لا يعفي إيران من المسؤولية عما آل إليه سواء الاتفاق النووي الذي واجه في بعض الفترات شبح الانهيار، أو الاقتصاد الإيراني. إذ أن السياسات التي تبنتها إيران في أعقاب إبرام الاتفاق كان لها دور رئيسي في تفاقم الوضع الاقتصادي الداخلي، لاسيما أنها استغلت الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في 14 يوليو 2015م، ورفع العقوبات الدولية المفروضة عليها في منتصف يناير 2016م، من أجل تقديم مزيد من الدعم لحلفائها في المنطقة، على حساب معالجة الأوضاع المعيشية الصعبة في الداخل. كما أمعنت في تطوير برنامجها للصواريخ الباليستية وتقديم تلك التكنولوجيا للميليشيات الإرهابية والمسلحة التي تهدد أمن واستقرار دول المنطقة.

ومن هنا، كان المبرر الأساسي الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية السابقة في فرض العقوبات الأمريكية على إيران هو أنها انتهكت ما أطلقت عليه "روح الاتفاق" في إشارة إلى أن الهدف الأساسي للاتفاق النووي كان المساعدة في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة وهو ما لم يحدث على مدى الأعوام التالية على الوصول إلى هذا الاتفاق.

واللافت في هذا السياق، هو أنه رغم حرص الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الدولية الأخرى (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) على إنقاذ الاتفاق النووي عبر عقد مفاوضات جديدة امتدت لثماني جولات استغرقت نحو عام منذ أبريل 2021م، إلا أن هذه القوى تغاضت أيضاً عن مكامن الضعف التي تنتاب هذا الاتفاق وتسببت في تعرضه لأزمات متعددة كادت أن تؤدي إلى انهياره تماماً. إذ استجابت هذه القوى لشرط إيران الأساسي وهو أن تكون المفاوضات حصراً حول الاتفاق النووي ولا تتطرق إلى الملفات الأخرى التي لا تقل أهمية وخطورة، ولاسيما برنامج الصواريخ الباليستية والتدخلات الإقليمية.

وقد بدا إصرار إيران على الفصل بين هذه الملفات جلياً في مؤشرات عديدة، كان آخرها الهجمات الصاروخية التي أعلن الحرس الثوري مسؤوليته عنها وطالت، حسب تصريحات مسؤوليه، قاعدة سرية تابعة لإسرائيل في محافظة أربيل العراقية، في 13 مارس 2022م. ويعني ذلك في المقام الأول، أنه أياً كان المسار الذي سوف تنتهي إليه المفاوضات في فيينا، فإن إيران سوف تواصل سياستها التي تفرض عواقب سلبية على أمن واستقرار المنطقة.

وعلى ضوء ذلك، يمكن تفسير أسباب استمرار الأزمة الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها إيران رغم الفترات التي تحسنت فيها علاقاتها مع الدول الغربية، ورفعت فيها العقوبات الدولية المفروضة عليها. فطالما أن النظام الحاكم يمعن في استنزاف الخزينة الإيرانية في دعم مغامراته في الخارج، فإن ذلك معناه أن كل الجهود التي تبذلها الحكومات المتعاقبة للتعامل مع مؤشرات تلك الأزمة سوف تكون لها حدود على الأرض.  

  • على المستوى المجتمعي: تسببت السياسات التي اتبعها النظام الإيراني في تفاقم الأزمات المجتمعية، خاصة على صعيد العلاقة بين المكونات العرقية المختلفة للمجتمع الإيراني. إذ أن إيران تتسم بأنها دولة متعددة القوميات، حيث تتواجد ست قوميات رئيسية هى الفارسية، والآذرية، والبلوشية، والعربية، والتركمانية، والكردية. وقد كانت لدى النظام فرص عديدة لتفعيل سياسة الاندماج المجتمعي وتعزيز التماسك الوطني، عبر إنهاء آليات التمييز بين تلك القوميات. إلا أن ما حدث كان العكس تماماً، حيث تفاقمت مشكلات القوميات، نتيجة اتساع نطاق التمييز بينها وبين القومية الفارسية التي تسيطر على كافة مصادر القوة السياسية والاقتصادية.

