array(1) { [0]=> object(stdClass)#11963 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 176

"قمة جدة" انتصار للسياسة السعودية وتأكيد للنموذج المتوازن للعلاقات الخليجية-الأمريكية

الخميس، 28 تموز/يوليو 2022

ثمة جدل في الآونة الراهنة حول "تصويب" مسار العلاقات الخليجية-الأمريكية، ولا شك في وجود علاقات تعاون قوية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي بدءاً بالمملكة العربية السعودية بموجب "اتفاق كوينسي" بين جلالة الملك عبد العزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في١٤فبراير١٩٤٥م، ووصولاً إلى باقي دول المجلس منذ الانسحاب البريطاني من الخليج في نهاية ستينات القرن الماضي وحلول الولايات المتحدة محلها في المنطقة، ويستنتج المرء من بعض مقولات ذلك الجدل وكأن التعاون الأمريكي-الخليجي في العقود السابقة كان مؤسساً على علاقة تبعية خليجية للولايات المتحدة الأمريكية، وهي مقولات سوف يجادل التحليل في هذه المقالة بأنها غير صحيحة أو على أحسن الفروض غير دقيقة، فمن المنطقي أن يكون هناك خلل في التوازن بين طرفي علاقة أحدهما الدولة العظمى الأولى في العالم، لكن القراءة التاريخية الصحيحة لمسار العلاقات الخليجية-الأمريكية تُظْهِر أن هذا الخلل الناجم عن موازين القوى الحاكمة للعلاقات لم يصل أبداً إلى حد التبعية كما يبدو من المحطات الفارقة في هذه العلاقات وفقاً للتحليل التالي، وبالتالي يصبح حديث "التصحيح" منصباً على تصحيح الخلل في التوازن الذي بات ممكناً على عكس عقود مضت بسبب تغيرات طرأت على موازين القوى العالمية والإقليمية وانطوت على تآكل ظاهر في القوة النسبية للطرف الأمريكي في العلاقة، وصعود واضح في القوة النسبية للطرف العربي الخليجي وبالذات المملكة العربية السعودية، وأستأذن القارئ الكريم في أن التحليل سوف يركز على المملكة نظراً لدورها القيادي في النظام الإقليمي الخليجي والعربي بصفة عامة، وإن لم يغفل الكتلة الخليجية ككل بطبيعة الحال، وسوف تنقسم المقالة في محاولة للبرهنة على صحة فرضيتها الأساسية إلى قسمين يتناول أولهما خبرة الماضي والثاني مستجدات الحاضر انتهاءً بخاتمة تتضمن خلاصة التحليل ونتائجه.

 

