array(1) { [0]=> object(stdClass)#11826 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 173

4 موجات للبيوتات السياسية في الخليج وتتميز الرابعة بالنضج والوطنية

الإثنين، 25 نيسان/أبريل 2022

يمكن أن تكتب سيرة الخليج العربي التاريخية من خلال البيوتات السياسية، والتعرف على تحولات منظومة القيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أنتجها البحر، وصنعتها الصحراء، وانعكست على هوية الشعوب الخليجية، ومنحتها إرثًا تاريخيًا جديرًا بالتأمل، فالهوية المشتركة والشعور بالمصير المشترك، جنبت الخليج أزمة الهويات، ومنحته التماسك في الأزمات والمحن التي يتعرض لها، وجعلت منه لاعبًا رئيسًا في توازن القوى العالمية، وشريكًا اقتصاديًّا لا غنى عنه، وراعيًا حاضنًا لكثير من الدول والشعوب التي تتعرض لأزمات وكوارث.

ويعنى هذا البحث بالسيرة الذاتية للخليج العربي والبيوتات السياسية التي نشأت على ضفافه، والقيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي استلهمتها الشعوب من ثقافة البحر والصحراء. ويمكن كتابة السيرة الذاتية للبحار والخلجان كما تكتب السير الذاتية للشخصيات التاريخية؛ وذلك لأنها تحمل معها سمات الكائن الحي، إذ إن ثقافة البحر والصحراء رسخت في الشعوب قيم العمل الجاد والتسامح وتقبل الآخرين واستيعابهم والمغامرات في الغوص والتصدي للقرصنة ومقاومة الاحتلال المتكرر، وعزَّز فيهم قيم النقاء والأخلاق الإيثارية وصفاء السلوك وتغليب حسن الظن والشعور بالآخرين، وقيم التأني والصبر الذي يصاحب عادة هوايات ومهن الصيد، إضافة إلى القيم الناتجة عن الاحتكاك المباشر عبر آلاف السنين مع الشعوب الأخرى والتبادل التجاري مثل: قيم تقبل الآخر والتسامح والتعايش. وبالتالي لا يمكن تجريد الخليج من تاريخ موغل في القدم وتراكم خبرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في حقبة قصيرة وحديثة، وهي حقبة ما بعد النفط والغاز، ثم اختزال قيم الثراء على الخليج وتغييب أدواره الإنسانية على المستويين الرسمي الذي احتوى كثير من شعوب العالم التي تعرضت لحروب ونكبات وأزمات، بسبب بعض المظهريات الشكلانية التي يمارسها بعض أبناء الخليج في الخارج.

سوف تركز هذه الورقة على ثلاثة محاور هي: ظاهرة البيوتات السياسية في الخليج، وهو المحور الأطول والأهم، بوصفه المدخل الرئيس لفهم المجتمع الخليجي، والثقافة المشتركة بين البحر والصحراء، وقيم ما قبل النفط وما بعده.

أولًا: الهابيتوس وظاهرة البيوتات الحاكمة

تتميز شعوب الخليج العربي بنظام استعدادات نفسي واجتماعي يسير بقوة التاريخ، ويخضع لعوامل الوعي واللاوعي التاريخي التي تلقي بظلالها على البيئة دون إدراك تام بتأثيرها عليهم. وعلى الرغم من كثرة البيوتات الحاكمة وسقوطها على مدى أكثر من ألف عام في حيز جغرافي صغير، إلا أنها حملت معها بذور استقرار الفكرة، ولذلك فإن سقوط البيوت الحاكمة تعني صعود بيوت حاكمة جديدة بالقانون الاجتماعي والسياسي ذاته، وقد اكتسب بذلك تراكم خبرات تاريخية أسست لرسوخ ثقافة البيوت السياسية الحاكمة في الخليج، وقد تشكلت في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، واستمرت في إعادة التشكل والتغير دون تغير في القانون الاجتماعي الذي يحكمها حتى الآن.

