array(1) { [0]=> object(stdClass)#11966 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 176

أكتشف بايدن أن الواقع أغنى من الخيال ولابد من الرياض وإن طال السفر

الخميس، 28 تموز/يوليو 2022

تحميل    ملف الدراسة

منذ الحملة الانتخابية للرئيس بايدن ووصوله إلى سدة الرئاسة في البيت الأبيض اتسمت العلاقات الأمريكية –الخليجية بالتوتر والفتور، وعلى مدى عقد من الزمان، فقدت هذه الدول، على نحو، مطرد ثقتها في الولايات المتحدة كضامن للأمن، وبالتالي بدأت تركز على التنويع الاستراتيجي. وعلى خلفية التباعد المتزايد بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي أظهرت كل من الصين، وإلى حد ما، روسيا اهتمامًا بتوسيع علاقاتهما مع دول المنطقة. فاتجهت دول المجلس إلى التقارب مع المنافسين العالميين لواشنطن، وتطوير علاقتها إقليميًا كما في حالة التقارب مع إسرائيل. كان هذا التحول بمثابة جرس إنذار للإدارة الأمريكية التي بدأت مؤخرًا في تغيير مسارها حيث أن الرئيس بايدن شخصيًا قرر أن يزور جدة يومي 15 و16 يوليو الماضي من أجل الاجتماع بالملك سلمان وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان وحضور قمّة مجلس التعاون الخليجي بمشاركة كلّ من مصر والعراق والأردن.

في هذا السياق يمكن القول أن رحلة الرئيس بايدن  وليس زيارته، مرت بمسيرة طويلة وربما شاقة على الرئيس، ولم تتم إلا عبر عشرات المحطات، فقد كانت المحطة الأولى التي بدأ منها الرئيس بايدن رحلته بالوعد الذي قطعه للناخب الأمريكي علناً وفي أكثر من مناسبة منذ انتخابه ."لن ألتقي ولي العهد محمد بن سلمان" وتعهد بأن يجعل المملكة السعودية "دولة منبوذة"، ثم بدأ يكتشف أن الواقع أغنى من الخيال وأنه لابد من الرياض وإن طال السفر، فبدأت إشارات المودة عبر قيادات فاعلة في الإدارة الأمريكية أمنياً ودبلوماسياً بمن فيهم وزير الخارجية ومدير المخابرات المركزية الأمريكية، وخرجت إلى العلن تصريحات  من نوع: أشكر قيادة المملكة السعودية الشجاعة .وفي 8 يوليو 2021م، استقبلت واشنطن نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان حيث التقى كلاً من مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة ووزير الخارجية، بما وصفه الإعلام بأنه "استقبال السجادة الحمراء".

وكانت تلك خطوة إلى الأمام وأكدها الرئيس فأعلن "إن إنهاء الحرب في اليمن من أولويات إدارتي". ثم بدأ البيت الأبيض خطوات إلى الوراء لاستباق عددًا من خصومه المفترضين فأخذ يسرب إليهم وإلى الإعلام أخباراً هي أقرب إلى الكوميديا السوداء منها أن الرئيس ربما يلتقي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (صدفة)، وأنه سوف يتابع الحوار الذي كثيراً ما ناقشه مع السعوديين حول حقوق المثليين!

ثم بدأت التنازلات تأخذ مساراً عملياً ففي نوفمبر 2021م، أعلنت الإدارة الأمريكية عن صفقة صواريخ مع السعودية تبلغ قيمتها 650 مليون دولار وكانت تلك أول صفقة: أسلحة مع المملكة في ظل إدارة بايدن.

ثم مع تحديد موعد الرحلة المنتظرة تواتر الحديث عن أهدافها وهي أن الهدف من الرحلة محاولة إقناع المملكة العربية السعودية بزيادة إنتاج النفط والمساهمة في تخفيض الأسعار وهنا وقعت مفاجأة نادرة إذ تناهى إلى سمع بعض وسائل الإعلام حوار من طرف واحد بين الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس الأمريكي بايدن على هامش قمة الدول السبع أشار فيه ماكرون إلى الحديث الذي دار بينه وبين الشيخ محمد بن زايد الذي ذكر فيه التزام الإمارات بسقف إنتاج أوبك بلس وأن السعودية فقط من يمكنها زيادة الإنتاج بواقع 150 ألف برميل يومياً وربما أكثر قليلاً ولكن ليس قبل ستة أشهر. بالطبع نادراً ما تستطيع أجهزة الإعلام وحتى أجهزة الاستخبارات أن تلتقط حواراً من هذا النوع بين رئيسين برأسين متقاربين ولكن سواءً كانت هذه الحادثة وقعت بالصدفة أو كانت مدبرة فإنها نقلت رسالة واضحة وهي أن لا المملكة العربية السعودية ولا دولة الإمارات سوف تستجيبان لطموحات الرئيس الأمريكي.

