array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 175

الكويت أمام إشكالية عدم التوافق على وجود مجلس أمة من عدمه

الثلاثاء، 28 حزيران/يونيو 2022

 ليس هناك رأي واحد بين النخب الكويتية حول إنجاز أو إخفاق مجلس الأمة الكويتي في تحقيق ما يعتقد أنه يحقق للمجتمع من أهداف (تنمية شاملة ومتكاملة واستقرار اجتماعي وسياسي) هناك عدد من الآراء كل يحمل حجته القريبة إلى الإقناع. رأي بين  النخبة يقول إن وجود المجلس ( حتى بمثالبه) يحقق الحد الأدنى من المشاركة والرقابة وسقف معقول من الحريات العامة، و أنه قد حقق في السابق الكثير من الإيجابيات للشعب الكويتي، يرى هذا البعض أن الدستور  جزئيًا أنقذ الكويت من براثن الاحتلال العراقي عام 1990م، لأن القوى الغربية كانت تستند على حقيقة أن الكويت بلد ديمقراطي تتحقق فيه المشاركة الشعبية، ولو لا هذا الدستور وتلك المشاركة لكان وضع الكويت في وقت الاحتلال ربما أصعب، بجانب العديد من النجاحات المختلفة في الساحة الاقتصادية والاجتماعية، ويضيف لهذا الرأي أن الكويت رائدة بالفعل في هذا المجال، وخاصة النسبية المتوفرة في إبداء الرأي والرأي الآخر ، وإن شط بعضه، وأي سلبيات لا تقارن بالإيجابيات الكثيرة التي تحققت للشعب بصون ضبط حقوقه و إعلاء الحوكمة وحق التقاضي بين الكل والاطلاع على ميزانيات الدولة والرقابة الصارمة على المال العام.

رأي آخر يقول إن وجود مجلس الأمة بصيغته الحالية هو (معطل) للتنمية وأنه عقبه كبيرة أمام الإدارة التنفيذية لعدد من الأسباب أولها أنه شكل عدم استقرار سياسي طويل الأمد، فتتغير الحكومات بشكل سريع وكذلك الوزراء، مما يسبب عدم استقرار في الماكينة التنفيذية، وبسبب ضغوطه غير المعقولة من المجلس المنتخب تتغير الحكومات دون مسوغ معقول، كما أن تدخلات أعضاء المجلس التشريعي في الإدارة العامة، بل حتى فساد بعضهم في الحصول على امتيازات لبعض ناخبيهم و( مفاتيحهم) وتحقيق مصالح شخصية مباشرة لهم، أفسد التجربة بالكامل، فبعضهم اغتنى على حساب الشعب وبعضهم تدخل في النظام الإداري حتى أفسده، وعُظمت في مسيرة المجالس الانتماءات القبلية والطائفية وشد العصب الاجتماعي، كما لعب ( المال) السياسي في نتائج الكثير من الانتخابات بشكل سلبي.

هناك رأي ثالث يقول إن القضية برمتها تكمن في مثالب التجربة الطويلة والتي لم تتغير آلياتها حتى بعد مضى ما يقارب  ستون عاما ونيف من الزمان، كما أن الديمغرافيا ( التركيبة السكانية) قد تغيرت للشعب الكويتي وهو أمر طبيعي، ولم تتغير الآليات المتبعة في الترشيح والانتخاب لا من حيث العدد ولا من حيث تطوير نصوص شروط الانتخاب، يضيف البعض إلى تلك الحجج أن ( النظام) لا يرغب أو ربما لا يستطيع التغيير الجذري في النصوص الدستورية لتتواءم مع المتغيرات، لأن الدستور  اشترط في حال تنقيحه أن يكون التغير إلى مكان أكثر في الحريات و الحقوق! وذلك ليس مطلوبًا أو مقبولاً من النظام فالنظام بما هو قائم يستطيع أن يستفيد من هامش المناورة بين الفئات المختلفة، ذلك الرأي الثالث يرى أن (العيب ليس في الفكرة)، بل (العيب في الممارسة من جهة وعدم التطوير من جهة أخرى).