وتؤكد ظاهرة البيوتات السياسية في الخليج أنها مكون رئيس من الهوية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومدخل مهم لفهم المكونات المشتركة بين دوله، وسيرة ذاتية مشتركة حتى وإن تعرضت لأزمات خارجية وداخلية مؤقتة، فإنها تمتلك الخبرات لتجاوزها، إلا أن طغيان الصورة الذهنية للقشرة الخارجية لجوهر الخليج العربي قد أخفى الهوية المشتركة على عوام الشعوب وعوام المؤرخين.

وقد تعرض الخليج العربي في تاريخه الحديث لعمليات وصم تسبق الحرب عليه إما عسكريًّا أو إعلاميًّا، وقد كانت أول وصمة هي اتهام الشعوب الخليجية بالقرصنة في الخليج، واستخدمتها بريطانيا تمهيدًا لعمليات الاستعمار، وحاول الكاتب الفرنسي جان جاك بيربي أن يؤصل وصم جذور القرصنة في الخليج، ويرجعها إلى القرن الميلادي الأول واصفًا إياها بأنها عادة مترسخة عبر العصور. ويعد كتاب "خرافة القرصنة في الخليج العربي" (1987م) للشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة من الردود الحاسمة على هذه الخرافة.

وبعد اكتشاف النفط وتدفق الثراء، بدأت الوصمة الثانية بالظهور، والتي ترسخ فكرة البداوة والتخلف على الخليج، وقد كانت هذه الثانية، وأسهم فيها قوة الحضور الإعلامي والثقافي في بعض البلدان العربية، وعزَّزها أكثر بعض الممارسات الخاطئة لبعض الأثرياء الخليجيين الذين يقدمون ذواتهم بالاستهلاك المظهري. وقد بدأت هذه الوصمة تتبدد مع وضوح الصورة كاملة عن المجتمع الخليجي مع انتشار تطبيقات التواصل، والوعي الخليجي بالإعلام والثقافة كقوة ناعمة، وصعود دول الخليج العربي بوصفها لاعبًا رئيسًا في الأحداث العالمية، مما أنتج معه مكاسب كبيرة للمجتمع الخليجي، وبدد أوهام الصورة الذهنية الشعبية.

ويمكن فهم هذا الحراك وفقًا لمفهوم الهابيتوس Habitus، الذي صاغه بيير بورديو، سواء هابيتوس الجماعات، وهي الأسر الحاكمة أو هابيتوس الأشخاص داخل الجماعات.

برزت أربع موجات من البيوتات العربية التي حكمت على ضفاف الخليج، كانت الموجة الأولى متمركزة حول أطراف الخلافة العباسية في بغداد بعد ضعفها، والموجة الثانية بدأت في القرن السادس عشر الميلادي مع ظهور فكرة الجيوبولتيك أو الجغرافيا السياسية، ورأت فيها القوى العالمية أن مصالحها الاقتصادية والسياسية العليا ليست داخل أراضيها فقط، بل تمتد إلى منطقة الخليج، والموجة الثالثة ظهور فكرة الحكم الذاتي المستقل عن الدولة العثمانية وعن الاستعمار البريطاني وتوحيد السياسات في مجلس مشترك والتي استمرت حتى الآن، والموجة الرابعة ظهور جيل من السياسات تراعي مصالح الدولة، وتتبع سياسات تنموية لا تعتمد على النفط، وتنقل ثقلها وأهميتها في التأثير الدولي.

الموجة الأولى من الدويلات في العصر العباسي

برز القرامطة (286 تقريبًا-366هـ)، في البحرين والأحساء والقطيف وما يتبعهم، على يد أبي سعيد الجنابي، وجاء بعده ابنه أبو طاهر الجنابي (توفي عام 331هـ/ 942م). وقد سقطت دولة القرامطة لعملهم السياسي العنيف المنافي للمزاج العام الشعبي الذي يميل إلى الاستقرار.

