array(1) { [0]=> object(stdClass)#12115 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 175

ديمقراطيات الخليج بدأت من القبيلة وتقاليدها الشورية والاختيار الحر للحاكم

الثلاثاء، 28 حزيران/يونيو 2022

"أهل مكة أدرى بشعابها" يحضرني هذا القول المأثور عندما تفاجئني موسوعة "ويكبيديا" في أن هناك 47 نوعًا من الديمقراطية، أي حكم الشعب للشعب فأي من هذه الأنواع هو المناسب لنا كشعوب عربية إسلامية تواجه تحديات هائلة في عالم يتغير ويتطور ولا يتوقف قطاره عن الاندفاع.

بداية لابد من التأكيد أن التطور هو سنة الحياة، فالبشرية انتقلت من مرحلة الرعي والصيد إلى الزراعة ومن ثم الصناعة، والأخيرة بدورها حققت ثورات متسارعة وصولاً إلى الثورة الصناعية الرابعة التي نعيشها اليوم، وهذا التطور في مراحله المختلفة ووجوهه المتعددة يكاد يلخصه عنوان واحد وهو الصراع من أجل البقاء وهذا الصراع يعتمد على جناحين: الثروة البشرية والمصادر الطبيعية. وفي الحالتين فإن نظام الحكم يبقى هو العامل الحاسم في تقرير مصير الشعوب: حياتها أو موتها، ازدهارها أو اندثارها.

إن أنظمة الحكم وفق التعبير الشائع حاليًا تنتظم في مجموعتين: أنظمة ديمقراطية ليبرالية وأنظمة شمولية مستبدة (توتاليتارية). الأولى تستمد شرعيتها من مؤسسات دستورية ومجالس منتخبة من قبل الشعب والثانية تفرض شرعيتها بالقوة عبر مؤسسات أمنية وعسكرية تعتمد القمع ماديًا ونفسيًا.

فأين تقع دول الخليج وبالذات دولة الإمارات العربية المتحدة بين هذين القطبين؟

من الثابت أن دول الخليج اختارت الحكم الديمقراطي، وهو خيار مزروع بالألغام لأن نماذج الحكم الديمقراطي ليست ثابتة بل متحولة، فالشعب الألماني مثلاً اختار هتلر، والشعب الإيطالي اختار موسوليني وكلا الرجلين قادا شعبيهما إلى الدمار الشامل تحت راية الديمقراطية، أي الانتخاب  أو الاستفتاء وهو ما أدخل عبارة "الأغلبية الضالة " في القاموس السياسي، بينما يرى كثيرون في عصرنا الحاضر أن انتخاب الرئيس الجمهوري دونالد ترامب  أدى إلى استقطاب الشعب الأمريكي في محورين متعادين وأيقظ نزاعات عنصرية في بلاد عنوانها الرئيسي هو "البوتقة" أو "المصهر" أي إذابة الفوارق بين الأعراق ليصبح الشعب متجانسًا.

إذن الديمقراطية وفق النموذج الغربي المتعارف عليه ليست مضمونة النتائج. وأعود لأطرح السؤال: أي نظام اختارته شعوب الخليج؟

نلقي نظرة سريعة على أول نظام ديمقراطي في الخليج بدأ في عام 1963 م، بقيادة المغفور له عبد الله السالم الصباح في الكويت وكانت إحدى محطاته البارزة في عام 1981م، حيث دخل مجلس الأمة 27 نائبًا من ممثلي القبائل أي أكثر من نصف عدد النواب المنتخبين في الاقتراع العام. وهذا مؤشر أساسي يكشف أن القبيلة عبر ما يسمى الانتخابات الفرعية هي العامل الأساسي عدديا في المجتمع الكويتي. نتوقف عند هذه المحطة البالغة الأهمية كي نشير إلى أن ديمقراطيات الخليج وأنظمة الحكم فيه بدأت من القبيلة التي تعتمد في تقاليدها على الشورى والإجماع والاختيار الحر للحاكم ومنها تفرعت خطوات تطورها نحو نظام حكم يستمد شرعيته من القول الجميل "أهل مكة أدرى بشعابها".

