array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 172

6 سيناريوهات للأزمة الروسية ـ الأوكرانية أكثرهم توقعًا حرب الاستنزاف وأضعفهم قيام حرب عالمية

الثلاثاء، 29 آذار/مارس 2022

فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العالم بإعلانه غزو أوكرانيا لتطهيرها من أسلحة الدمار الشامل والجماعات النازية التي تحكم البلاد، على حد قوله.  ويعود سبب المفاجأة للمراقبين، ومنهم الكاتب، أن جميع التحليلات كانت تشير إلى أن الورقة القوية بيد روسيا كانت التهديد بالحرب، وأنها سوف تفقد هذه الورقة عند إطلاق الرصاصة الأولى. لذلك نقول إن عملية الغزو جعلت روسيا في موقف هو أضعف مما كانت عليه قبل بداية الحرب.  هذه الحقيقة تزيد الأزمة القائمة على الساحة الأوكرانية حدة وتدخل العالم في مسارات خطيرة وتضعه أمام خيارات أحلاها مر، ولذلك فلابد من متابعة لهذا الحدث تأخذ بنظر الاعتبار آخر المستجدات على ساحة القتال وما يدور وراء الكواليس السياسية عالميًا. نحاول في هذه الورقة تحديد الأهداف الروسية من وراء العملية واحتمالات تطوراتها المستقبلية والآثار والنتائج التي ترتبت وسوف تحصل على النظام العالمي من جرائها وبعض تداعياتها على أطراف الصراع وقضايا المنطقة.

 

الأهداف الروسية من غزو أوكرانيا:

 

التطورات الأولية للغزو الروسي لأوكرانيا تنبئ وبشكل واضح عن النوايا الروسية التي كانت وراء العملية.  فعلى الرغم من إعلان القيادة الروسية أنها كانت تسعى وراء إقامة منطقة عازلة بينها وبين دول حلف الأطلسي من خلال الاعتراف باستقلال إقليم دونباس المحاذي للحدود الروسية، إلا أن تلك الأفكار فندتها التطورات الميدانية خلال الساعات الأولى للعمليات العسكرية.  لقد بدا جلياً للمراقبين وحتى الذين لا يمتلكون الخلفية العسكرية بأن الهدف الرئيسي للقوات الروسية هو احتلال أوكرانيا بالكامل وتغيير النظام السياسي القائم هناك ليكون تحت الوصاية الروسية. تدل على ذلك بداية العمليات التي كانت باستخدام تشكيلات عسكرية صغيرة وسريعة الحركة كانت الغاية منها استخدام عنصر المفاجأة لإحداث "الصدمة والهول" كما حصل في عملية غزو العراق، والتقدم بسرعة لاحتلال المدن الكبيرة وخصوصًا خاركيف وكييف.  لكن الأحداث الميدانية بسبب المقاومة الأوكرانية وقيام الولايات المتحدة بنشر التقارير السرية عن التحركات الروسية بالإضافة إلى ضعف أداء القوات الروسية في المراحل الأولى من عملية الغزو أفشلت تلك الخطط.  إن تعثر القوات الروسية في تحقيق أهدافها في بداية العمليات يعود إلى غياب التدريب على الخطة والإعداد لها ربما لأنها كانت على درجة عالية من السرية ولم يطلع عليها حتى القادة الميدانيين الذين أوكلت إليهم مهمة تنفيذها إلا في ساعاتها الأخيرة، ولذلك فلم تكن لديهم الفرصة لإعداد الخطط التفصيلية التي تضمن خطوط الإمداد والاتصالات بين الوحدات المشاركة في العملية التي فاق عددها المائة ألف جندي، لذلك تغيرت الخطط بعد الأيام الأولى وتحول الصراع إلى حرب تقليدية من خلال القصف المدفعي والصاروخي على المدن لتعطيل أنظمة المواصلات والاتصالات والتموين، وهذا ما لم تكن القيادة الروسية تسعى إليه لأن مآل الأمر هو أن تتحول الحرب إلى حرب شوارع وكر وفر الأمر الذي يضع القوات النظامية في وضع صعب جدًا.