أمام تلك اللوحة المعقدة من وجهات النظر يكثر كتاب الرأي في الكويت حول المقارنة بين فكرة (أين وصل الأشقاء في الخليج وأين نحن؟) كما أن النقاش قد بلغ حدًا من التوتر، وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي مما يثير غبارًا وضبابًا على مجمل الصورة. المشهد في الكويت قد لخصته تلك الافتتاحية لجريدة القبس بقولها (الكويت ليست بخير).

إذن نحن أمام إشكالية ليس من السهل فك شفرتها المعقدة، المحصلة أن الكثير من الكويتيين (غير راضين) عن الوضع القائم أو هكذا يبدو على السطح، ولكن عندما تطرح الخيارات إن وجدت، لا تجد توافق واسع على خيارات عقلانية فتلك الخيارات صعبة كما هي في الواقع بين التخلص من التجربة بشكل كامل أو تطويرها، أما وجود (مجلس أمة) أو عدم وجوده!، أو تغيير الآليات المتبعة، وما هي الآليات الأفضل؟ يناقش البعض إنه في الحالات التي حل فيها مجلس الأمة لم يتحسن الوضع الإداري بل ازداد سوءًا.

هذا هو النقاش الدائر في الكويت بين النخب، والذي يجعل المتابع في حيرة أين يمكن الإمساك برأس الخيط من أجل حل التشابك الكبير في كرة الخيوط والتي اسمها اليوم (العمل السياسي في الكويت). ولكن المؤكد أن (الممارسة (الديمقراطية) بشكلها الحالي في مجملها ممارسة معطلة للتنمية)!

تاريخ موجز لتطور تجربة الكويت السياسية:

 

                          تاريخ موجز لتطور تجربة الكويت السياسية:

 

خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين برز الوعي السياسي في الكويت متأثرًا بما حوله من تطورات في بعض البلاد العربية وحتى الدولية، وتميز بظهور المؤسسات السياسية شبه الحديثة للدولة، بما في ذلك أول مجلس الشورى 1921م، والمجلسان التشريعيان اللذان تليا ذلك في 1938 و1939م، ومجلس الشورى الثاني الذي أعقب سقوط تلك المجالس التشريعية، وهي مجالس ساهم فيها بعض المواطنين وليس كلهم. كما تم إنشاء مجالس أخرى لتقديم الخدمات الاجتماعية، بما في ذلك مجلس البلدي 1930م، ومجلس التعليم 1936م، ومجالس الصحة، ومجلس الأوقاف الإسلامية في الأربعينيات من القرن الماضي. ومع اتساع رقعة التعليم والوفرة المتزايدة من عوائد النفط؛ أصبح الدور التاريخي للقوى الكويتية الواعية أكثر وضوحاً، ففي التنافس بين الشيوخ والتجار على النفوذ، استخدم كل من الطرفين عناصر مختلفة من "القوى الرديفة " لقلب الميزان لصالحه من أجل المساهمة في اتحاذ القرار أو حتى الانفراد به جرت المنافسات السياسية في الكويت مبكرًا، وكانت القوى الرديفة من الغواصين والمزارعين وأبناء القبائل يستعان بها بين تلك القوة (التجار) والأخرى (الأسرة الحاكمة).

