array(1) { [0]=> object(stdClass)#11966 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 176

الواقع يفرض على أمريكا اللجوء للتعاون مع الشركاء لتلاقي المصالح

الخميس، 28 تموز/يوليو 2022

على الرغم من تنوع مجالات العلاقة بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، إلا أن الأساس الاقتصادي سيظل المجال الأساسي والمحور الرئيسي لتلك العلاقة، ولحسن الطالع تقوم العلاقات الاقتصادية الدولية، على المصالح المتبادلة عمليًا ونظريًا ، حيث يحقق التخصص وتقسيم العمل الدولي، وحرية التجارة الخارجية، منافع لكل أطراف العلاقة، وفق مبدأ الوفرة النسبية للموارد، والتفوق التكنولوجي.

هكذا هي العلاقات الاقتصادية الدولية، تقوم على مبدأ المصالح المتبادلة، وهكذا تؤكد النظريات التي أسست للعلاقات الاقتصادية بين الدول، بدءًا من نظرية النفقات المطلقة لآدم سميث أبو علم الاقتصاد، وحتى يومنا هذا.

ومما لا شك فيه أن السياسة الخارجية الأمريكية، كانت دائمًا طوع المصالح الاقتصادية، وغيرها بطبيعة الحال من أغراض الأمن، والاستقرار، وتحقيق أهداف سياسية بحتة، ونشر القيم الأمريكية، ورغم أن النظرية الاقتصادية كانت تستخدم في أحيان كثيرة كأدوات لخدمة أغراض سياسية، فإن السياسة الدولية في بعض الأحيان يمكن أن تخدم المصالح الاقتصادية.

وقد تعرضت العلاقة الخليجية الأمريكية لمحطات ومراجعات، وحالات من المد والجزر، خاصة فيما بين المملكة العربية والولايات المتحدة، منذ بدأت العلاقة الدبلوماسية بين البلدين عام1940م،وحتى اليوم، وزاد من حدتها في السنوات الأخيرة، الأزمات الاقتصادية الناجمة عن جائحة كوفيد -19، والحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، وانعكاساتها على أسعار الطاقة العالمية.

ومع سيطرة الديموقراطيين على الكونجرس والبيت الأبيض، تعهد الرئيس بايدن بإحداث تغييرات في مناهج السياسة الخارجية للإدارة السابقة تجاه عدة قضايا تتعلق بمنطقة الخليج وموازنة أولويات الولايات المتحدة وإعادة ضبطها لتنسجم مع مصالح الولايات المتحدة وقيمها ومساعدة دول الخليج العربية على تحديث نظمها الاقتصادية.

وفي هذه الورقة نلقي الضوء على العلاقات الخليجية الأمريكية: جذورها، وتطورها، وما آلت إليه، ومستقبلها. ورغم أهمية كل دول الخليج، في إطار العلاقات الاقتصادية الخليجية الأمريكية، إلا أننا سوف نتناول الموضوع بالتركيز على العلاقات الاقتصادية السعودية، نظرًا لوضعية الاقتصاد السعودي على المستوى العالمي، وهي ضمن مجموعة دول العشرين لكبرى الاقتصادات العالمية، ولأهمية علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

 

منطلقات العلاقات الاقتصادية الدولية للولايات المتحدة

من الطبيعي أن يتم طرح هذا السؤال حول المنطلقات التي تستند إليها الولايات المتحدة في توجهاتها الخارجية عندما تأخذ العلاقات الخارجية منعطفًا حرجًا كما في العلاقات الخليجية -الأمريكية في الآونة الأخيرة. وهل هي فقط المصالح التي تفسر هذه التوجهات، أم أن هناك عوامل أخرى كالقيم التي يؤمن بها الأمريكان، تفسر ذلك؟

في الحقيقة كانت المصالح الذاتية، تتصدر كل الاعتبارات التي صنعت توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، منذ الاستقلال في عام 1776م، وبعد انتهاء الحرب الأهلية وتشكل الكيان المتعدد العروق، الواحد المسمى الولايات المتحدة الأمريكية.

