array(1) { [0]=> object(stdClass)#12151 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 173

نشأت الدولة السعودية عبر ثلاث مراحل مفصلية وبدأ التأسيس عام 1727 والتوحيد عام 1932

الإثنين، 25 نيسان/أبريل 2022

المملكة العربية السعودية جغرافيًّا أكبر دولة في شبه الجزيرة العربية، في الركن الجنوبي الغربي من قارة آسيا، وتتوسّط قلب العالمين العربي والإسلامي، الذي يمتلك موقعًا جغرافيًّا متوسطًا بين قارات العالم الثلاث: آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، ونشأت الدولة السعودية تاريخيًّا عبر ثلاث مراحل مفصلية. بدأ التأسيس عام 1139هـ/ 1727م، حتى وصلت إلى التوحيد عام 1351هـ/ 1932م. رافقت كل مرحلة منها أحوال وظروف سياسية واقتصادية واجتماعية، تختلف كلٌّ منها عن الأخرى. ورغم هذا الاختلاف في النشأة إلا أن الدولة السعودية في جميع فتراتها تتفق في أن الرغبة بوجودها واستمراريتها تنبع من قبول الشعب ورغبتهم في حكم هذه الأسرة.

ولو عدنا إلى بدايات تأسيس الدولة لوجدنا أن الفراغ السياسي والحضاري سيطر على شبه الجزيرة العربية نتيجة ظروفها الطبيعية والقاسية وإهمالها، بعد العهود الإسلامية المبكّرة، لبُعدها عن مركز الحكم في الدولة الإسلامية، عدا الأماكن الإسلامية، مكة المكرمة والمدينة المنورة. ونتيجةً لذلك استولى على غالب أقاليم الجزيرة العربية الشتاتُ والفرقةُ، وانتشرت البدع والخرافات، وانفرط حبل الأمن السياسي والاستقرار، وشحّت الموارد الاقتصادية.

شكّلت هذه الظروف إرهاصاتٍ قويةً تأمل بإيجاد كيان سياسيّ ينظّم الأوضاع في الجزيرة. فكانت الدولة السعودية الأولى ذلك الكيان، الذي تأسّس عام 1139هـ/ 1727م، وتأكدت قوتها عقب المبايعة التاريخية بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأميرها محمد بن سعود في عام 1157هـ/ 1744م، وهدفت هذه المبايعة إلى الدعوة إلى إخلاص العبادة لله وتوحيده، واتّخذت من مدينة الدرعية في نجد عاصمةً لها.

سعت الدولة السعودية إلى توحيد نجد، وإلى القضاء على خصومها، ومن أبرزها إمارة الرياض، حيث تم ضمّها سنة 1187هـ/ 1773م، وبعدها تتابعت بقية البلدان النجدية في منظومة واحدة مؤيدة الدولة الجديدة، والتي خرجت في مطلع القرن الثالث عشر من حدود نجد الضيقة إلى حدود أوسع وأرحب، وحققت بتطلعاتها وطموحاتها التوسعية ضم الأحساء عام 1204هـ/ 1789م، وبذلك أصبحت مطلة على الخليج العربي، كواحدة من أبرز الكيانات السياسة المؤثرة على مسرح الأحداث في ذلك الوقت.

وقد أسفر ضمّ الأحساء والقطيف إلى حوزة الدولة السعودية عن اتّساع دائرة نفوذها اتّساعًا زاد من هيبة الدولة دينيًّا، وسياسيًّا، وعسكريًّا، ولفت انتباه الجهات الخارجية التي لها مصالح في الخليج العربي، مثل شركة الهند البريطانية الشرقية، والدولة العثمانية ممثّلة بباشوية بغداد. كما أضاف ذلك نتائج اقتصادية للدولة السعودية، إذ وصل نفوذها إلى الخليج، وصار بإمكانها استيراد ما تحتاج إليه من بضائع خارجية مباشرة، وأضاف إليها رقعة زراعية خصبة؛ والأهمّ من ذلك أنه شكّل حافزًا للدولة السعودية لتتوسّع تجاه عمان وإمارات الخليج.