وقد تصاعد حدة تلك المشكلات، نتيجة تردى الأوضاع المعيشية في المناطق التي تقطنها القوميات، على نحو بدا جلياً في أزمة نقص مياه الشرب التي اجتاحت مدناً عديدة في إيران، في منتصف يوليو 2021م، على غرار المدن العربية في الأحواز، التي شهدت احتجاجات عديدة نتيجة اعتراض السكان على نقص المياه وتحويل مجرى الأنهار لصالح محافظات أخرى مثل أصفهان. وأشار بعض المحتجين إلى أن أحد الأهداف التي تسعى السلطات إلى تحقيقها عبر اتخاذ خطوات تنفيذية لتحويل مجرى الأنهار يتمثل في تغيير التوازن الديموغرافي لصالح القومية الفارسية ودفع العرب القاطنين في الأحواز إلى الهجرة لمناطق أخرى، خاصة أن الأحواز تحديداً تحظى بأهمية خاصة من جانب النظام في إيران نتيجة الثروات الطبيعية التي تحتوي عليها. ووفقاً لتقديرات عديدة، فإن النفط الأحوازي يمثل 87% من إجمالي موارد النفط الإيرانية، كما أن كل احتياطات الغاز الطبيعي تقريباً نابعة من الأحواز، فضلاً عن غناها بالأراضي الزراعية، التي تمثل 65% من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة على مستوى الدولة.

ومن دون شك، فإن ما يزيد من خطورة مشكلة التماسك القومي في إيران يتمثل في أن كل القوميات الإيرانية، باستثناء القومية الفارسية، موجودة على الحدود مع الدول الأخرى، حيث تتشابك عرقياً مع تلك الدول. وقد تسبب ذلك في مشكلات عديدة بالنسبة للدولة، نتيجة ظهور نزعات انفصالية في بعض الأحيان، أو اتجاهات تدعو إلى مناصرة قضايا تلك الدول على نحو يطرح تساؤلات عديدة حول مدى قوة "الولاء القومي" لبعض تلك الاتجاهات. وقد بدا ذلك واضحاً، على سبيل المثال، في الموقف الذي تبناه بعض الآذاريين الإيرانيين من النزاع العسكري الذي تصاعدت حدته بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم ناجورني قره باغ، بداية من 27 سبتمبر 2020م، حيث نظموا تظاهرات في مدن إيرانية عديدة مثل طهران وتبريز لدعم أذربيجان في هذا النزاع، رغم أن الموقف الإيراني، تاريخياً، كان أقرب إلى أرمينيا.

  • على الصعيد العسكري: تعتمد إيران في استعراض قدراتها العسكرية على محاور رئيسية ثلاثة هى برنامج الصواريخ الباليستية، والقوة البحرية، والمُسيَّرات. وقد حاولت إيران استخدام الصواريخ والقوة البحرية والمُسيَّرات في تهديد أمن ومصالح بعض دول المنطقة فضلاً عن القوى الدولية المعنية بأزماتها. إذ استخدمت قدراتها الصاروخية في شن هجمات داخل كل من العراق وسوريا، كان آخرها الهجمات التي نفذت بواسطة 12 صاروخ باليستي على أربيل في 13 مارس 2022م. فضلاً عن أنها تمد الميليشيات التابعة لها في دول الأزمات بالتكنولوجيا الخاصة بتلك الصواريخ، على غرار حركة المتمردين الحوثيين. وقد كلفت حزب الله تحديداً، الذي تحول من تنظيم لبناني إلى ميليشيا عابرة للحدود تخدم مصالح إيران أينما كانت، بتدريب الميليشيا المتمردة على استخدام وإطلاق تلك الصواريخ. وفي هذا السياق، أشار المتحدث باسم قوات تحالف دعم الشرعية العميد الركن تركي المالكي، في 26 ديسمبر 2021م، إلى أدلة تورط حزب الله والمتمردين الحوثيين في اليمن، وحملهما مسؤولية استهداف المدنيين في السعودية واليمن، واستخدام مطار صنعاء لاستهداف المملكة، وأضاف أن "النظام الإيراني يرعى الأذرع في المنطقة ويقوم بالدمار والخراب، وأن ميليشيا الحوثي تبنت الفكر الطائفي من إيران".

