array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 172

بؤرتا الصــــراع الدولي الأخطــــر ونواة الحرب الثالثة .. أوكرانيا وتايوان

الثلاثاء، 29 آذار/مارس 2022

لا نجانب الصواب إن سلمنا بأن العالم الآن بدأ يسود فيه نظام "التعدد القطبي"، رغم استمرار القطب الأمريكي (الوحيد سابقًا) في المركز الأول. هناك الآن ثلاث قوى عظمى (أقطاب): أمريكا، الصين، روسيا. ونذكر بأن العلاقات فيما بين الأقطاب كثيرًا ما تحدد وضع السلام، أو الحروب، في العالم. ومعروف، أن العلاقات الدولية، بين أي طرفين دوليين، تتأرجح دائمًا وأبدًا بين ظاهرتين متناقضتين، هما: التعاون أو الصراع. التعاون يحصل على حساب الصراع، والصراع يحصل عل حساب التعاون. والتحليل السريع لطابع العلاقات الآن فيما بين هؤلاء الأقطاب، يكشف أن الصراع يسود العلاقات الأمريكية – الروسية، وكذلك العلاقات الأمريكية – الصينية. أما العلاقات الصينية – الروسية، فيسود فيها التعاون على الصراع. بل أن هناك تقارب كبير بين روسيا والصين. وهذا ما يجعل بعض المراقبين يتنبؤون بقرب قيام تحالف صيني-روسي، ضد عدو عتيد مشترك، هو أمريكا/ الناتو. وهذا ما يمكن استنتاجه، بعد القمة الروسية -الصينية، المنعقدة يوم4/2/2022م. وكل ذلك بسبب التطلع الأمريكي المتواصل للهيمنة العالمية، ولو على مسافة آلاف الأميال من موطنها، كما هو الحال في حالتي أوكرانيا وتايوان، اللتان أصبحتا "أخطر" بؤرتين للصراع العالمي في الوقت الراهن.

      بعد انهيار المعسكر الشرقي، وزوال الاتحاد السوفيتي عام 1991م، توقع الكثير من المراقبين والخبراء المتخصصين، أن يصفى حلف ناتو، وينتهي، بسبب سقوط الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه، وهو العدو الأكبر (السابق) لحلف الناتو، والسبب المباشر لقيامه وتأسيسه. وكانت المفاجأة الكبرى ... أن استمر حلف الناتو، بل وتصاعدت قوته، وتمدد شرقًــــا، ليضم في عضويته دولاً كانت بالأمس في صف العدو اللدود. ومن الطبيعي، أن أكثر من يقلق نتيجة لهذا التطور غير المتوقع، هو الاتحاد الروسي، وريث الاتحاد السوفييتي السابق. فلقد توسع حلف ناتو شرقًا... حتى أصبح طول الحدود المتاخمة بين دوله وروسيا 1600 كيلو متر، بعد أن كانت حوالي 700 كيلو متر. وما زال يتساءل بعض المراقبين: لماذا حصل هذا التطور، واستمر حلف ناتو، بل وقوي عن ذي قبل، رغم زوال المسبب الأساسي لقيامه؟!  لكن الأسباب باتت واضحة، خاصة بعد أزمة أوكرانيا.

     تقع أوكرانيا (عدد سكانها حوالي 43 مليون نسمة، ومساحتها 603550كم2) في خاصرة روسيا، الجنوبية الغربية. ويعرف الجميع أن هذه الدولة استقلت عام 1991م، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، التي أسسها لينين، وكانت إحدى أبرز جمهورياته، بسبب كونها دولة صناعية، ومن أكبر منتجي القمح في العالم. ومعروف أن الاتحاد السوفييتي كان بقيادة روسية.  في عام 2014م، أرسلت روسيا جيشًا مدججًا بالأسلحة إلى شرق أوكرانيا. وسيطرت على مواقع استراتيجية عدة فيها. وهناك صلات وروابط وثيقة بين روسيا وأوكرانيا. فالدولة الروسية الأولى تأسست في كييف. ثم انتقلت لداخل روسيا، بعاصمتها "سانت بطرسبرج". ثم إلى موسكو في شمال غرب روسيا. ونسبة كبيرة من الأوكرانيين هي من أصل روسي. وبعضهم يتحدثون الروسية، كلغة أم. وتوجت روسيا بوتين حملة 2014م، العسكرية بضم شبه جزيرة "القرم" إلى الاتحاد الروسي. إذ فرضت تنظيم استفتاء شعبي، أسفر عن تصويت سكان القرم-ونسبة كبيرة منهم من الروس-لصالح الانضمام إلى روسيا الاتحادية. وهذا ما تم بالفعل.