 

الاحتمالات المتوقعة لتطور الأزمة:

 

هذه الأزمة على درجة كبيرة من التعقيد بسبب تعدد الأطراف الفاعلة فيها وهي مرشحة للتصعيد بسبب التباعد الكبير بين مواقف أطراف النزاع مما يعني صعوبة التوصل إلى تسوية سلمية على المدى القريب ولذلك فإن الأزمة مرشحة للتطور وهي قد تأخذ واحدًا أو أكثر من المسارات التالية:

  • سيناريو الاستنزاف: أكثر السيناريوهات توقعاً يقوم على اعتبار أن أوكرانيا كانت بمثابة قطعة لحم مسمومة ألقيت أمام الدب الروسي الذي التهمها دون أدنى إدراك للعواقب الوخيمة التي تنتظره. وحسب هذا السيناريو فإن القوات الروسية سوف تحقق شيئًا من النجاح في احتلال أجزاء كبيرة من أوكرانيا وخصوصًا المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية وقد تدخل عددًا من المدن الكبيرة مثل العاصمة كييف وخاركيف بعد عمليات قصف عنيف وحصار وتجويع يفرض عليها الاستسلام وسوف تعمل على تنصيب حكومة موالية لها في المناطق التي احتلتها وقد تفرض عليها الأوضاع الميدانية التوقف عند نهر دنيبرو، الذي يبدأ من الحدود مع بيلاروسيا عند تشرنوبل ويتجه باتجاه جنوب الشرق ثم ينحرف باتجاه جنوب الغرب ويصب في البحر الأسود. لأن السيطرة على هذه المناطق تمنح روسيا الحاجز الجغرافي الذي تسعى وراءه وبذلك تتمكن القيادة من إعلان الانتصار وهزيمة العدو.  ومما يدعم هذا الرأي أن القوات الروسية سارعت في التقدم في الجبهة الجنوبية بالتوجه من منطقة القرم باتجاه أوديسا بغية قطع الطريق بين أوكرانيا وأي منفذ على البحر الأسود.

 

هذه الحالة سوف تؤدي إلى تقسيم أوكرانيا فعليًا إلى قسمين وقد يدفع بالحكومة الأوكرانية الحالية للانتقال إلى المنطقة الغربية ومدينة لفيف بالتحديد، وبذلك تتطور الحرب إلى حرب غير تقليدية على شكل مقاومة مسلحة للقوات الروسية المحتلة تقوم من خلالها الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة بدعم القوات المحاربة بالسلاح التدريب وتستخدم الأزمة في سبيل عزل روسيا سياسيًا واقتصاديًا واستخدام التهديد بالخطر الروسي لتقوية التحالف الغربي ضد التوسع الروسي ومن ثم إعادة سيناريو الحرب الباردة على الساحة الأوروبية من جديد. هذا بالطبع يشكل إعادة استنساخ لمأزق الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وسوف تسعى الدول الغربية من خلاله للوصول إلى نفس نتائج الأزمة الماضية وهي استنزاف روسيا وتدميرها اقتصادياً.