 إنه من المتعارف عليه أن أبرز المؤشرات التي تقاس عليها فاعلية النظم السياسية وتطورها هو اعتماد مبدأ فصل السلطات مع قيام مجالس تشريعية منتخبة، تعكس القدرة على المشاركة الشعبية في تشريع القوانين، ومراقبة المال العام ومدى استجابة السلطة التنفيذية لقراراتها أي تمثيل المواطنين وما يرونه مناسبًا لتيسير شؤون حياتهم.

ضمن هذا الإطار انطلقت تجربة دولة الإمارات من خلال المجلس الوطني الاتحادي الذي اتبع "منهجًا محدد المراحل والأهداف " ومر بمراحل تطور مختلفة، اتساقًا مع مسار التطور الذي تشهده الدولة في مختلف المجالات، فجاءت التجربة النيابية لتعبر عن “خصوصية الإمارات الثقافية والحضارية والمجتمعية، وتستفيد من موروث من الخبرة الحضارية المتراكمة على مدار سنوات التجربة الاتحادية التي وضعت بذور التشاور والحوار واتخذت منه منهجاً للتواصل والنقاش".

تاريخ ومسيرة المجلس الوطني الاتحادي

المجلس الوطني الاتحادي هو السلطة الاتحادية الرابعة من حيث الترتيب في سلم السلطات الاتحادية الخمس حسب دستور الإمارات ويأتي بعد كل من المجلس الأعلى للاتحاد، رئيس الاتحاد ونائبه، مجلس وزراء الاتحاد، ويليه القضاء الاتحادي. يتشكل المجلس الوطني الاتحادي من أربعين عضواً، يتوزعون على الإمارات السبع بحيث يخصص ثمان مقاعد لكل من أبو ظبي ودبي وستة مقاعد للشارقة ورأس الخيمة وأربعة مقاعد لكل من عجمان والفجيرة وأم القيوين. وقد بدأت مسيرة المجلس الوطني الاتحادي في 1972م، بعد سنة من تأسيس دولة الإمارات وعقد أولى جلساته بتاريخ 2/12/ 1972م، وكان حينها يتم تعيين جميع أعضائه عن طريق حاكم كل إمارة. وقد كان الحرص على عقد أولى جلسات المجلس، بعد فترة وجيزة من إعلان قيام دولة الإمارات، يؤكد على الأثر الكبير الذي كان يعول على المجلس في أن يكون أحد الدعائم الأساسية للتجربة الاتحادية الإماراتية.

ومن أجل إنضاج التجربة البرلمانية وتعزيز دور المجلس في دعم الحياة الديمقراطية والمشاركة السياسية، مرت تجربته بالعديد من التعديلات والخطوات شكلت تطورًا ملحوظًا في مسيرته واتبع خطوات تدريجية مدروسة تأخذ في الاعتبار طبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة والتطورات التي تشهدها على مختلف الصعد. وقد بدأت مدة عضوية المجلس بعامين تم تمديدها في 2006م، إلى أربعة أعوام وتمديد دور الانعقاد إلى مدة لا تقل عن سبعة أشهر. كما أن العام 2006م، شكل علامة فارقة في مسار المجلس حين أدخلت تجربة الانتخاب لنصف أعضائه.

وأُجريت حتى الآن، أربعة انتخابات خلال الأعوام: 2006، 2011، 2015، 2019م، كان أبرزها في عام 2006م، باعتبارها مرحلة أولى للتمكين السياسي فتم اعتماد آلية جديدة تقضي بانتخاب نصف أعضاء المجلس من قبل هيئات انتخابية يتم ترشيح أعضائها من قبل الحكام الذين يعينون أيضًا النصف الآخر من الأعضاء. ويقدر "الحد الأدنى لعدد أعضاء الهيئة الانتخابية في كل إمارة بثلاثمائة مضاعف عدد ممثلي الإمارة في المجلس". وقد بلغ عدد أعضاء هذه الهيئات 6 آلاف و595 مواطناً ومواطنة ترشح منهم للانتخابات في ذلك العام 456 مواطناً ومواطنة.

