array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 172

مستقبل العلاقات السعودية ـ الروسية تحدده حرب أوكرانيا وتقييم الرياض

الثلاثاء، 29 آذار/مارس 2022

تستجيب السياسة الخارجية لأي دولة للتغيرات في بيئتها الخارجية، وتأثير ذلك على إدراك قيادتها السياسية لما يترتب على تلك التغيرات من فرص وتحديات أمام مصالحها الوطنية. وخلال السنوات القليلة الماضية شهدت البيئتين الخارجية للمملكة ولروسيا تطورات انعكست على سياستهما الخارجية وظهر ذلك جلياً في تحركاتهما وأيضاً في لغة الخطاب تجاه ما واجهتاه من أحداث. 

ففي المملكة وبسبب التطورات السياسية المتلاحقة في اليمن بعد الربيع العربي واستيلاء ميليشيات الحوثي على السلطة اضطرت الرياض وكحالة نادرة في سياستها الخارجية إلى اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية لحماية أمنها ومصالحها الحيوية بالنظر إلى موقع اليمن وحدوده المشتركة مع المملكة وسارعت إلى تشكيل تحالف عربي لاستعادة الحكومة الشرعية مدعومة بقرار دولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة منح التحالف غطاءً شرعياً لاستعادة الاستقرار في اليمن. وبسبب ما يشكله استيلاء ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران على السلطة في اليمن من تهديد مباشر لأمن المملكة ولمصالحها، فقد تصدرت قضية استعادة الشرعية أولويات السياسة الخارجية السعودية.

كان ذلك في 2015م، وقبل ذلك بعام تعرضت البيئة الإقليمية لروسيا لتغيرات مهمة تمثلت في انتقال السلطة في جارتها أوكرانيا لتيار ذو نزعة غربية كان من أولوياته دمج أوكرانيا في “المعسكر الغربي" من خلال العضوية في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. موسكو التي رأت في ذلك تهديداً مباشراً وحقيقياً لأمنها ومصالحها الحيوية سارعت إلى إجهاض ذلك المسار الخطير بضم جزيرة القرم ودخول القوات الروسية شرق أوكرانيا لدعم الحركات المناوئة لكييف وهو ما تسبب في تدهور العلاقات الروسية الغربية، وأطلق أكبر مواجهة مع الغرب منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وأصبحت إدارة هذه المواجهة على رأس أولويات السياسة الخارجية الروسية وانتهت بها إلى غزو الأراضي الأوكرانية والتورط في حرب سيكون لها آثار عميقة على روسيا وعلى النظام الدولي للسنوات القادمة.

تلك التحديات لأمن ومصالح الدولتين دفعت بهما إلى توسيع دائرة الشراكات الإقليمية والدولية سعياً لتعزيز التوازنات في ظل بيئة دولية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين بسبب اضطراب في السياسات الأمريكية والأوروبية. ففي الولايات المتحدة زاد التوجه نحو تقليل الانخراط في القضايا الدولية والتركيز على التحديات الداخلية ومواجهة صعود الصين التي تعتبر المنافس الحقيقي للهيمنة الغربية على النظام الدولي. أما أوروبا فقد انشغلت بإعادة ترتيب الاتحاد الأوروبي والمحافظة على تماسكه بعد خروج بريطانيا. وقد جاءت حرب أوكرانيا لتعيد من جديد ترتيب الأولويات وتعمق حالة اللايقين في مستقبل العلاقات الدولية. 

وقبل الغزو الروسي لأوكرانيا كانت منطقة الشرق الأوسط من أبرز الساحات التي شهدت أثر التحولات في السياسة الغربية حيث ظهر نهج غربي في التخلي عن التحالفات التقليدية وهو ما دفع دول المنطقة ومن بينها المملكة إلى تعزيز علاقاتها الدولية والبحث عن شركاء للمحافظة على الأمن والاستقرار الإقليمي. في المقابل فإن روسيا وجدت في تراجع الاهتمام الأمريكي والغربي إجمالاً بمنطقة الشرق الأوسط فرصة لزيادة نفوذها في إطار مشروعها الاستراتيجي باستعادة المكانة على الساحة الدولية بعد سنوات طويلة من التهميش.  فحسب الخبير الروسي في شؤون المنطقة فيتالي نعومكين فإن روسيا وضعت "خطة استراتيجية للانخراط في الشرق الأوسط، الذي ارتقى بوضوح إلى مركز متقدم على مقياس أولويات سياستها الخارجية."