  ومعروف، أن نهر الدانوب يقسم أوكرانيا إلى شرق وغرب، قبل أن يصب في البحر الأسود. وهناك إقليم "دونباس" شرق أوكرانيا، وتقطن كثير من أجزائه أغلبية روسية، تدعو لانضمام الإقليم للاتحاد الروسي، أو الانفصال عن أوكرانيا. ويدعي الغرب أن غالبية الشعب الأوكراني تميل نحوه، وتؤيد انضمام أوكرانيا لحلف "الناتو"، والاتحاد الأوروبي. في شرق أوكرانيا، تأكد أن هناك إقليمان يسعيا للانفصال عن أوكرانيا، هما: دونيتسك، ولوغانسك. وقد اعترفت روسيا بكل من الإقليمين (الجمهوريتين)، يوم 22/2/2022م. ثم عقدت مع كل من الجمهوريتين معاهدة تعاون، ودفاع مشترك. وصادق البرلمان الروسي على هاتين المعاهدتين. 

   وقد استغلت روسيا هاتين المعاهدتين، لتمكين حكومة كل من دونيتسك ولوغانسك من طلب "تدخل" روسيا لصالحهما، وللحيلولة دون مداهمة الجيش الأوكراني لهما. وقد أسفر التدخل العسكري الروسي عن اكتساح الجيش الروسي لأوكرانيا، بتاريخ 24 فبراير 2022م. وهكذا بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا. وهذا الاكتساح العسكري لم يكتف بالدفاع عن دونيتسك ولوغانسك، بل تبين أنه يسعى للإطاحة بالحكومة الأوكرانية الموالية للغرب، والمناوئة لروسيا. لذلك، أخذ الجيش الروسي يحاصر العاصمة "كييف".

   وحتى كتابة هذه الأسطر، ما زالت كييف محاصرة. وقد اقترح رئيس جمهورية روسيا البيضاء "لوكاشينكو" أن يتوقف القتال، وتجرى مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، تحت وساطته. وأعلن رئيس أوكرانيا "فلاديمير زيلينسكي" رغبة بلاده في التفاوض مع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتن". غير أن الأخير لم يرد، حتى هذه اللحظة (مساء الجمعة 25/2/2022م).

 ومن الطبيعي أن تعارض روسيا تمدد حلف "ناتو" شرقًا، تجاه حدودها الغربية، لأسباب وجيهة، ومنطقية، وترفض بشدة انضمام أوكرانيا لهذا الحلف المعادي لروسيا. فانضمام أوكرانيا للحلف يعني اقتراب الحلف، بأسلحته وصواريخه، من روسيا. وهذا لا يمكن أن تقبله موسكو. وفي الواقع، هناك اتفاقية بين روسيا وحلف الناتو، تتضمن عدم نشر صواريخ المديين القصير والمتوسط، في وسط أوروبا وشرقها. ولكن أمريكا جمدت هذه الاتفاقية. كما أن هناك تعهد من "الناتو" بعدم التمدد شرقًا، "ولا بوصة واحدة". ولكن الناتو لم يف بوعده، وأصر على التمدد إلى حدود روسيا الغربية.

  وقد حدد الروس مطالبهم "الأمنية" الحالة، تجاه أمريكا والناتو، والتي تتمثل في: الالتزام بعدم نشر الصواريخ في وسط وشرق أوروبا، وعدم ضم أوكرانيا للحلف، إضافة إلى رفع العقوبات الاقتصادية الغربية عن روسيا. والبعض يضيف لهذه المطالب: الاعتراف بانضمام شبه جزيرة القرم لروسيا، وتمكين سكان شرق أوكرانيا (خاصة إقليمي دونيتسك ولوغانسك) من الحكم الذاتي.

  ولم يستجب الغرب وأمريكا لهذه المطالب، أو لأغلبها. لذا، تحرك الروس بجيشهم صوب شرق أوكرانيا. الأمر الذي أدى إلى نشوب هذه الحرب الضروس بين القوات الروسية التي كانت مرابطة شرق أوكرانيا والجيش الأوكراني، المدعوم سياسيًا وعسكريًا من قبل أمريكا والناتو.