  • سيناريو الحل السلمي: التطورات الميدانية على الساحة العسكرية بالإضافة إلى التصعيد الاقتصادي ضد روسيا قد تقنع الرئيس الروسي بوتين بالقبول بحل سلمي للأزمة يتضمن الاعتراف باستقلال أوكرانيا مقابلاً بالحياد وعدم تطويرها لأي قدرات عسكرية هجومية. يبدو احتمال حدوث هذا السيناريو ضعيفاً في الوقت الحاضر لكن التطورات الميدانية قد تدفع بالأطراف المتصارعة إلى تجرع مرارة تقديم التنازلات على طاولة المفاوضات التي سوف تكون أكثر جدية من المفاوضات القائمة الآن في بيلاروسيا.  ومما قد يزيد من قوة هذا الاحتمال تزايد الضغوط على الرئيس الروسي وخصوصًا من أصدقائه المقربين من رجال الأعمال الذين بدأوا يفقدون الكثير من ثرواتهم جراء الحصار الاقتصادي الغربي وكذلك المؤسسة الأمنية التي دعمت الرئيس بوتين وماتزال في جميع مواقفه لكنها ربما تعيد النظر بتلك المواقف إذا ما وصلت لقناعة بأن الحرب سوف تضر بمصالحها ومصالح الأمة الأمر الذي قد يدفعها للضغط على القيادة للخروج من المأزق الأوكراني بأقل الخسائر.  كذلك يبرز هنا الدور الكبير الذي تلعبه الصين وهي التي كانت من العوامل التي دفعت ببوتين إلى التصعيد في الأزمة الأوكرانية حين كان طلبها الوحيد تأجيل الغزو إلى ما بعد نهاية دورة الألعاب الأولمبية الشتوية وهو بالفعل ما حصل لكن التطورات ربما جرت بما لم يكن يخلد في بال القيادة الصينية ولذلك فقد تنصح الرئيس الروسي بأهمية الحل السياسي للأزمة التي بدأت تحرق أصابع البعض ربما أكثر من الآخرين.

 

  • سيناريو الانتصار الروسي: يقوم هذا السيناريو على فرضية انتصار روسيا في الحرب وقبول الأطراف المعارضة بالشروط الروسية ومنها الاعتراف باستقلال إقليم دونباس والقبول بنزع السلاح الأوكراني وقيام حكومة موالية لروسيا في أوكرانيا.  هذا السيناريو هو الأضعف الآن لأن الولايات المتحدة والدول الغربية وخصوصاً ألمانيا قد تجاوزت هذه النقطة وسوف يكون من الصعب العودة إليها.
  • سيناريو فشل عملية الغزو: هذا الاحتمال هو الآخر ضعيف بسبب القدرات العسكرية الروسية الكبيرة التي تفوق القوات الأوكرانية في جميع المجالات خصوصًا الجوية والصاروخية بالإضافة إلى امتلاكها ترسانة كبيرة من الأسلحة النووية. لكن ومع مرور الزمن خصوصًا أذا أثبتت العقوبات الاقتصادية فعاليتها وأضعفت الاقتصاد الروسي بشكل كبير تعجز معه الحكومة الروسية على تقديم الحاجيات الأساسية للمواطنين وتبدأ مشاهد الأسواق الفارغة من البضائع وتدافع السكان على الحصول على رغيف خبز كما حصل في الأيام الأخيرة للاتحاد السوفيتي.  والعامل الآخر الحازم في هذا الصراع هو قدرة القيادة الروسية على المحافظة على معنويات عالية عند الجنود الذين يخوضون حرباً ضد أبناء جلدتهم وهي حرب لا يفهمون الغاية منها خصوصاً عندما تزداد أعداد الضحايا بين الجنود وتتطور الحرب إلى حرب شوارع لا يستطيع الجندي أن يميز فيها بين العدو والصديق. عندها قد تدفع الأوضاع إلى إحداث تغييرات كبيرة في النظام السياسي الروسي والإطاحة ببعض الرؤوس التي سوف تحمل مسؤولية الفشل في تنفيذ الأوامر. القيادة الروسية من جانبها تدرك خطورة الأمر وهي لن تقبل بالهزيمة بهذا الشكل ولذلك سوف تصب جحيم قدراتها العسكرية على الشعب الأوكراني لدفعه إلى الاستسلام. الأمر الذي يرفع من تكلفة الحرب إلى مستويات عالية من الأرواح والممتلكات.
  • سيناريو التغيير السياسي في روسيا: وهو امتداد للسيناريو السابق ويقوم على فرضية أن الأمور في روسيا سوف تزداد سوءاً جراء ارتفاع كلفة الحرب على الشعب الروسي وتفاقم آثار العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا خصوصًا إذا ما تم توسيع تلك العقوبات لتشمل النفط والغاز اللذان يشكلان مصدر الدخل الأساسي الذي يمثل أكثر من نصف دخل الميزانية الاتحادية وأكثر من 70% من الصادرات، هذه العقوبات سوف تأخذ وقتًا طويلاً لكي تثبت فعاليتها لأنها لن تتحقق حتى تتمكن أوروبا من إيجاد البديل للنفط والغاز الروسي. لذلك فقد تزداد الأوضاع سوءًا خصوصًا إذا ما طال أمد الحرب وأصبحت تشكل تهديدًا للأمن القومي الروسي مما قد يدفع بالمؤسسة الأمنية إلى إزالة الرئيس بوتين وإقامة نظام سياسي جديد يعمل على إحداث انفراجة سياسية مع الغرب والتركيز على إعادة بناء البنية الاقتصادية والاستفادة من التجربة الصينية. هذا هو السيناريو المفضل لدى الغرب وهو الذي أشار إليه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام في تصريحه الذي تداولته وسائل الإعلام وقال فيه "إن الطريق الوحيد لنهاية الحرب في أوكرانيا هي عندما يقوم شخص ما بالتخلص من ذلك الرجل ويعني بوتين".
  • الحرب العالمية: الأزمة الأوكرانية تعتبر أكبر تحد للنظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية بسبب موقعها الجغرافي في وسط أوروبا، وهي الساحة التي تمتلك الماضي القديم والحديث في دموية النزاعات الكبيرة مثل حرب المائة عام والحربين العالميتين الأولى والثانية كذلك طبيعة القوى المشاركة في الصراع وامتلاكها لأشد الأسلحة فتكاً وتدميراً مثل الصواريخ البالستية المحملة بالرؤوس النووية وغير ذلك من تكنولوجيا الفتك التي تفنن البشر بتطويرها، بالإضافة إلى تطور القدرات التكنولوجية على شن الحروب المعلوماتية التي قد تحدث آثارًا تدميرية كبيرة.