 هذه البيئة الجديدة كانت فرصة للرياض وموسكو للتنسيق المشترك والارتقاء بالعلاقات إلى مستويات متقدمة انطلاقًاً من إيمانهما بأولوية استعادة الاستقرار في المنطقة بعد تداعيات الربيع العربي حيث ترتكز السياسة السعودية دائماً على المحافظة على الاستقرار في جوارها الإقليمي، في حين أن روسيا كانت قلقة من التغيرات على حدودها الجنوبية. ورغم وجود هذا الهدف الاستراتيجي المشترك (استعادة الاستقرار)، إلا أن الخلاف على كيفية تحقيق ذلك فوت على الرياض وموسكو فرصة التنسيق وظهر ذلك جلياً في الملف السوري. وحتى تضع حرب أوكرانيا أوزارها لا يمكن الجزم بتأثيرها على مسألة الاستقرار في المنطقة وموقعها على ملف العلاقات بين المملكة وروسيا.

قفزة في العلاقات

لقد شهدت العلاقات خلال الست سنوات الماضية زخماً وتطوراً يتجاوز ما مرت به منذ استئنافها في 1990م. فقد قام سمو ولي العهد بعدة زيارات لروسيا وصاحب هذه الزيارات توقيع عدد كبير من مذكرات التفاهم والاتفاقيات شملت معظم مجالات التعاون ومن ضمنها القطاع العسكري. فقد وقعت الرياض وموسكو في عام 2017م، اتفاقية تعاون عسكري تزود روسيا بموجبها المملكة بمنظومة الدفاع الجوي S-400 ومنظومة مضادة للدروع من نوع kornet- M، وراجمة الصواريخ TOS-A1، وراجمة القنابل AGS-30 وسلاح كلاشنكو AK-103". وتشمل الاتفاقية نقل تقنية تصنيع هذه الأسلحة للمملكة وبرنامج تدريب للفنيين السعوديين. وخلال زيارة لسمو نائب وزير الدفاع لموسكو في 2021م، للمشاركة في المنتدى العسكري التقني الدولي وقع اتفاقية جديدة للتعاون العسكري بحضور وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو.  وتعد منظومة الدفاع الجوي S-400 أبرز صفقة عسكرية، إلا أن تحققها-وكما ظهر من تجارب (تركيا الهند) -مرتبط بعوامل خارج سياق العلاقات الثنائية، ونقصد بذلك اعتراض الولايات المتحدة على شراء شركائها أسلحة متقدمة من روسيا.

ومن بين الخطوات المهمة لتطوير العلاقات تأسيس صندوق استثمارات مشتركة بقيمة 10 مليارات دولار بين صندوق الاستثمارات العامة في المملكة وصندوق الاستثمارات المباشرة الروسي. ويستهدف الصندوق الاستثمار في مشاريع في الطاقة وصناعة الفضاء والخدمات اللوجستية لسكك الحديد.

وكان الحدثان الأبرز في العلاقات زيارة خادم الحرمين الشريفين لروسيا في أكتوبر 2017م، وزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للرياض عام 2019م، ومما يدل على وجود رغبة جادة في الارتقاء بالعلاقات وإنهاء حالة المد والجزر التي اتسمت بها لأكثر من ربع قرن تطوير آليات للعمل المشترك ومن ذلك تفعيل اللجنة السعودية ــ الروسية المشتركة فقد انتظمت اجتماعاتها الدورية، كما وضع البلدان خارطة طريق وبرنامج تنفيذي من أجل ضمان تحقيق أهداف التعاون الثنائي، وعدم تعرض العلاقات لحالة ارتخاء كما كان يحدث سابقاً بعد كل زيارة رفيعة المستوى.  ومن المؤشرات المهمة أيضاً تواصل زيارات المسؤولين بين الرياض وموسكو بهدف تعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف المشتركة تجاه القضايا الإقليمية والدولية ويأتي في مقدمتها مسألة أنتاج وأسعار النفط التي تمثل الركيزة الأهم للعلاقات.   

