array(1) { [0]=> object(stdClass)#12356 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 173

أحلام القائد البرتغالي (البوكيرك) تحطمت لعوامل بشرية ومناخية ولقوة جدة الحربية

الإثنين، 25 نيسان/أبريل 2022

شكلت حقبة الغزو البرتغالي للمنطقة العربية مطلع القرن السادس عشر للميلاد، بين مناطق الخليج العربي وسواحل شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر؛ اللقاء أو الصدام الحضاري الأول الذي لم يأت على شكل حوارات ولقاءات مدنية بين البشر في تلك المناطق؛ بل تميّز بأشكاله المسلحة عبر فوهات مدافع وبنادق الأسلحة الأوروبية المتقدّمة-آنذاك-بين البرتغاليين وغالبية سكان هذه المناطق من العرب وغيرهم من المسلمين. وكان هدف البرتغاليين الرئيس من غزو الخليج العربي ومحاولة تكرار العملية ذاتها مع البحر الأحمر، وبالذات السواحل الغربية لشبه الجزيرة العربية؛ البحث عن الموطن الأصلي للتوابل والبهارات أو (الذهب الأسود) لذاك العصر بكل المقاييس، وفرض السيادة التجارية على الطرق البحرية، والتحكم في طرق المواصلات البحرية الدولية التي تمر بها.

ولا شك بان هناك ظروف تاريخية أو ما يمكن أن نطلق عليه "عوامل مساعدة"، لعبت دوراً مميزاً في تمهيد الأرض لنجاح ذلك الغزو البرتغالي لمناطق المشرق الإسلامي. التي لم يكن للبرتغاليين يد في صنعها؛ وأهمها التفكك السياسي، والصراع العرقي الذي كان ينخر في جسد القوى الإسلامية الكبرى أو في الكيانات المحلية الصغيرة بمنطقة جنوب شبه الجزيرة العربية والخليج بساحليه الغربي والشرقي؛ مما وفر أسباب نجاح الغزو البرتغالي، والسيطرة سريعًا على معظم الموانئ والمراكز التجارية في تلك المساحات الجغرافية مطلع القرن السادس عشر الميلادي. واستمرار تأثيرات ذلك الغزو، سياسياً واقتصادياً، على تلك المناطق طوال ذاك القرن والنصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي.

إلا أن تلك التأثيرات لم تكن واحدة على كل سواحل شبه الجزيرة العربية والخليج، إذ أنها كانت في السواحل الشرقية ومعظم مناطق الخليج العربي ذات صبغة مباشرة، تمثلت في نجاح الحملات العسكرية البرتغالية، والسيطرة المباشرة وغير المباشرة على تلك المناطق. بينما في السواحل الغربية للجزيرة العربية؛ لم يُحالف النجاح العسكرية البرتغالية لا في السيطرة المباشرة ولا غير المباشرة، بالرغم من محاولات البرتغاليين المتكررة لتوجيه حملاتهم البحرية إلى مياه وسواحل البحر الأحمر، وبالذات الشرقية منها، ولاسيما ميناء جدة ومكة المكرمة بالإضافة إلى عدن عند مدخل البحر الأحمر. 

 

تأثيرات الغزو البرتغالي على السواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية

كانت سواحل الخليج وشبه الجزيرة العربية في الوقت الذي وصل فيه البرتغاليون؛ تُشكل منطقة عالمية بامتياز. إذ كانت موانئها، وهي تقع بجانب بيئات جغرافية متنوعة؛ تعتمد إلى حد كبير في وجودها على تبادل السلع بين الهند والتجار المحليين.