 تطورت "القوى الرديفة " أي حشد الجمهور بشكل أفضل من أجل تحقيق نتائج سياسية في أوائل الخمسينيات، وتزامنت مع حدثين ديناميكيين هامين في تاريخ الكويت. أولهما؛ توسع أجهزة الدولة بتعيين السلطة -مدعومة بطفرة إنتاج النفط-بعض "القوى الرديفة " مثل غواصي اللؤلؤ والبحارة، الذين كانوا سابقًا موالين للتجار باعتبارهم أرباب عملهم فأصبحت الدولة هي رب العمل، كما نشأت وظائف جديدة في الشرطة والجيش مما استقطب شريحة من (القوة الرديفة). والثاني؛ ظهور المثقفين في طليعة حركة معارضة جديدة للسلطة، خاصة أنه في الثلاثينيات والأربعينيات حيث تطور النظام التعليمي في الكويت بشكل ملحوظ، بعد وصول البعثات التعليمية الفلسطينية والمصرية إليها وأيضًا إرسال بعض البعثات إلى الخارج كبغداد والقاهرة وحتى أوروبا. وهكذا شهدت هذه المرحلة ظهور "القوى الجديدة " ممثلي الطبقة الوسطى كقوة سياسية فعالة على حساب الطبقة التجارية التقليدية، أو ما يمكن أن يسمى الطبقة الوسطى اصطلاحًا، وأصبح هذا واضحًا في المجلس التأسيسي لعام 1961م، والذي أسس لصدور الدستور  حيث احتل ممثلو "القوى الجديدة " أغلبيةَ مقاعدها من المثقفين والخرجين الجدد، علينا أيضا أن نضع البيئة العربية في بداية الستينات و القوى (الثورية) العربية المضادة للاستعمار والمطالبة بالتحرر و التي تأثرت بها النخبة المتعلمة الكويتية في حساب ذلك التطور وخاصة ما عرف بالقومية العربية  .

وباختصار؛ يمكن تحديد ثلاث مراحل في تطور الدور السياسي "للقوى الرديفة ": المرحلة الأولى؛ وهي مرحلة "التكوين" عندما كانوا من أتباع أحد القوتين الرئيسيتين: الشيوخ والتجار، دون التمتع بالقدرة على التأثير في المشهد السياسي. والمرحلة الثانية؛ هي مرحلة "النمو" حيث كان لهم مساهمة مباشرة في المشهد السياسي، رغم أنهم لم يلعبوا دوراً مباشراً في عملية صنع القرار. والمرحلة الثالثة؛ هي مرحلة "التمكين" عندما أصبحوا جزءاً من اللعبة السياسية، وكان لهم صوت في دستور 1962م، ففازوا بأغلبية مقاعد الجمعية التأسيسية فئتين لأولى مجلس الأمة في بداية التجربة. إلا أن احتياج الكويت مع تعاظم دخل النفط إلى سكان، تم تجنيس عدد كبير من أبناء البادية (القبائل) والذين في وقت آخر (نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين) أصبح لهم الغلبة العددية، فأصبح الأمر وكأنه (شقاق) بين فئتين كبيرتين الأولى ( التجار، و القوى الرديفة القديمة)، والثانية القوة القلبية الجديدة أو من استيقظت قلبيتهم من بعض القوى الرديفة السابقة (مزارعون وصناع) وفي السنوات الأخيرة واضح أن الصراع الاجتماعي بين القوتين الكبيرتين ،مع قوى أخرى من أبناء الطائفة الشيعية، ودخل الإسلام الحركي على هذا النسيج الاجتماعي ليعقد الصورة بشكل أكبر . كان لهذه القوى الاجتماعية -إلى جانب الشيوخ والتجار-دور حاسم في التطور الدستوري لدولة الكويت؛ فإن عملية تحديد المجموعات التي تتألف منها "القوى المرجحة" اليوم مهمة معقدة، ليس فقط لوجود درجة كبيرة من التداخل بين مختلف الفئات الاجتماعية، والانتماءات الفكرية (الإسلاموية) ولكن أيضاً لعدم وجود وثائق وإحصاءات محلية مفصلة في بعض الأحيان، والاعتماد على ما صدر من مذكرات لبعض النخب في الآونة الأخيرة.

