array(1) { [0]=> object(stdClass)#11826 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 173

موقع جزيرة العرب ليس صدفة وتتابع حضاراتها يؤكد امتلاكها مقومات التحدي

الإثنين، 25 نيسان/أبريل 2022

مثلت منطقة الشرق الأدنى القديم مهدًا لحضارات إنسانية تألقت على جنباتها مترامية الأطراف، و لم تكن الجزيرة العربية بمعزل عن هذا الزخم الحضاري. وعلى الرغم من تباين السبق الحضاري بين مناطق الجزيرة العربية ذاتها وما استتبعه من إشكاليات الجنوب و الشمال والمحددات الزمنية لكليهما، إلا أن ما قدمته الجزيرة العربية من عطاء حضاري ليؤكد على خصوصيتها و تفرد شخصيتها الحضارية في ضوء نظرية توينبى الشهيرة عن "التحدي و الاستجابة".

و نظراً لما يمثله الموقع من تباين طبيعى فقد تطور مفهومه عبر العصور بحكم اختلاف اهتمام الشعوب المجاورة له و على رأسها الآشوريون، بحيث بات الاهتمام بالقسم الشمالي لشبه الجزيرة العربية  مرادفاً لبلاد العرب ثم تحول الأمر لدى الكتاب الكلاسيكيين إلى تقسيمات طبيعية و هي "العربية الصحراوية" و "العربية الصخرية" و "العربية الميمونة أو المباركة"، و هذه الأخيرة تحديداً حظيت باهتمام الجغرافيين والمؤرخين العرب حتى ليخال للمرء و كأن الجزيرة العربية قد اختزلت في جنوبها.

وحتى لا تستغرقنا التقسيمات فيمكن القول أن التقسيم الذي ما يزال معتمداً على مستوى الطرح التاريخي هو الخاص بشمال الجزيرة العربية و جنوبها، ربما بسبب وجود الكيانات السياسية التي صاغت تاريخ المنطقة والتي يجب ألا تنسينا في غمرة تصدرها المشهد الحضاري تلك المراكز الحضارية التي كان تواجدها في جنبات الجزيرة العربية الساحلية و الداخلية نتاجاً طبيعياً للمد الحضاري أو التماثل الثقافي بينها و بين الحضارات الأم؛ إن جاز التعبير.

و من هذا المنطلق فقد شهد جنوب شبه الجزيرة العربية سبقاً حضارياً ممثلاً في حضارات الجنوب الشهيرة ونعني بها دول وممالك معين وقتبان وحضرموت ثم سبأ وأخيراً حمير. ولقد شكلت هذه الكيانات بحضورها السياسي وعطائها الحضاري نسيجاً متشابكاً من الأحداث والانجازات التي تتسق و مفهوم "العربية الميمونة" أو بالأحرى "اليمن السعيد". و تأتي معين الأقدم ترتيباً بين حضارات الجنوب حيث ازدهرت في منطقة الجوف وتحديداً في المنطقة السهلية الواقعة بين نجران وحضرموت في الهضبة اليمنية الشرقية. و لقد جعل منها موقعها الجغرافي على طريق الهند بلداً تجارياً بجانب نشاطي الزراعة والرعي لسكانها، وإن ظلت التجارة هي سر تألقها حتى باتت لدى بعض المؤرخين صنيعة التجار. إذ لم تكن الوساطة التجارية عبر باب المندب سوى إنعكاساً لنفوذ تجاري امتد بأذرعه بين الهند والحوض الشرقي للبحر المتوسط و حتى خليج البصرة وجنوب سورية. الأمر الذي تطلب تأمين القوافل وإنشاء المحطات و من ثم تحصيل الرسوم. ولم تكن السيادة الاقتصادية إلا إنعكاساً للسطوة السياسية التي كفلت لمعين السيطرة على قتبان و حضرموت أو بالأحرى السيطرة على منافذ البحر الأحمر.