وشهد القرن الثالث الهجري أيضًا مشاركة التجربة السياسية للبيوتات التي شكلت الدويلات العربية، ومن أبرزها: الدولة الحمدانية (293-394هـ/ 905-1004م). وهي من قبيلة تغلب، وتمثل بداية صعود القبائل العربية في المنطقة لتولي أدوار سياسية منافسة للدويلات التركية التي تزامن ظهورها معها، وقد ألهمت التجربة الحمدانية عددًا من القبائل العربية المستعدة نفسيًّا على الدخول في العمل السياسي والتحول من نظام القبيلة إلى الدولة.

وبرزت الدولة المزيدية (350-545هـ/ 961-1150م)، وهي أسرة من قبيلة بدوية عربية من بني أسد، وتأسس حكمهم في بلدتي هيت والكوفة بالعراق وما جاورهما، على يد سناء الدولة علي الأول بن مزيد، وقد اشتهر المزيديون بحنكتهم السياسية، وقد خاضوا صراعات متعددة الاتجاهات، حيث نافسهم من الدويلات العربية، بنو عقيل، حكام الموصل والجزيرة، وكذلك السلاجقة الأتراك، الذين حكموا جزءًا من العراق. وقد ألهمت التجربة المزيدية القوية قبيلة بني عقيل النجدية الأصل، والعراقية الموطن، لبناء دولتهم المجاورة للمزيديين.

الدولة العيونية (467-636هـ/ 1074-1238م)، وينتسب العيونيون إلى قبيلة عبد القيس الربعية المعروفة بالأحساء، وكانوا يعرفون بآل إبراهيم، نسبة إلى جدهم، وسموا العيونيين نسبة إلى واحة العيون، وتشتهر الأحساء بكثرة العيون فيها منذ القدم. وتأسست الدولة العيونية في البحرين، وحكمت قرابة مئتي سنة، بين عامي (467-636هـ/ 1074-1238م)، وقد قامت دولتهم على يد عبد الله بن علي العيوني بعد نجاحه في إنهاء آخر ما تبقى من حكم القرامطة في الأحساء.

الدولة العصفورية (650هـ تقريبًا-840هـ/ 1436م)، يرجع بنو عصفور إلى بني عقيل بن عامر، وكانت بنو عامر بعد سقوط الدولة الأخيضرية تتسيد بوادي شرق جزيرة العرب بلا منازع، وقد دخل العصفوريون المجال السياسي في زمن زعيم بني عامر وشيخها عصفور بن راشد بن عميرة، الذي اتفق مع أعيان الأحساء على أن يحاصر بلدهم، ويقنعوا أميرها التابع للعيونيين بتسليم المدينة لبني عامر؛ فسلمت له، وبذلك تأسست الدولة العصفورية في الأحساء، ثم ملكت بلاد البحرين كافة. وقد توسعت الدولة العصفورية شرق جزيرة العرب لتشمل منطقة البحرين.

الدولة الجبرية (820-931هـ/ 1417-1525م)، تولت الدولة الجبرية الحكم في مدينة الأحساء، ويشمل نفوذها البحرين، والأحساء، والقطيف، ونجد، وأجزاء من عمان، وقد تعرضت في آخر عهدها للغزو البرتغالي للمنطقة، مما جعلها في مواجهة عسكرية دائمة معها. وأصل هذه الدولة من نجد، ويرجعون في نسبهم إلى قبيلة بني خالد، وامتد حكمهم قرنًا ونصف القرن تقريبًا. ثم نشأ بعدهم دولة آل حميد (1080-1211هـ/ 1669-1796م)، وقد أسسها الأمير براك بن غرير آل حميد، من بني خالد، في المبرز بالأحساء، وقد انتهت إمارتهم على يد الدولة السعودية الأولى.