 

 وحتى الآن، اكتفى الغرب (أمريكا والناتو) بالدعم المعنوي والسياسي لأوكرانيا، وبفرض عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا، وقادتها. وما زال البعض يتخوف أن يترتب على اكتساح الروس لأوكرانيا، تحرك الناتو ضد روسيا، ونشوب حرب عالمية ثالثة، لا سمح الله، رغم أن أوكرانيا ليست عضوًا في الناتو.  وأعتقد أن الغرب (أمريكا والناتو) لن يغامر بالدخول في حرب عالمية شاملة. فالمتوقع أن تنتهي هذه الأزمة بتفعيل اتفاقية عدم نشر الصواريخ في وسط وشرق أوروبا، وعدم ضم أوكرانيا لحلف الناتو، مع تعهد روسيا باحترام سيادة واستقلال أوكرانيا.

 

أخطـــــــر جــــــزيرة في العـــــالم الآن:                                                      

    يحبس العالم أنفاسه، من حين لآخر، كلما توترت العلاقات بين أمريكا من جهة، وكل من روسيا والصين من جهة أخرى، خوفًا من اندلاع حرب عالمية شاملة، بسبب تفاقم الأحداث، خاصة في أخطر بؤرتين للصراع الدولي، متواجدتين الآن، على وجه الأرض، ومشكلتين أخطر أزمتين دوليتين حاليًا، ألا وهما أزمتي أوكرانيا، وجزيرة تايوان. وعندما نتحول من أوروبا إلى شرق آسيا، نرى الصين، القادمة كدولة عظمى، تصر على إعادة ضم جزيرة "تايوان" إلى الصين الأم. بينما تمانع أمريكا بشدة استعادة الصين لتايوان. هذا الخلاف الفادح الخطورة، جعل من تايوان ثاني أخطر بؤرة صراع عالمي راهن. وجعل منها "أخطر جزيرة في العالم الآن". وذلك لأن حربًا عالمية ثالثة قد تنشب، لا سمح الله، بسبب هذا الصراع، الأمريكي – الصيني. ونوضح هذا الوضع فيما يلي. 

     كانت الصين، حتى بداية القرن العشرين، عبارة عن عدة ممالك اقطاعية متشرذمة، ومتنافرة، تسيطر عليها بعض القوى الاستعمارية الكبرى، وخاصة بريطانيا، واليابان. الأمر الذي أدى إلى قيام حروب أهلية صينية عدة، وكذلك نشوء حركات تحرير وطنية عديدة، أهمها: الحركة الوطنية لتحرير الصين، بزعامة "شان كاي شيك"، الذي حكم الصين في البداية، وميليشيا الحزب الشيوعي الصيني، الذي تأسس عام 1921م، بزعامة "ماو تسى تونج". وبعد انتصار المقاومة الوطنية الصينية، واندحار الاستعمار، نشبت حرب أهلية صينية كبرى، بين قوات هاتين الحركتين، انتصر فيها الشيوعيون، الذين سارعوا بتأسيس "جمهورية الصين الشعبية" (PRC) في أكتوبر 1949م. وأصبحت عاصمتها مدينة بيكين.

   ونتيجة لهزيمته، هرب "شان كاي شيك" وجيشه إلى جزيرة "تايوان"، الصينية الواقعة شرق الصين-تبعد 800 كيلومترا عن البر الصيني -وأسس هناك "جمهورية الصين الوطنية" / تايوان، بمساعدة مكثفة من أمريكا وبعض دول الغرب. واتخذ من مدينة "تايبيه" عاصمة لهذه الجمهورية. وذلك في شهر ديسمبر 1949م. وتبلغ مساحة تايوان 36 ألف كيلو متر مربع، ويسكنها حوالي 25 مليون نسمة. وقد تأسست فيها حكومة ديمقراطية/رئاسية. وشهدت نهضة صناعية وتقنية كبرى، جعلتها إحدى "نمور آسيا". وما زالت قائمة، نتيجة رغبة أمريكية قوية في استقلالها.