رعاية الحرمين الشريفين ومنهج الدولة:

وفي عام 1220هـ/ 1806م، دخلت مكة المكرمة والمدينة المنورة في حوزة الدولة السعودية، وبذلك أصبحت الدولة السعودية الأولى هي المسؤولة عن الحرمين الشريفين أمام العالم الإسلامي، فيما فقدت الدولة العثمانية، أحد أهمّ عناصر زعامتها للعالم الإسلامي؛ مما أغضب الدولة العثمانية، وجعلها تسعى جاهدة لاستعادة الأماكن المقدسة من السعوديين؛ فأوعزت إلى واليها على مصر محمد علي باشا بالقضاء على الدولة السعودية، فأرسل حملةً كبيرةً بقيادة إبراهيم باشا تمكّنت من محاصرة الدرعية وتدميرها، وإسقاط الدولة السعودية الأولى عام 1233هـ/ 1818م.

حكمت الدولة السعودية في فترتها الأولى أربعةً وتسعين عامًا (1139 – 1233ه/ 1727 -1818م)، وتعاقب على إمامتها أربعة من الأئمة، هم: محمد بن سعود (1139-1179ه/ 1726-1765م)، وعبد العزيز بن محمد (1179-1218ه/ 1765-1803م)، وسعود بن عبد العزيز بن محمد (1218-1229هـ/ 1803-1814م)، وعبد الله بن سعود (1229-1234ه/ 1814-1818م).

فرضت الدولة السعودية الأولى هيمنتها، وأشاعت أمنًا واستقرارًا لم تشهده نجد منذ قرون، فانتعشت الحياة الاقتصادية، والعلمية، وبرز خلالها كثير من العلماء؛ وقد ارتكزت الدولة السعودية الأولى على مرتكزات تحقّق متطلّبات الدولة بالمفهوم الحديث، فأرضها إقليم متّصل، امتلكت فيه الدولة السعودية حقَّ السيادة على أفرادها، فالسلطة في يد الإمام محمد بن سعود، وأبنائه من بعده، وهذه القيادة هي التي تتولّى تنظيم شؤون أفراد الإقليم وإدارته، ولم يكن الإمام بمفرده، بل منح شعبه بعض الصلاحيات، فأصبح الشعب جزءًا من الدولة. وعلى الرغم من أنها كانت دولة بسيطة وموحّدة، تسير على قواعد شرعية ومبادئ عرفية تصدر من أعماق التاريخ، ولا يحكم سلوكها وسلوك أفرادها دستور مكتوب في وثيقة واحدة، إلّا أن توافر المقدّرات البشرية والمادية وتصميم أئمتها وتوجّهاتهم كانت أسبابًا قويةً لبناء الدولة، ودافعًا قويًّا لتحقيق تطلّعاتهم.

أحدث جيش محمد علي باشا بقيادة ابنه إبراهيم باشا دمارًا في وسط الجزيرة العربية عام 1233ه(1818م)، فهدم الدرعية ودمّر كثيرًا من البلدان، وأشاع الخوف في أنحاء الجزيرة العربية، إلا أنه لم يتمكّن من القضاء على مقوّمات الدولة السعودية. فقد ظلَّ سكان الجزيرة العربية على ولائهم لأسرة آل سعود، الذين أسّسوا الدولة السعودية الأولى، وتقديرهم لمعاملتهم وقيادتهم الحكيمة، فلم يمرّ عامان على غياب الدولة السعودية عن مسرح الأحداث السياسية حتى عادت محاولات جديدة لإعادة الدولة السعودية.

الدولة السعودية الثانية وعودة الحياة:

قاد الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود محاولةً سياسيةً ناجحةً، فقد استطاع طرد القوات العثمانية من المنطقة، وأعاد ظهور الدولة السعودية، ونقل العاصمة من الدرعية، إلى الرياض، كما نقل الحكم من سلالة عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى أخيه عبد الله، واستطاع الإمام تركي كسبَ ولاء بلدان نجد جميعها، فبايعته وانضمّت إليه راغبةً طائعةً.