انشغل الآباء المؤسسون بعد الاستقلال بمسألة إقامة التحالفات والشراكات الضرورية مع باقي دول العالم، ولكن مع الحفاظ على استقلالية الجمهورية الوليدة وابتعادها عن مشكلات تلك الدول التي لا شأن للولايات المتحدة بها. ومع اتساع الرقعة الجغرافية وتنوع الموارد، ومصادر الثروة، والموقع الجغرافي البعيد، والمحصن شرقًا وغربًا بمحيطين شاسعين، خلق هذا التوسع أمة قومية موحدة مترابطة قوية تراودها أحيانًا تطلعات عبر البحار لتنشر قيمها وتفرض هيمنتها على باقي العالم، واستغلال الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية وخصائصها الطبيعية لتؤدي دورًا أكثر حيوية في السياسة العالمية.

ورغم أن دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى قلب الموازين، وبات واضحًا للجميع أن هذا العملاق الجديد سيتولى القيادة العالمية، غير أن الأمريكيين لم يشعروا وقتها أنهم في حاجة إلى هذه المكانة التي أرادها لهم رئيسهم وودرو ويلسون والنظرة الدولية الليبرالية التي آمن بها وسياساته الخارجية الثورية، بل آثروا النأي بأنفسهم عن العالم وصراعاته التي لا تنتهي، لكن الحرب العالمية الثانية جرتهم إلى مصير محتوم.

ووقع الجدال بين فريقين من الأمريكيين إبان الحربين العالميتين واستمر حتى أوائل الحرب العالمية الثانية؛ إذ دعا أصحاب النظرة الدولية بأن على الولايات المتحدة واجب استلام راية القيادة العالمية، بعد انهيار الامبراطوريات القديمة، بما تمتلكه من قوة هائلة غير مسبوقة ومبادئ سامية يجب عليها حمايتها ونشرها في العالم، بينما اعتقد فريق آخر أن على بلادهم، المتمتعة بالأمن والرخاء في أراضيها بعيدًا عن العالم، أن تهتم بشؤونها الخاصة وأن لا تذهب إلى صراعات لا طائل منها.

استمر هذا الجدال خلال الأزمات الاقتصادية والأمنية التي ما مر به العالم، والتي تُوجت بالكساد الكبير (1929- 1933م) وقيام الحرب العالمية الثانية 1939م، إلا أنه توقف إثر تعرض الولايات المتحدة للهجوم الياباني المفجع على قاعدة بيرل هاربر في المحيط الهادئ، فلم يعد أمام الأمريكيين حينها إلا الانطلاق لقيادة العالم.

 وبعد انتهاء الحرب الثانية، بزغت القوة الأمريكية بوصفها القوة الأعظم في العالم، إلا أنه كان عليها مشاركة هذه المكانة مع قوة عظمى أخرى هي الاتحاد السوفييتي؛ ما أسفر عن الحرب الباردة، والتي استمرت طيلة أربعين عامًا تتأرجح بين التصعيد والتهدئة وسنوات من الأزمة، يكاد يصل فيها العالم إلى شفا الصراع النووي، تتلوها فترات من الهدوء النسبي، عرفت أولاها بفترة الوفاق، وإن لم تكن خالية من الصراع تمامًا، ومنها تطبيع العلاقات الأميركية -الصينية بعد عقود من العداوة.

 

عقب انهيار الكتلة الاشتراكية مطلع التسعينات من القرن الماضي وغياب أي منافس لها، ارتكزت العلاقات الخارجية الأمريكية على عدة محاور على رأسها إقامة نظام تجاري قائم على قواعد التجارة الحرة، إضافة للتحالفات العسكرية، والتعاون متعدد الأطراف لحل المشكلات العالمية، ونشر الديمقراطية. وسعت الولايات المتحدة، منذ عام 1945م، للدفاع عن مصالحها العالمية من خلال إنشاء مؤسسات اقتصادية دولية ورعايتها، ومنظمات أمنية إقليمية، ومعايير سياسية ليبرالية؛ والتي شكلت ما يعرف بالنظام الدولي.