 

                                                 الأزمة وحلها

  سارت مسيرة المشاركة السياسية في الكويت متعرجة، فمن انتخابات إلى حل، و إلى انتخابات جديدة ، كان الحل الأول عام 1976 ثم 1985 وعام 2012م، و عدد من المرات الأخرى، كل ذلك لأسباب تعثر في الممارسة السياسية، ونتج  عن ذلك أزمات، كان أهمها في السنوات الأخيرة أزمة (ساحة الإرادة) والدخول القسري للمجلس من بعض المتظاهرين، والذي نتج عنه ما يعرف في التاريخ الكويتي المعاصر بـ ( أزمة المهجرين) تنفس الجميع الصعداء في الكويت بعد صدور المراسيم الأميرية بالعفو في أول عهد الشيح نواف الأحمد عن عدد من النشطاء السياسيين المتهمين بقضايا مختلفة وقد صدرت بحقهم أحكامًا، بعضهم غادر البلاد قبل نفاذ الأحكام و بعضهم نفذ المحكومية، بصدور  المراسيم  التي عفت جزئيًا عن  المحكومين بدأ عدد من الكتاب و أيضًا كثر الحديث في الدواوين الكويتية، التي بدأت تعود إلى نشاطها، أن هناك مرحلة جديدة تبدأ في الكويت، مرحلة تضع القضايا القديمة في سلة الماضي وتنظر إلى المستقبل. إلا أن الاختلاف في وجهات النظر تظهر في المحاولة للإجابة على سؤال هام وكبير وهو هل حقا الكويت تدخل مرحلة جديدة؟ وما فتئ العمل السياسي أن دخل في معضلات خلفيته استقالة الحكومة بسب العديد من الاستجوابات التي قدمت إما لرئيسها أو بعض أعضائها ذلك يدل للمراقب أنه من الصعب الحديث عن (مرحلة جديدة) أو عن استقرار سياسي، على الرغم من مشاعر المتفائلين، لأنه باختصار (قوانين اللعبة) الديمقراطية إن صح التعبير، لم تتغير، ودون تغير تلك (القوانين) فسيظل اللاعبون بمهارة أو نصف مهارة أو حتى بعدمها (يكررون أخطاءهم).  

قوانين اللعبة التي تحتاج إلى تغيير لها ثلاثة مستويات، بعضها صعب تغييره ويحتاج إلى قرار تاريخي من أجل أن يُغير، وبعضها متوسط السهولة، والأخرى ربما سهلة نسبيًا.  لعل الفكرة الأولى في تغيير قواعد اللعبة هو عدد أعضاء مجلس الأمة (المجلس المنتخب) فمنذ أكثر من ستون عامًا والعدد كما هو خمسون عضوًا، في الوقت الذي نما فيه المجتمع الكويتي أضعافًا مضاعفة، فيُقدر من حق له التصويت لأعضاء مجلس الأمة الأول هم اليوم أقل من 3% من حجم من لهم حق التصويت في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين (تغير ديمغرافية ضخم)، فكيف يمكن أن تقارن هذه الكتلة الكبيرة من المصوتين مع الأعضاء محدودي الرقم (خمسون) فقط؟ تلك واحدة وربما الأهم في (تغيير قواعد اللعبة) إلا أنها غير مطروحة بجدية، ولا هي بممكنة في ظل الظروف الحالية، أما القاعدة الثانية وهي الممكنة نسبيًا فهو قانون الانتخاب والممكن تعديله إن قرر متخذ القرار في المكانين التشريعي والتنفيذي الذهاب إليه لإصلاح الخلل. القانون الحالي يقسم الكويت إلى خمس مناطق انتخابية، تنتخب عشرة نواب لكل منطقة والناخب له صوت واحد! هذا القانون خلط الأوراق وأصبح من المستحل تكوين تجمع سياسي متوازن يمكن أن يتماسك ويتناغم في كل الظروف لتحقيق مصالح الناس، دون النظر بجدية لتغير قانون الانتخاب فإن الأمور سوف تبقى على حالها كما كانت، وهي في الغالب إعلاء المصالح الفردية والفئوية والقبلية على المصالح العامة، وإن أخرجت تلك المصالح في العلن على أنها مصالح عامة تحقق الخير للجميع! ولذلك ما نشهد أن أي تجمع نيابي لقضية ما سرعان ما ينفرط. أما القاعدة الثالثة والتي تحتاج إلى نظر جاد فهي كامنة في اللائحة المنظمة لعمل المجلس، وخاصة تلك المادة التي تسمح لعضو واحد فقط أن يقدم استجوابًا (سؤال مغلظ) لأي وزير أو حتى رئيس الوزراء. تلك القضايا الثلاث الرئيسية في (قوانين اللعبة) التي تحتاج إلى تغير، لعل وعسى أن ينتظم العمل البرلماني الكويتي وينتقل من تحقيق (الخير الخاص) إن صح التعبير إلى تحقيق (الخير العام)، والذي يتوق إليه المجتمع أو على وجه التحديد تتمناه (الأغلبية الصامتة).  