لم يستغرق الإمام تركي في توحيد البلاد سوى عامين (1238- 1240هـ/ 1823 -1825م)؛ لأن سكان نجد اعتادوا الأمنَ، فتمكّن خلالهما من ضمّ أغلب مناطق نجد إلى ملكه؛ وبهذا عاودت الدولة السعودية الظهور مرة ثانية، فقد تضافرت عدّة عوامل ساعدت في إعادة بنائها، منها: الصفات الشخصية للإمام تركي، ومقدرته القيادية والعملية في خدمة البلاد، وسعيه الجاد لإعادة بناء الدولة. ودعم زعماء نجد وأهاليها له. وهذا ما يفسر ولاءهم وتطلعهم إلى وجود زعامة قوية تجمع شتاتهم بعد المحن والفتن التي أصابتهم بسقوط الدولة السعودية الأولى.

وفي عام 1245هـ/ 1830م استطاع الإمام تركي ضمّ الأحساء بعد موقعة "السيبية". وشكلت قاعدةً تنطلق منها لتوسيع حدودها، ومنها اتّجه الإمام للتوسّع إلى بقية مناطق الخليج، وأمكنه الاتصال بالقوى الموجودة فيها، كما أفاد من ضم الأحساء اقتصاديًّا.

في عام 1249هـ/ 1834م، اغتيل الإمام تركي، وخلفه في الحكم ابنه الإمام فيصل بن تركي. بدأت فترة حكمه الأولى عام 1250هـ/ 1834م. لكن هذه التطوّرات السياسية في نجد، وعودة الحكم السعودي إلى نجد لم يرقْ للدولة العثمانية، خشية منها أن يـمدّ السعوديون نفوذهم إلى الحجاز، كما فعلت الدولة السعودية الأولى.

وجه محمد علي باشا في عام 1252هـ/ 1836م، حملةً جـديدةً بقيادة إسماعيل بك، وتلتها حملة أخرى بقيادة خورشيد باشا عام 1254هـ/ 1838م، للقضاء على الدولة السعودية. مما أضطر الإمام فيصل على أن ينسحب من الرياض، فدخلتها القوات العثمانية، وعيّنت خالد بن سعود حاكمًا عليها، وساعدته في فرض سيطرته هناك. استمرّت المواجهات العسكرية بين القوات السعودية وقوات محمد علي باشا، فانتصرت الأخيرة، وأسرت الإمام فيصل وأرسلته إلى مصر، وبذلك انتهت فترة حكم الإمام فيصل الأولى عام 1254هـ/ 1838م.

ولم يطل غياب الإمام السعودي في مصر كثيراً، فقد تمكّن من العودة إلى بلاده عام 1259هـ/ 1843م. التي رحبت به، واستبشرت بعودته، ولـمّا وصل إلى حائل كتب إلى أمراء نجد يخبرهم بوصوله، ويطلب منهم مبايعته، فانضمّت له بلدان القصيم، ووفدت عليه بقية البلدان النجدية مبايعةً، معلنةً ولاءها دون قتال، ثم توجّه إلى الرياض، واستولى عليها دون قتال. وبدخولها بدأت فترة حكمه الثانية.

وسرعان ما انضمّت له الأحساء سلمًا، فقد كانت لدى سكانها رغبة قوية وجادّة في عودة النفوذ السعودي، وبدأت الدولة تحقق طموحاتها التوسعية، حتى تمكّنت في عهد الإمام فيصل من الوصول إلى جنوب شرقي الجزيرة العربية وساحل عمان، وإلى المناطق التي سبق للدولة السعودية الأولى الوصول إليها، وعزّزت وجودها فيها بإرسال الدعاة والعلماء والقضاة إليها.

توفي الإمام فيصل عام 1282هـ/ 1865م، وعصفت بالبلاد الفتن الداخلية والمؤامرات الخارجية بين أبنائه. استغلّ العثمانيون هذا الوضع السياسيّ المتدهور فاحتلّوا الأحساء، كما استغلّ أمير حائل محمد بن عبد الله ابن رشيد هذه الظروف، وخطّط للاستيلاء على الرياض، وسار بجيشه ليحقّق هذا الغرض، فقاد الإمام عبد الرحمن بن فيصل قواته متّجهًا نحو القصيم لصدّ هجوم ابن رشيد، ولكنه علم بهزيمة أهل القصيم في معركة "المليداء" عام 1308هـ/ 1890م، فعاد إلى الرياض بعد أن كوّن جيشًا من أنصاره، وخرج به إلى المحمل ليصدّ ابن رشيد عن الرياض، فالتقى الجيشان قرب حريملاء عام 1309هـ/ 1891م، فهزم جيش الإمام عبد الرحمن، ولما وصل ابن رشيد إلى الرياض أمر بهدم سورها، فيما خرج الإمام عبد الرحمن بن فيصل بأسرته إلى المنطقة الشرقية، ثم إلى الكويت.

