array(1) { [0]=> object(stdClass)#12011 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 173

سؤال الهوية الخليجية .. بعد الحرب الروسية الأوكرانية

الإثنين، 25 نيسان/أبريل 2022

ظهر على السطح بشكل لافت قبل وأثناء الحرب الروسية ـ الأوكرانية موضوع الهوية والمرجعية، وشكلّت الدافع الثقافي والعقلاني لإقناع الروس بضرورة تلك الحرب ضد أوكرانيا، على اعتبار أن أوكرانيا وبيلاروسيا مع روسيا هم الكيان الموحد للأمة السلافية، عبّر عن هذه الفكرة الجوهرية التي تعتبر اليوم محرك السياسة الروسية الرئيس بوتين في مقال كتبه في يوليو 2021م، ونشره الكرملين باللغات الثلاث الروسية والأوكرانية والانجليزية وكان عنوانه: (حول الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين) وجاء فيه:" أن الروس والأوكرانيين والبيلاروس ورثة روسيا القديمة،  حيث كانت القبائل السلافية تربط بينها لغة واحدة وأواصر اقتصادية وثيقة وسلطة الأمراء من سلالة واحدة، أما بعد تبني روسيا الديانة المسيحية فانضمت إلى عناصر الوحدة المذكورة وحدة الدين الأرثوذكسي".

هذا الرؤية الروسية التي عبّر عنها مقال بوتين وآلاف المنشورات خلال العقدين الماضيين بشكل واضح، قائمة على إعادة التاريخ القديم وإظهار القومية والتأكيد على روابط اللغة والدين، وهو ما حمل ديفيد إغناسيوس إلى وصف المقال بكونه "إنذاراً أخيراً" لما قبل الحرب وفق مقاله بصحيفة "الواشنطن بوست"، فبالرغم من أن الدوافع المعلنة للروس هي حماية أمنهم القومي ورفض اقتراب حلف الناتو من حدودهم، إلا أن الحرب اندلعت منذ استقلال أوكرانيا عام 1991م، ولكن بطرق وأدوات مختلفة، وعبر وكلاء، لم ينجحوا في إخماد نزعة الانفصال الأوكراني عن روسيا، ومع خروج جيل جديد ولد بعد الاستقلال زادت المحاولات لضم أوكرانيا لروسيا بشكل أكبر؛ ولكن بإقبال أكبر نحو الضم للاتحاد الأوروبي، وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع موقف الأوكرانيين من روسيا، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة. ففي أبريل من عام 2008م، كان حوالي 88% من الأوكرانيين لديهم موقف جيد تجاه روسيا، و ظلت هذه النسبة تتراجع حتى وصلت إلى 34% خلال الفترة (5- 13 فبراير 2022)، أي فقدت روسيا أكثر من 55 نقطة مئوية من شعبيتها في أوكرانيا خلال 14 عاماً. خلال تلك الفترة حاول الأوكرانيون إحياء لغتهم وخلق هوية قومية تميزهم عن الروس، ومع ضعف المكون الثقافي لهذا التميز الهوياتي للأوكرانيين؛ إلا أن الدوافع الاجتماعية والاقتصادية أسهمت بقوة لقبول التحدي والوقوف مع هويتهم الجديدة ضد الاندماج مع الروس، وهذا ما أشعل أشرس الحروب في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

هذه الحالة من عودة صراع الهويات والبحث عن جذور القوميات؛ رغم رسوخ الدول الوطنية، يمهّد لنمط جديد من التحديات الجينولوجية التي تسعى للبقاء وتحقيق الانتماء من خلال البحث الأحفوري عن أصول وهويات جامعة، ظهرت بشكل قوي في الحرب الروسية الأوكرانية.

مسألة الهوية الخليجية:

أعتقد أننا اليوم في خليجنا العربي نحتاج وبشكل ضروري أن نطرح على أنفسنا: "من نحن؟". فرغم سذاجته عند الاقتصادي والأمني؛ أو من يشعر بأن بطاقة الهوية وجواز السفر هما الجواب القاطع، أظن أن ذلك لا يكفي أبدًا لنعرف حقيقةً "من نحن؟"، وليس من المعيب أن نقف بعد عقود من تشكل هويتنا الوطنية المعاصرة أن نطرح هذا السؤال، على الأقل لنتفحص صحة جسدنا الخليجي ولنعيد السمع لمن يجيب عنه، فقد تفجعنا إجابات أخرى؛ تتطلب من قادة الخليج سرعة القيام بمشروعات وطنية أعمق واستراتيجيات أحوط.