   أولاً- دروس الخبرة الماضية

    دارت العلاقات الخليجية-الأمريكية لمدة تزيد عن نصف القرن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع القرن الحالي في إطار عالمي وإقليمي واضح الملامح، فعلى الصعيد العالمي وعلى عكس التفاؤل الذي ساد في نهاية الحرب وتُرجم في تأسيس منظمة الأمم المتحدة كوريث لعصبة الأمم التي كتبت الحرب شهادة وفاتها سرعان ما بدا واضحاً أن التحالف الدولي الذي انتصر على النازية قد انشق إلى معسكرين متصارعين يتمثلان في التحالف الرأسمالي الغربي بزعامة الولايات المتحدة والتحالف الشيوعي الشرقي بقيادة الاتحاد السوڤيتي، وفرض توازن القوى بين المعسكرين أولاً من خلال التوازن بين القوة العسكرية السوڤيتية التقليدية الهائلة والقوة الأمريكية المتفوقة بالرادع النووي وثانياً من خلال توازن الردع النووي المطلق وبالذات بعد نجاح الاتحاد السوڤيتي١٩٥٧م، في تصنيع صواريخ عابرة للقارات يمكن أن تحمل الرؤوس النووية السوڤيتية إلى أي مكان في العالم-فرض هذا التوازن أن يتخذ الصراع المستعر بين المعسكرين شكل الحرب الباردة لاستحالة نشوب مواجهة نووية بين العملاقين تدمر الجميع، والحروب بالوكالة كمستوى منضبط من العنف يمكن التحكم فيه بحيث لا يتصاعد إلى حرب نووية كما ظهر بصفة خاصة في الحرب الڤيتنامية في ستينات القرن الماضي والنصف الأول من سبعيناته، أما على المستوى الإقليمي فقد شهدت المنطقة العربية محاولات راديكالية للتغيير بدأت بالتجربة الناصرية في مصر بعد ثورة يوليو١٩٥٢م، وعلى الرغم من أن ممارسات هذه الثورة استندت في بداياتها إلى تحالف عربي واسع وركزت على معارك التحرر من الاستعمار إلا أن التطورات فرضت لاحقاً صداماً بينها وبين النظم العربية المختلفة معها كما حدث بصفة خاصة في الساحة اليمنية في ستينات القرن الماضي، ونظراً لأن علاقة تعاون خاصة كانت قد تطورت بين مصر والاتحاد السوڤيتي منذ صفقة الأسلحة التشيكية لمصر في١٩٥٥م،وتأييد الاتحاد السوڤيتي لها في قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس وفي مواجهة العدوان البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي على مصر، وكذلك بالنظر إلى علاقات التعاون الوثيق التي كانت قائمة آنذاك بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية فقد بدا وكأن الصدام في اليمن بل وفي المنطقة العربية ككل قد استُقطب دولياً بتأييد الاتحاد السوڤيتي للسياسة المصرية والولايات المتحدة للسياسة السعودية، وهو صدام لم يستمر سوى لسنوات قليلة كما سيجئ، لكنه أفضى إلى توثيق العلاقة السعودية-الأمريكية آنذاك خاصة وأن الولايات المتحدة بعد الانسحاب البريطاني من الخليج في نهاية ستينات القرن الماضي كانت تعول على الدور السعودي والإيراني في حماية أمن الخليج. أما الموجة الراديكالية الثانية فلم تأت هذه المرة من داخل النظام الإقليمي العربي وإنما نبعت من محيطه الشرق أوسطي، وذلك بنجاح الثورة الإيرانية في١٩٧٩م، وإذا كانت الموجة الأولى قد بدأت بمعارك التحرر الوطني من الاستعمار في إطار من التلاحم العربي ثم طالت تداعياتها لاحقاً العلاقات بين النظم العربية فإن الموجة الثانية كانت صريحة منذ بداياتها الأولى في تبنيها لمبدأ تصدير الثورة تحت ستار "نصرة المستضعفين" ناهيك بمحتواها الطائفي، وهكذا لم تترك هذه الموجة مجتمعاً عربياً إلا وحاولت اختراقه وبالتالي فقد تداعت على الفور توترات واضحة في العلاقات الإيرانية مع عديد من الدول العربية وبالذات الخليجية المجاورة، وبلغت هذه التوترات ذروتها بتفجر الحرب العراقية-الإيرانية (١٩٨٠-١٩٨٨) كأطول حرب تقليدية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وللمرة الثانية بدا وكأن تداعيات هذه الموجة قد استوعبت في إطار الاستقطاب الدولي على أساس أن الاتحاد السوڤيتي كان مؤيداً للثورة الإيرانية فيما كانت هذه الثورة تعتبر الولايات المتحدة "الشيطان الأكبر"، وهكذا كرست هذه الموجة التعاون الخليجي-الأمريكي باعتبار أن إيران قد مثلت بعد ثورتها خطراً مشتركاً لطرفي هذا التعاون، وفيما بعد بلغ هذا التعاون ذروته واتسع نطاقه ليتجاوز دول الخليج بتحالف غالبية الدول العربية مع الولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت في١٩٩١م.