استمرّت الدولة السعودية في فترتها الثانية على الأسس والركائز نفسها التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى، من حيث اعتمادها على الإسلام، وتطبيقها الشريعة الإسلامية، ونشرها الأمن والاستقرار، وتشابه النظم الإدارية والمالية في الدولة السعودية الأولى، كما ازدهرت العلوم والآداب في ظلّها، وعاد الأمن والاستقرار إلى المنطقة مرة أخرى.

بزوغ فجر سعودي جديد:

غاب السعوديون عن الساحة السياسية ما يقارب عشر سنوات، ولكن التاريخ يعيد نفسه، فكأنّ  نجد في مطلع كل قرن على موعد مع قائد سعودي يعيد ترتيب الأوضاع السياسية في المنطقة، فقد استطاع عبد العزيز بن عبد الرحمن حفيد الإمام تركي بن عبد الله أن يكرّر ما فعله جدّه. وأن يعيد للمنطقة بفضل الله أمنها واستقرارها، وما اعتادت عليه في ظل الحكم السعودي.

في النصف الأول من عام 1319هــ/ 1901م، خرج عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي من الكويت إلى الرياض غازيًا، بمباركة من والده الإمام عبد الرحمن، وتأييد من أمير الكويت الشيخ مبارك بن صباح، الذي زوّده بما يحتاج إليه من ركائب وأسلحة ومؤن، ولم يكن معه سوى أربعين رجلًا.

كمن السُّراة قرب الرياض، واستطاع عبد العزيز ومعه ستة من سريّته مداهمةَ بوابة قصر ابن عجلان، عامل ابن رشيد عليها، وقتله وعددًا من أتباعه، فيما استسلم رجال الحامية الباقون. وما أن انبلج صبح يوم الخامس من شوال 1319هـ/ الخامس عشر من يناير 1902م، حتى نودي في الرياض: "أنّ الحكمَ لله ثم لعبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود"، فقامت الدولة السعودية الثالثة.

ثبّت عبد العزيز أركان الحكم السعودي في الرياض، ثم بدأ في توسيع دولته وتوحيد أجزائها، فكان تحركه إلى الجهات الأقرب إلى عاصمته الرياض. فبدأ بجهات نجد الجنوبية، وكلما انضمت له منطقة تولدت لدية رغبة جادة بالتوسع، لمعرفته يقيناً بترحيب السكان بالأسرة السعودية، ومدى الأمن والاستقرار والعدل الذي تعيشه البلاد في ظل حكمهم.

كما تولّدت لدى الملك عبد العزيز قناعة تامة بأن منطقة القصيم هي ميدان الصراع الحاسم القادم بينه وبين خصمه ابن رشيد. لذا حاول استمالة أهل المنطقة إلى جانبه. فضمّ إليه عنيزة عام 1322هـ/ 1904م، فارتفعت معنويات الملك عبد العزيز، وزاد حماسه لضمّ بقية بلدان القصيم.

شجّع ما حدث في عنيزة بقية بلدان القصيم، فانضمّت إلى الملك عبد العزيز، فزادت مكانته وهيبته في المنطقة وخارجها، وهو ما أشعر الدولة العثمانية بالخطر من تقدّمه إلى الحجاز، وأثار غضب ابن رشيد لفقدانه منطقة القصيم، التي كانت خطَّ الدفاع الأول عن حائل، فطلب مساعدة الدولة العثمانية ضد الملك عبد العزيز. فوقعت عدّة مواجهات بين ابن رشيد والملك عبد العزيز، في "البكيرية"، ثم "الشنانة" عام 1322هــ/ 1904م، و"روضة مهنا" عام 1324هـ/ 1906م.

زادت هذه الانتصارات من قوة الملك عبد العزيز البشرية والمادية، ووطّدت حكمه في نجد كلها، وهذا ما غيّر من موقف الدولة العثمانية، التي رأت فيه قوةً جديدةً وفتيّةً، فتولدت لدى العثمانيين القناعة بضرورة استخدام سياسة المسالمة والمهادنة معها.