في غياب مؤسسات تعمل على معرفة وتدقيق (توجهات الرأي العام) على أقرب ما يكون من الدقة فإنه من شبه المستحيل التعرف على توجهات الرأي العام في الكويت، وليس هناك سببًا مقنعًا على عدم وجود مثل هذه المؤسسات، وربما الجمهور العام قد لا (يستسيغ) لأسباب ثقافية الاستجابة إلى مثل تلك المؤسسات، ولكنها قد تعطينا تصورًا أقرب إلى الصورة الحقيقية، وإن تخللتها الاحتمالات. 

 دخول وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بكثافة على صناعة المحتوى الخبري (وربما فبركته) وخاصة السياسي من أشخاص أو جماعات ذات مصالح، جعلت من قراءة توجهات الرأي العام في الكويت صعبة. إلا أن الملموس هناك عزوف أو نكوص من كثيرين من مخرجات العمل السياسي الكويتي بشكل عام وينتاب هؤلاء شعور بالامتعاض من الأخبار التي توزع ( حقًا أو باطلاً) حول ( تراكم ثروات) بعض أعضاء المجلس، وكان الموضوع برمته هو ( السر المفضوح) وقد تجاهلت المجالس المختلفة تلك الحقيقة أو أهمية وجود لجنة لها ( أسنان) تسمى لجنة (النزاهة النيابية) أو أي تسمية أخرى كما في المجالس  المنتخبة في العالم، هذه الفكرة على أهميتها لم تر النور بشكلها الصحيح في الممارسة الديمقراطية الكويتية، و في غياب تلك الشفافية تتكاثر الأقوال  (محقة أو كارهة أو متنمرة ) عن ثروات ضخمة، أساسها في الغالب (المال العام) مما يزيد احتقان الشارع السياسي .

 الأشهر القليلة الأخيرة ( أوائل عام 2022م) ومنذ انتخابات 2020م، مرت الكويت بمرحلة سياسية صعبة، تعطل معها أداء المؤسسة التنفيذية وبالتالي مصالح الناس، بسبب موقف أغلبية نسبية في المجلس الجديد، وكان الأمر معلق على عدد من القضايا تمحورت أخيرًا في ما يسمى (العفو) الذي نوهنا عنه سابقًا، إلا أن بعض النواب لازال له أجندات لم تنته مما يؤذن بالدخول بأزمات جديدة تعطل من جديد المصالح العامة للمجتمع ككل، في وقت ليس سهلا لا من الناحية الصحية ولا من الناحية الاقتصادية ولا من الناحية الإدارية ولا من الناحية الدولية، والدولة  يرى كثيرون أنها تخلفت عن جيرانها في الخليج. جانب الملف الأهم وهو المتغيرات في الجوار، فهناك عدم استقرار في الشمال (العراق) وحرب في اليمن، واضطراب في سوريا وقلق كبير في لبنان، كل ذلك المحيط يؤثر على الوضع الداخلي الكويتي ويجعله أكثر حساسية، فعدد من الكويتيين مختلفون على (الملفات الخارجية تلك) أكثر مما هم مختلفون على الملفات الداخلية، لذلك تتداخل القضايا وتجد لها متنفسا في الساحة التواصلية إلى حد الخصومة. الكويت كأي مجتمع حيوي أخر يتغير مع الزمن ودون الاعتراف بذلك التغير ووضع الإدارة العامة على سكة الكفاءة وليس الشخصانية التي قد تكون في القديم هي الميزان، تفوت فرص مهمة في فضاءات التطوير. كما أن قاعدة (الاسترضاء) الحكومي لأشخاص داخل المؤسسة التشريعية أو خارجها يزيد من تعقيد العمل الإداري، فالحرب على الفساد لا يعني متابعة من تضخمت حساباتهم في البنوك لأن مفهوم الفساد الأوسع هو (استخدام سلطة لتحقيق مصلحة) وما دام بعض النواب يطاردون الوزراء للتعيين لمحازبيهم، ذلك بجانب كونه فساد، يسد الطريق على المؤهلين من الكفاءات ويزيد رفضهم لواقعهم الذي لا يبدو أن له حلولأ ناجعة، فيقوم البعض بالمزايدة على تلك الشكوك لحصد الكثير من الأصوات سواء كانت قبلية أو طافية أو مصلحية أو تنظيمية! 