                                                                        

لكن استمرار واستقرار النظام الدولي كما صنعته الولايات المتحدة، كان عرضة لتهديدات خلقتها التطورات الدولية القادمة من الشرق، وتحديدًا من الصين والاتحاد السوفيتي، فمع بروز الاقتصاد الصيني، ثاني قوة اقتصادية في العالم، بدأت الزعامة تواجه مزاحمة وبدأ النظام الدولي يجابه بتهديدات، ومتى كان النظام في خطر فسوف تكون مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية في خطر.

 

ومع الغزو الروسي لأوكرانيا، وما تبعه من تأثيرات على المصالح الأمريكية وعلى النمو الاقتصادي الأمريكي، ومع تزايد حاجة الاقتصاد الأمريكي لتوفير احتياجاته من الطاقة من الخارج، كان لا بد من أن ينظر إلى النفط باعتباره سلعة استراتيجية حيوية للأمن القومي الأميركي، ومن هنا فلا غرو أن تحكمت الاعتبارات الاقتصادية في سياسة الطاقة الأمريكية في منطقة الخليج العربي لا سيما مسألة الحصول على النفط، بأسعار معقولة وعلى نحو مستمر باعتباره سلعة يرتكز عليها التقدم الاقتصادي.

وتعد سياسة الطاقة من أهم مقومات المصالح الأمريكية ومصدر نفوذها في العالم، وتسعى جاهدة لعدم حدوث صدمات تتعلق بمستويات الإنتاج العالمي من النفط، وتدفق النفط الخليجي للولايات المتحدة بشكل منتظم، بما لا يهدد قدراتها الاقتصادية، أو يضعف من موقفها في مقابل القوة الاقتصادية الصاعدة والمتسارعة من الصين، خاصة وأنها تستورد أكثر من نصف احتياجاتها النفطية من الخارج، وتعتمد بشكل أساسي على نفط الخليج، وخصوصًا المملكة العربية.

 

من هنا تعتبر حقول النفط في منطقة الخليج العربي بمنزلة الضامن لاقتصاد أمريكي مستقر؛ وتعتمد الولايات المتحدة على دول الخليج، من خلال الشركات النفطية الأمريكية، التي تقوم بصناعة النفط والتنقيب عنه وإنتاجه وضمان استمرار تدفقه، وساهمت أزمات السوق العالمية للنفط في استمرار منطقة الخليج ضمن دائرة الأمن القومي الأمريكي، وهو وضع يجب التعامل معه بحذر وذكاء، في ضوء المعطيات العالمية، وفي ضوء أهمية ما تملكه المنطقة من موارد الطاقة، وما يمثله من أهمية للاقتصاد الأمريكي، من ناحية، وفي ضوء مصالح دول الخليج الاقتصادية والسياسية والأمنية مع الجانب الأمريكي، من ناحية أخرى.

 

تطور العلاقات الاقتصادية بين المملكة والولايات المتحدة

بعد أن نجح الملك عبد العزيز في توحيد بلاده في 28 من سبتمبر لعام 1928م، سعى إلى الحصول على اعتراف دولي للمملكة، حيث كانت بريطانيا والاتحاد السوفيتي أولى الدول التي اعترفت بالسعودية كدولة مستقلة، وكان الملك عبد العزيز يطمح أيضًا في اعتراف الولايات المتحدة بدولته.

ويمكن التأريخ للعلاقات بين المملكة والولايات المتحدة، باكتشاف النفط في المملكة، واستخراجه وتسويقه في الخارج، ورغم وجود أبعاد أخرى لتلك العلاقات، مثل مواجهة المد الشيوعي في المنطقة، وبروز القطب السوفيتي في مواجهة القطب الأمريكي، والسعي لوقف المد الشيوعي في مواجهة الرأسمالية، وتغير النهج الأمريكي من سياسة الانكفاء على الداخل إلى الانفتاح على الخارج عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية،  إلا أن استمرار تدفق نفط الخليج إلى الولايات المتحدة والغرب عمومًا، والحفاظ على استقرار أسعاره وتعزيز استقرار الاقتصادات الغربية، التي كان السعوديون يستثمرون فيها فوائض النفط، كانت أهم منطلقات تلك العلاقة .