تابع الملك عبد العزيز ضمّ المناطق، التي أبدى أهلها رغبتهم في الانضواء تحت رايته، ومبديةً ولاءها وطاعتها، ومنها الأحساء، التي هيأ له أنصاره الحبالَ والوسائل المعينة على دخولها، فتمكّن الملك عبد العزيز من ذلك عام 1331هـ/ 1913م، واستولى عليها محفوفًا بقبول أهلها وترحيبهم. أما حائل، عاصمة آل رشيد، فقد استعصت على الملك عبد العزيز، فحاصرها خمسة وخمسين يومًا، حتى استسلمت له عام 1340هـ/ 1921م. وبذلك توحدت منطقة جبل شمر مع نجد وبلدانها.

وقبيل ذلك تواصلت بعض قبائل عسير مع الملك عبد العزيز، فعزّزهم بجيشٍ يقوده الأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي عام 1338هـ/ 1920م فانتصروا في معركة "حجلة"، ثم استسلمت منطقة عسير، وانضمت تحت لواء الملك عبد العزيز، مؤكّدة صدق ولائها له.

اكتمال عقد التوحيد:

ولا يكتمل العقد السعودي إلا بأجمل جواهره وأثمنها، الحجاز. فقد كانت العلاقات متوتّرةً بين الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز، والملك عبد العزيز. وتزامن ذلك مع الحرب العالمية الأولى وتأثيراتها في العالم بأسره. بدأ الصدام مع الأشراف في الحجاز في معركة تربة عام 1337هـ/ 1919م، وانتصر جيش الإخوان السعوديين الذي يقوده سلطان بن بجاد، على جيش الأشراف الذي يقوده الأمير عبد الله بن الحسين.

سيطر الخوف على المسؤولين في الحجاز بعد معركة تربة، وصاروا على يقين بتقدّم الملك عبد العزيز تجاه الطائف، جهّز الملك عبد العزيز جيشًا ووجّهه إلى الحجاز، بقيادة سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي ومعهما رؤساء هِجَرٍ أخرى من قبائل عدّة. وصل الجيش السعودي إلى الطائف في (صفر 1343هـ/ سبتمبر 1924م)، وعندما علم به الشريف الحسين أرسل قوة عسكرية إلى الطائف بقيادة ابنه الأمير علي، لإيجاد خطّ دفاعيّ عن مكة، لكنه تقهقر أمام جيش الملك عبد العزيز إلى الهدا. واشتبك الجيشان، فهزم الشريف علي بن الحسين وتراجع ومن معه إلى مكة، بينما استولى جيش الملك عبد العزيز على ما كان معهم من أسلحة وذخيرة.

وصل جيش الملك عبد العزيز إلى حدود قريبة جدًا من مكة، وبسبب ضعف موقف الملك الحسين بن علي قرّر وجهاء جدة وأعيانها مطالبة الحسين بالتنازل عن الحكم لابنه عليّ، الذي أدرك ضعف موقفه أمام الجيش السعودي فانسحب من مكة إلى جدة. دخل السعوديون مكة منصورين ومحرمين ومهلّلين ومكبّرين، دون إراقة دماء، في عام 1343هـ/ 1924م، واستلم الشريف خالد بن لؤي إمارتها، ثم دخل الملك عبد العزيز مكة معتمرًا، وبقي فيها شهرًا.

توجّه الملك عبد العزيز إلى جدة وشدّد عليها الحصار، فيما بدأت مدن الحجاز تنضمّ إليه؛ فانضمّت المدينة المنورة دون قتال عام 1344هــ/ 1925م، فكان لانضمامها دورٌ إيجابيٌّ في رفع معنويات الملك عبد العزيز ومن معه، وتقوية مركزه سياسيًّا وعسكريًّا، خاصّة أن حامية المدينة العسكرية تمتلك أسلحة ومعدات حربية كبيرة، عزّزت قدرات الجيش السعودي العسكرية. بينما شدد الملك عبد العزيز الحصار على جده، وأعلن العفو العام عمّن يغادرها، وهذا ما شجّع كثيرًا من أهلها وبعض القوات النظامية وكبار الموظفين، فغادروها. وأمام هذا الضغط الاستراتيجي الذكيّ من الملك عبد العزيز اضطرّ الملك عليّ إلى الصلح وتسليم جدة، وبذلك انضمّت هذه المنطقة الساحلية المهمة إلى مناطق البلاد التي وحّدها الملك عبد العزيز، عام 1344هـ/ 1925م.