وقد بدأ المجلس فصله التشريعي الرابع عشر في 12 فبراير 2007م، بعد أول تجربة انتخابية خلقت تحولاً تدريجيًا في مسار العمل البرلماني في الدولة واتيحت الفرصة فيه لمشاركة مواطني الدولة من الجنسين. وقد شهدت الانتخابات فوز إحدى السيدات بأحد المقاعد العشرين التي جرى التنافس عليها فيما تم تعيين ثماني أخريات في عضوية المجلس ليصل عدد المقاعد التي شغلتها المرأة تسعة مقاعد بنسبة بلغت 3 ,22 % من مجموع المقاعد البالغ عددها 40 مقعداً.

وبهدف توسيع قاعدة المشاركة الشعبية شهدت أعمال الفصل التشريعي الخامس عشر مرحلة جديدة في مسيرة العمل الوطني بتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الانتخابات التشريعية التي أجريت في سبتمبر 2011م، لاختيار نصف أعضاء المجلس، حيث شهدت نقلة في زيادة عدد أعضاء الهيئة الانتخابية ليصبح 300 ضعف عدد المقاعد المخصصة لكل إمارة في المجلس كحد أدنى بعد أن كان هذا العدد 100 ضعف في أول تجربة انتخابية عام 2006م. وتمت زيادة عدد أفراد الهيئة الانتخابية لتصل إلى ما يزيد على (129) ألف ناخب مما "سجل خطوة متقدمة للدور التمثيلي والنيابي للمجلس الوطني". وتؤكد مسيرة التمكين في مرحلتها الثانية الإيمان بدور المرأة الإماراتية حيث تم تعيين ست عضوات وذلك بعد فوز امرأة واحدة بالانتخاب فضلاً عن حصولها على منصب النائب الأول لرئيس المجلس.

وبهدف مأسسة نظام العمل البرلماني وتفعيل دور المجلس الوطني ليقوم بمهامه الداخلية والخارجية على الوجه الأكمل، تم في العام 2006م، استحداث وزارة تختص بشؤون المجلس الوطني الاتحادي، تكون مسؤولة عن إدارة عملية التحول إلى الانتخابات وتم تحديد أطر وملامح وآليات العملية الانتخابية وتم تحديد طريقة اختيار ممثلي الإمارات في المجلس وذلك بتشكيل اللجنة الوطنية للانتخابات برئاسة وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني، والتي تختص بممارسة كافة الصلاحيات اللازمة للإشراف على سير العملية الانتخابية بكل جوانبها.

إن تجربة الإمارات البرلمانية سارت وفق خطط مدروسة ومعايير واضحة ومعارف متراكمة تستقى من التجارب الانتخابية الماضية يتم بموجبها التعديل والتطوير من أجل الارتقاء بالأسلوب المتبع وتبني الأطر الأكثر ملائمة التي تعتمد الانتقال التدريجي فقد تم تعديل الهيكل التنظيمي لوزارة المجلس الوطني من خلال تأسيس إدارة متخصصة في إدارة الشؤون الانتخابية، وليتحول العمل الانتخابي في الدولة إلى النظام المؤسسي، بدلاً من اعتباره "عملاً موسمياً" ينشط فقط خلال فترة الترشح والانتخاب.

وفي 2015م، اعتمدت اللجنة الوطنية للانتخابات قوائم الهيئات الانتخابية لانتخابات المجلس الوطني بنسبة زيادة تصل إلى 66 % مقارنة مع قوائم الهيئات الانتخابية لانتخابات العام 2011م، والتي بلغت 135,308 مواطن ومواطنة. كما أنه بهدف تطوير عملية الانتخاب واعتمادًا على التجارب السابقة، أقرت اللجنة الوطنية للانتخابات تطبيق نظام الصوت الواحد خلال انتخابات المجلس الوطني الاتحادي 2015م، لإيمانها بأهمية قيمة صوت الناخب، باعتباره العامل المؤثر في حسم نتائج الانتخابات، بحيث يختار الناخب مرشحًا واحدًا فقط من بين المرشحين المسجلين في القائمة الانتخابية لإمارته بعد أن كان يحق له قبل 2015م، اختيار نصف عدد أعضاء المجلس عن الإمارة التي ينتمي إليها، مما أدى إلى "تغيير ثقافة المرشحين بتغيير طريقة الترويج والحملات الانتخابية، ومنح الناخب قيمة ومسؤولية أكبر". ويُعتبر حضور المرأة الإماراتية في المجلس الوطني، إضافة نوعية في العمل البرلماني، ورسالة واضحة حول فعّالية دورها وأهمية مشاركتها في الفعاليات البرلمانية العالمية، ويؤكد على وجود دعائم قوية لمجتمع إماراتي منفتح ومتطور، ينسجم مع ثقافة دولته وتاريخها.