ولكل إمارة من هذه الإمارات تجاربها الخاصة بها، وخبراتها في الاحتكاك السياسي، ولكن عند البحث في القوانين الاجتماعية التي أنهت الموجة الأولى من البيوتات الخليجية الحاكمة نجد أنها تكاد تنحصر في أربعة أسباب رئيسة، هي:

- الأول وجود بيوتات حاكمة تتوسع للاستحواذ على البلدان المجاورة لها وإسقاط بيوتات الإمارة المحلية فيها، دون أن يكون لديها القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تمكنها من السيطرة وحسن إدارة الدولة الجديدة، فيرهقها التوسع ثم يسقطها.

- والثاني وجود بيوت إمارة تعود لثقافة قبلية بدوية، مما يركز قوتها في الجانب العسكري الذي يمكنها من التوسع ولكن دون إدارة سياسية وتنموية، وهذه يمكن عدها إمارات متصلبة، وتصلبها يسهم في سقوطها.

- والثالث عدم وجود عصبية دينية أو قبلية واسعة تدعم استقرار البيوتات الحاكمة، وتسهم في نشر عقيدتها السياسية أو الدينية.

- والرابع وجود منافسات محلية ضعيفة، والخصم الضعيف يتسبب أحيانًا في إضعاف القوي ويسقطه، وذلك بإشغاله المستمر والتسبب في خفض استعداداته الأمنية.

الموجة الثانية: البعد الدولي للخليج

بعد أن انتهت الموجة الأولى من تجربة تشكيل البيوتات السياسية الخليجية في العصر الإسلامي، ظهر شكل جديد من الهيمنة على الشعوب الخليجية منذ العصر الوسيط حتى الحديث، وقد بدأت مع الغزو البرتغالي عام 1500م، الذي رأى في مياه الخليج مصدرًا للهيمنة على المحيط، وقد عُدَّ أهم حدث سياسي واقتصادي تعرضت له شعوب الخليج العربي في العصر الوسيط؛ مما أوجد فرصة لتوحيد المصير المشترك الشعبي، وفتح المجال لإظهار أهمية وجود زعامات محلية قوية، ومنح الأهالي ثقافة عالمية جديدة حول شعورهم بالأهمية الاقتصادية لوجودهم في الخليج، حيث ظهر مفهوم المقاومة الشعبية في البحرين بعد قرن من العزو، وانتهى بطرد البرتغاليين من الخليج على يد اليعاربة عام 1624م.

جاء بعدهم العثمانيون، حيث بدأ وجودهم في الخليج باحتلال البصرة عام 1545م، واستمر وجودهم في الخليج ثلاثة قرون، ثم حل محلهم الاستعمار الإنجليزي حتى عصر الاستقلال في سبعينيات القرن العشرين. وقد أفرزت التجربة الخليجية الثانية موجة جديدة من البيوتات الخليجية.

ويعد وجود خصم خارجي وقوي من المتغيرات السياسية الجديدة التي غيرت قواعد اللعبة؛ وذلك لأن الخصم القوي سوف يمتلك خبرات وأساليب تعامل تطور بيوتات الحكم المحلية، وتنضج تجربتها، وتفتح لها آفاقًا دولية في رؤية العالم.

أما أبرز البيوتات العربية التي أسست إمارات على ضفة الخليج الشرقية، فقد كانت هي البوابة العربية الأولى أمام بلاد فارس، وهي: إمارة المشعشعين (840-1142هـ/ 1436-1729م). وتعد أقدم إمارة عربية، واستمرت أربعة قرون، وقد تأسست في الحويزة وعربستان وتسكنها قبائل عربية، إما مستقرة أو مهاجرة إليها من منطقة نجد، وقد كانت من أخصب مناطق الجذب الاقتصادي والزراعي. وسقطت الإمارة المشعشعية على يد بني كعب الذين أسسوا الإمارة الكعبية. ومملكة هرمز، وهي من أسرة عربية إلا أنها اهتمت بالثراء والتجارة مع الضعف العسكري، مما تسبب في سقوطها على يد الصفويين. ونشأت إمارة آل شبيب (1525-1553م). وقد دخلت الدولة العثمانية صانعًا أساسيًّا بعد احتلالها بغداد عام 948هـ/1541م، ولم تسقط منظومة البيوتات العربية الحاكمة في عربستان إلا بعد الاستعمار البريطاني. وقد كان الشريط الشرقي للخليج يمثل قبل الاستعمار إمارات عربية متجانسة مع منظومة الإمارات العربية على ساحل الخليج بضفتيه.