وقد جاء الرد سريعاً إذ أعلن بايدن: أن الهدف من الزيارة ليس لزيادة إنتاج النفط بل لدفع التكامل بين المنطقة وإسرائيل، وذكر أنه سيلتقي الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وعندما سئل الرئيس الأمريكي فيما بعد: هل سوف تضغط على ولي العهد محمد بن سلمان عندما تجتمع به؟ رد على الفور: لا لن أفعل، وهو ما دفع إحدى وكالات الأنباء العالمية للتعليق، فقالت: "إن الرياض وإن فتحت أبوابها أخيراً للرئيس الأمريكي، فإن ذلك لن يكن بلا ثمن".

إلا أنه ليس من الصعب التنبؤ بسبب تغير السياسة الأمريكية تجاه دول مجلس التعاون، ففي حين ترى الإدارة الأمريكية أن إعادة التموضع الاستراتيجي لواشنطن في المنطقة وإنهاء التوتّر في الشرق الأوسط بأسرع ما يمكن هو أبرز الملفات على أجندة الرئيس بايدن في الزيارة، والذي قد ذكر في مؤتمره الصحفي في 12 يونيو أن رحلته لا تتعلق بتسعير الطاقة بشكل أساسي، و “الالتزامات التي يسعى إليها "لا تتعلق بأي شيء له صلة بالطاقة". إنما تتعلق "بالأمن القومي لهم وللإسرائيليين". وأن لديه "برنامج يتعلق بقضايا أكبر بكثير من مجرد التعامل مع جزئية الطاقة"، إلا أن العديد من المحللين يرى غير ذلك. فالتغير هو محصلة للصراع الأمريكي مع الصين وروسيا فقد غيرت الحرب الأوكرانية التصورات العامة والديناميكيات الفعلية للقوة العالمية بشكل كبير. لذلك فمن أجل الضغط على الاقتصاد الروسي تسعى الإدارة الأمريكية إلى إقناع دول الخليج بزيادة الإنتاج لخفض الأسعار من خلال "أوبك بلاس".

إن أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، التي بدأت تحلق فلكياً جاءت نتيجة لارتفاع الطلب المرتبط بالتعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الجائحة وازدادت نتيجة العقوبات المفروضة الآن على روسيا وإيران وفنزويلا. وساهم ارتفاع أسعار الطاقة إلى حد كبير في تأجيج التضخم، الذي برز كأكبر تحد اقتصادي وسياسي يواجه إدارة بايدن خصوصًا حين حاصرت صرخات الغضب البيت الأبيض. هذا ما دفع السياسة الخارجية الأمريكية إلى إدراك أهمية منطقة الخليج وبالذات المملكة العربية السعودية، لكونها المنتج للنفط القادر على زيادة الإنتاج بسرعة نسبية. فظهرت التقارير التي تدعوا إلى ضرورة اتخاذ خطوات سريعة لتحسين العلاقات مع دول المنطقة واعتبار السعودية شريكًا تشتد الحاجة إليه. وظهرت العديد من التوصيات والتي من أهمها دراسة لكل من ستيفن كوك ومارتن انديك بعنوان “مبررات ميثاق استراتيجي أمريكي-سعودي جديد" تدعو إلى تبني ميثاق استراتيجي جديد يتمحور حول مواجهة "الخطر الإيراني" وضرورة "إعادة تخيّل جذرية للعلاقات الأميركية-السعودية" ويدعوان فيه إلى ضرورة إعادة تقييم العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية ويقترحان "شراكة متجددة" تتخطى القضايا الملحة والآنية، مثل إمدادات النفط وصفقات الأسلحة، خصوصًا في ظل فشل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى استعادة الاتفاق النووي لعام 2015م، مع إيران. وقد دعت الدراسة إلى ضرورة احتواء طموحات إيران الإقليمية، وزيادة الضمانات الأمنية من الولايات المتحدة مقابل المزيد من الوساطة السعودية لأسعار النفط، وخفض التصعيد في اليمن، والمزيد من التطبيع الدبلوماسي مع إسرائيل. وقد أكد كوك وإنديك، على أنه بعد سبعة وسبعين عامًا من اتفاق روزفلت والملك عبد العزيز الأصلي، تتطلب الظروف المتغيرة إعادة تقييم قيمة العلاقة لكل جانب، لأنه إذا لم يتم اتخاذ إجراء عاجل، فمن المرجح أن تتسارع عملية الانفصال الجارية بالفعل، مما يضر بمصالح الجانبين".