 

العنصر النسائي

تعتبر مشاركة المرأة في المجالس النيابية مؤشرًا هامًا في فاعلية النظم السياسية وعنصرًا رئيسيًا في تطورها، فهذه المشاركة تشكل دورًا أساسيًا في اكتمال تمتع المرأة بمواطنيتها وحفظ حقوقها الديمقراطية ومساواتها في الحقوق والواجبات مع أخيها الرجل. وأيضًا تعطيها هذه المشاركة كامل الحق في الاطلاع ومناقشة القوانين ذات الأهمية بالنسبة لها ليكون لها دور في إقرار هذه القوانين بالشكل الذي يتناسب مع حقوقها وحقوق أطفالها وأسرتها بشكل عام.

وبالرغم من أن دستور دولة الإمارات لم يميز بين المرأة والرجل حيث رسخ مبدأ المساواة والعدل في المادة (14) وأكدت المادة رقم (25) على أن جميع الأفراد سواء أمام القانون ولا تمييز بسبب الأصل أو الجنس أو العقيدة وغيره، وأن المجلس الوطني الاتحادي ابتدأ عمله في سنة 1972م، ولكن لا الإطار الثقافي المجتمعي ولا الوعي النسوي في تلك الفترة كان من النضج بما يسمح لممارسة مثل هذا الدور للمرأة ففي تلك المرحلة كان عمل المرأة محصورًا في مجال التعليم وفي المجال الصحي. إلا أن مستوى ممارسة الحق السياسي للمرأة تحقق مع خطاب التمكين في عام 2005م، والذي كان النقلة النوعية في هذا الجانب. فمع مرور الزمن ونضج تجربة الاتحاد والتراكم المعرفي والتعليمي الذي تحقق للمرأة بدأت الأمور تسير في مسار مختلف. فقد انطلقت دولة الإمارات في اهتمامها بقضايا المرأة ومشاركتها واسهاماتها في تنمية مجتمعها من مقولة قالها مؤسس الدولة الشيخ زايد رحمة الله عليه وهي أن "الثروة البشرية هي صانعة الثروات وأن البناء الحقيقي هو بناء الإنسان". من هنا ابتدأت خطوات التمكين السياسي للمرأة في الدولة من خلال سن السياسات والقوانين التي تدعم تواجدها على كافة الأصعدة وتنظم قدراتها وتطور إمكانياتها من خلال رفع وعيها ليكون لها صوتها الشمولي الذي تستطيع به الدفاع عن مصالحها وإحداث التغيير المناسب الذي يدعم حقوقها ويعلي من مكانتها كعنصر فاعل ومساهم في بناء مجتمعها.

في العيد الوطني الرابع والثلاثين من عام 2005م، أطلق رئيس الدولة المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان خطاب التمكين والمشاركة النسائية في العملية الانتخابية وحدد القواعد المنهجية للممارسة البرلمانية وأكد على ضرورة زيادة صلاحيات وفاعلية المجلس الوطني ليكون سلطة داعمة ومساندة للمؤسسة التنفيذية، ويرسخ قيم المشاركة ونهج الشورى، ويتطور من خلال مسار متدرج منتظم، يدعم المشاركة النسوية في العملية الانتخابية كناخبة ومرشحة وذلك اعترافًا وتقديرًا لدورها الحيوي في مسار المجتمع الديمقراطي.