كما هددت إيران عبر قوتها البحرية التابعة للحرس الثوري حركة الملاحة في الخليج والبحر الأحمر. فقد تعرضت ناقلات نفط عديدة لهجمات متكررة في المنطقة، اتجهت الاتهامات فيها إلى إيران. وتوازى ذلك كله مع التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز في حالة ما إذا رأت إيران أن هذا الخيار يتوافق مع حساباتها. وقد كان حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة "كيهان" (الدنيا) القريبة من مكتب المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، آخر من دعا إلى إغلاق مضيق هرمز، حيث زعم في 9 ديسمبر 2021م، أن "هذا الخيار يتوافق مع مطالب الشعب"، وقال في هذا السياق: "إغلاق مضيق هرمز أمام دول مثل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية هو حق غير قابل للنقاش للجمهورية الإسلامية، ويجب ألا نتردد في استخدام هذا الحق الشرعي لبلدنا والتأكد من أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقدم على أي خطأ".

كما أن إيران تعمدت، بالتوازي مع استمرار انعقاد مفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي، الإعلان عن قاعدة تضم الصواريخ الباليستية والمُسيَّرات تم بناؤها تحت الأرض، في 5 مارس 2022م.

لكن رغم كل ذلك، فإن إيران تعاني مما يمكن تسميته بـ"ثغرات" عديدة في قدراتها العسكرية. إذ أنها تمتلك سلاح جو بدائي جداً، يعود إلى عهد الشاه، حيث لم تنجح إيران في تجديده على مدى العقود الأربعة الماضية بسبب العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها. وبالمقارنة بما تمتلكه دول الجوار من قدرات جوية نوعية، يمكن القول أن إيران تأتي في مرتبة متأخرة جداً في هذا السياق. وقد جاءت إيران في مرتبة متقدمة على مستوى العالم في حوادث سقوط الطائرات، سواء العسكرية أو المدنية، بسبب افتقادها لقطع الغيار الضرورية في عمليات الإحلال والتجديد، وكان آخر الحوادث في هذا السياق سقوط طائرة حربية من طراز "إف 5" في مدينة تبريز في شمال شرق إيران في 21 فبراير 2022م، على نحو أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص إثنين كانا على متنها ومدني. بل إن إحدى الطائرات المدنية الإيرانية اضطرت، في 6 يناير 2022م، إلى الهبوط في أحد شوارع محافظة أصفهان.

فضلاً عن ذلك، فإن قدرات الدفاع الجوي الإيرانية تواجه بدورها أزمات عديدة. صحيح أن إيران تتباهى دائماً بقدراتها العسكرية، إلا أن منظومة الدفاع الجوي تحديداً تعاني من ثغرات لا تبدو هينة. وقد تسببت في اندلاع أزمة دولية لم تتراجع حدتها حتى الآن بين إيران وأوكرانيا وبعض الدول الأخرى مثل بريطانيا والسويد وأفغانستان، بسبب إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية للطائرة المدنية الأوكرانية في 8 يناير 2020م، بعد ساعات من الهجمات الصاروخية التي شنتها إيران على قاعدتين عراقيتين تتواجد بهما قوات أمريكية رداً على قيام الولايات المتحدة الأمريكية بقتل قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري قاسم سليماني برفقة نائب أمين عام ميليشيا الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس قبل ذلك بخمسة أيام.