النفط مفتاح العلاقات 

يعد النفط المتغير الرئيس في العلاقات السعودية ــ الروسية بسبب الاحتياطات الضخمة التي يمتلكها البلدان. فالمملكة تمتلك 16٪ من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وهي أكبر مصدِر للنفط (6.6 مليون برميل يوميًا)، ولديها أكبر طاقة إنتاجية للنفط في العالم بحوالي 12 مليون برميل يوميًا وقد أعلنت مؤخراً عن نيتها رفعها إلى 13.5 مليون برميل يومياً.  وتمتلك روسيا 5% من الاحتياط العالمي من النفط وهي ثالث أكبر منتج للنفط بعد الولايات المتحدة والمملكة، وبلغ متوسط انتاجها في 2020م، 10.5 مليون برميل يومياً، وتقدر صادراتها ب 4.6 مليون برميل يومياً. ولذلك تعتمد الدولتان على عوائد النفط بشكل كبير حيث تشكل نسبة 60% في الميزانية السعودية وأكثر من 40% في ميزانية روسيا. وهذا ما يقتضي تنسيق سياساتهما النفطية من أجل تحقيق مصالحهما المشتركة.

وكانت أبرز خطوة في هذا الاتجاه الاتفاق في عام 2016م، بين الرياض وموسكو لخفض الإنتاج بهدف استعادة التوازن إلى السوق وقد تم تجديد الاتفاق عدة مرات، وظهر نتيجة له ما أصبح يعرف بتحالف (أوبك بلس) بقيادة المملكة وروسيا. وفي عام 2020م، ونتيجة انخفاض الأسعار بسبب الركود الاقتصادي إثر جائحة كورونا حاولت موسكو التملص من الاتفاق، وهو ما رأت فيه الرياض فرصة كي تدرك موسكو والعالم أنها صاحب القرار في توزان أسواق الطاقة حيث استخدمت طاقتها الإنتاجية الفائضة وأغرقت السوق بالنفط وهبطت الأسعار إلى مستويات متدنية انخفضت بسببها الإيرادات النفطية الروسية. وكان ذلك درساً قاسياً لموسكو حيث أدركت خطأ التحرك المنفرد، وأنه لا خيار أمامها غير تنسيق سياستها النفطية مع المملكة. 

واليوم وبسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا ارتفعت أسعار النفط لمستويات تهدد الاقتصاد العالمي ولذلك اتجهت الأنظار من جديد إلى المملكة التي أصبحت أمام توقعات متناقضة. فمن جهة فإن روسيا كشريك جديد تتطلع إلى أن تلتزم المملكة باتفاق خفض الإنتاج وترك الأسعار تستمر في الارتفاع بهدف استمرار الحصول على دخل مرتفع يعوض الخسائر التي تتعرض لها بسبب العقوبات الصارمة المفروضة عليها، وكذلك من أجل أن ترتد هذه العقوبات على الاقتصاديات الغربية وتكون أداة للضغط على العواصم الغربية لتخفيف ضغوطها.  في المقابل تسعى الولايات المتحدة والحكومات الغربية لإقناع المسؤولين في المملكة لزيادة الإنتاج لتعويض النقص الناتج عن العقوبات والحد من الآثار الاقتصادية لارتفاع الأسعار.

ولمواجهة هذه التوقعات المتناقضة أعلنت المملكة أن سياستها تقوم على ركيزتين هما: المحافظة على استقرار أسواق الطاقة، والالتزام باتفاق أوبك بلس. ليس صعباً اكتشاف الإشكالية التي تواجه هذه المعادلة، إلا أنها تظهر الوضع الصعب الذي أصبح يواجه دبلوماسية النفط السعودية.  تاريخياً قامت هذه الدبلوماسية على مبدأ استقرار أسواق الطاقة حتى وقت الأزمات الدولية ولعبت المملكة دائماً دور المرجح ولو تسبب لها ذلك في بعض الخسائر الآنية حرصاً منها على تعزيز الموثوقية، ومنع حدوث ركود اقتصادي عالمي بسبب ارتفاع الأسعار، وتجنب دفع المستهلكين للبحث عن بدائل للنفط. ولا شك أن المملكة من حيث المبدأ لا تزال متمسكة بتلك الدبلوماسية، إلا أن دخول روسيا كلاعب رئيس في أسواق الطاقة عقد إمكانية تنفيذها.