و مما لاشك فيه أن التوجه الخاص بارتباط السيادة الاقتصادية مع السطوة السياسية الذي لمسناه في دولة معين ظل مع القوتين اللتين ورثتا السيادة بالتوالي بعد معين على جنوب الجزيرة العربية و أعني بهما دولتى سبأ و حمير. بيد أنه إذا ما ذكرت سبأ فإن أية إنجاز حضاري لها يتضاءل مع معجزة عصره الهندسية و أعني به "سد مأرب"، الذي تم تشييده في وادي أذنة لترويض السيول المندفعة فيه نحو الشمال الشرقي. ويستوقفنا هنا على المستوى الحضاري الأسمى ذلك الدور الذي لعبه السد في الهجرات البشرية  من جنوب الجزيرة العربية إلى أطرافها الخصيبة عندما كانت تعتريه مظاهر الضعف أو التدهور و حتى مرحلة الانهيار التام. وهي هجرات قد أسهمت دون شك في نقل أهم مظهرين حضاريين لاماديين سادا شبه الجزيرة و هما – فيما نرى- عبادة القمر والخط المسند.

أما دولة حمير فقد تمحور زخمها الحضاري في حجم العلاقات الدولية التي شهدتها على مدار تاريخها و التي صاغت شخصيتها الإقليمية. فلقد أفادت حمير من الصراع البطلمي الروماني في فرض السيطرة اليمنية على التجارة البرية و البحرية بين الشرق و ساحل البحر المتوسط. و هو الأمر الذي زج بها في أتون المواجهة مع القوة العظمى المتفردة على المسرح الدولي وهي الدولة الرومانية، حيث كانت حملة الأخيرة على اليمن و المعروفة بإسم "حملة إيليوس جاللوس" عام 24 ق.م. وتوابع فشلها بمثابة الضوء الكاشف للقدرة العربية على مواجهة المخاطر الدولية مهما عظمت قوتها. و لعل أهم تلك التوابع التحالف الرومانى الحبشي بغية السيطرة على تجارة البحر الأحمر و من ثم المحيط الهندى، حيث اتخذ الحليفان من المواجهة العقيدية بين المسيحية و اليهودية في اليمن ذريعة لدحر الدولة الحميرية في حادث "أصحاب الأخدود" الذي فقدت فيه حمير استقلالها عام 525م، لتصبح مستعمرة حبشية مسيحية و منطقة نفوذ اقتصادية في آن واحد.

بيد أن هذه المواجهات ذات الطابع السيادي على المستوى الاقتصادي لم تتوقف ذرائعها الدينية بالانتصار الحبشي الذي ما لبث أن واجه وليداً جديداً كان نتاجاً لتلك المواجهات العسكرية و أعنى به عرب الشمال الذين اقتحموا عالم التجارة للشام واليمن من خلال إقليم الحجاز بغرب الجزيرة العربية و تحديداً مكة و يثرب (المدينة)  فيما عرف برحلتي الشتاء و الصيف. وما من شك فإن وجود الكعبة قد أضفى على إقليم الحجاز بعامة و مكة بخاصة أهمية جاوزت القيمة الدينية المتسامقة إلى تعاظم الاستقطاب التجاري لعرب الجزيرة. وهو الأمر الذي جعل من مواجهات سطوة المصلحة الاقتصادية أمراً حتمياً بين الأحباش والعرب في "واقعة الفيل" الشهيرة، التي أضعفت من الحضور الحبشي في الجزيرة العربية لا سيما اليمن حتى دان الأمر للفرس.

وجدير بالذكر قبل تناول بقية مناطق الجزيرة العربية و كياناتها ببعديها السياسي و الحضاري، أن نقف – فيما نرى- على أهم الإنجازات الحضارية لكيانات الجنوب و أعني بها فكرة الدولة و نظام الحكم. فمما لا شك فيه أن حضارات الجنوب في "اليمن السعيد" قد قدمت نماذج حضارية متفردة على الأصعدة الاقتصادية والدينية والفكرية إلا أن تنظيم مفردات تلك الاتجاهات من خلال فكرة الدولة ونظام الحكم يمثل نموذجاً عبقرياً في ذاته، حيث عمق من رسوخه تَمثُل بقية مناطق المنطقة لأنماط شبيهة فيما يعرف بالتماثل الحضاري الذي رفعت لواء الريادة فيه ممالك اليمن سبقاً و تأثيراً. وقد يظن ظان أن ما نرمي إليه يمثل نموذجاً موحداً أو نظاماً محدداً أمكن تمثله و استيعابه. بل إن الواقع يشير إلى حالة من الثراء في الفكر الإداري التنظيمي و ما يصحبه من ألقاب دالة على حجم كل قيادة أو تنظيم.