الموجة الثالثة: الوحدة المشتركة

أول تحالف سياسي واجتماعي وفق الأعراف القبلية كان تحالف العتوب، ومن المتعارف عليه تاريخيًّا وشعبيًّا أن اسم العتوب، عبارة عن حلف قبلي يضم مجموعة أسر وجماعات من قبائل مختلفة، هاجرت من موطنها الأصلي الهدار في جنوب نجد، واستقرت في الخليج، ومن أبرز الأسر العتبية التي أسست إمارات على ساحل الخليج، وتحولت إلى دول: آل صباح أمراء الكويت، وهم من قبيلة عنزة، ومؤسس دولتهم الشيخ صباح بن جابر عام 1752م، وآل خليفة، أمراء البحرين، ومؤسسها الشيخ محمد بن خليفة عام 1765م إضافة إلى الجلاهمة.

يحدد بعض الباحثين تاريخ هجرة العتوب بعام 1090هـ/1680م، تقريبًا، وكانت محطة استقرارهم الأولى في قطر، وهناك اندمجوا مع البيئة الجديدة، وتعلموا أسرار ركوب البحر، والنقل البحري، والغوص، وعرفوا مصائد اللؤلؤ، ثم هاجروا إلى البصرة بعد ثلاثين سنة من الخبرات والدخول في صراعات مع منافسيهم، ثم انتقلوا إلى الكويت، واستقروا فيها. وبرزت أسرة آل ثاني التميمية، حكام قطر على يد مؤسسها الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني عام 1825م، وقد كان بذور النشاط السياسي يعود لوالده وجده.

وأول تحالف سياسي قوي في منطقة الخليج كان يضم سبع بيوتات حاكمة متجاورة في إمارات متداخلة، وهي: إمارة أبوظبي ومشيخته في آل نهيان، وإمارة دبي ومشيخته في آل مكتوم، وإمارتي الشارقة ورأس الخيمة ومشيختهما في القواسم، وإمارة عجمان ومشيختها في آل النعيمي، وإمارة أم القيوين ومشيختها في آل المعلا، وإمارة الفجيرة ومشيختها في آل الشرقي، وقد كانت تسمى إمارات الساحل المتصالح، وكان يجمعها ظروف سياسية واقتصادية واحدة، وتواجه تحديات مشتركة، فتحالفت بجهود الشيخ زايد آل نهيان عام 1971، وشملها مسمى الإمارات العربية المتحدة.

أما دولة عمان فهي تقع على مساحة جغرافية كبيرة، وتطل على الخليج العربي وبحر العرب، ويمر بها مضيق هرمز وهي الدولة الوحيدة في الشرق التي تربط الخليج باليمن في الجنوب، وقد حكمها في العصر الوسيط الأسرة النبهاني لمدة أربعة قرون (1154-1624م)، ثم جاء بعدهم حكم أسرة اليعاربة (1624-1741م)، ثم تأسست الدولة البوسعيدية (1744-حتى الآن) على يد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي.

أما الدولة السعودية (1139هـ/ 1727م)، فقد بدأت علاقتها بالخليج ومشيختها وسلطنة عمان منذ الدولة السعودية الأولى، وتطل السعودية على أطول شريط ساحلي على الخليج العربي من الشرق يصل إلى ألف كيلو متر.

وقد توجت التجارب الخليجية الجديدة بتأسيس مجلس للتعاون الخليجي المشترك عام 1401هـ/ 1980، بوصفها منظمة إقليمية سياسية واقتصادية وأمنية، بعد أن أكدت تجارب التاريخ وحدة المصير السياسي والاقتصادي والثقافي.