في الخليج العربي والسواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية، اعتمد النجاح الاقتصادي بشكل كبير لحكومة الهند البرتغالية المعروفة باسم (Estado da India)، في نقل جزء كبير من عائدات التجارة الخليجية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، إلى الخزينة البرتغالية. والتحكم في مملكة هُرمز لكونها مفتاح ومركز الثروة الشرقية آنذاك، والعمل على احتكارها لصالح ملك البرتغال، بعيدًا حتى عن عناصر الحكم المحلي في المنطقة. بل الاستفادة حتى من نظام الضرائب الذي كان قوام الحياة الاقتصادية بها قبل الفترة البرتغالية. إذ كانت تُفرض ضرائب على كل السلع الواردة بمقدار 10%، باستثناء الذهب والفضة. أما الصفقات التجارية في خلال حقبة السيطرة البرتغالية، فكانت تتم إمّا بالدفع النقدي المباشر أو المؤجل لسنة كاملة، أَو بالمقايضة المباشرة في أسواق الخليج السنوية. ولربما كان الأمر الجديد في التأثيرات على اقتصاد الخليج تحت إدارة الحُكم البرتغالي؛ سيطرة العنصر الأجنبي على المؤسسات المالية والسياسية، خصوصًا بعد ثورة الخليج الأولى العام 1521م ضد البرتغاليين بقيادة حاكم هُرمز، وما سببته من توجس السلطة البرتغالية من عناصر الحكم في المملكة الهُرمزية برمتها على طول سواحل الخليج وعُمان الشمالية والجنوبية. إذ غدا أي اتفاق تجاري أو سياسي في المنطقة لا يمر بدون معرفة السلطات البرتغالية أولًا.

كما أن التأثير والتأثر الحضاري لم يكن ذا صبغة أحادية الجانب. فقد استعار البرتغاليون نظام "الشاه بندر"- وهو كبير التجار- وأطلقوا عليه (Rei do Porto)، أي ملك أو حاكم الميناء. ولذلك كان هناك "شاه بندر" برتغالي مهمته تصريف أعمال البرتغاليين التجارية في هُرمز طوال فترة وجودهم بها.

كما أنهم أَول من أدخل مصطلح (الوكالات التجارية) ضمن الحياة الاقتصادية في الخليج تحت مسمى (Feitorias)، أي وكلاء بالبرتغالية. إذ كان الـ (Feitor) أو الوكيل، هو محور التجارة البرتغالية في المشرق بعد استقرار البرتغاليين فيه. ومن جانب آخر، كان للبرتغاليين إسهام في التجارة الشرقية عن طريق إدخال واستعمال ما يعرف بتسجيل الصفقات أو إيصال، أي مستند صرف بلغة العصر (conhecimentos)، وكذلك تفويض أو تخويل من قبل السلطة العليا في البلاد (mandados).

أضف إلى ذلك، التأثير الاقتصادي الذي شمل تجارة الخيول العربية الأصيلة من شبه الجزيرة العربية وسواحل الخليج، مثل جزر البحرين، وخورفكان، وجلفار، وسواحل عُمان الجنوبية. إذ كانت تجارة الخيول العربية هي المورد الاقتصادي الثاني للخليجيين بعد اللؤلؤ.

وكانت تساهم تلك التجارة في ميزانية هُرمز السنوية بحوالي 36 ألف أشرفي ذهبي عام 1523م. بينما ارتفع هذا المبلغ إلى 126 ألف أشرفي عام 1540م، بما فيه من عمولات للبائعين وللمسؤولين البرتغاليين في الهند.

ولم يقتصر التأثر والتأثير الحضاري على تلك المجالات؛ بل اقترب كثيرًا من بناء السفن أيضًا. فهناك دليل واضح على وجود نوع من الإخصاب الثقافي والتقني ترك أثره على نوعية ومصطلحات صناعة السفن في الخليج. إذ ظهر نوع من عملية التهجين الصناعي- التقني في الحقبة البرتغالية ضمن عملية تطوير بناء السفينة الخليجية المعروفة، مثل "البغلة". حيث اتضح التأثير البرتغالي عليها من حيث ضخامتها، وهيكلها، بشكل مشابه تقريبًا لسفن الكارفيلا (Caravela) البرتغالية، من حيث قدرتها على عبور البحار العالية، ودخول السلاح الناري ضمن تقنيتها في الحروب لاحقًا، لاسيما في عهد دولة اليعاربة العُمانيين عند بدء منازلتهم للبرتغاليين في البحار العالية بشرق إفريقيا وغرب الهند.