وابتدأت مسيرة المرأة البرلمانية لأول مرة في الفصل التشريعي الرابع عشر، وفازت بمقعد واحد في أول تجربة انتخابية تشهدها الدولة عام 2006م، وتم تعيين ثمان أخريات لعضوية المجلس في نسبة تعد من بين الأعلى عالميا والتي وصلت إلى 22,2%. وقد لاقى انتخاب أول امرأة في عضوية المجلس الوطني الاتحادي وأول امرأة تدخل مؤسسة تشريعية بالانتخاب على مستوى دول مجلس التعاون ترحيباً وتقديراً من قبل مختلف المؤسسات المعنية الخليجية والعربية والعالمية الأمر الذي يعكس الثقة "بقدراتها ودورها ومساهماتها الفاعلة في دفع مسيرة العمل الوطني نحو آفاق أرحب وممارسة العمل التنفيذي والتشريعي بكل اقتدار".

وفي الفصل التشريعي الخامس عشر، في عام 2011م، انضمت إلى المجلس سبع عضوات، واحدة منهن فازت بالانتخابات، وحصلت المرأة على منصب النائب الأول لرئيس المجلس. وفي الفصل التشريعي السادس عشر نوفمبر 2015م، دخلت المجلس تسع عضوات إحداهن فازت بالانتخاب واختيرت أخرى لتكون وزيرة دولة لشؤون المجلس الوطني. وحصلت المرأة في هذا الفصل التشريعي على منصب رئيس المجلس في سابقة هي الأولى على مستوى العالم العربي.

وفي عام 2018م، وبهدف تعزيز التوازن بين الجنسين في الدولة، وزيادة مساهمة المرأة الإماراتية في مواقع صنع القرار تم رفع نسبة تمثيل المرأة في المجلس الوطني الاتحادي إلى 50%، اعتباراً من الدورة الانتخابية 2019م، وتعد الإمارات من بين أربع دول على مستوى العالم الأكثر تمثيلاً للنساء في البرلمان، وعزز القرار تمكين المرأة سياسياً مما جعل من التجربة البرلمانية لدولة الإمارات نموذجاً يحتذى به في التجارب البرلمانية الحديثة حول العالم. وأسفر القرار عن وجود 20 امرأة في المجلس الوطني الاتحادي، وهو نصف عدد أعضاء المجلس.

وقد شاركت عضوات المجلس من خلال الشعبة البرلمانية الإماراتية، في مختلف الفعاليات البرلمانية الخليجية والعربية والإسلامية والدولية، وقامت بدور مميز من خلال عضويتها في مختلف اللجان، التي تعد أحد الأجهزة الرئيسية في الاتحادات البرلمانية.

اختصاصات المجلس وعلاقته بالسلطة التنفيذية

تنحصر اختصاصات المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات في مناقشة مشروعات التعديلات الدستورية ومشروعات القوانين الاتحادية ومشروع الميزانية العامة للدولة ومشروعات حساباتها الختامية وإبداء الرأي في المعاهدات والاتفاقيات الدولية. ويمارس صور الرقابة السياسية من خلال طرح موضوعات عامة للمناقشة ورفع التوصيات بشأنها للحكومة، وتوجيه أسئلة لرئيس الوزراء أو للوزراء كل في اختصاصه، والفصل في الشكاوى المقدمة من المواطنين ضد جهات حكـومية اتحادية.

فقد واكب المجلس خلال مسيرته الممتدة 50 عاماً منذ تأسيسه عام 1972م، جميع التطورات التي عاشتها الإمارات في مختلف القطاعات، عبر ممارسته اختصاصاته الدستورية والتشريعية والرقابية والدبلوماسية والبرلمانية. ولعب دورا في مناقشة العديد من القضايا الوطنية التي تمس المواطنين ورفع الكثير من التوصيات بعد دراسة ومناقشة الموضوعات العامة التي تلامس حاجات المواطنين اليومية. كما عني بإقرار التشريعات وتحديثها وتطويرها من خلال مناقشتها مع ممثلي الحكومة واقتراح التعديل المطلوب من أجل مواكبة التغيرات المستجدة. وكان له دور مميز في تعزيز المشاركة السياسية لدى المواطنين وخاصة المرأة، وتمكينها من المشاركة في مسيرة التطور التي تشهدها الدولة.