قلنا أعلاه بأن القيادة الروسية فقدت الورقة القوية بإعلانها الحرب لكن تبقى ورقة أخرى لوحت بها وهي استخدام السلاح النووي، هذا الاحتمال ضعيف جدًا بسبب القناعة القائلة بأن مثل هذه الحرب ستكون كارثة على الجميع ولن ينجو منها أحد. لكنه وللأسف فهو احتمال يجب أن يحسب له حساب على أقل تقدير لأن الرئيس الروسي وضع القوات النووية في حالة الإنذار منذ الأيام الأولى للحرب وكذلك الهجوم الصاروخي على أكبر مفاعل نووي في أوروبا قبل أيام والذي كان من الممكن أن يؤدي إلى كوارث إنسانية وبيئية وهي الأمور التي تنبؤ بأن استخدام تلك الأسلحة البربرية قد يحصل من طريق الخطأ أو قد يخطط. ولعل فتح قناة فك الاشتباك بين الولايات المتحدة وروسيا في الساحة الأوكرانية التي أعلن عنها بعد أسبوع من بداية الصراع قد تخفف من احتمال خروج الصراع عن حدود السيطرة.

آثار الأزمة على العالم والمنطقة

الغزو الروسي لأوكرانيا كان بمثابة الزلزال الذي هز أركان السياسة العالمية وسوف تتبعه هزات ارتدادية سوف تتوالى تبعاتها على الآماد القريبة والبعيدة وهي كثيرة ومتعددة وسوف تترتب عليها آثار قريبة وبعيدة نرصد منها ما يلي:

  • أثر الأزمة على الساحة الأمريكية: إذا كان الرئيس الروسي يعول على الاستفادة من الشرخ الحاصل في الجبهة الداخلية الأمريكية فإن الدلائل الأولية تشير إلى العكس من ذلك فقد قربت الأزمة الهوة بين شقي السياسية الداخلية وجعلت من أصوات المؤيدين للسياسة الروسية ومنهم الرئيس السابق دونالد ترامب تخفت في ظل تصاعد أصوات الداعين إلى معاقبة روسيا والذين يشكلون الأغلبية من ممثلي الحزب الجمهوري لذلك يشعر الرئيس بايدن ولأول مرة منذ استلامه الرئاسة بقوة موقفه من القضية ويشهد على ذلك الحماسة التي استقبل بها أعضاء مجلسي النواب والشيوخ موقف بايدن في خطاب حالة الاتحاد أول شهر فبراير. بالطبع فقد تسببت الأزمة في تصاعد حدة مستويات التضخم الاقتصادي بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز والتي قد ترتفع أكثر بسبب إضافة النفط والغاز الروسي إلى قائمة العقوبات الغربية على روسيا.
  • المجموعة الأوروبية: ردة فعل الدول الأوروبية على عملية غزو أوكرانيا كانت مفاجأة من حيث الشكل والمضمون وهي تمثل واحدة من أسوأ النتائج بالنسبة للرئيس الروسي الذي ربما كان يراهن على ضعف العلاقات بين الأوروبيين من جهة وبينهم وبين الولايات المتحدة من جهة أخرى فقد شكلت الدول الأوروبية وحتى تلك التي أبدت ترددًا في مواقفها في بداية الأزمة مثل ألمانيا موقفًا موحداً تمثل باتخاذ خطوات متقدمة مثل قرار تزويد أوكرانيا بالسلاح الهجومي المتطور مثل صواريخ جافلين المضادة للدبابات والصواريخ المضادة للطائرات. لم يشمل ذلك الموقف ألمانيا فحسب بل تجاوز إلى الدول المعروفة بحيادها مثل سويسرا التي سارعت إلى تجميد البنك المركزي الروسي والسويد التي قامت بتقديم المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.
  • العلاقة مع الصين: وضعت الأزمة الأوكرانية الصين في موقف لا تحسد عليه صحيح أنها كانت ولاتزال مؤيدة للموقف الروسي من أوكرانيا لكنها أولا لم تكن ترغب في أن تتطور الأمور إلى الحالة التي وصلت إليها لأن ذلك يضر بمصالحها خصوصًا إذا ما علمنا بأن هناك أعداد كبيرة من الصينيين في أوكرانيا كذلك فإن عدم الاستقرار العالمي يضر بالمصالح الصينية وفي مقدمة الأضرار بلا شك كان الارتفاع الكبير في أسعار النفط ذلك أن الصين تستورد حوالي 11 مليون برميل نفط خام في اليوم ولذلك فإن ارتفاع أسعار البرميل الواحد بمقدار 30 دولارًا يعني أن كلفة النفط الخام بالنسبة للصين سوف ترتفع بمقدار 120 مليار دولار سنويًا الأمر الذي يعني ارتفاعًا كبيرًا في أسعار البضائع مما يزيد نار التضخم العالمي استعاراً والذي قد يؤدي إلى حصول حالة كساد عالمي يكون أثره على الاقتصاد الصيني القائم على التصدير أكبر من أثره على غيره من الاقتصاديات الكبرى. دور الصين في روسيا سوف يزداد قوة مع تزايد العقوبات الاقتصادية لأنها سوف تصبح الشريك الاقتصادي الرئيسي الوحيد لروسيا.
  • أثر الأزمة على المنطقة: سياسيًا فإن الأزمة كان لها العديد من التداعيات التي أحدثت رجات في الساحة الإقليمية كان من أولها امتناع دولة الإمارات عن التصويت في مجلس الأمن على مشروع القرار الأوروبي-الأمريكي حول الأزمة وهو الأمر الذي فسره المسؤولون الأمريكان بوجود صفقة إماراتية ـ روسية أيدت بموجبها روسيا مشروع القرار الذي تقدمت به الإمارات حول اليمن مقابل الامتناع عن التصويت على مشروع القرار الأوكراني.