من أبرز أسباب استقرار البيوتات الحاكمة الخليجية المعاصرة هو الشعور المبكر بالمصير المشترك، وأن العمل السياسي المنفرد سبب لسقوط من قبلهم، وقد بدأت الصلات بين هذه البيوتات منذ نشأتها، مما أسهم في استقرار الهوية السياسية والاقتصادية لأكثر من قرنين تقريبًا، التي توجت بتشكيل مجلس التعاون الخليجي.

الموجة الرابعة: المصالح العليا

بعد أحداث ثورات الشعوب العربية عام 2011م، بدأت تصعد بعض دول الخليج لملء الفراغ السياسي الكبير الذي ألحق ببعض الدول العربية، وتقود السعودية والإمارات دورًا محوريًّا في تحول دور دول الخليج من الحماية إلى الفاعلية، ومن الموالاة الدولية إلى المصالح الوطنية، وقد أكدت الأحداث العالمية المتتابعة على إصرار دول الخليج على تغليب مصالحها العليا.

كما اتبعت بعض دول الخليج العربي أساليب تنموية جديدة لا تعتمد على النفط والغاز، بل تعتمد على الإنتاجية وريادة الأعمال التي تمنح الاقتصاد دورة متكاملة لمصالح الدولة والشعوب، حيث أعلنت كل دولة رؤيتها التنموية، وهي مرتبطة إما بعشر سنوات أو بعشرين سنة.

ثانيًا: الثقافة المشتركة بين البحر والصحراء

من أبرز سمات مجتمع الخليج العربي أنه خزان بشري ضخم استطاع عبر آلاف السنين أن يستوعب هجرات الأهالي إلى بلاد فارس والبلدان العربية في المشرق والمغرب، وأن يستقبل هجرات كبيرة، ولم تتوقف الهجرات والهجرات العكسية واستقبال العناصر العربية والمستعربة وغير العربية حتى الآن، ومع ضخامة الهجرات بقي الخليج محافظًا على هوية البر والبحر، واستطاع أن يدمج السكان في هوية واحدة، ويمكن التمييز بين جميع السكان بالهوية القبلية التي تعد العلامة البارزة في المجتمع الخليجي، سواء كانوا من الحاضرة أو البادية.

يعد بحر الخليج أهم مصدر لإحداث الوظائف والمهن الكثيرة ومصادر الدخل لوجود موانئ قديمة على ضفافه وإنتاج خبراء في النقل البحري والأدلاء وحماة السفن والغواصين والصيادين وصناعة السفن وصيانتها وما يرتبط بها من عدد وأدوات مستوردة، وبالتالي الانفتاح على الأسواق الدولية، والسماح بانتقال الأفكار بين الشعوب.

منح بحر الخليج فرصة كبيرة للأهالي للتمايز في المكانة الاجتماعية بتجارة اللؤلؤ، والتمايز في المهارات الذاتية في القدرات على الغوص العميق والمدد الأطول، أو في معرفة حركة الرياح في البحر، ومعرفة مصائد اللؤلؤ والأسماك ومواسمها.

وارتبط بحر الخليج بالأهالي أكثر عندما وجد الشعراء في البحر منجمًا للإنتاج الأدبي واستعارة سلوك البحر وتقلباته وإسقاطها على سلوك الإنسان، كما أنتج الأهالي العشرات من الأمثال الشعبية المستوحاة من البحر، والكثير من القصص والأساطير التي يتداولها الرواة عن مغامرات البحر.

كانت تموجات البحر تنطوي على فكرة ألهمت تطور الفن، حيث نجد أن فن المالد الصوفي وفن السامري وغيرها من الفنون الشعبية والفلكلور الخليجي تتضمن حركة يدين مع الكتفين تؤدى جلوسًا وكأنها مستوحاة من رمي الصياد لشبكة الصيد في البحر ثم سحبها. ونجد أن تصميم بعض الأزياء النسائية مستوحى أيضًا من تموج البحر، كما أثرت العمارة الطينية ثم العمارة الجصية حتى العمارة الحداثية في تصاميمها بأشكال رمزية من تموج البحر.