 

   هكذا تبلور التعاون الخليجي-الأمريكي في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية القرن العشرين على النحو السابق، ونظراً لفارق القوة بين طرفي التعاون فقد ذهب البعض إلى تكييف هذا التعاون في إطار التبعية، وهو تكييف يتعارض تعارضاً صارخاً مع مجريات الأحداث، فقد خاضت المملكة العربية السعودية مع مصر المعركة ضد الأحلاف الأجنبية ممثلة في "حلف بغداد"١٩٥٥م، وتجاوزت الدول العربية خلافاتها في أعقاب هزيمة١٩٦٧م، ولعبت المملكة العربية السعودية والكويت -الدولتان الخليجيتان المستقلتان آنذاك- الدور الأبرز بالإضافة للمملكة الليبية في دعم المجهود الحربي لدول المواجهة مع إسرائيل، وهو دعم كان له أكبر الأثر في الاستعداد لحرب أكتوبر١٩٧٣م،  التي شهدت مشاركة عربية عسكرية واسعة، غير أن الأهم بالنسبة لفرضية هذه الدراسة أن الحرب شهدت توظيفاً فاعلاً لسلاح النفط للمرة الأولى في الصراع العربي-الإسرائيلي، وهو التوظيف الذي شهد للمرة الأولى في تاريخ العلاقات العربية-الأمريكية عموماً والخليجية-الأمريكية خصوصاً فرض عقوبات على الولايات المتحدة لمساندتها إسرائيل بحظر تصدير النفط لها ولكل دولة تحاكيها في تأييد إسرائيل، وهي خطوة فارقة تنفي بالقطع صفة التبعية عن الطرف الخليجي في هذه العلاقات، خاصة وأن الإدارة الأمريكية آنذاك قد فعلت المستحيل لرفع الحظر فم تستجب الدول العربية وعلى رأسها السعودية إلا عندما طلب الرئيس أنور السادات ذلك لتسهيل التوصل لاتفاقية فض الاشتباك الأولى بين مصر وإسرائيل في يناير١٩٧٤م.

 

ثانياً- مستجدات القرن الحادي والعشرين

    ليس من المبالغة القول بأن بدايات القرن الحالي قد تزامنت مع حدوث متغيرات جديدة في العلاقات الخليجية-الأمريكية تتابعت على نحو فرض تغيراً في نموذج هذه العلاقات باتجاه تصحيح الخلل الذي كان قائماً فيها لصالح طرفها الأقوى، فقد شهدت السنة الأولى في هذا القرن أحداث سبتمبر٢٠٠١م، التي راق لدوائر أمريكية بعينها تحميل مسؤوليتها الأولى للمملكة العربية السعودية على أساس أن أغلب من شاركوا فيها كانوا يحملون جنسيتها، وهو ربط مفتعل لا أساس علمياً له خاصة بالنظر إلى السياسة الثابتة للمملكة المعادية للإرهاب والمتصدية له، ولو كان الأمر كذلك لحُملت الدول الأوروبية مسؤولية الأعمال الإرهابية التي يقوم بها بعض مواطنيها في أنحاء متفرقة من العالم، وقد ترتب على هذا الربط ظهور اتجاهات سلبية تجاه المملكة