وهذا التأثر الحضاري كان متوقعًا، على يد صُناع السفن المحليّة في سواحل الخليج، من باب الاستفادة من كل ما يخدمهم في مهنتهم، حتى وإن كان أصله قد انتقل إليهم من أعدائهم. وبالتالي استعاروا بعض الكلمات المستخدمة في تركيب وتحريك تلك السفن، كما استعار عدوهم بدوره بعض الكلمات من العرب عندما غزوا شبه الجزيرة الإيبيرية قبل ذلك.

وقد تمثل شيء من التأثيرات العسكرية للوجود البرتغالي على السواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية على الكيانات القبلية العربية التي كانت تعيش في مطلع القرن السادس عشر على تلك السواحل أو بقربها. إذ داخلها شيء لا يستهان به من الهيبة والخوف من القوة البرتغالية الحديثة بسلاحها الفتاك وهو المدفعية النارية سواء البحرية أو البرية منها؛ ما جعلها تنزوي داخل حدودها البرية في شبه الجزيرة العربية بعيداً عن السواحل، ولو مؤقتاً. ولا تقوى على الاقتراب من السواحل، خصوصاً تلك التي ترتادها السفن البرتغالية دائماً ومنها: خورفكان، ودِبا، وجلفار، ولبديا، وغيرها.

أما مجال التأثيرات السياسية المباشرة، فنجدها بارزة في وقوف البرتغاليين مع الهرامزة، بل ومساعدتهم في ضرب القوى العربية الناهضة في الجانب الشرقي من شبه الجزيرة العربية، ونعني بها قبيلة الجبور أو بني جبر في الأحساء، الذين كانوا يكافحون منذ ظهورهم السياسي والعسكري في المشهد الخليجي؛ ضد امتداد سيطرة مملكة هُرمز على السواحل العربية في الخليج. أضف إلى ذلك تطلعهم للمشاركة في أرباح التجارة الدولية العابرة لمنطقتهم. لذلك تحول الصدام العسكري والعلاقات المضطربة بين هُرمز وتلك القوى العربية الجبرية، إلى صدام ضد البرتغاليين الغزاة. مما دفع بالبرتغاليين للوقوف بجانب هُرمز لمساعدتها في استعادة السيطرة على جزر البحرين وساحل عُمان الشمالي، والعمل على ضرب دولة الجبور بشكل قضي عليها ككيان سياسي خليجي عربي- قبلي معادل للكيان الهُرمزي الارستقراطي العتيق.

تأثيرات الغزو البرتغالي على السواحل الغربية لشبه الجزيرة العربية

نظراً لموقع البحر الأحمر والمميزات الجغرافية الاستراتيجية التي تتميز بها سواحله؛ فقد جاء تطلع البرتغاليين للسيطرة عليه بعد نجاح الكشوف الجغرافية البرتغالية في بلاد المشرق. وكان هدف البرتغاليين هو التركيز على ضرب أية قوة عربية أو إسلامية وغيرها، ومنعها من السيطرة المطلقة على البحر الأحمر بموقعه الاستراتيجي المهم بالنسبة للإمبراطورية البرتغالية في المشرق منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي.

وهذا ما أشار إليه قطب الدين النهروالي، حين حذر من سيطرة البرتغاليين بعسكريتهم وسلاحهم الجديد (المدفعية البحرية) على عدن والبحر الأحمر وأنّ ذلك سيمنع "سفائن الهند من الوصول إلى بنادر الحرمين الشريفين"، ويقصد بذلك ميناء جدة بالذات.

ولهذا السبب وغيره؛ فقد جاءت تأثيرات الغزو البرتغالي ضمن استراتيجيتهم العسكرية ضد السواحل الشرقية للبحر الأحمر؛ في معظمها على مينائي عدن وجدة بالذات؛ لأنهما أهم زوايا المثلث الذهبي الاقتصادي الذي يربط شمال البحر الأحمر بجنوبه، وينتهي عند قاعدة المثلث الأخيرة وهي السويس.