وقد كانت منطقة نجد أهم مصدر للهجرات البشرية للخليج، بحكم كثافة القبائل فيها

 وكثرة تعرضها لمواسم الجفاف، كما كان الخليج ملجأ لأهالي منطقة نجد في مواسم القحط التي تصيب بلادهم، وفي المثل الشعبي "الحسا حساك إذا جاعوا نساك"، وما يزال يستقر في الخليج مئات من الأسر ذات الأصول النجدية من التي نزحت قبل عصر النفط.

وأسس الخليج لثقافة المطبخ الخليجي الذي يتقن تفاصيل أنواع الأسماك، وقد نشأت علاقة حميمية بين أنواع محددة من الأسماك وتقبل الأهالي لها، مثل سمك الهامور الذي يعد الأكثر شعبية، وسمك الزبيدي الذي يحظى بشعبية أكثر في المطبخ الكويتي. وانتشرت ثقافة النزهة على الشواطئ التي تتضمن الصيد والشواء في الهواء الطلق، وأنتج الخليج فرص التقارب مع المطبخ الهندي وخاصة في رسوخ الأرز والتوابل والبهارات في المطبخ الخليجي، وكانت أول تحولات غذائية في الخليج من مطاعم الأكل السريع "تيك أوي" جاءت من الكرك والجباتي الهندية، قبل أن تهيمن على الأجيال الجديدة الوجبات السريعة الأمريكية.

وفي المقابل أنتج البحر ندوبًا وكوارث الغرق وهيجان البحر التي تسمى "الطبعة"، أثرت على الشعوب، وأنتجت فيهم قيم الحذر والتعرف على المناخ، ويلحظ أن كثيرًا من المنتج الشعري الشعبي في الخليج يربط بين البحر والغدر، وهو انعكاس في اللاوعي الذي ترسخ في الذاكرة الشعبية.

أما ثقافة الصحراء المشتركة فقد ارتبطت بسياحة الشتاء المتمثلة في الكشتات والرحلات البرية التي قد تكون نصف يوم أو تمتد إلى أربعة شهور، وارتبطت بمواسم هجرة الطيور وانتشار أنواع الحيوانات البرية، مما زاد من ازدهار رياضة القنص، وقبل عصر الصيد بالسيارات والبنادق. وقد كانت الرحلات البرية تجذب جميع طبقات المجتمع وأسرهم، أما المقناص فقد كانت جاذبة للأمراء وللشباب بصفة خاصة، لاعتمادها على الحركة الدائمة والتنقل المستمر وضرورة فقدان الإحساس بالزمان والمكان.

وأسهمت الصحراء في تشجيع مهنة الرعي والتشجير، ونمو البيئة المتكاملة، ولكن ازدهار رياضة تربية الإبل واستخدامها في مسابقات المزاين وسباق الهجن، عزز من الرجوع إلى التراث الخليجي الأصيل، إلا أنه من زاوية أخرى تسبب في زيادة أعدادها، ونشأت ظاهرة الرعي الجائر.

ورجع أهل الخليج إلى عادة "شبة الضو"، وهي من العادات المعروفة قديمًا، حيث يشعل الأصدقاء النار في ليالي الشتاء في الصحراء، باستخدام أنواع جيدة من أشجار المنطقة، مثل شجر السمر والأرطى والرمث، فهي ذات جودة عالية في إبقاء النار مشتعلة لأطول وقت، ورائحتها زكية، وانتقلت هذه العادة رمزيًّا في تصميم مجالس المنازل، حيث يوضع في أحد زواياها منطقة لشب النار وإصلاح القهوة.