   وكما هو معروف، كانت معظم دول العالم تعترف بـ "جمهورية الصين الوطنية"، وتعتبرها ممثلة لكل الصين والصينيين. وكانت تحتل مقعد الصين في هيئة الأمم المتحدة. ولكن، بعد زيارة الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون لبيكين، عام 1972م، تغير الحال، وأمسى هناك وضع دولي مختلف. اذ اعترفت أمريكا بـ "جمهورية الصين الشعبية"، كممثلة لكل الصين. وكان هذا يعني: سحب الاعتراف العالمي بـ "تايوان"، وتولي الصين الشعبية مقعد الصين في الأمم المتحدة. ومما نتج عن ذلك: وقوع جمهورية الصين في عزلة دولية خانقة. حيث تحولت أغلب الدول التي كانت تعترف بها، وتقيم معها علاقات دبلوماسية وغيرها، لجمهورية الصين الشعبية، التي تقطع علاقاتها فورًا مع أي دولة تعترف بتايوان.

    تخلت الولايات المتحدة (شكليا) عن جمهورية الصين الوطنية، وكذلك بقية الدول. ولكن أمريكا كانت – وما زالت-الداعم الأول والأساسي لهذه الجمهورية، منذ نشأتها حتى الآن. وفي ذات الوقت، تتزايد مطالب جمهورية الصين الشعبية باستعادة تايوان، التي تعتبر استعادتها إكمالاً للكرامة الوطنية الصينية بعامة. إضافة لما لهذه الجزيرة من أهمية اقتصادية، واستراتيجية، هائلة. وأصبح لهذه المطالب الصينية تأثيرًا كبيرًا متصاعدًا، لتصاعد قوة الصين، والقفزة النوعية الاقتصادية والتقنية التي حققتها في نصف القرن الماضي، والتي جعلتها تتبوأ مكانة الدولة العظمى، وتنافس على الجلوس في قمة العالم الاقتصادية -السياسية.

  أهمية تايوان الجيوستراتيجية هي التي تجعل الصراع عليها أقوى وأخطر، بين العملاقين، الصيني والأمريكي. ويثر المسؤولون الصينيون دائمًا، وفي كل لقاء مع نظرائهم الأمريكيين، مسألة استعادة تايوان، ويعطون هذه المسألة الأولوية على كل القضايا ذات الاهتمام المشترك. يشبه المحلل السياسي الأمريكي "نيل فيرجسون" تايوان بالنسبة لأمريكا حاليًا، بقناة السويس بالنسبة لبريطانيا في الماضي. اذ يرى أن تخلي أمريكا عن تايوان سيجعل من أمريكا دولة كبرى، وليست عظمى، تمامًا مثل ما أدى تخلى بريطانيا عن السويس لنزولها من مرتبة الدولة العظمى.

  ومما زاد الأمر تعقيدًا، وصعوبة، تدخل الكونجرس الأمريكي على خط الصراع على تايوان. إذ أصدر عام 1979م، قانون العلاقة مع تايوان، الذي يلزم السلطة التنفيذية الأمريكية (أي رئيس أمريكي) بعدم التخلي عن تايوان، وحماية وضعها الحالي. وهذا يعنى عدم السماح للصين باستعادتها. وفي ظل تصميم بيكين على استعادة تايوان، تتضح خطورة هذا الصراع.

   إن لتايوان أهمية كبرى، لكل من أمريكا والصين. فأهميتها، بالنسبة للصين، تتلخص في كونها تقع في مواجهة البر الصيني، ويمكن مهاجمة الصين بسهولة نسبية كبيرة، انطلاقًا منها. يقول الاستراتيجيون الصينيون بأنه لا يمكن الدفاع عن الصين بكفاءة، إلا عبر تايوان. وتشرف تايوان على مضيق تايوان الاستراتيجي، الذي يربط بين بحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، ومن ثم بين المحيطين الهندي والهادي. الأمر الذي يشكل أهمية بالغة للمواصلات البحرية في شرق آسيا. يقول القائد الأمريكي "ماك آرثر"، واصفًا أهميتها الجيوسياسية، "إن تايوان هي حاملة طائرات لا يمكن إغراقها". إضافة إلى أهميتها الاقتصادية والتقنية الكبرى المعروفة. أما أهميتها لأمريكا فتنبع من أهميتها للصين.

    معظم المراقبين يتوقعون ضم الصين لتايوان، في المدى القريب. ولكن، يبقى السؤال: كيف، وما تداعيات ذلك؟!

مقالات لنفس الكاتب