ففي عام 2004م، أثار صامويل هنتجتون في كتابه الذي يحمل عنوانه هذا السؤال: "من نحن؟" الجدل من جديد حول الهوية القومية الأمريكية؛ رغم مرور ثلاثة قرون على ذلك، ولكن معطيات ديمغرافية وثقافية ودينية حديثة جعلته من أهم الكتب وأكثرها رواجا بين النخب في عام صدوره، الغريب أن هنتجتون شدد على العامل البروتستانتي وأنه الأثر الأقوى في الهوية، وهو من يحدد القيم الأمريكية الكبرى، وليست القوميات المختلطة وأعراف المهاجرين.

وفي عالمنا العربي أصبح مجرد التفكير بهذا السؤال؛ يعني اشتعال توتر جديد لتمزيق الوحدة الوطنية، ووضع حواجز وأسلاك شائكة بين أفراد المجتمع الواحد، ودول كالعراق وسوريا ولبنان وليبيا والصومال والسودان واليمن شواهد مؤلمة على هذا الخطر الماحق والواقع.

أما ما يخص خليجنا العربي؛ فإن سؤال الماهية الوجودي لا يبعث على الهلع كثيرًا، لوجود تكامل وانسجام بين هوياته الصلبة والناعمة؛ ولكنه يشعر بالحاجة لصمامات أمان أكثر، فالشعوب الخليجية تشعر –على سبيل المثال-بهويتها الوطنية بوضوح، والاعتزاز بها ظاهر في صور من التعبير التلقائي وغير المتكلّف، وهذه الفضيلة الواقعية أسهمت فيها عوامل عدة؛ أهمها الاستقرار الأمني والعيش الكريم وقدر كبير من الاحترام والتوافق بين السلطة والشعب.

ماهي بواعث القلق الخليجي على الهوية:

ومع هذا التوافق والاستقرار الخليجي، إلا أن موضوع الهوية من الموضوعات الخاضعة للمتغيرات الحياتية والدولية المؤثرة على القناعات ومستقبل المجتمعات.

 واقصد بالهوية الخليجية: تلك الصفات التي تميز الفرد وتمنحه اعتزازا بذاته، والفرد الخليجي يعيش حسب تاريخه وواقعه انتماءً لثلاث هويات هي: هويته الدينية (الإسلام) وهويته القومية (العروبة) وهويته الوطنية (جنسية دولته)، ومع وضوح هذه الهويات في الشعوب الخليجية إلا أن هناك بعض المخاطر تكتنف هذه الهويات الثلاث، أعرض أهمها على النحو الآتي:

 أولا: يشعر الخليجيون بشيء من القلق تجاه هويتهم الإسلامية، فهم يشكلون أغلبية سنية، ولكن يعيش مواطنون بينهم من ذوي الأقلية الشيعية، ولم يحصل في التاريخ الخليجي القريب والبعيد مواجهات عنيفة مع تلك الأقلية الشيعية أو الإسماعيلية، حتى جاءت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، وبدأت مشروعها في تصدير الثورة وتأليب الأقلية الشيعية على أوطانها، ومع أن تلك الأقلية استدرجت بوعود وآمال السيطرة والاستقلال؛ إلا أن غالبها وعى خطر هذا الاستدراج سياسيًا وأمنيًا وهوياتيًا على مجتمعاتهم، واثبتوا حقيقة ولائهم وانتمائهم لأوطانهم وعروبتهم، بيد أن تلك الحالة الطيبة من التناغم المجتمعي بين السنة والشيعة، عكّر صفوها خروج عدد من الجماعات السياسية الدينية ذات الانتماء الثوري المدعوم من إيران، وكانت المواجهات الأولى قد حصلت بعد 1979م، ثم تأججت مشاعر الثورة عند الجيل الثاني من أولئك الثوريين أثناء الربيع العربي بعد 2011م، حينئذ أصبحت مشاعر التوتر والقلق تزداد في صفوف السنة تجاه حقيقة انتماء هذه المجموعات الشيعية لأوطانهم الخليجية، خصوصًا بعد هيمنة تلك الأحزاب والميليشيات على حكومات العراق ولبنان واليمن وظهر الوجه الكالح والغادر الذي مارسته تلك الأحزاب تجاه أهل السنة.