ومن ثم فقد كانت الدولة مقسمة إلى مخاليف و محافد وقصور يحكمها أذواء و أقيال في تشكيل شبه إقطاعي، إذ أفضى بحكم التوسع السيادي إلى ممالك يحكمها مكاربة ثم ملوك بعد ذلك في تطور لتسامق السلطة الزمنية للملك على حساب جمعها مع السلطة الدينية لدى المكاربة. و يزداد الأمر نضجاً إذا ما أشرنا لمجلس الشيوخ (المشود) الذي يحدد حجم السلطة الملكية في سن التشريعات بما يحقق التناغم بين جنبات الدولة مؤسسات و أفراداً. و مما لا شك فيه فإن انتظام مركزية الدولة في مفهوم العاصمة ليتسق مع ما تم سوقه سلفاً حيال التدرج الحضاري، بمعنى أن عرب الجنوب و إن كانوا قد برعوا في التشييد و العمران فإن نبوغهم في تغيير العواصم لا يقل كفاءة عن قدرتهم في تغيير نمط الحكم و تنوعه. و هكذا - مثالاً لا حصراً- كانت لمعين الدولة عاصمة بديلة عن معين المدينة و قرناو مع تمييز يثيل كعاصمة دينية. و كذا شهدت حضرموت انتقال العاصمة من ميفعة إلى شبوة، و ذات الأمر عرفته سبأ بالانتقال من صرواح إلى مأرب.

أما التنظيم في إقليم الحجاز خاصة مكة و المدينة فقد غلب على الأولى (مكة) ارتباطها بالبيت العتيق فكانت السدانة و السقاية والرفادة و دار الندوة و غيرها نتاجاً طبيعياً لسيطرة قريش على مقدرات الأمور ومحاولة ترضية بطون النزعة القبلية تحقيقاً لمبدأ "الحكم الجماعي" إن جاز التعبير. و فيما يتعلق بالمدينة (يثرب) فالوضع فيها جاء إنعكاساً لمؤثرين أساسيين أولهما الوجود اليهودى بجوار عرب المدينة من الأوس والخزرج ذوي الأصول الجنوبية، و ثانيهما ذلك التمايز الطبقي بين سكانها حيث الأحرار و الموالي و العبيد.  و لقد صاغ هذان المؤثران نسيج العلاقات السياسية و الاجتماعية في يثرب في ظل تنافسية اقتصادية. بيد أنه في المجمل فإن موقع إقليم الحجاز و سيطرته على أحد أهم طرق التجارة البرية بين الشمال و الجنوب و كذا البحرية عبر البحر الأحمر قد أوجد حالة حضارية خاصة ذات قوام فكرى تشهد عليها الأسواق التجارية وعلى رأسها عكاظ و المعتقدات الدينية (المستوردة) كالأصنام في مكة و العقيدة المسيحية بالمدينة.