بدأ اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة عمومًا في عام 1933م، بعد أن قامت شركة CASCO باكتشاف نفطي كبير قرب الظهران شرقي السعودية والتي غيرت اسمها إلى (ارامكو) وازدهرت صناعة النفط في البلاد في مارس 1938م، وأصبحت الولايات المتحدة أكثر اهتمامًا بالنفط السعودي ونتيجة لذلك أقيمت العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين عام 1940م، ومنذ ذلك الحين، تحالف البلدان لصالح المحافظة على استقرار أسعار النفط والمحافظة على سلامة حقول النفط وطرق نقله من خلال الخليج، وتعزيز استقرار الاقتصادات الغربية التي كان السعوديون يستثمرون فيها أموالاً طائلة.

وفي عام 1950م، اتفقت السعودية وشركة أرامكو على اقتسام أرباح إنتاج وتصدير النفط مناصفة، بينما أدت سلسلة من الاتفاقات وقعت بين عامي 1973 و1980م، إلى سيطرة السعوديين على ملكية الشركة بالكامل. وفي عام 1988م، أصدر الملك فهد بن عبدالعزيز مرسومًا أسست بموجبه شركة النفط السعودية أو  ( أرامكو السعودية) التي حلت محل ارامكو.

وقد شهدت تلك العلاقات تعاونًا كبيرًا في مجالات عدة وعلى رأسها مجال الطاقة، ولم يصبها أي توتر حتى عام 1973م، قبيل قرار السعودية قيادة الحظر النفطي على الغرب دعمًا للموقف العربي في حرب أكتوبر ضد إسرائيل. كما شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001م،علامة مهمة في علاقة الولايات المتحدة بالمملكة، وفي حقل العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، عمومًا، وأدت إلى الإعلان عن استراتيجية جديدة قوامها ما يسمى بالحرب على الإرهاب، لكن دون أن تتأثر ثوابت العلاقات الاقتصادية الخليجية الأمريكية، وأهمها استمرار تدفق إمدادات النفط وحماية باقي المصالح الأمريكية وخاصة الاستثمارات الأمريكية في المنطقة.

ومن النقاط المحورية المؤثرة في العلاقة السعودية الأمريكية، قيام الملك عبد الله في عام 2005 م، بأول رحلة خارجية إلى الصين، كما رحب الملك عبد الله بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرياض في عام 2007م، وأبرمت روسيا والسعودية مشروعًا مشتركًا بين شركة أرامكو السعودية وشركة لوك أويل لتطوير حقول غاز سعودية جديدة وفي عام 2012م، تم التوقيع على اتفاقية سعودية صينية للتعاون في استخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية.

وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة ازدهر التعاون بين البلدين وتعززت العلاقات بينهما بشكل أكبر عقب دخول العراق إلى الكويت وحرب الخليج الثانية، وفي عام 2010م، عقدت أكبر صفقة تسليح في تاريخ العلاقة بين البلدين والتي بلغت قيمتها 60 مليار دولار. وقد عادت تلك العلاقات وتعرضت لبعض الفتور بسبب توقيع الاتفاق النووي الإيراني، حتى عادت للاستقرار بعد وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة وإعلانه الانسحاب من هذا الاتفاق وفرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران.

 وفي عام 2005م، تم الاتفاق على إنشاء حوار استراتيجي بين البلدين لتثبيت العلاقات على قواعد مؤسساتية، وفتح مجال أوسع للمسؤولين المعنيين في البلدين للتواصل المباشر مع بعضهم. ويرأس الحوار الاستراتيجي وزيرا خارجية البلدين، ويشتمل على ستة فرق عمل في الشؤون العسكرية، الشؤون القنصلية، الشؤون الاقتصادية، شؤون الطاقة، مكافحة الإرهاب، التعليم والتبادل الثقافي، والذي تم من خلاله تمديد فترة صلاحية التأشيرات لمواطني البلدين من خلال توقيع مذكرة تفاهم عام 2008م، بموجبها يمنح كل بلد مواطني البلد الآخر تأشيرات متعددة السفرات تصل لمدة خمس سنوات وذلك للطلاب والسياح ورجال العمال، والسعي لتشجيع الاستثمار، وتسهيل تبادل الزيارات بين المسؤولين ورجال الأعمال.