والعرب والمسلمين عامة واتخاذ خطوات قُصِد بها أن تكون عقاباً على مسؤولية لا وجود لها أصلاً الأمر الذي كان لابد وأن يُفضي إلى عملية إعادة تقييم رشيدة للعلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة، ثم أدت تلك الأحداث إلى سياسة أمريكية عقابية اتجهت أولاً إلى أفغانستان ثم إلى العراق بغزوه في٢٠٠٣م، بذرائع ثبت زيفها المطلق على رأسها امتلاكه أسلحة دمار شامل وعلاقته بتنظيم "القاعدة" الذي اتُهم بتنفيذ عمليات سبتمبر٢٠٠١م، وعلى الرغم من التهديد الذي مثله نظام صدام حسين لأمن واستقرار الخليج منذ غزو الكويت في١٩٩٠م، فإن  السياسة الأمريكية في العراق بعد احتلاله أدت إلى تهديد أخطر، فقد فككت تلك السياسة مؤسسات الدولة العراقية وعملت على إذكاء الاحتقان الطائفي بين السنة والشيعة والعرقي بين العرب والأكراد على النحو الذي قوض استقرار العراق وجعله ساحة مباحة لنفوذ إيران المعروفة أهدافها ومخططاتها تجاه العراق ودول الخليج العربية عامة، ومن هنا بدا التناقض بين المصالح الأمريكية التي أملت سياسات لم تُستشر فيها الدول الخليجية والمصالح الخليجية التي تضررت من نتائج هذه السياسات وعلى رأسها استباحة العراق للنفوذ الإيراني، وكانت هذه مجرد بداية لتناقضات أخرى ظهرت تباعاً نتيجة عدم أخذ صانع القرار الأمريكي للمصالح الخليجية بعين الاعتبار في قراراته تجاه المنطقة، ثم حل الاختبار التالي للعلاقات الخليجية-الأمريكية بانتفاضات ما سُمي بالربيع العربي التي لعبت السياسة الأمريكية دوراً -وإن لم يكن الدور الأساسي- في تفجيرها، ثم حاولت توظيفها لصالح ما يُسمى بالإسلام السياسي وبالذات جماعة "الإخوان المسلمين" التي نجحت في خداع الدوائر الأمريكية المسؤولة وإقناعها بديمقراطيتها بحيث انحازت السياسة الأمريكية لها في المعارك التي خاضتها، ووقفت إلى جوارها عندما أطاح الشعب المصري بمساندة قواته المسلحة في يوليو٢٠١٣م، إلى درجة فرض عقوبات على النظام المصري الجديد، بل واغتنام هذه الفرصة لتوظيف سلاح الدفاع عن حقوق الإنسان على نحو فج ليس ضد هذا النظام فحسب وإنما ضد أي نظام عربي لا تروق للسياسة الأمريكية توجهاته، وعموماً برز التوظيف السياسي لحقوق الإنسان من قِبَل إدارات أمريكية متعاقبة ودوائر رأي عام وجماعات مصالح نافذة في الولايات المتحدة باعتباره واحدة من المشكلات التي اعترضت مسار العلاقات الأمريكية-العربية عموماً وأفضت إلى مشكلات متكررة في هذا المسار.