كما أن المحاولات البرتغالية الأولي لدخول البحر الأحمر وضرب ميناء جدة واحتلاله لصالحهم؛ على يد القائد البرتغالي (أفونسو دي البوكيرك- Afonso de Albuquerque) عام 1513م، كانت بهدف الوصول أيضًا إلى المدينة المنورة ونبش قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تنفيذاً لمخطط يبدو أنه من بنات أفكار (البوكيرك) أساسًا، تماشيًا مع توصية ملكه (إيمانويل الأول- Emanuel I) بالعمل على اقتلاع جذور الإسلام وضربه في عقر داره. لذلك نجده يذكر مدينة جدة على الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية؛ أكثر من مرة في رسائله لملكه (إيمانويل)، ذاكرًا للملك، بأن احتلال جدة، أهم موانئ الساحل الغربي للجزيرة العربية؛ خطوة مهمة وحيوية للبحرية البرتغالية وللتجارة في البحر الأحمر.

بناءً عليه؛ حرص البرتغاليون وكرروا كثيراً محاولاتهم المبكرة لدخول البحر الأحمر واحتلال ميناء جدة وتأسيس قاعدة فيه - كما حدث للسواحل الشرقية من الجزيرة العربية والخليج، ولهُرمز تحديدًا. ثم الانطلاق من تلك القاعدة للسيطرة على منطقة الحجاز بكاملها بما فيها مكة والمدينة، وربطهما بعد ذلك بمواني غرب الهند، لمعرفة البرتغاليين بعمق الصلات التاريخية الاقتصادية بين هذه المناطق. 

لكن أحلام (البوكيرك)، وغيره، وأهدافهم حول ما يمكن فعله في جدة والمدينة المنورة؛ تحطمت تمامًا بسبب عدة عوامل بشرية ومناخية في البحر الأحمر وسواحله، وبسبب الخشية من مواجهة القوة الحربية لدولة المماليك في جدة، مبررًا فشله ببعض الظواهر الفلكية الدينية التي شاهدها في السماء كما قال.

كما حاول البرتغاليون لاحقًا ولمرات عدة دخول البحر الأحمر في أعوام 1522م، 1526م، 1529م، 1530م، و1533م، وكذلك في بعض سنوات الأربعينيات من القرن السادس عشر الميلادي، من أجل السيطرة على الساحل الغربي للجزيرة العربية، وتحديدًا، مدينتي جدة ومكة، وضرب الدولة العثمانية التي غدت تسيطر على البحر الأحمر بعد نهاية دولة المماليك. لكن تلك المحاولات لم تنجح سوي في التحكم في ميناء عدن لسنوات قليلة فقط، وليس في السواحل الغربية للجزيرة العربية والبحر الأحمر وموانئه. وإن حاول البرتغاليون منع السفن من الإبحار داخل البحر الأحمر مراراً، وإضعاف تجارة جدة والسويس.

ويبدو أن جدة قد غدت بعد فشل البرتغاليين المتكرر في دخول البحر الأحمر والاستيلاء عليه عنوة وإغلاقه تماماً في وجه التجارة العثمانية الإسلامية؛ محطةً للتجسس البرتغالي بطريق غير مباشر على القوى الإسلامية وبالذات العثمانية التي كانت تُرهب البرتغاليين، خصوصاً بعد نجاح حملة (سليمان باشا الخادم) في نهاية عقد الثلاثينيات من القرن السادس عشر الميلادي في اختراق الدفاعات البحرية البرتغالية في المحيط الهندي والوصول إلى "ديو"، ومقارعة الأسطول البرتغالي هناك رغم هزيمة سليمان باشا في نهاية الأمر.