كما تتصدر السعودية لائحة شركاء الولايات المتحدة التجاريين بين الدول العربية، وبلغ التبادل التجاري بين البلدين العام 2018م، حوالي ٣٧ مليار دولار، منها 24 مليار دولار صادرات المملكة مقابل واردات بقيمة 13 مليار دولار، أي أن الميزان التجاري يصب في صالح المملكة ووفقًا لبيانات موقع "ITC Trade"  .

كما بلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ما قيمته 75.6 مليار ريال سعودي (20.2 مليار دولار أمريكي) من السلع عام 2020م، وتظل الولايات المتحدة هي ثاني أكبر مصدر للبضائع المستوردة في المملكة، بينما بقيت المملكة في المركز الرابع والعشرين من بين أكبر الأسواق المصدرة للولايات المتحدة الأمريكية. (تقرير مجلس الأعمال السعودي الأمريكي "زيادة الصادرات غير النفطية للولايات المتحدة الأمريكية رغم تراجع التجارة العالمية" 2021م).

 

صدمة إمدادات النفط العالمية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا

أدت العقوبات التي فرضت على روسيا عقب إعلان الحرب الروسية على أوكرانيا إلى أكبر أزمة إمداد منذ عقود في أسواق الطاقة العالمية، وتضمنت مجموعة العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا حظرًا لتجارة الطاقة، وأعلنت المملكة المتحدة والولايات المتحدة إيقاف استيراد النفط والغاز الروسيين. وإلى جانب هذا، راجعت شركات النفط الكبرى والشركات التجارية وشركات الشحن والبنوك أعمالها التجارية مع الحكومة الروسية، وقطعت أو علقت كبريات شركات النفط مثل شل وبريتش بتروليوم علاقاتها التجارية مع موسكو. ( تقرير سوق النفط الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة) 

وتستحوذ روسيا على نصيب الأسد من صادرات النفط العالمية، إذ تشحن 8 ملايين برميل يوميًا من المنتجات النفطية الخام والمكررة لعملائها في أنحاء العالم، وتوقعت وكالة الطاقة العالمية، أن ينخفض إنتاج النفط الروسي بنحو 3 ملايين برميل يوميًا اعتبارًا من أبريل الماضي، مع تعمق العقوبات المفروضة على البلاد وابتعاد المشترين عن النفط الروسي.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عند الأخذ في الاعتبار حقيقة أن مخزون النفط في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كانت في مطلع العام 2022م، دون متوسطها لخمس سنوات بمقدار 335 مليون برميل، وعند أدنى مستوى لها منذ عام 2014م، ومن المرجح أن يضطر منتجو النفط إلى السحب أكثر من الاحتياطيات الضعيفة خلال العام المقبل لتغطية أزمة العرض.

كما عدلت الوكالة الدولية للطاقة توقعاتها لنمو الطلب على النفط إلى 2.1 مليون برميل يوميًا خلال عام 2022م، مما يمثل انخفاضًا بمقدار مليون برميل يوميًا عن تقديراتها السابقة، الأمر الذي يضع مستويات الاستهلاك عند 99.7 مليون برميل يوميًا على مدار العام، وهناك مخاوف أن يؤدي هذا التراجع في العرض إلى ارتفاع الأسعار مما يؤدي إلى حدوث ركود في الطلب العالمي.