 

   فإذا انتقلنا من المستوى العربي إلى المستوى الإقليمي للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة يبرز على الفور الملف النووي الإيراني الذي كشف مجدداً تباين الرؤى الأمريكية مع رؤى دول مجلس التعاون الخليجي التي يُفترض أنها صديقة للولايات المتحدة، ومن ثم فقد كان واجباً عليها أن تتشاور مع هذه الدول بشأن تفاصيل هذا الاتفاق وهواجسها تجاهه، وللأمانة فإن هذا التجاهل الأمريكي لم يكن خاصاً بالدول العربية فحسب، وإنما انطبق أيضاً على صديقتها الأولى إسرائيل التي فعل رئيس وزرائها آنذاك بنيامين نتنياهو المستحيل كي يوقف هذا الاتفاق وصولاً إلى تجاوز الرئيس الأمريكي ذاته ومخاطبة الكونجرس مباشرة لتحريضه ضد الاتفاق الذي كان اقتناع الرئيس باراك أوباما به قوياً لدرجة أنه لم يستجب لأي اعتراضات داخلية أو خارجية سواء على مبدأ الاتفاق ذاته أو على تفاصيله حتى تم توقيعه بالفعل في٢٠١٥م، بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، غير أن الأمر لم يتوقف عند حد توقيع الاتفاق، بل لقد تطوع أوباما بإسداء النصح للعرب بالتعايش مع إيران وكأن الممارسات الإيرانية التي تقف حجر عثرة أمام هذا التعايش ليس لها وجود، ووصل الأمر فيما سُمي بـ "عقيدة أوباما" إلى الحديث عن تضاؤل الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط إذا قورن بآسيا بل بإفريقيا! ومن ثم الحديث عن انسحاب أمريكي منه، وهي رؤية بالغة التهافت لأن نظرة واحدة إلى التفاعلات الأمريكية المتعلقة بالطاقة ومبيعات السلاح في المنطقة تؤكد بما لا يدع مجالاً لأي شك أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأول من هذه التفاعلات، وهو ما ثبت لاحقاً ونتابع مؤشراته بكل وضوح في الوقت الراهن، ويمكننا أن نربط تناول الخلاف الخليجي-الأمريكي بخصوص الملف الإيراني بقضية الصراع في اليمن، فقد كان هذا الصراع مناسبة شديدة الوضوح لإبراز عدم الاهتمام الأمريكي بالمصالح الخليجية المتضمنة فيه على نحو غير مفهوم، فقد بدأ الصراع بانقلاب جماعة الحوثيين في سبتمبر٢٠١٤م، على المسار الشرعي في اليمن الذي تم اتباعه بموجب المبادرة الخليجية، وتبنى المجتمع الدولي ممثلاً في أرفع مؤسساته أي مجلس الأمن القرار٢٢١٦في أبريل٢٠١٥م، في أعقاب "عاصفة الحزم" مباشرة التي اكتسبت على هذا النحو شرعية دولية لا شك فيها، ومع ذلك فقد بدأت بعض الدوائر الرسمية في الكونجرس والدوائر الإعلامية تتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان في الحرب من أجل استعادة الشرعية في اليمن، وكأن سجل الحوثيين لا يفيض بالانتهاكات، بل وكأن الانقلاب على الشرعية لا يمثل أصلاً أخطر انتهاك لهذه الحقوق، ومن هنا بدأت الضغوط بل واتُخذ بعض القرارات لوقف تزويد التحالف العربي بالسلاح في إدارتي أوباما وبايدن، وعندما صنف الرئيس دونالد ترامب الحوثيين كجماعة إرهابية في نهاية عهده تراجعت إدارة أوباما عن هذا التصنيف بدواعي إنسانية، والغريب في كل هذه المواقف أن الدوائر الأمريكية الرسمية وغير الرسمية تعلم مدى ارتباط الحوثيين بإيران التي لا تمل هذه الدوائر من الحديث عن ممارساتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وهكذا أكدت السياسة الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني من ناحية والصراع في اليمن من ناحية أخرى حقيقة تجاهل الإدارات الأمريكية لمصالح أصدقائها وفقاً لحسابات كثيراً ما ثبت خطؤها.

 

   وقد حدثت كل التطورات السابقة التي تم رصدها منذ بداية القرن الحالي الذي شهد متغيرات عالمية حقيقة تمثلت أولاً في استمرار تقدم القطار الصيني بثبات نحو القمة العالمية بوسائل سلمية وبدون سياسات تدخلية في الشؤون الداخلية للدول بذرائع حقوق الإنسان أو غيرها، وثانياً في عودة الحضور الروسي المؤثر في الساحة الدولية منذ وصل الرئيس بوتين إلى قمة السلطة فيها في٢٠٠٠م، وأعاد بناء القوة الروسية اقتصادياً وعسكرياً بعد عقد كامل من التراجع في عهد رئاسة يلتسين، وأدخل وجود هذين القطبين المؤثرين نوعاً من التوازن في الساحة الدولية، ومثل بديلاً معقولاً لدعم السياسات الاستقلالية للقوى الإقليمية حال تضررها من الممارسات الأمريكية بما يعيد إلى الأذهان مع خلاف في التفاصيل نموذج القيادة الثنائية للنظام العالمي الذي ساد منذ خمسينات القرن الماضي وحتى وصول ميخائيل جورباتشوف إلى قمة السلطة في الاتحاد السوڤيتي، والذي أدت سياساته أولاً إلى تغيير الطابع الصراعي للعلاقة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي وثانياً إلى تفكك الاتحاد السوڤيتي ذاته في١٩٩١والتحول الفعلي إلى نموذج الأحادية القطبية الذي عانى العالم في ظله من شطحات السياسة الأمريكية التي نالت منها منطقتنا الكثير، ولا شك أنه مما سهل الاستعانة بالقطبين الصيني والروسي لإدخال نوع من التوازن والتنوع في شبكات العلاقات الدولية لدول المنطقة تراجع البعد الأيديولوجي في السياسات الخارجية لهذين القطبين، ويُظهر الصراع الدائر في أوكرانيا حالياً كيف أن ثمة تغيرات في موازين القوى العالمية آخذة في التبلور لابد من التأمل فيها ملياً واستيعاب دروسها.