كانت جازان خاضعة لحكم الحسن بن علي الإدريسي، الذي فضّل أن يعقد معاهدة حماية مع الملك عبد العزيز، وعقد معه اتّفاقية مكة عام 1345هـ/ 1926م. التي بمقتضاها أوكلت الأمور الداخلية فيها للإدريسي، فيما تعهّد الملك عبد العزيز بالدفاع عنها ضدّ أيّ عدوان خارجيّ، بيدَ أن الأوضاع لم تهدأ في المنطقة؛ مما حدا الملك عبد العزيز إلى بعث السرايا حتى تمكّن من إنهاء حركة الإدريسي عام 1351هـ/ 1933م.

تطوير الدولة ونهضتها:

تنفّس الملك عبد العزيز الصعداء بعد ثلاثين عامًا من معارك التوحيد، وبدأ يوجّه جهده للنهوض بالبلاد وتنميتها، وتطوير الدولة وتحديثها. كان أوّل هذه التطورات وأهمّها اقتراح اسم "المملكة العربية السعودية"، بعد أن كان اسمها "المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها".

جاء في اقتراح رفعه عدد من أهل الحجاز ومعهم أعضاء مجلس الشورى، حيث اجتمعوا في الطائف في 12 جمادى الأولى 1351هـ/ 10/ 8/ 1932م، ورأوا أن يغير اسم البلاد خاصّة أن هذا الاسم لا يعبّر عن الوحدة العنصرية والحكومة الشعبية الواجب إظهارها فيها، ولا يدلّ إلا على مسمّيات لأصقاع جغرافية لبعض الأقطار، وما من سبب لهذا الانقسام مع أنّ الملك واحد، والعقيدة واحدة. كما اقترحوا وضع نظام للحكم وتوريث العرش، ليكون الأساس الذي تسير عليه هذه المملكة، ويكون أساسًا قويًّا، فاسم "المملكة العربية السعودية" يبيّن أنَّ أهلها هم من العرب، ويشير إلى نسب من كان سببًا -بعد الله -في جمع كلمتها ووحدة صفّها، وهو الملك عبد العزيز آل سعود، الذي وافق على هذا المقترح، وفور موافقته أقيمت الاحتفالات في مدن المملكة وقراها. وأصبح هذا اليوم يومًا وطنيًّا تحتفل به المملكة العربية السعودية كلَّ عام، وهو أول يوم من برج الميزان من كل عام (23 سبتمبر)، تخليدًا لذكرى هذه المناسبة.

إن من يتتبّع المسار التاريخيّ لبداية تأسيس الدولة السعودية في الدرعية منذ عام 1139هـ/ 1727م، حتى توحيد المملكة عام 1351هـ/ 1932م، يرى عمق الجذور التاريخية للأسرة السعودية، ومدى قبول السكان لهذه الأسرة، كما أنَّ هذه الدولة سرعان ما تعود إلى مسرح الأحداث السياسية إذا حدثت ظروف قاهرة تغيّبها، فتعود بمساعدتهم وقبولهم، لما لمسوه من عدل وأمن واستقرار، وما توافر لهذه القيادة بفضل الله من حكمة وعدل وحسن إدارة وتدبير، انعكس ذلك كلّه على الأمن والتطوّر والاستقرار.

وعبر تاريخها الطويل استطاعت الدولة السعودية بقيادتها الحكيمة أن تطوّر مفهوم الدولة السياسي إلى مفهوم حديث أوسع وأشمل، وأن تحدِث تطلّعاتها ومجاراتها للدول المتقدّمة نقلةً نوعيةً على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولم نزلْ ولله الحمد نرفل في حلل من التطوّر والتقدم، سائلين الله لبلادنا ولقيادتنا الواعية الرشيدة مزيدًا من التقدّم والازدهار.

مجلة آراء حول الخليج