ولتأكيد روح التعايش وتعميق المواطنة داخل هذه المجتمعات من خطر الطائفية الثورية أو غيرها من الأخطار ذات العلاقة بالدين أن تتسلل بينهم، أذكر أهم تلك المعالجات:

  • الطائفية الثورية التي تمنح ولاءها لحكومات أجنبية مارست أشد أنواع القمع لمخالفيها عندما وصلت للسلطة؛ يجب أن يكون التعامل معها أمنيًا، وبصورة حاسمة حفظًا للأمن الوطني الخليجي من غوائل الاختراق الأجنبي أو الاحتراب الداخلي، لأن مشروع تلك الأقليات الثورية يأخذ طابع التقويض للسلم المدني، ويقصي أي شريك وطني لا يتماشى مع مشروعهم الثوري، وهذه الأقلية المتمردة لا ينبغي أن تمثّل الطائفة الشيعية في الخليج، كما لا ينبغي أن تؤثر على طبيعة الوئام والتكامل الفسيفسائي بين مختلف الطوائف الدينية التي تناغمت بشكل كبير داخل البيت الخليجي، كما هو الحال بين الإباضية والاسماعيلية وأهل السنة.
  • أن تحافظ المجتمعات الخليجية على هويتها الإسلامية صافية وقوية من كل المشروعات الدخيلة التي تسوّغ الإلحاد أو تذوّب عقيدة الإسلام، أو تفتح باب التمرد الفكري على ثوابته، وخطورة تلك الأفكار أو الموجات الما بعد حداثية، أنها قد تصنع جيلاً خاويًا من الصلابة والرسوخ العقدي، ومن ثمّ لا يستطيع أن يدافع عقائديا عن بلاده من أي عدوٍ خارجي، وقد لا يملك الصلابة الكافية في المحافظة على مكتسبات وطنه من الهدر أو التضييع، وهذه الخطورة من تشكّل أجيال تحمل الشكوك والخواء الروحي قد فطنت لها دول ومجتمعات كثيرة في العالم، فبدأت مشاريع تعليمية واجتماعية تكسبهم الولاء وتمنحهم قيمًا عليا لا يُقبل التنازل عنها أبدا، حيث عمدت اليابان إلى تمكين اللغة اليابانية والهوية القومية، وتوجهت الصين لرسم خارطة قيمية وقومية تعزز من عرقية الهان في البلاد ثقافيا وتاريخيا تحت ما يسمى "الحلم الصيني"، أما الروس فقد عملوا بكثافة في عهد الرئيس بوتين لبناء هوية سلافية أرثوذكسية، كان من آثارها برنامج" العقيدة العسكرية الجديدة" التي أطلقها بوتين في ديسمبر 2014م.

إن الهوية الإسلامية الخليجية كانت من أهم الدفاعات التي حافظت على مجتمعات الخليج وصدّت موجات وانقلابات التيارات الشيوعية والبعثية والناصرية التي طغت على دول المنطقة إبان الخمسينات والستينات إلى مطلع السبعينيات الميلادية، وحتى النخب القليلة جدًا التي آمنت بتلك الأفكار لم تجد لها حاضنات شعبية تقوم بالتبشير بها والدعوة إليها، فخسرت تلك التيارات وجودها الثوري والفكري؛ رغم الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها بعض المجتمعات الخليجية آنذاك، والتي كانت تلك التيارات الإيديولوجية تراهن عليها في الامتداد والتأثير. فالهوية الدينية كانت خط الدفاع الأول فيما سبق، وقد تكون كذلك في الحاضر والمستقبل.