اليوم تواجه الدبلوماسية النفطية السعودية تحدي إدارة التوازن بين استحقاقات علاقاتها مع حليف قديم وشريك محتمل يملك أوراقاً مهمة لا يمكن تجاهلها مثل حق النقض في مجلس الأمن، ولابد أن نلحظ هنا موافقة روسيا الملفتة على قرار المجلس 2624باعتبار ميليشيات الحوثي جماعة إرهابية. ويبدو أن توقيت التصويت وحسابات موسكو بشأن الدبلوماسية النفطية السعودية أثناء الأزمة المترتبة على اجتياح أوكرانيا كانت حاضرة في ذهن صانع القرار في موسكو وتوجيه مندوب روسيا في المجلس بشأن التصويت.

   التبادل التجاري و العلاقات السعودية ــ الروسية

رغم الخطوات المهمة والرغبة الجادة في تطوير العلاقات، فإن التعاون الاقتصادي بقي منخفضاً لا يرقى إلى مستوى التطلعات والإمكانات، ولا يمكن أن يكون ركيزة صلبة للعلاقات الثنائية. فأرقام التبادل التجاري والاستثمار لا تزال محدودة جداً؛ فمتوسط التبادل التجاري السنوي خلال الخمس سنوات الماضية لم يتجاوز مليار وثلاثمئة مليون دولار (قارن ذلك بمتوسط التبادل التجاري لنفس الفترة بين الإمارات العربية المتحدة وروسيا حيث بلغ أكثر من مليارين وثلاثمئة وثمانون مليون دولار). وفي مجال الاستثمار وبعد خمس سنوات من تأسيس الصندوق المشترك بين صندوق الاستثمارات العامة وصندوق الاستثمار المباشر لم يتجاوز حجمه المليارين ونصف مليار دولار وهذا رقم صغير جداً قياساً بالإمكانات المتاحة للدولتين.

هذا الضعف يكشف عن أسباب بنيوية تمثل عائقاً أمام تطور القاعدة الاقتصادية للعلاقات بين البلدين.  فبنظرة للصادرات الروسية للمملكة سنلحظ هيمنة المواد الأولية وتتمثل في المنتجات المعدنية والنحاس والحبوب، وتندر المنتجات الاستهلاكية الروسية في السوق السعودي بسبب ضعف قدرتها التنافسية. وفي تصريح لرئيس مجلس الغرف السعودية ذكر عدة أسباب قد تفسر ضعف التبادل التجاري وجاء في مقدمتها: المعوقات البنكية وعدم وجود خط ملاحي مباشر للشحن  وتباين المواصفات والمقاييس وضعف المعلومات عن البيئة التشريعية للاستثمار في روسيا، وطالب بوضع "خارطة طريق لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع روسيا  تشمل تحفيز مجالس الأعمال الثنائية وزيادة الاستفادة من الدعم الحكومي وتنشيط التعاون في مجال المنشآت الصغيرة والمتوسطة ودعم إنشاء شركات مشتركة ومنصة إلكترونية للتعريف بالمنتجات وتنظيم المعارض وإزالة العقبات الإجرائية التي تحد من نفاد المنتجات وتكثيف الوفود والملتقيات التجارية".  ولا يبدو أن الجانب الروسي قد استفاد كثيراً من الفرص الكبيرة التي ظهرت في الاقتصاد السعودي بعد تبني رؤية المملكة 2030م.

مستقبل العلاقات في ظل التحولات الراهنة في الساحة الدولية

شهدت العلاقات تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الخمس الأخيرة وكان لزيارة خادم الحرمين الشريفين لموسكو في 2017م، وزيارة الرئيس فلاديمير بوتين للرياض في 2019م، دور كبير في دفع العلاقات إلى مستويات متقدمة قياساً بما كانت عليه. فقد تم التوقيع خلال الزيارتين على عدد كبير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، ولذلك أصبحت العلاقات ترتكز على قاعدة تشريعية واسعة، وتتوفر لها آليات عمل مستقرة. وكما أشرنا في بداية هذا المقال إلى أهمية التغيرات في البيئة الخارجية في رسم توجهات الدول وتحديد أولوياتها فقد دفعت التغيرات في البيئتين الإقليميتين للمملكة وروسيا الماضية وكذلك في البيئة الدولية خلال السنوات القليلة الماضية باتجاه تعزيز العلاقات الثنائية وزيادة التنسيق المشترك.