بيد أننا لا يمكننا أن نترك إقليم الحجاز لنطرق أبواب دولة الأنباط شمالاً دون الوقوف على منطقة حضارية هامة قد فرضت نفسها بحكم الموقع و الاحتكاك الجغرافي على السياق المنهجي لهذا الطرح، و أعني بها منطقة العلا حيث مقر ددان و لحيان و منطقة الحجر (مدائن صالح). ثم نتجه صوب الشمال منها و على مبعدة 220 كيلاً حيث تيماء ملتقى الحضارات. و في هذا الصدد يمكن القول أن ثمة كياناً سياسياً قد اتخذ من منطقة العلا مقراً له و هو دولة ددان و من بعدها لحيان، حيث أفادت النقوش بتعاصرهما مع دولة معين في الجنوب والتي كان لها جالية في منطقة العلا بهدف الإشراف على مصالحها التجارية بحكم تحكم منطقة العلا في طرق التجارة البرية للشام و البرية و البحرية لمصر. و يبدو أن تأثيرات الفن المصرى قد وجدت طريقها لمنحوتات لحيان الفنية التي تم العثور عليها في العاصمة "الخريبة"، حيث توافد عدد من الفنانين المصريين للمنطقة فكانت المزاوجة بين تقاليد الفن المصرى في جسم التمثال و بين ملامح أغطية الرأس و الوجه ذات الطابع اللحياني. بل بلغت العلاقات عمقاً من التسامح الذي خول لتاجر من الجالية المعينية بالعلا وهو "زيد بن إيل بن زيد" من الإقامة بل والدفن على الطريقة المصرية. وجدير بالذكر أن المجتمع اللحياني لم يكن ليفرض نفسه على الخريطة الحضارية للمنطقة لولا تنظيمه الإدارى المماثل لحضارات اليمن سالفة الذكر والذي جعل الحكم فيه ملكياً وراثياً يعاون فيه الملك مجلس إستشاري يسمى "هجبل/عالي الشأن"، كما اتخذت الدولة من "ذو غيبة" معبوداً رسمياً لها. وعندما بدأت لحيان في الضعف شاركت الجالية المعينية ملك لحيان إدارة الأمور من خلال سيد الجالية الذي كان يحمل لقب "كبير". و عندما ضعف نفوذ معين الجنوب ضعفت جاليتها كما ضعفت لحيان ذاتها التي أصبحت نهباً لأطماع الأنباط خلال القرن الأول قبل الميلاد. وجدير بالذكر أن الوجود النبطى في منطقة العلا كان من خلال مدينة الحجر (مدائن صالح) التي ربط موقعها الاستراتيجى تحديداً جنوب الجزيرة العربية ببلاد الرافدين عبر تيماء و دومة الجندل، كما ربطها بالشام و مصر فضلاً عن البتراء عبر تبوك. كما تمثل الحجر مقر قوم ثمود من بائدة العرب، فضلاً عن كونها الامتداد الطبيعى للنفوذ النبطي بالجزيرة العربية، حيث عُدت المدينة النبطية الثانية من حيث الأهمية بعد العاصمة البتراء والحد الجنوبى لمملكتهم. ومن ثم تميزت الحجر بالعمارة الصخرية النبطية فيما خلفته من مقابر ومعابد و محاريب وآبار تقف شاهداً على قيمة المواقع الحضارية المتميزة.

بيد أن الاتجاه شمالاً سيفرض علينا الحديث عن محطة من أهم المحطات الحضارية و هي مدينة تيماء. إذ رغم أنها لم تشكل بذاتها كياناً سياسياً إلا أن موقعها قد فرض عليها تميزاً في التقاء طرق التجارة ثم تفرعها نحو بلاد الرافدين أو بلاد الشام أو تجاه إقليم الحجاز و منه جنوباً إلى حضرموت، والامتداد بمحاذاة الساحل حيث المراكز الحضارية وحواضر ساحل الخليج العربي التي سيأتى الحديث عنها لاحقاً في هذا العرض الشامل. وقد حظيت تيماء تاريخياً بأهمية بالغة بحكم معايشتها للدولتين الآشورية ثم البابلبة الكلدانية حيث اتخذ منها "نابونائيد" البابلى حاضرة له في منفاه الاختياري بعيداً عن بابل، كما عاصرت من دول الشام مملكة الغساسنة. وقد تجلى تميزها الحضاري في كم العمائر التي حظيت ببنائها و التي أثرت بنقوشها معرفتنا عن تاريخ المنطقة وعطائها الحضاري. أما أهم معلمين من معالمها الأثرية فهما قصر الحمراء و قصر الأبلق؛ حيث يعود تاريخ الأول "قصر الحمراء" فيما بين القرنين السادس و الخامس قبل الميلاد، و الذي تتضح في نقوشه المؤثرات الفنية الرافدية من جانب و المصرية من جانب آخربما يتفق مع اتساع مدى الخطوط التجارية لتلك الجهات التي كانت تيماء  مرتكزاً لها. أما القصر الثاني وهو "قصر الأبلق" فيرتيط بالشاعر الشهير و سيد قومه أيضاً السموأل الذي ربطته بدولة الغساسنة و من ثم أحداث المنطقة علاقات ذات طابع سياسي و اقتصادي. أما بئر هداج تيماء فيعد أشهر آبار الجزيرة العربية و أغزرها ماء و أطولها عمراً حيث صبغ المنطقة بالصبغة الزراعية بحكم ضمان الماء لأراضيها و لحدائقها الغنَاء. لتجمع تيماء بين راحتيها السيادة التجارية و المنتجات الزراعية، مما جعلها مطمعاً مستداماً لقوى المنطقة على اختلاف مشاربها و أزمانها.