الإنجاز في الزمن الصعب

آخر انعقاد  لمجلس الأمة في الكويت هو دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي السادس عشر ، سنوات طويلة من ممارسة (الديمقراطية الانتخابية) التي يبدو أن ليس لها افق في التطور ، وكغيرها من المجتمعات ضربت الكويت بالجائحة العالمية كوفيد 19 وفي خضم الارتباك العالمي والمحلي للاستجابة إليها خضعت الإدارة العامة للكثير من النقد، بعضه بسبب اختلاط الخوف بعدم اليقين من الجمهور، و بعضه يحمل طابع  المزايدة السياسية، وخلال أكثر من سنة استجابت الدولة الكويتية للتحدي، أولا بالمساعدة في إحضار أكثر من أربعين ألف مسافر من بقاع الدنيا و تحضير أماكن الحجز  المؤقت لهم  ثم وضع برنامج زمني للخروج من الجائحة، كان بإعلان الدخول إلى المرحلة الأخيرة، المراقب يرى أن الكثير من النقد للحكومة  الذي انطلق  في البداية تحول مؤخرًا إلى إعجاب، فلم تكن الدولة قد بخلت ماديًا ومعنويًا بالاستجابة إلى ذلك الخطر العالمي، وكمثل من خرج من أمة خانقة  استقر الامتنان وزالت المخاوف . إلا أن تصفير العداد السياسي لا زال في مراحل التوقع والتمني وربما القلق. نعم فقد صاحب الجائحة واحدة أخرى سياسية مقلقة للمواطن العادي، فتمت انتخابات (يسميها البعض انتخابات سنة كورونا) في فضاء سياسي مربك، وفاة الأمير الرحل الشيخ صباح الأحمد وتسلم أمير دفة الامارة، الشيخ نواف الأحمد وحضور لإدارة جديدة التي لا زالت في مرحلة الامتحان.  

 كل ذلك على خلفية أحداث سياسية يرى البعض أنها نتيجة كل ما أصاب المنطقة من (زلزال سياسي) في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين. انتخابات الكويت 2021م، أفرزت مجموعة أو أكثرية من النواب قدروا أنهم أمام إدارة جديدة وأنها ربما تكون أكثر استجابة لمطالب يحملها بعضهم، وهنا بدأ التأزيم والذي عطل العمل البرلماني وكذلك التنفيذي في وقت صعب و بطريقة حرجة، قاد الأمر كله إلى دعوة من الأمير بفتح حوار وطني، أيضًا لم تسلم الفكرة من نقد، و يظهر أن ذلك الحوار قاد أولاً إلى نتائج حتى الآن لم تظهر على السطح، كما قاد  ثانيًا إلى اختلاف في صفوف الأغلبية البرلمانية  السابقة ،حقيقة الأمر أن استخدام مفهومي ( الأغلبية) و( الأقلية) في الفضاء السياسي الكويتي استخدام (سائل) إن صح التعبير ، فهي تتغير حسب الرؤى و الأمزجة و كثيرًا المصالح. 