لذلك تضاعفت أهمية جدة عند البرتغاليين، مما دفعهم لمراقبة كل التحركات العسكرية العثمانية بها عن طريق الرسائل الإخبارية التي ساهم بها بعض التجار المسلمين. مثل الخواجة (شمس الدين الكَيلاني)، من ميناء "كنانور" بغرب الهند، الذي تطوع أو ربما تحت تهديد البرتغاليين لتجارته في الهند؛ على أن يزودهم بكل تفاصيل تحركات القوى البحرية العثمانية في البحر الأحمر بين جدة والسويس.

واضطر البرتغاليون، نتيجة لعجزهم عسكريًا في دخول البحر الأحمر والسيطرة على السواحل الغربية للجزيرة العربية بين عدن ومكة وجدة؛ لتصديق بعض أخبار المسلمين المنقولة لهم، وثم رسم خططهم للتعامل مع عدوهم العثماني بناء على تلك المعلومات الاستخباراتية. كما أن البرتغاليين لم يتمكنوا من وقف عمليات النقل البحري التجارية بين مناطق الشرق الأقصى والهند عبر البحر الأحمر بشكل تام أو مرورها بإذن السلطات البرتغالية.

سُبل تعامل الكيانات السياسية والمجتمعية مع الغزو البرتغالي وتأثيراته.

بعيداً عن الأسلوب العاطفي، فالحقيقة العلمية التاريخية الثابتة تقول، بأنه في زمن وصول البرتغاليين إلى المياه الشرقية، ومنها الخليج العربي والبحر الأحمر بسواحلهما؛ لم تكن هناك كيانات سياسية ومجتمعية بالمعنى الحديث، ذات قيمة ووزن عسكري في المنطقة تستطيع أن تتصدى لذلك الغزو بأسلحة حديثة مماثلة لما يملكه الغزاة من سفن حربية ومدافع وبنادق عصرية، بما فيها مملكة هُرمز ودولة الجبور في شرق الجزيرة العربية. بل إن كل جيوش الدول المسلمة في المشرق، إن جاز التعبير، بما فيها الممالك الإسلامية في الهند؛ كان لديها قوى عسكرية برية تقليدية، وليست جيوشاً تستخدم السفن للقتال في البحر. ما عدا الدولة العثمانية، التي كانت بعيدة عن المشرق الإسلامي نوعًا ما، إلا أن قوتها العسكرية البحرية أقل مقدرة مقارنة بالقوة البرتغالية. على الرغم من تفوق الملاحة التجارية الوطنية في المحيط الهندي في الوقت الذي ظهرت فيه سفن البرتغاليين للمرة الأولي على سطح مياه المحيط الهندي أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.

مثلاً، مملكة هُرمز، بالرغم من توافر أسطول بحري لديها سريع الحركة؛ إلا أنها لم تكن تملك قوة نيران المدفعية البحرية والبرية كالتي تحملها السفن البرتغالية آنذاك. أي أن القوى العربية والإسلامية في المحيط الهندي أو في الخليج وسواحل شبه الجزيرة العربية جميعها؛ لم يكن لديها أدنى معرفة بالتقنية العسكرية الحديثة للأساطيل البرتغالية في البحار العالية.

فإذا أضفنا لهذا العامل الخارجي، التفكك السياسي الداخلي في مجمل مناطق العالم الإسلامي المشرقي عند وصول البرتغاليين إليه في مطلع القرن السادس عشر، لأمكننا إدراك أسباب الاندحار الجماعي السريع لأولئك المشرقيين أمام أول القوى الأوروبية الحديثة مطلع حقبة الصدام الحضاري الأوروبي المشرقي.

إلا أن بعض القوى القبلية من شبه الجزيرة العربية، مثل الجبور، وبعد محاولتهم التصدي للقوة البرتغالية العسكرية عام 1521م، في شرق الجزيرة وجزر البحرين، بكل ما تملك حينها، وفشلها في ذلك؛ عادت ونمت على الساحل الشمالي لعُمان ببناء بعض الدفاعات الحربية والتحكم بمنطقة (ليوا) قرب جلفار، وإعلان استقلالها بها عام 1545م، متحدية بذلك السلطة البرتغالية في هُرمز، وهي في عهد نائب الملك في الهند القائد (D. João de Castro). لذلك عمل البرتغاليون بكل قوتهم العسكرية المتفوقة ناريًا، على إعادة السيطرة على تلك المنطقة وطرد الجبور وحلفائهم منها عام 1546م.