واليوم تواجه الرياض وموسكو تحولات جديدة سيكون لها أثر على مستقبل العلاقات الثنائية. فبالنسبة للرياض فإن أهم متغيران سيكون لهما تأثير على علاقاتها مع موسكو يتمثلان في (أ) مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية، و(ب) انعكاسات إحياء الاتفاق النووي على سلوك طهران في المنطقة. أما بالنسبة لموسكو فإن مستقبل علاقاتها الدولية إجمالاً ستحدده نتائج الحرب الدائرة اليوم في أوكرانيا، ولذلك ليس سهلاً التنبؤ بالتأثير النهائي لتداعيات هذه الحرب على علاقاتها مع المملكة. ولكن المؤكد هو وجود قواسم مشتركة بين المملكة وروسيا تتمثل في الحرص على استقرار المنطقة واستقرار المداخيل النفطية، ولو أن هذه القواسم كانت المؤثر الوحيد لأمكننا أن نجزم بحدوث مزيد من التنسيق بين البلدين.

ومما يسهم في هذا الاتجاه التغير المحتمل في موقف المملكة أثر التحولات الاستراتيجية الدولية والمتمثلة في تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة وتزايد حضور الصين حيث قد تتبنى المملكة موقفاً قريباً من الموقف الروسي بشأن ضرورة بناء نظام دولي تعددي وهذا بلاشك سيكون دافعاً نحو تعميق العلاقات.  إلا أن تبلور هذا الموقف وتحوله إلى مبدأ راسخ في السياسة السعودية يتوقف على متغير آخر في غاية الأهمية ويتمثل في تقييم المملكة لمستقبل علاقاتها مع الولايات المتحدة. هذه العلاقة الممتدة لما يقرب الثمانين عامًا تعد أحد ركائز السياسة الخارجية السعودية. ولذلك فهذه العلاقة تمثل متغيرًا مهمًا لا يمكن بدونه فهم حدود العلاقات السعودية الروسية، أو حتى العلاقات السعودية الصينية بالنظر لمكانة المملكة المستمدة من قوتيها النفطية والروحية في لعبة التوازنات الدولية.

ليس السؤال هنا إن كانت روسيا أو الصين ستحلان مكان الولايات المتحدة في التفكير السعودي الاستراتيجي لأن هذا-في ظني-غير وارد عند صانع القرار السعودي، لكن السؤال هو عن تقييم صانع القرار لموقع الولايات المتحدة في عقيدة السياسة الخارجية السعودية-إذا صح القول. فهل يمكن الاستنتاج مما حدث خلال الأشهر الأخيرة بين الرياض وواشنطن بأن الطرفين وصلا إلى قناعة بأن اتفاق كوينسي 1945م، أصبح مجرد تاريخ؟ وماهي تداعيات هذا التحول الجذري، ومدى استعداد الطرفين لها.

إذن بقدر ما تحدد نتائج الحرب في أوكرانيا موقع روسيا في النظام الدولي ومستقبل علاقاتها، فإن مستقبل العلاقات السعودية الروسية يتأثر بدرجة كبيرة على كيفية تقييم الرياض لعلاقاتها الدولية الراهنة بشكل عام في ضوء التطورات المستمرة التي شهدتها الساحة الدولية وخاصة ما يتعلق بمستقبل العلاقات مع واشنطن. هذا التقييم يعد الخطوة الأولى والأهم من أجل رسم سياسة خارجية سعودية مبنية على تشخيص دقيق للواقع الدولي الجديد تساعد المملكة في الحفاظ على مكانتها وتعزز حضورها الإقليمي والدولي وبناء شراكاتها الدولية وتسهم في تحقيق أهداف رؤية 2030م.

مقالات لنفس الكاتب