ولا شك في أن نقص العرض وارتفاع أسعار الطاقة، والسلع الأساسية الأخرى، إلى جانب العقوبات المالية والنفطية المفروضة على روسيا، سوف يؤدي إلى انخفاض كبير في النمو الاقتصادي العالمي، كما أن ارتفاع أسعار النفط، التي زادت بنسبة 30% مع بداية الأزمة، سيستمر في زيادة التضخم والتأثير سلبًا على مستويات المعيشة في العالم، الأمر الذي من المرجح أن يثير ردود فعل سياسية من البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم، مع تأثير سلبي قوي على النمو. ومما فاقم من الأثر السلبي لتلك الحرب على أسواق النفط العالمية، وجود عقبة فنية تتمثل في الاستبدال السلس لنقص الإنتاج بهذا الحجم، حيث عجزت أوبك منذ فترة طويلة عن الوفاء بحصصها المتفق عليها، ويرجع ذلك في الغالب إلى مشكلات فنية وقيود أخرى على الطاقة، مما أدى بالفعل إلى سحب حاد من المخزونات العالمية كما أشار الأمين العام لمنظمة أوبك، حيث لا توجد قدرة في العالم حاليًا يمكنها تعويض سبعة ملايين برميل يوميًا من الصادرات من روسيا.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن المملكة العربية السعودية لديها احتياطيات نفطية بنحو مليوني برميل في اليوم، فيما تمتلك الإمارات نحو 1.1 مليون برميل يوميًا، لكن التقرير يستبعد أن يلجأ البلدان إلى هذا الحل. وتحركت الولايات المتحدة بشكل منفصل لإتاحة 30 مليون برميل من احتياطاتها، كجزء من خطة أكبر بالتنسيق مع دول أخرى لدعم الإمدادات العالمية من خلال 60 مليون برميل، بعد تحرك واشنطن لفرض عقوبات ضد موسكو، يتركنا هذا أمام خيار وحيد هو اللجوء إلى الاحتياطيات.

وربما تكون احتياطيات إيران البالغة 1.2 مليون برميل في اليوم مفيدة لتهدئة اضطراب الإمدادات العالمية، لكن هذا سيتطلب تخفيف العقوبات والعودة للاتفاق النووي قبل أي شيء، وفي حالة التوصل إلى اتفاق مع إيران، يمكن أن تزيد الصادرات بنحو مليون برميل في اليوم على مدى ستة أشهر. ومن المرجح أن تأتي زيادة الإنتاج في الوقت الحالي من قبل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وجويانا.

من ناحية أخرى قد يحفز هذا الوضع الحرج على مزيد من التقدم نحو التحول العالمي بعيدًا عن الوقود الأحفوري، خاصة وأن أزمة الإمدادات يمكن أن يكون لها نتائج دائمة على سوق الطاقة العالمية، بما في ذلك فرض إعادة التفكير في الاعتماد على الوقود الأحفوري وتسريع التحول الأخضر، وهوما  قد يؤدي إلى تسريع التحول بعيدًا عن النفط  في ضوء السعي للتوافق بين أمن الطاقة والعوامل الاقتصادية .

 

مسار جديد للعلاقات الاقتصادية الخليجية الأمريكية

تعلم الإدارة الأمريكية الراهنة قبل أن تتولى مهامها أن العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج العربي تمثل ركنا أساسيا في الاستراتيجية الأمريكية الثابتة، وتحتل فيها منطقة الخليج مساحة كبيرة تؤكد قوة ومتانة هذه العلاقات سواء في إطارها العام، أو في ظل أي تطورات شكلية أو جوهرية في المنطقة أو في العالم، وبالتالي فإن أي تحرك أمريكي تجاه منطقة الخليج  يجب أن يبدأ من منطلق رئيسي ومهم، يؤكد أن منطقة الخليج، ستظل منطقة استراتيجية للاقتصاد الأمريكي لفترة ليست قصيرة، وأنه لا توجد بدائل كثيرة أمام الإدارة الأمريكية لتغيير تلك الرؤية أو استبدالها.