يعيب كثيرون من أهل الرأي في الكويت أن الضجة السياسية التي شاعت في جل العام -2022 2021م، وأربكت العمل العام وهي من أجل ما عرف بـ (العفو) والذي جاء ذكره سابقُا وعمن

صدرت بحقهم أحكام اعتبرها البعض (مسيسة) وآن الوقت لإعادة لنظر فيها، وأن الأوفق أن يصل الجميع إلى مكان تحمله المقولة الشعبية (لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم) وهو الأقرب إلى الحكمة، إلا أن الجهد الذي بذل لم يرض البعض وربما يستمر في التأزيم في جو سياسي تتغير أولياته بسرعة ولم تعد أغلبية الشعب الكويتي تطيق استمراره. لقد أخلت الجائحة بالنظام الاقتصادي واضطرت الدولة إلى (ربط الأحزمة) وأصبح من الأولويات أن ينظر إلى طائفة واسعة من السياسات  (ما بعد الكورونية) من أجل تعويم الاقتصاد والإبقاء على الطبقة الوسطى الكويتية بعيدة عن التآكل، حيث كانت هي المتضررة الأكبر ، فالجزء المبادر منها ( أصحاب الأعمال الصغيرة  والمتوسطة) دفعت ثمنًا باهظًا إبان الجائحة من خلال تعطيل أعمالها، أما الأغلبية (أصحاب الدخول الثابتة) فقد تضررت بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات وأصبحت أكثر تضررًا بعد تصاعد أسعار السلع جراء  الحرب الروسية / الأوكرانية، بالتالي فإن دخل الطبقة الوسطى الكويتية كما يرى بعض الاقتصاديين قد نقص بين 20 إلى 30 % من مستوى ما قبل الجائحة وقبل الحرب. كما أن السيولة المالية للدولة قد شحت، فقد كان تكلفة الجائحة والمرور منها إلى بر الأمان مكلفة للميزانية العامة، بجانب ارتفاع عالمي في أسعار السلع المصنعة وأسعار النقل. لذلك فإن العودة إلى التأزيم من الفصل التشريعي السادس عشر (آخر فصل تشريعي في أوائل 2022م)، سوف يجعل من أغلبية الجمهور الكويتي في حال من السأم، وربما تتسع قاعدة الرفض الجماهيري لذلك التأزيم، لأنه يتجاهل أولويات المجتمع المُلحة.