أما دولة الأنباط و نظيرتها قيدار فيمكن القول أنهما اشتركا في الاتصال الحضاري ببادية جنوب الشام أكثر منها بشبه الجزيرة العربية، بيد أن تناولهما في سياق هذا العرض عن شبه الجزيرة العربية إنما يرجع إلى غلبة الأسماء العربية بينهما وامتداد النفوذ التجاري و الحضاري لأبعد من شمال الحجاز جنوباً فضلاً عن المشاركة الواضحة في صياغة تاريخ المنطقة وفق سياقاتها الزمنية المتاحة. و من ثم يمكن القول أن الحضور الأنباطي في الجزيرة العربية تحديداً كان متوافقاً مع طموحاتهم في السيادة البرية و البحرية لتجارة المنطقة، الأمر الذي فرض عليهم العديد من الصراعات من قوى المنطقة المتعاقبة سواء السلوقيين في الشام أو البطالمة في مصر ليدين الأمر في النهاية للرومان. ومن ثم يتحول الأنباط إلى الجنوب حيث آثارهم الشاخصة في العلا ومدائن صالح بديلاً عن البتراء، والتي حفلت في كلا المقرين بمؤثرات مصرية وهلينستية و رومانية. الأمر الذي يؤكد على أن المؤثرات الحضارية هي الأعمق بقاءً في عمر الزمن مقارنة بالسطوة السياسية أو القوة العسكرية. 

أما مملكة قيدار الأسبق على الأنباط فقد اتخذت من دومة الجندل عاصمة لها و رغم سيطرتها على طرق التجارة الممتدة عبر تيماء شمالاً وغرباً، إلا أنها باتت ضحية الطموح الآشوري الذي إنعكست آثاره على كم المواجهات بين الطرفين وامتدت للبابلي من بعده. بيد أنها أفادت بشكل ملحوظ من السيادة الفارسية على المنطقة. ومما لا شك فيه أن تعدد الملكات اللاتى حكمن في هذه المملكة ليؤكد على الدور الإيجابى للمرأة في جزيرة العرب لا سيما في قسمها الشمالي ربما بحكم التأثيرات الاجتماعية والسياسية للممالك المجاورة.

وإذا ما ألقينا الضوء على وسط شبه جزيرة العرب فلسوف تطالعنا مملكة كندة في منطقة نجد مما يلي الحجاز شرقاً، في حين امتدت في الشمال و شمالاً بشرق إلى مشارف الشام و العراق. و تمثل جماعاتها الأولى مثالاً للنزوح الجنوبى نحو الشمال بعد التدهور الاقتصادي الذي أصاب اليمن، و لعل هذا ما يفسر تحالفها مع الحميريين. ولقد لعبت كندة أدواراً سياسية على المسرح الدولي بلغت ذروتها خلال القرن الخامس الميلادي، حيث نافست المناذرة والغساسنة بل وهددت وجود الروم بفلسطين. ويعد امرؤ القيس مع كبيرها حجر بن عمرو (آكل المرار) من أشهر حكامها. بيد أنه على الرغم مما قدمه ملوك كندة من مشاركات في أحداث المنطقة كلاعب أساسي في مجرياتها؛ إلا أن الغموض ما يزال مكتنفاً تاريخها بحكم قلة ما خلفته من آثار هامة أو نقوش كاشفة. وكذا لغلبة الانتماء للبادية و ما فرضته من سياج حال بينها وبين معظم المؤرخين والرحالة الكلاسيكيين، وهو ما انعكس حتى على الإخباريين المسلمين الذين تأثروا في تناولهم لتاريخ كندة بالنزعة القبلية التي صبغت رواياتهم ببعض التضارب.