 لم يحدث أي تحرك للقوى القبلية في شبه الجزيرة العربية أو على سواحلها ضد السيطرة والهيمنة البرتغالية في المنطقة؛ إلا بعد هزيمة وسقوط القوة العسكرية البرتغالية عام 1622م، في هُرمز، على يد الإنجليز والدولة الصفوية. حينها فقط، شعرت تلك القوى القبلية في شبه الجزيرة العربية بنوع من الأمان في الزحف نحو السواحل الشرقية للجزيرة العربية مرة أخرى، وبشكل متوازٍ مع بدء سنوات القحط والصراعات الداخلية التي كانت تعصف ببعض مناطق شبه الجزيرة العربية. والقيام بثورات متتالية وعصيان ضد السيطرة البرتغالية في سواحل الجزيرة العربية الشرقية والخليج.

لم يستقر الوضع للبرتغاليين بعد سقوط هُرمز عام 1622م، إذ أن بعض شيوخ القبائل العربية في الساحل الشرقي للجزيرة العربية؛ غدا لهم نفوذ قوي يُمارس في بعض الأحيان خارج نطاق السيطرة المباشرة للبرتغاليين، في صحار، ودِبا، وخور فكان، ومدحا. فقد تمكن محمد بن مهنا الهديفي، أحد شيوخ القبائل العُمانية، من السيطرة على صحار في الربع الأخير من القرن السادس عشر للميلاد بعد أن طرد البرتغاليين منها، وحكمها لسنوات عديدة. كما أقام بها مركزاً تجارياً جذب إليه عدداً لا بأس به من سفن الهند وحمولتها من التوابل والبضائع الشرقية، مما شكل خطراً على تجارة هُرمز ومسقط، وهما تحت السيطرة البرتغالية. ولذلك عمل البرتغاليون عام 1615م، على استعادة ميناء ومدينة صحار، ونجحوا في ذلك. ثم إن المدينة ثارت مرة أخرى على البرتغاليين بقيادة أحد زعماء النباهنة، ولكن البرتغاليين استرجعوها عام 1623م.

عمومًا، يُلاحظ بأن البرتغاليين في الخليج بعد خسارتهم لهُرمز عام 1622م، وتحت سياسة القائد البرتغالي الشهير روي فريرا ((Ruy Freire؛ حاولوا استرجاع مُلكهم الضائع في السنوات بين 1624-1632م، ولكن دون طائل. بينما دق اليعاربة، بقيادة موحد عُمان الداخل والساحل ناصر بن مرشد اليعربي؛ آخر إسفين في جسد الغزو البرتغالي لسواحل شبه الجزيرة العربية والخليج في الخليج منذ عام 1624م.

أما بالنسبة لموقف بعض الكيانات العربية والإسلامية في السواحل الغربية لشبه الجزيرة العربية؛ فهي جاءت في سياق ما حدث للحملات البرتغالية الأولى التي حاولت دخول البحر الأحمر والسيطرة على سواحله الشرقية أساسًا بين عدن وجدة. فكما أشرنا آنفًا، كان عدم نجاح الحملات البرتغالية في السيطرة على ذاك البحر يعود لعوامل عدة، من بينها، وجود الدولتين المسلمتين، المملوكية ثم العثمانية بقواهما العسكرية، بالرغم من عدم مقارعتها للقوة البرتغالية، لحماية ثغر جدة التجاري تحديدًا. والحصانة الطبيعية ولقوة أسوار مدينتي عدن وجدة، التي شكلت عائقًا في وجه الحملات البرتغالية، مما أدى لعدم مواصلة البرتغاليين محاولة الغزو والسيطرة على السواحل الغربية لشبه الجزيرة العربية كما حدث بالنسبة للسواحل الشرقية والخليج العربي عمومًا.

مقالات لنفس الكاتب