ظهرت في أوائل السبعينيات الميلادية نشوء حركات إسلامية في دول الخليج نتيجة استقبال تلك الدول عدد من دعاة الإخوان المسلمين الهاربين من الاعتقال والسجن في بلدانهم العربية، وبدأ التيار الإسلامي يمتد في أوساط الشباب والمؤسسات التعليمية تحت نظر ومراقبة أجهزة تلك الدول، وبعد الحرب الخليجية الثانية في أوائل التسعينات حدث منعطف في علاقة تلك التيارات بالحكومات، وهي مواجهة بعض تلك التيارات الإسلامية سياسات التدخل الأجنبي في الخليج أو مواجهة التيارات الليبرالية فيها، وربما أغرى رموز تلك التيارات كثرة الجماهير التي تحضر مناشطهم ومحاضراتهم برفع سقف المطالبات من خلال بيانات وعرائض إصلاحية، إلا أن تلك التيارات الخليجية قد اختلفت عن مثيلاتها في الدول العربية بأمور جوهرية؛ منها: أنها كانت تعترف بشرعية السلطة وضد الخروج عليها، وقاومت الجماعات المتطرفة كالقاعدة وداعش، كذلك كانت غالب برامجها العامة بمعرفة مؤسسات الدول وبإذنها وموافقاتها، ولم يكونوا في صدام مع المرجعية الدينية الرسمية، ولكن هذا لم يمنعهم من الوقوع في أخطاء جسيمة أثرت في مستوى الثقة بينهم وبين السلطة في الخليج، وأهمها: التنظيم الحزبي للأفراد، والسرية في العمل الدعوي، واعتقد أن العقد الماضي قد شهد تغيرات في عمل التيار الإسلامي (إخوان وسروريون وتبليغ) ووضوح في العلاقة بينها وبين أجهزة الدول الخليجية، وقد تم حلّ بعض تلك التنظيمات الدعوية كما حصل في قطر والكويت والإمارات، وفي السعودية كان خطاب سمو ولي العهد في أكتوبر 2017م، صريحًا في انتهاء حقبة الصحوة التي مثلّت الحالة الإسلامية المحلية، وقد دعا سموه للعودة للوسطية الدينية بعيًدا عن التشدد والغلو المخالف لجوهر الدين، فالحراك السياسي للحركات الإسلامية الخليجية في حالة ركود، وأي محاولة لتنشيطه ستبعث قلقًا وتوترًا داخل حكومات الخليج.

 ومع أن كل دول الخليج تُعتبر من الدول المحافظة، فإنها لا تزال تمثل بحكم جغرافيتها ووجود القبلة والحرمين بها؛ الريادة الإسلامية الوسطية، وفي سياق الهوية الإسلامية الخليجية، تظهر بعض المحاذير ينبغي التنبّه لها خصوصًا بعد العداء الإيراني للسعودية، ومقاربة الحزب الديمقراطي الأمريكي لهم، وربما تنتهي مساعي هذا التقارب إلى توقيع اتفاقية نووية مع إيران تمنحهم نفوذ أكبر بعد رفع العقوبات عنهم، ومن ثمّ نحتاج في الخليج أمام هذا المتوقع القريب في سياق حديثنا عن التيارات الإسلامية، ملاحظة ما يلي:

  • أن محاربة الجماعات المتطرفة لا ينبغي أن يمتد لكل المناشط والبرامج الإسلامية المعتدلة، ولا ينبغي أن تظهر الدول الخليجية كطرف معادي لكل التيارات الإسلامية في العالم، حتى لا يتحول هذا الصدود الخليجي إلى علاقة حميمية مع الطرف الإيراني الذي يحسن دغدغة عواطفهم واستمالتهم لجانبه، وقد يضعف منطقة الخليج من تحالف الشعوب الإسلامية معها، وهو بُعد استراتيجي مهم ظهر بقوة بعد الحرب الروسية والأوكرانية وصراعهم حول المرجعية الدينية للأرثوذكس، وظهر أيضًا من محاولات بعض الساسة الغربيين التأكيد على امتدادهم المسيحي في العالم.
  • أن المؤسسات الخليجية الاغاثية والتنموية التي تعمل خارج الخليج هي من أهم القوى الناعمة التي يجب أن تعتمدها دول الخليج في مواجهة الطائفية الثورية الشيعية، التي بدأت تتغول في الجيوب التي تخرج منها المؤسسات الخليجية وتحل بدلا عنها، كما أن تلك المؤسسات عليها أن تمثّل مرجعيتها الحكومية وليس بعيدًا عن هويتها الوطنية، لتدرك تلك الشعوب المستفيدة حاجتها للتقارب مع الخليج حكومات وشعوب.
  • إن دول مجلس التعاون الخليجي اليوم باستقرارها الاقتصادي والسياسي ومكانتها الإسلامية هي الامتداد الوثيق لأهل السنة في العالم، والانسحاب ولو قليلا من هذه المهمة قد يمنح قوى سنية أخرى تؤمن بمشروع قومي استراتيجي داخل منطقتنا العربية تريد أن تحل بديلاً عنها، فتركيا اليوم ترفع لواء الاجتماع حولها كممثل للسنة في العالم الإسلامي، رغم أن اللغة والتاريخ والمواقف لا تمنحها هذا الحق، إلا أن الفراغ دائمًا لابد أن يُملأ ولو بالبديل غير المناسب، والتعاون في مجال المشتركات مع تركيا أو أي قوى سنية في المنطقة أهم وأجدى مصلحة من المقاطعة التي تثمر فرقة وضعفًا وتسللاً للأعداء.