وعلى أية حال فإذا كان الاستغراق السياسي لكندة قد حال بينها و بين ما كان يمكن أن تخلفه من التراث المادي، فإن "قرية الفاو" الواقعة على مبعدة 700 كيلاً جنوب غرب الرياض قد حملت هذا العبء كمحطة حضارية أفضت الحفائر فيها إلى بشائر صياغة أكثر رحابة للمنطقة ككل. فقد تضافر موقع "الفاو" مع النقوش المشيرة لها فضلاً عن الرسوم الجدارية و اللقى والبقايا الأثرية المكتشفة كالمعابد الثلاثة ومقابرها المميزة ومنطقة السوق؛ في إماطة اللثام عن هذه المنطقة التي أسمتها النقوش بالجنة أو المدينة الحمراء. ومن ثم فإن موقعها على الطريق التجاري الممتد من جنوب الجزيرة العربية و المتجه شمالاً بشرق إلى الخليج العربي وبلاد الرافدين وشمالاً بغرب إلى الحجاز والشام قد كفل لها  تطوراً انتقل بها من مجرد محطة تجارية إلى مركز متكامل اقتصادياً وسياسياً ودينياً و ثقافياً وجعل منها حاضرة لدولة كندة في بدايات نشأتها.

وتبقى منطقة الخليج العربي والمعروفة قديماً بإسم (البحر الجنوبى) في خاتمة هذا التطواف عن ملامح تاريخ شبه الجزيرة العربية القديم. وهي منطقة كفل لها موقعها خصوصية حضارية تتمثل في وقوعها بين حضارة وادي السند ووادي بلاد الرافدين، الأمر الذي أكسبها شخصية حضارية متفردة بحكم التأثير والتأثر من جانب فضلاً عن صعوبة تحديد كيانات سياسية تقف على قدم و ساق مع دول الرافدين أو منطقة الشام من جانب آخر. وقد انعكست كل هذه العوامل على مسألة التحقيب التاريخى المستقل لمناطق ساحل الخليج العربي الحضارية، بحكم إرتباط أغلبها بظهور أو انهيار ممالك مجاورة. وذلك على الرغم مما تؤكده بعض الدلائل الأثرية التي تؤكد على أن تاريخ المنطقة إنما يرجع للعصور الحجرية لا سيما في الإحساء و "رأس عوينات علي" و جنوب "دخان" في قطر، مثالاً لا حصراً. فضلاً عن تأكيد الهجرات البشرية من عدن و اليمن إلى عُمان و الخليج والإحساء و البحرين خلال العصر الباليوليثيك (الحجري القديم).    

و على أية حال فيمكننا من خلال الأدلة الأثرية رصد أشهر المراكز الحضارية بالخليج العربي و التي ما تزال تمثل وجهة العديد من البعثات الأثرية أملاً في استجلاء المزيد من المعلومات حيال المنطقة وإطارها الزمني و حضورها التاريخي. و في هذا الصدد تأتي جزيرة فيلكة (إيكاروس عند اليونانيين) و الواقعة على مبعدة 20 كم من مدينة الكويت، إذ اشتملت على دلائل أثرية تؤكد عمق علاقتها منذ الألف الرابع قبل الميلاد بممالك بلاد الرافدين و إيران فضلاً عن الحضارة الهللينستية وبعض التأثيرات الهندية. وهو ما يبدو واضحاً في اللقى الأثرية المنقولة بفيلكا على الرغم من محاولة الفنان العربي إظهار شخصيته الفنية المتفردة و المتبدية في موقع "معمل التماثيل الصغيرة" الشهير. وهذا الأخير يقع خارج أشهر عمائر فيلكة و هو "الحصن" الذي يقبع بداخله مع بيوت السكان معبدان أحدهما من عهد الاسكندر،. فضلاً عن ورش المسكوكات. حيث تأكيد الصلات الواسعة بين فيلكة و مناطق الخليج و الرافدين و سوسة و فينيقيا و آسيا الصغرى و اليونان.

أما حضارة ديلمون (جزيرة تايلوس) في البحرين فقد كانت مهداً للاستيطان البشري منذ الألف الرابع قبل الميلاد، و هو الأمر الذي أوجد إشكالية لدى بعض الباحثين في احتمال النزوح السومري منها بحكم الوجود المكثف لعبادة الإله إنزاك ذو الأصل البحريني جنوبي العراق. و في المقابل فعلى الرغم من النشاط البحري التجاري لأهل المنطقة و حجم العلاقات المتبادلة مع ممالك العراق منذ العصر السومري القديم و حتى العصر الآشوري، إلا أننا لا نلمس حكومة قوية لهذه المنطقة مما يفسر سرعة هيمنة جيرانها عليها. إما بسبب تناثر مواضع السكن المتباعدة على الساحل أو بحكم الانشغال بالتجارة والزراعة و صيد اللؤلؤ. ومن ثم كانت النصوص الخاصة بنشاط القوافل التجارية الديلمونية أكبر دليل على طبيعة هذه المنطقة. و من أشهر آثارها معابد باربار التي يتراوح تاريخ إنشائها بين 3000 إلى 2000 ق.م.