 

أحد أهم تداعيات الحرب في أوكرانيا، وكما توقعنا في مقال سابق، كان أثرها على المفاوضات الجارية حول عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران، هذه المفاوضات التي وصلت إلى نقطة حاسمة قبيل الغزو تراجعت بسبب  إثارة موسكو مسألة العقوبات الغربية عليها وانعكاساتها على تلك المفاوضات، فقد قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف "إن العقوبات الغربية على بلاده أصبحت حجر عثرة أمام إحياء الاتفاق النووي الموقع بين إيران والقوى الدولية عام 2015م" من جانبه سعى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى التقليل من ذلك عندما قال إن العقوبات المفروضة على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا ليس لها علاقة باتفاق نووي محتمل مع إيران. لكن الواقع هو أن روسيا طرف مهم في الاتفاق وسوف تستخدم موقعها للضغط على الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي تسعى إلى تحقيق الاتفاق في أقرب فرصة والذي زادت الأزمة الأوكرانية من الحاجة إلى رفع العقوبات عن النفط والغاز الإيراني الذي من الممكن أن يعوض بعض النقص الحاصل في النفط والغاز الطبيعي الروسي الأمر قد يدفع بالولايات المتحدة وإيران إلى البحث في مسألة الوصول إلى اتفاق من دون روسيا، والذي قد يعيد المفاوضات إلى المربع الأول في سبيل البحث عن بديل للدور الروسي.

 

الجانب الأهم في المتغيرات التي ترتبت على الأزمة الأوكرانية والمنطقة هي بروز أهمية النفط والغاز بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها. فقد كانت الأسواق النفطية تعاني من شحة النفط الخام بسبب زيادة الطلب على خلفية تعافي الاقتصاد العالمي وخروجه من أزمة الكوفيد-19 مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط الخام التي أدت بدورها إلى زياد كبيرة في أسعار السلع وارتفاع معدلات التضخم في دول العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي وصلت فيها نسب التضخم إلى معدلات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ عقود من الزمن.  وإذا لم يكن ذلك كله كافيًا جاءت الأزمة الأوكرانية لتعصف بأسواق الطاقة العالمية ويرتفع على أثرها أسعار النفط الخام إلى مستوياته القياسية المتمثلة بأسعار عام 2012م، وذلك بسبب فرض عقوبات على قطاعي النفط والغاز في روسيا. بالطبع ليس هناك بديل للنفط الروسي بوجود العقوبات على إيران وفنزويلا سوى الطلب من الدول المنتجة وخصوصًا دول أوبك لزيادة الإنتاج والاستفادة من الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى المملكة العربية السعودية لرفع إنتاجها النفطي لمواجهة النقص الموجود في الأسواق العالمية.  لكن تلك الدول ولأسباب غير معلنة لم تستجب للنداءات الأمريكية برفع الإنتاج لحد الآن ولكل منها حساباته الخاصة.

الأوضاع الضاغطة في أسواق الطاقة العالمية والتأخر في التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران سوف تؤدي إلى زيادة أهمية العراق بالنسبة للإدارة الأمريكية بسبب امتلاك العراق لخزين كبير من النفط الخام وكذلك الغاز الطبيعي.  هذه الأهمية سوف تدفع بالولايات المتحدة إلى التعجيل بتشكيل حكومة عراقية جديدة إن لم تكن موالية لها فعلى الأقل متوازنة، لكن القوى الأخرى قد تستخدم نفوذها لوضع العراقيل أمام ذلك التحرك كوسيلة للضغط على الولايات المتحدة. فهل تجد الإدارة الأمريكية المشغولة بالهموم الداخلية والأزمة الأوكرانية الاهتمام الكافي لإنجاز المهمة في العراق؟

خلاصة القول إن الأزمة التي ترتبت على غزو روسيا لأوكرانيا هي من أكبر التحديات التي واجهت النظام العالمي وهي قد تتطور لتضع أقطاب السياسة العالمية في مواجهة مباشرة، ولكن حتى بغياب ذلك فإن آثارها البعيدة تعني بأن العالم بعد الأزمة الأوكرانية لن يكون مثلما كان قبلها. 

مقالات لنفس الكاتب