ثانيًا: هناك قلق خليجي على هويته العربية، وهذا القلق نتيجة معطيات موجودة، أو مستجدة قد لا تُرى بوضوح، وأقصد أن الانفتاح الخليجي على العالم، وقدراته الاقتصادية في إشباع حاجات أفراده، قد سمح بسوق حرة جاذبة جدًا لخلق كائنات استهلاكية لا تفرق بين المنتج وثقافته في اللباس والعادات وغيرها، كما أن ظاهرة خطيرة بدت تشتعل في أروقة المحافل الثقافية والجامعات والإدارات والأسواق تجعل من اللغة الأجنبية أساسًا في التعامل والتخاطب، ومن ثمّ تراجعت اللغة العربية بكل رمزيتها التاريخية، وقدرتها الفاخرة في إثبات هويتنا العربية في المجتمع الخليجي، وخرجت أجيال لا تقدّر قيمة اللغة العربية، وتتكلم بلغات هجينة مؤسفة في قلعة العروبة المعاصرة.

كما أن هناك مهددًا آخر لعروبة المجتمعات الخليجية والمتعلق بحجم العمالة الأجنبية التي تعمل وتسكن داخل كل مؤسسة وبيت خليجي، فحسب بيانات رسمية في 2020م، يقدّر عددها بـ21 مليون عامل، أي أن أكثر من ثلثي هؤلاء العمال بنسبة 69.3% هم عمالة أجنبية وافدة، والأخطر أنهم يمثلون غالبية السكان في الإمارات والبحرين والكويت وقطر، هذا الزحف الصامت من تلك الهويات الأجنبية يحمل معه لغته وثقافته المغايرة للهوية العربية، وقد يشكل هذا الوجود المتزايد مع مرور الزمن ثقل مجتمعي تمنحه المطالبة بحقوق سياسية قد تغير خريطة الداخل الخليجي.

ثالثًا: الهوية الوطنية للمجتمعات الخليجية هي الدائرة الثالثة التي يعيش ضمنها المواطن الخليجي، والتي يعبّر من خلالها عن صدق ولائه للسلطة السياسية، وصدق انتمائه لمؤسسة الدولة، واليوم تتعرض الهوية الوطنية في عدد من المجتمعات الخليجية والعربية لبعض الأزمات، كالتي تتعلق بحاجاته للوظيفة والمسكن والمشفى؛ ثم لا يجد ذلك إلا بصعوبة فائقة، بالإضافة إلى انعدام العدالة الاجتماعية وعدم المساواة في توزيع الثروة والفرص بين أبناء هويته الوطنية؛ ما يؤدي بهذا المواطن إلى مزيدٍ من الإحباط واليأس، فأي مواطنة يمكن أن يفخر بها ويعتز بالانتماء لها واحتياجاته الطبيعية ناقصة أو منعدمة؟!، هذه الحالة أدت في عدد من المجتمعات العربية المحيطة بالخليج مع الوقت إلى ذوبان الهويات الوطنية نحو الهويات القومية الصغيرة والطائفيات الضيقة، وهذا النزوع نحو هويات القبيلة والحزب ومليشيات الحرب؛ هو الذي أدى إلى انقسام العراق والسودان والصومال وسوريا ولبنان وليبيا واليمن، وهو فشل كبير ومتفجر؛ يعود في أصله إلى فشل تلك الدول في ترسيخ هذه الهوية وحمايتها من الغرق في مستنقع الهويات المفخخة. وأهم ما ينبغي ترسيخه في الهوية الوطنية الخليجية عدد من الأمور ألخصها فيما يلي:

إن فكرة الاعتزاز بالدولة وتحقيق وصف المواطنة لا يأتي من خلال الشعارات والاحتفالات العارضة، بل هو تفاعل عميق بين المواطن ووطنه، قائم بشكل رئيس على الحقوق والواجبات، والشعوب الخليجية تعتبر حالة استثنائية غاية في الفرادة في عمق الانسجام بين المواطن وولاة أمره من ملوك وأمراء، فالعلاقة تشكلت من خلال صدق الولاء للمشتركات والثوابت الدينية والقيمية وتبادل المصالح، فلم تظهر سلطة الأسر الحاكمة في الخليج على ظهور الدبابات أو من خلال انقلابات عسكرية أو قمع ملايين الناس كما هو الحال في غالب دول الجوار؛ بل جاء بالتراضي والتوافق والقبول الذي رعته الشريعة، وعمل عليه جيل حكام التأسيس حتى اليوم، هذه الحقيقة الفريدة يجب صيانتها من حال المتغيرات التي ظهرت على السطح منذ أحداث الربيع العربي حتى اليوم، والمراهنة على وعي المواطن قد يصدق في أجيال الآباء والأجداد؛ ولكن مع جيل اليوم المنفتح على العالم والمتشاكل مع أقرانه في الطبائع والميول؛ نحتاج إلى علاقة أمتن وأعمق، يحترمها جيل اليوم ويحافظ على مكتسبات وطنه بصورة أوثق من العواطف والرغبات، ويمكن التفكير بإيجاد صيغة تعمّق هذا الارتباط؛ إما من خلال ميثاق، أو قانون، أو أي إجراء تنظيمي.

ثقافة المواطنة لا تزال في المجتمع الخليجي ثقافة هشّة تعتمد على الخطب والمقالات السطحية، ولم تتحول إلى استراتيجية علمية ومعرفية تُقبل عليها العقول دون إرغام، وتتبناها النفوس دون إكراه، وهذا دور المؤسسات التعليمية، والتلقين هنا لا ينفع بل يحتاج إلى إيمان واقتناع، فكما أن تكامل الحقوق الواجبات بين المواطن ودولته هو الأساس لهذه العلاقة، فهناك أشكال أخرى تُعلي من قيمة الوطن فوق كل الاعتبارات الفئوية والقبلية والمناطقية، وهي القائمة على العدالة الاجتماعية، والقضاء على العصبيات الجاهلية، وحسن توزيع الثروة، وأن المناصب والميزات للأكفأ وليس للأقرب، وهذه وغيرها هي المادة الصلبة لبناء المواطنة بشكل راسخ ومتين.

في الشأن المستقبلي للهوية الخليجية:

في البداية أجد من المهم التأكيد في خاتمة هذه الدراسة؛ بالقول أن استشراف المستقبل ليس مجرد معطيات علمية وتنبؤات إحصائية تعتمد على أرقام في الماضي والحاضر، وأن معطيات الحاضر ستصنع نتائج المستقبل، كما هي غالب الدراسات الاستراتيجية عندما نرغب معرفة احتياجات أي مدينة من المدارس والمستشفيات بعد ثلاثين عام –على سبيل المثال-، فإن النمو السكاني والاقتصادي في الغالب يحمل معه أرقامًا تُقدِّر كمية هذا الاحتياج المستقبلي، بينما الإشكالات الفكرية والاجتماعية والسياسية ومعالجة الأزمات لا تسير وفق هذا الخط الزمني غالبًا، ولعلي أميل مع إدغار موران الذي يرى أننا لن نفهم الماضي الا بعد سلسلة من تجارب الحاضر ووقائعه التي أنتجها الماضي، حينئذ سنفهم الحاضر بعدما أدركنا معاني أحداث الماضي بشكلها الواضح الراهن، ويسمِّي هذه المهمة الفاحصة بـ(النظرة الاسترجاعية) التي ستقوم بالمهمة الاستشرافية ،فتاريخ ١٧٨٨م، وما قبله لم يُعرف أنه سيولّد انفجار الثورة الفرنسية إلا بعد قراءة بعدية جعلتنا نفهم جيدًا تلك الإرهاصات والدوافع السُننية؛ من ظلم كهنوتي وغياب العدالة والفقر المستشري وانعدام الحريات وغيرها، فهذه الأسباب ساهمت في خلق الحاضر الذي أنتج ثورة عام 1789م بفرنسا، وكلما أعدنا قراءة الماضي من خلال تفاعلات وتطورات الحاضر سنكتشف أن الاشتراكية كانت صورة من هذا التوالد المتكرر الذي بدأ مع الثورة الفرنسية، وربما تكون ثورات الربيع العربي تفاعلاً آخر جاء نتيجة سلسلة من الأحداث التي سبقت حالة الانفجار الثوري، وعادةً ما يكون اجتماع تلك العوامل محفزًا لكل ثورات التاريخ ، نخلص من ذلك أن الحاضر يُفهم من قراءة دقيقة للماضي وكذا المستقبل يُفهم من قراءة دقيقة للحاضر.