   خاتمة

    قراءة في حاضر النموذج ومستقبله

     أظهر التحليل السابق كيف أن نموذج العلاقات الخليجية-الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية القرن العشرين قد اتسم بتعاون وثيق لا شك أنه انطوى على خلل في التوازن بين طرفيه بحكم أن أحدهما هو القوة العظمى الأولى في العالم، غير أن التحليل قد برهن بالأمثلة الواقعية على أن هذا الخلل لم يكن يعني التبعية بحال بدليل ما حدث في المعركة ضد الأحلاف الغربية في خمسينات القرن الماضي وفرض الدول العربية المصدرة للنفط عقوبات على الولايات المتحدة في حرب أكتوبر١٩٧٣م، بسبب تأييدها المطلق لإسرائيل، كما رصد تحليل المستجدات في نموذج العلاقات اعتباراً من بداية القرن الحالي كيف أن هذه المستجدات أظهرت أن السياسات الأمريكية تجاه المنطقة قد أفضت إلى تداعيات بالغة السلبية كما في حالة غزو العراق والسياسات التي اتُبعت في أعقابه وأدت إلى تمدد النفوذ الإيراني في العراق، وكذلك في حالة دعم جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر وغيرها، وتجاهل المصالح الخليجية والعربية في قضايا بالغة الحيوية كما في الملف النووي الإيراني والصراع الدائر في اليمن، ومن الواضح أن القيادة والنخبة في المملكة العربية السعودية قد قامت بالحسابات الرشيدة الواجبة واستخلصت النتائج الصحيحة، وهي التمسك بسياسة خارجية لا تنبع إلا من المصالح الوطنية والعربية وليس من تأييد سياسات غير رشيدة لا تتصل بالمصالح الوطنية الحيوية بل تتعارض معها كما يبدو واضحاً الآن مما يحدث للدول الأوروبية التي انساقت للسياسة الأمريكية دون تبصر.

   ويقدم الصراع الراهن في أوكرانيا مثالاً على النموذج الواجب اتباعه في العلاقات مع قوة عظمى كالولايات المتحدة، فالعلاقات معها أولاً مهمة بحكم دورها القيادي العالمي، لكن هذه الأهمية ثانياً لا تعطيها الحق في أن تملي على غيرها ما تشاء حتى ولو كان يتناقض مع مصالحه الوطنية، وعلى سبيل المثال فإن المطالبات الأمريكية بزيادة إنتاج النفط لمجرد إحكام العقوبات على روسيا مرفوضة، إذ يخضع هذا الإنتاج لاعتبارات اقتصادية ومؤسسية لا ينبغي أن يتم تسييسها، كما أن المطالبات بالمشاركة في فرض العقوبات على روسيا بسبب سياسات اتبعتها نتيجة التجاهل التام لهواجسها الأمنية تتعارض مع مصالح أي دولة لم تُستشر في السياسات الغربية تجاه روسيا والتي أفضت إلى الصراع الحالي، خاصة وأن ثمة شبكة من التفاعلات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية تربطنا بروسيا سوف تكون معرضة للخطر إذا تم الانقياد للسياسات الغربية دون مبرر، علماً بأن السياسات الأمريكية لا تتسق بالضرورة مع مصالحنا، وبالتالي فإن الانقياد لها دون تبصر يضر بالمصالح الوطنية والخليجية والعربية، ومن المطمئن للغاية ما يبدو من أن السياسات العربية والخليجية عامة والسعودية خاصة تسترشد بهذه البوصلة السليمة في إدارة علاقتها مع الولايات المتحدة بدليل الأداء الرفيع تجاه الصراع في أوكرانيا، وكذلك في "قمة جدة للأمن والتنمية" التي كانت بكل المعايير انتصاراً للسياسة السعودية وتأكيداً للنموذج المتوازن الجديد للعلاقات الخليجية-الأمريكية.

مقالات لنفس الكاتب