وفيما يتعلق بحضارات عمان الحالية فهناك "ماجان" و "ميلوخا" و "عمانا"، حيث ورد ذكر الأولى في العديد من النصوص الرافدية كأحد أهم مصادر أخشاب السفن و النحاس، في حين تميزت ميلوخا بالذهب و العاج و الأحجار الكريمة. أما عمانا فعلى الرغم من اختلاف الكتاب الكلاسيكيين حول موقعها؛ فقد شغلت على الأرجح موقعاً يجمع بين الساحل الفارسي و خليج عمان على الساحل العربي للخليج العربي. وبالرغم من إزدهار تجارتها البحرية مع فارس و جنوب شبه الجزيرة العربية، إلا أن أشهر ما ميزها تلك السفن المعروفة بإسم " المعابر" كوسيلة لعبور الأنهار أو "المدرعات" لصناعتها من الألواح المشدودة بالليف.

و إلى الشمال من سلطنة عمان تقع في دولة الإمارات و تحديداً إمارة أبو ظبى "حضارة أم النار" التي تؤرخ بالفترة من 2600 إلى 2000 ق.م.، حيث عمل أهلها بالصيد و صهر النحاس و ربطتهم علاقات ببلاد الرافدين ووادي السند. ومن أشهر آثارها تلك الجبانة ذات المقابر الدائرية المقبية التي تزينت جدرانها بالرسوم الحيوانية، في حين دلت البقايا الأثرية على طبيعة سكانها الاجتماعية و نشاطهم الاقتصادي. 

و من المواقع الحضارية الهامة في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية المعروفة بأسماء "هجر" و "الحسا" (الإحساء)، يمكننا الإشارة إلى موقع " ثاج" شمال غرب الظهران و الذي عثر به على سور بداخله حصن و كذا العديد من المخلفات الأثرية من تماثيل وأختام و فخاريات. أما موقع "منجم الملح" ففيه بقايا قلعة و آثار لقنوات ري قديمة، في حين تميزت جزيرة "تاروت" الواقعة على مبعدة 6 كيلاً شرق القطيف بتجمع القبور القريب من الساحل و الذي عثر به على العديد من اللقى الأثرية. أما منطقة القطيف فبها بعض آثار القنوات المفترض رجوعها إلى القرنين الخامس أوالسادس الميلاديين.

و من أهم حواضر المنطقة مملكة "الجرهاء" (العقير الحالية) التي ظهرت في أخريات القرن الثالث قبل الميلاد و تحكمت في تجارة الوساطة (الترانزيت) بين الهند وإفريقيا و العربية الجنوبية و الحجاز و الشام و العراق. و لقد دفعت الجرهاء ثمن المنافسة مع ميسان (كراكس) التي أنشأها الأسكندر عام 324 ق.م. عند نقطة التقاء دجلة و كرخة (ربما المحمرة الحالية)، بهدف السيطرة على طرق المواصلات بين بلاد الرافدين و الخليج و الهند و لتصبح ميناءً تجارياً في المنطقة. بيد أنها تعرضت لظروف طبيعية أجلت الهدف من إنشائها قرابة القرنين عندما حلت محل الجرهاء، نتيجة لتحسن قدرة سفنها على قطع المسافات الطوال دون توقف و هو ما أثر أيضاَ على التجارة البرية و البحرية لصالح ميسان.

و ختاماً فإنه من نافلة القول أن نذكر أن وقوع شبه الجزيرة العربية ضمن منطقة نشوء الحضارات لم يكن محض صدفة، بل إن تتابع الحضارات فيها ليؤكد على أنها اشتملت على كل مقومات التحدي الحضاري التي واجهها سكان المنطقة باستجابة جعلت من حضارتهم إسهاماً متميزاً في معالمه بما حملته آثارها الشاخصة و مدوناتها المتباينة التي حفظت لها ذاكرتها الزمنية و حفظتها لنا تراثاً و هوية.  

مقالات لنفس الكاتب