فإذا كان الحاضر ضروريًا لمعرفة المستقبل فإن المستقبل ضروري أيضًا لمعرفة الحاضر، لأننا إذا اعتمدنا على القراءة الاسترجاعية وانتقلنا إلى المستقبل، فإنه سيصبح حاضرًا والحاضر سيصبح ماضيًا، وعلى حسب السيناريوهات المتوقعة سيظهر أمامنا لاعبون جدد وأبطال على وشك الانتهاء وصيرورات مختلفة قد تتحكم في العالم القادم، هذه الحركة نحو التغيير عادة ما نختزلها في سبب أو أثنين بينما طبيعة التغيير الواقع أو المتوقع محمّل بعلل مركبة ومتناقضة أحيانًا، فهناك إبداعات ذكية وكذا انحرافات خطيرة، واتجاهات تقابلها اتجاهات مضادة، وأزمات وانقلابات، ووسائل أصبحت غايات والعكس، كل تلك العلل تبحث عن أحداث تنتجها في الواقع، وربما لا يعلم أحد الشكل النهائي الذي يمكن أن تنتجه تلك العوامل إذا اجتمعت، ولعل صورة مقطعية لمجتمعاتنا اليوم تجعلنا نشاهد من خلالها للوهلة الأولى، شبابا بأعداد غفيرة، وطموحات محبوسة، واتصالات متوافرة، وطبائع متمردة، وتنافسا استهلاكيا، وعالما شبكيا يُدار بخفة ونعومة وهيمنة، فهذه العلل والأدوات قد تنتج تفاعلا مذهلا وسريعا لا ينتبه له الغافلون.

ولا يخفى أن العالم بعد الحرب الروسية الأوكرانية أظهر شكلا مخبئا من الصراع العالمي، والمراغمات الطويلة الأمد للاستحواذ على الموارد والتحكم بالمصالح العالمية، ومحاولات الهيمنة بشكل ناعم على كل التحديات التي تهدد سيطرة الغرب، وهذا المعطى يجعلنا في المجتمعات الخليجية نقدر بشكل عميق خطورة الموقف وضرر الاستعجال في إبداء الرأي في الأحداث دون نظر ودراسة وافية.

واليوم تظهر قضايا رئيسة تتشكل حولها التحالفات وتتعاظم فيها التحديات، ويمكن أن أبرز أهمها في خمسة مجالات رئيسة، هي: الموارد الطبيعية وعلى رأسها (الطاقة)، والشباب، والتقنية، والدين، والعلم، وقد يستغرب القارئ دخول العلم في سياقات الهيمنة رغم طبيعته الموضوعية التي لا تقبل الخضوع؛ بيد أن إدغار موران يزيل هذا اللبس بقوله:" لا تنتج تطورات العلوم التفسير فحسب؛ بل تنتج أيضًا العمى!".

فهذه العوامل الخمسة قادرة أن تحدث التغيير وامتلاكها يمنح الاستقلال، ولعل أكثر ما يثير المخاوف منها؛ أنها قابلة للتشكل لكل الأذواق والمشارب، فبعضها يمنح المتعة والاختناق، وبعضها يثري الروح بإفساد العقل، وبعضها يحقق الرفاهية بوضع القيود على الأيدي والرقاب، فهي أدواتٌ استعمارية مختلفة لا تحتاج إلى عسكر أو سلاح؛ بل تمتد بنعومة في مراكز البحث ودور العبادة و الأسواق الكبرى وملاهي المتعة في الأرض كلها، ولعلي في الخاتمة أن أشير إلى الاستراتيجية الوطنية التي وضعتها المملكة تحت إشراف مباشر من سمو ولي العهد السعودي وهي رؤية المملكة 2030م، والتي أظهرت بشكل جلي الخطط الواعية في بناء تلك المجالات، ومعالجة ظروفها محليًا، وقطع الطريق على كل من يريد استغلالها لإثارة التوتر، والصيد من خلالها في المياه العكرة، وهي تصلح أن تكون خطوات إرشادية لدول الخليج في سيرها نحو المستقبل وتحدياته وأحلامه.

مقالات لنفس الكاتب