ثالثًا: قيم ما قبل النفط وما بعده

اعتادت المجتمعات التقليدية، ومنها شعوب الخليج، أن تمارس الضبط الاجتماعي التشاركي والتنشئة الاجتماعية التشاركية أيضًا، وهذا يعني تراضي أبناء البلد والأسر على منح صلاحيات كبيرة للمؤسسات الاجتماعية غير الرسمية مثل: القبيلة والقرية والحي والمسجد، مهمة حماية الأخلاق والقيم والعادات، وكانت بعض العقوبات على الأشخاص توقع على السمعة، حيث كان الإنسان يعيش حياته بسمعته، ولذلك يحرص على سلامتها من النقد لأنها تؤثر على علاقاته وتعاملاته وتمتد إلى أسرته وقبيلته.

أسهمت مهن الغوص والفلاحة والرعي التي يقوم بها أهالي المنطقة ويربون أبناءهم عليها في سيادة قيم احترام الوقت وتقدير المال والإنجاز والعمل الشاق والإيثار وتحمل المسؤوليات والإحساس بالآخرين والتعاون وتقبل الآخرين والتسامح والقناعة والتعفف وتقبل الميسور من المتاح والصدق والاعتزاز بالهوية والقيم. فهي قيم ناتجة من الذات المجتمعية ومتوارثة عبر الأجيال وراسخة في لاوعي الشعوب الخليجية، ولم يتعلمها الأهالي تلقينًا من المدارس. كما أنها قيم تنشط كلما ازداد التماسك الاجتماعي.

بعد عصر النفط انهارت كثير من الصناعات والمهن، ومن أبرزها الغوص والرعي والعمل اليدوي في البناء، وعاش المجتمع الخليجي في رخاء اقتصادي واستقرار أمني، معتمدًا على الدولة في المسكن وفي الوظائف والأعطيات، مع إتاحة الفرصة للأجيال الجديدة للتعلم داخل البلاد وخارجها، وتوسيع مجال عمل المرأة، مما تسبب في تفكك التماسك الاجتماعي ونمو الفردانية، وبالتالي سيادة قيم الأنانية والتكاسل والاعتماد على الدولة في الدخل الأساسي، واستقدام ملايين العمالة لخدمة المنازل وتربية الأبناء والطبخ والرعي والحراسة والسائقين. ويواجه المجتمع الخليجي تحولات سياسية واقتصادية جديدة تتطلب منه الوعي بالتحديات وعودة قيم الاعتماد على الذات والاستثمار في الأبناء.

يلحظ من دورة الحياة الاجتماعية والاقتصادية أنها تتخذ شكلًا دائريًّا وليس تطوريًّا، حيث بدأت بالاعتماد على الذات، ثم الاعتماد على الدولة، ثم ضرورة الاعتماد على الذات من جديد، وفي كل مرحلة تنشأ قيم ووعي مختلف عما قبله، وتنهار قيم ووعي جديد.

نتائج

تمثل الموجة الأولى من البيوتات السياسية في الخليج نواة لتأسيس تجربة سياسية استمرت لأكثر من 1100 سنة، كما تقدم، وتمثل الموجة الثانية تجربة الوعي السياسي الدولي بعد التعرض للغزو والاستعمار؛ مما غيَّر شكل التفكير السياسي والوعي بالأبعاد الدولية الجديدة، والموجة الثالثة تمثل تجربة العمل السياسي والاقتصادي المشترك، وأخيرًا تمثل الموجة الرابعة بذور نضج سياسي جديد يعتمد فيه على العمل السياسي المستقل الذي يراعي المصالح العليا للدولة والتنمية بالاعتماد على مصادر إنتاجية غير النفط والغاز والمبادرات الدولية وإدارة الملفات السياسية وفقًا للمصالح الخليجية.

- هوية منطقة الخليج كلٌّ لا يتجزأ، ولا ينبغي أن يطغى التقسيم السياسي على التقسيم الحضاري والاجتماعي والاقتصادي.

- التحول الكبير من الموالاة الدولية مع العثمانيين ثم الاستعمار البريطاني ثم الحماية الأمريكية إلى تحقيق مصالح الخليج خارج أراضيه، وأداء أدوار دولية فاعلة.

مقالات لنفس الكاتب