ثبت أثناء إدارتي أوباما وترامب أن أي مساحات من الخلافات والتباينات يمكن أن تحل من خلال تفاهمات الحد الأدنى، وليس من خلال الصدامات التي يمكن أن تدفع الجانب الخليجي للتوسع في تنويع التحالفات والانطلاق إلى شراكة متعددة الأقطاب في عالم ما بعد كورونا، حيث لا تزال حالتا السيولة وعدم الاستقرار قائمتين، ومن ثم فإن التعامل يجب أن يتم على أسس من المصالح المشتركة والفوائد المتبادلة، والتي يجب أن تعمل في الاتجاهين ولصالح الجانبين، وليس لصالح طرف على حساب طرف آخر.

 ولعل هذا ما دفع الإدارة الأمريكية الجديدة للحديث الجدي عن فرص الشراكة والعمل معًا، والانطلاق لمساحات من التوافقات والمشاركة وهو ما يؤكد أن المصالح الأمريكية في المنطقة وحدود الشراكة المستمرة والقائمة يجب أن تبنى على نموذج من العلاقات متعددة الأهداف ولصالح الجميع، خاصة أن دول المنطقة عامة لها أيضًا حساباتها وتقييماتها ورؤيتها.

  إن للشراكة الخليجية الأمريكية متطلباتها التي يقرها الجانبان، وإن أي تحركات من جانب واحد قد تؤثر على نمط وتوجه هذه العلاقات، ومما لا شك فيه أن منطقة الخليج هي بؤرة الارتكاز في الإقليم، خاصة أن الاستراتيجية الأمريكية الرسمية لا تزال تضع منطقة الخليج العربي في صدارة الاهتمامات الأمريكية والشراكات الاقتصادية الكبرى، والتي ليس لها أي بدائل أو خيارات أخرى من أي نوع، وتتطلب التعامل معها من منطلق المصالح المشتركة، وتجنب قيام أي تضارب في المصالح ، التي ستبقى دائماً عنوانًا لما يحكم منظومة العلاقات الخليجية الأمريكية.

ومما لا شك فيه أن المصالح المشتركة كفيلة بالتوصل إلى إطار عادل، ومستدام، لعلاقات اقتصادية مستقرة. إطار عادل يحقق مصالح مشتركة ويحمي حقوق الجميع ويلزم كافة الأطراف بالوفاء بمسؤولياتهم؛ وإطار مستدام لأنه يستند إلى معايير مشتركة بشكل كبير ويعزز من قناعات جماعية لمعالجة التحديات الممكنة، وتوفير مجموعة كاملة واضحة من المبادئ التي يمكن تطبيقها بنحو موضوعي من خلال قادة دول مجلس التعاون والولايات المتحدة.

 وتؤكد التطورات الأخيرة ضرورة أن تقوم العلاقات بين الدول على أسس المساواة واحترام حقوق الآخرين، وعلى جميع الأطراف وضع قواعد ومعايير وأعراف لتسهيل التعاون حتى يمكن تأسيس علاقة ترتكز على مبدأ المصالح المشتركة في مثل هذه الأوضاع التي تتداخل فيها مصالح الطرفين بشكل طبيعي؛ ومن  المتوقع أن تتمخض الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي بايدن للمنطقة عن التأكيد على المصالح  المتشابكة، والحاجة إلى وضع إطار عام  يضمن تحقيق تلك المصالح، وتجنب أية هزات مستقبلية يمكن أن تعرقل قدرة الأطراف على تحقيق مصالحها المشتركة. 

تسعى الإدارة الأمريكية إلى تهيئة الظروف في العالم بحيث لا تتهدد المصالح الأمريكية، وعدم سيطرة قوة معادية للولايات المتحدة على المناطق التي تمثل أهمية حيوية لها، مثل منطقة الخليج، وأن تتمتع هذه المناطق بالاستقرار والسلام. ورغم أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تقوم على تأمين المصالح الأمريكية، إلا أن واقع اليوم يفرض عليها اللجوء إلى الدبلوماسية والتعاون مع الشركاء، من خلال تلاقى المصالح، واحترام مجموعة القيم والمبادئ التي تشكلت على أساسها الثقافة الوطنية للمنطقة.

مقالات لنفس الكاتب