 واللافت في هذا السياق، هو أن الحرس الثوري لم يعترف بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة إلا بعد مرور ثلاثة أيام، ويبدو أن ذلك جاء بعد نشوب أزمة حادة داخل دوائر صنع القرار، لاسيما أن تقارير عديدة أشارت إلى أن الرئيس السابق حسن روحاني هدد بتقديم استقالته في حالة ما إذا لم يعترف الحرس بمسؤوليته عن الحادث. ورغم أن إيران حاولت تقليص حدة تلك الأزمة عبر إجراء محاكمة لعشرة عسكريين إيرانيين، في 21 نوفمبر 2021م، بتهمة إسقاط الطائرة "خطأ"، إلا أن ذلك لم ينه الأزمة العالقة، خاصة في ظل الخلافات حول قيمة التعويضات التي سوف تقوم إيران بدفعها إلى عائلات الضحايا.  

وفي كل الأحوال، فإن تلك الأزمة التي لم تنته حتى الآن تشير بوضوح إلى المستوى المتواضع لقدرات الدفاع الجوي الإيرانية. إذ أن إيران كانت تخشى من أن تتعرض لهجوم أمريكي مضاد بعد الضربات الصاروخية التي شنتها داخل العراق، وكان ذلك سبباً في حالة التحفز التي بدت عليها منظومة وقوات الدفاع الجوي لدرجة أدت في النهاية إلى حدوث تلك الكارثة.

إلى جانب ذلك، فإن البرنامج النووي الإيراني يمثل في حد ذاته خطراً على إيران ودول الجوار، لاسيما دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة في ظل غياب عوامل الأمان النووي، وتزايد احتمالات تعرض بعض المنشآت النووية لتسرب إشعاعي، بسبب وقوع إيران في منطقة حزام الزلازل بكل ما يمكن أن يفرضه ذلك من تداعيات على الأمن البيئي في منطقة الخليج.

خاتمة:

في النهاية، يمكن القول إن قدرات إيران، على المستويات المختلفة، لها حدود على الأرض، بل إن مقارنتها بما تمتلكه بعض دول الجوار، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، من قدرات على المستويات نفسها، تكشف أن إيران تأتي في مرتبة متأخرة. لكن ربما ما يمكن أن يضفي، نسبياً، نوعاً من الخصوصية على الحالة الإيرانية يتمثل في أنها تعتمد في المقام الأول على الدعايا أو "البروباجندا".

فهذه الآلية توفر لإيران الفرصة لاستعراض قدراتها، التي يتضح في بعض الأحيان أنها قدرات "زائفة". فعلى سبيل المثال، أعلنت إيران، في 23 أغسطس 2018م، عن إنتاج أول مقاتلة محلية من طراز "كوثر"، ثم اتضح بعد ذلك أنها نسخة من مقاتلة أمريكية من طراز "إف 5 إف" بيعت إلى نظام الشاه في عقدى الخمسينيات والستينيات.

كما أن هذه الآلية هى نفسها التي تساعد إيران على الوصول إلى مناطق بعيدة عن حدودها لتعزيز نفوذها وتمددها في دول تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية عديدة، حيث تستغل ذلك في استقطاب أعداد من مواطنيها، وهو ما يفرض في النهاية عواقب وخيمة على تلك الدول، لاسيما على المستويين الأمني والاجتماعي.

لكن الأخطر من ذلك في مجمله هو أن هذه الآلية تفرض نوعاً من التضخيم على ما تزعم أنه "نموذج إيراني" يحتذى به في المجالات المختلفة، وهو ما لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض التي تشير إلى أن إيران لم تستغل مواردها الطبيعية في رفع مستوى معيشة شعبها، أو تدعيم البنية التحتية وتعزيز القدرة على تلبية الاحتياجات الاقتصادية، بل إنها أمعنت في استنزاف هذه الموارد على تعزيز حضورها في الخارج، لاسيما في دول الأزمات، على نحو فرض تداعيات سلبية على تلك الدول، حيث أدى إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار على المستويين السياسي والأمني، وساهم في الوقت نفسه في عرقلة الجهود التي تبذلها قوى إقليمية ودولية عديدة من أجل الوصول إلى تسويات سياسية لتلك الأزمات تنهي الأزمات الإنسانية التي تعاني منها تلك الدول.

مقالات لنفس الكاتب