 الخيار في هذه الحالة هو فقد آخر آمال الجمهور للوصول إلى الإصلاح. ما تغير -أحسب أنه تغير في الكثير من البلاد -إنه أثناء الجائحة نشط كثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح هناك صناعة، على الأقل في الكويت، يمكن أن تسمى (صناعة النكد) سقفها عالٍ، وفي بعضه غير مسؤول، كل من لا تعجبه أو تعجبها سلوك من أية إدارة في الدولة أو خبر قد لا يكون صحيحًا صب جام غضبه على المسؤول الكبير، بل أصبح البعض يخاطب رئيس الوزراء مباشرة، وكأن في يده عصى موسى، وكأن ليس في البلاد قوانين وأنظمة، وفوق ذلك عدم توفر ميزانيات لتنفيذ ما يطلب إن صح قانونا. صناعة النكد مبنية على نقص في المعلومات من جهة وأنانية مفرطة لتنفيذ المطالب من جهة أخرى، حتى سمعنا على سبيل المثال من يدعو علنًا لمظاهرة (لرفض اللقاحات)، وهي عقلاً وضعت من أجل حماية المجتمع وهي أصلاً طوعية !! صناعة النكد في بعضها تبدو أنها (الرفض من أجل الرفض) والتلهي بما هو جانبي وغير ضروري، دون التفات إلى الأهم كالخدمات الصحية التي تبين للمجتمعات أهمية تجويدها أو الالتفات إلى التعليم بمستوياته المختلفة والأهمية القصوى لتجويده وترقيته، فقد كان أحد أهم دورس الجائحة هو مستوى الوعي الاجتماعي، كما إنها أظهرت بوضوح أهمية (رأس المال البشري) والذي سوف تركن إليه المجتمعات فيما بعد الجائحة كونه الرافعة الأساس لأي تنمية مستدامة، بجانب تجويد الإدارة العامة والدخول إلى عصر الرقمنة وفوائدها للتنمية كثيرة. هذه الملفات لم يتلفت إليها أي من أهل التشريع، والنخب الكويتي دائمة المطالبة بها. ما ظهر أمام الناس ليس غير المناكفة والشجار. تصفير العداد إذا يحتاج إلى جهود الجميع وخاصة أبناء السلطة التشريعية والتي تؤهلها النصوص الدستورية ذات المساحة الواسعة إلى العمل العام إن أرادت، المؤسف أن البعض يأخذ المجتمع إلى (المصالح الخاصة) وبالتالي فإن العداد وإن بدا أنه صُفر فقد لا يصفر.

                                                   على سبيل الاستنتاج

كما تقدم ليس من السهل إصدار حكم قاطع فيما إذا كانت التجربة ( الديمقراطية) في الكويت وحتى بعد مضي كل تلك سنوات الحكم إن كانت (نافعة كليًا) أو ( نافعة) جزئيًا أو (غير نافعة) أو حتى (معطلة للتنمية) فالبعض من المراقبين في الكويت والمهتمين لا يطلقون عليها ( تجربة ديمقراطية) بل يستخدمون المصطلح الآخر ( تجربة نيابية) إلا أن المؤكد أن الحكم ( التشاركي) بأي شكل هو حكم صعب، وحتى على المستوى الدولي ، فقد صدر العدد مايو 2022م، من عالم المعرفة تحت عنوان (الإصلاح : كيف تنجو الأمم و تزدهر في عالم يتداعى) وهو كتاب يرصد نجاحات عشر دول، في المقدمة يسرد الكتاب ما سماه (العشرة العسيرة) أي عشر مشكلات عسيرة تواجه المجتمعات منها (العراقيل السياسية) ويسرد في هذا الأمر كيف أن الممارسة السياسية تعطل التنمية والتطور للمجتمعات ويضرب أمثلة منها أن المكسيك بعد انتقالها إلى الديمقراطية عام 2000م، (حالت الحرب التشريعية بين أحزابها الثلاثة دون تحرير اقتصادها او تفكيك الكارتل النفطي) ومثال آخر قريب منا، كيف أدى الشقاق ( الديمقراطي) في لبنان إلى تعطيل انتخاب الرئيس و إفلاس البلد و ملئ شوارع العاصمة بالقمامة ! أما في إيطاليا فقد أدى الشقاق الحزبي الداخلي إلى تغيير 41 رئيس وزراء و63 حكومة في سبعين عامًا! وكيف أدى الشقاق ويؤدي الشقاق الحزبي في الولايات المتحدة إلى (قتل الأبرياء) بسبب الخلاف على ضبط السلاح الفردي! أو حتى الخلاف على سياسيات الرعاية الصحية! وأمثلة كثيرة من اليابان إلى الهند، هذا عدى احتمال التدخل من (الخارج) لإغراء بعض ممثلي الأمة باتخاذ مواقف سياسية في مظهرها الرحمة وباطنها سوء العذاب.

إذن نحن أمام إشكالية ليست هينة ولا قاصرة على مجتمع واحد، ما ينقص هو (رؤية للمجتمع وإرادة سياسية صلبة لتحقيق تلك الرؤية) بعدها الآليات تفاصيل !!

مقالات لنفس الكاتب