وعلى الصعيد الآخر حقق المجلس ريادة على مستوى الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط، "بتحقيق عدد كبير من الإنجازات التي تستهدف تقديم أفضل أداء برلماني وفق أفضل الممارسات العالمية على الصعيدين الداخلي والخارجي".

 مزايا التجربة ومستقبلها 

تمثل تجربة المجلس الوطني الاتحادي في الإمارات نموذجاً للتطور السياسي المتدرج الذي يعبر عن موروث المجتمع الحضاري والمعرفي والثقافي. لقد استفادت دولة الإمارات من تجارب الدول الأخرى في المنطقة التي سعت إلى استنساخ تجارب خارجية دون دراسة مدى ملاءمتها أو اتساقها مع احتياجات دولها وقيمها وخصوصيتها الوطنية وشكلت تلك التجارب عائقًا جوهريًا في مسار التطور والنمو في بعضها وخلق أنظمة فاسدة وديمقراطية شكلية في غيرها. لقد مر المجلس الوطني الاتحادي بمراحل تطور مختلفة سارت وفق منهج ثابت محدد المراحل والأهداف تجسيدًا لتجربة التمكين السياسي في الدولة، واتساقًا مع حركة التنمية والتطور التي تشهدها الدولة، وتعبيرًا عن خصوصية الإمارات الثقافية والحضارية والمجتمعية. وهي تجربة كما عبر عنها صاحب السمو المغفور له الشيخ خليفة بن زايد رحمه الله بأنها تجربة "تستلهم قيم الشعب وتعبر عن بيئته وتقاليده وتنطلق من نموذج سياسي وطني يصون هويتنا ويحمي ثوابتنا يتشارك في صنعه كل أفراد المجتمع ومؤسساته ولاسيما نخبنا الوطنية". تجربة تستفيد من "موروث من الخبرة الحضارية المتراكمة على مدار سنوات التجربة الاتحادية التي وضعت بذور التشاور والحوار واتخذت منه منهجاً للتواصل والنقاش".

وهذا إنما يؤكد بوضوح أن لتجربة التنمية السياسية في الإمارات خصوصية متفردة لا تقليد فيها ولا استنساخ بحيث تتم وفقاً لاحتياجات ومعايير وطنية خالصة. وثانيها أنها تأتي ضمن مسار متدرج، وذلك، تجنباً لحدوث أية هزات مفاجئة أو تطورات غير محسوبة. وحيث تقوم رؤية الإمارات في هذا الشأن على قناعة مفادها أن التحول عندما يكون جوهرياً وهيكلياً ومرتبطاً بمصير أمة ومستقبل دولة فهو لا يحتمل التسرع أو حرق المراحل ولا بد أن يجري مثلما هي سمة الحياة مدروساً ومتدرجاً ومنسجماً مع طبيعة المجتمع وخصوصيته واتجاهاته وطموحاته للمستقبل وواقع تركيبته السكانية، وهذا هو الذي حفظ التوازن داخل الدولة منذ إنشائها وحماها من أي هزات أو توترات داخلية، وجعل كل خطواتها في مكانها الصحيح ووقتها المناسب ومحققة لأهدافها ضمن استراتيجية التنمية الشاملة.

إن تجربة التمكين السياسيّ في الإمارات، كما مسيرة التنمية، عملية متزنة ومسؤولة، ومستمرة من دون توقف، كي تواكب أهداف الدولة وطموحاتها التنموية. وبالتالي فأنه من المتوقع واستنادا على التجربة البرلمانية للمجلس الوطني أن يستمر المسار على نفس النسق فتتم زيادة عدد أعضاء الهيئات الناخبة تدريجيًا ومن ثم يزداد عدد المرشحين حتى يصل مستقبلاً إلى انتخاب العدد الإجمالي لأعضاء المجلس الوطني الاتحادي. كما من الممكن أن يتم تعديل عدد أعضاء المجلس بما يتناسب مع استحداث أكثر من وزارة جديدة في السلطة التنفيذية في سياق طموحات القيادة لتطوير نظام للحكم يؤكد دورها الريادي في تثبيت دعائم ديمقراطية تحقق الاستقرار والرفاهية والتنمية المستدامة لأبناء شعبها.

مقالات لنفس الكاتب