في سعي واشنطن لاتخاذ خطوات لتحسين العلاقات مع دول المجلس وربطها معًا في إطار تعاون وثيق، أدركت أن المفتاح، وكالعادة، يكمن في الرياض، وهذا هو سبب إصرار بايدن على ألا تكون النقطة الرئيسية في رحلته تتعلق بأسعار الطاقة، بل بشيء “أكثر أهمية” ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن إسرائيل. وهو تصور سياسي يمكن تقديمه للكونجرس من أجل سياسة شرق أوسطية جديدة، تقنع أعضاءه سياسيًا.

أسس وواقع العلاقة الخليجية الأمريكية

لقد ساهم التركيز الأمريكي حول الحاجة إلى الحد من الوجود العسكري في الشرق الأوسط من أجل التصدي للتحديات الاستراتيجية الأكثر إلحاحًا في آسيا ولمواجهة صعود الصين والتهديد الروسي في فقد دول المجلس ثقتهم في التزام الولايات المتحدة بالدفاع عنهم ضد الطموح الإيراني في المنطقة. وازداد شكهم خصوصًا بعد توقيع الإدارة الأمريكية للاتفاق النووي مع إيران في عام 2015م، دون أدنى اعتبار لمصالح ومخاوف دول المجلس من التهديد الإيراني. وقد ظهر ذلك جليًا في موقف الحياد الاستراتيجي لدول المجلس حيال الغزو الروسي لأوكرانيا مما أقلق الإدارة الأمريكية باعتبارها الشريك الدولي المهيمن في الخليج، وتزايدت الدعوات إلى ضرورة التفات واشنطن إلى منطقة الشرق الأوسط.

لقد استندت العلاقة بين الولايات المتحدة ودول المجلس على ركيزتين هامتين في مجالي الدفاع والطاقة. إلا أن هذه العلاقة الراسخة عبر السنين تراجعت في السنوات الأخيرة. فقد كان لزيادة إنتاج النفط والغاز المحلي في الولايات المتحدة "ما دعا الكثيرين في واشنطن إلى الاعتقاد بصورة غير مدروسة على أن الخليج لم يعد ذا أهمية استراتيجية في مجال الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة. مثل هذا الاعتقاد جعل دول المجلس تنظر إلى الولايات المتحدة "كمنافس وليس كشريك يساهم في الحفاظ على استقرار سوق الطاقة في العالم".

ليس هناك من يشكك في أنه على مدى العقود العديدة الماضية، التزمت الولايات المتحدة تجاه شركائها الخليجيين، من خلال القواعد الأمريكية في المنطقة، ومبيعات الأسلحة المتطورة، وقدمت التدريب العسكري والصيانة وغيرها من أشكال الدعم، إلا أنه في نفس الوقت استفادت الولايات المتحدة من وضع هذه الشراكات الأمنية في خدمة الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في تحقيق الاستقرار في أسواق النفط، ومكافحة الإرهاب، ومحاولة ردع إيران. ولكن بالمقابل يخطئ من يعتقد أن الولايات المتحدة قد لا تحتاج دول الخليج والسعودية بالذات كشريك استراتيجي ومن ثم التخلي عن علاقة استمرت عقودًا مع دول تسيطر على أكثر من 25% من احتياطيات النفط المعروفة في العالم والتي يمكن أن تلعب دورًا مركزيًا في الاتجاهات السياسية والأيديولوجية في العالم العربي والإسلامي. وستظل دول الخليج العربية مصدرًا أساسيًا للنفط والغاز إلى دول العالم، على الرغم من بعض التأكيدات التي نعتقد أنها في غير محلها وهي أن "استقلال الطاقة" الأمريكي يحصنها من التغيرات الأوسع في قطاع الطاقة، فقد برهنت الحرب الروسية ـ الأوكرانية أن النفط والغاز سلع عالمية وأن أمن الاقتصاد الأمريكي سيظل يعتمد ليس فقط على الموارد الذاتية بل أيضًا على الاستقرار في قطاع الطاقة عالميًا.

التحولات في النظام العالمي وانعكاسها على مستقبل منطقة الخليج 

لقد ساهمت التعددية القطبية الجديدة والتطورات الإقليمية والعالمية في فرض الصين وروسيا واقعًا جديدًا على المنطقة. وفي ظل توتر وتأزم العلاقات بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، تطورت العلاقات مع الصين كشريك اقتصادي وتجاري، وروسيا كشريك رئيسي في تجمع أوبك+. هذه العلاقات شكلت تحديًا كبيرًا للمصالح الأمريكية وأفرزت تصورًا في المنطقة بأن الولايات المتحدة هي قوة متراجعة، خصوصًا مع استعداد الصين لتوفير التقنيات العسكرية الحيوية كأنظمة الطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية.

ومن أجل إعادة بناء العلاقات مع دول المجلس فقد تردد أن البديل الناجع الوحيد يكمن في إنشاء نظام جديد لاحتواء طهران وردعها. حتى وإن كانت الإدارة الأمريكية تعقد آمالاً كبيرةً على التوصل إلى اتفاق في فيينا، فإن بذل الجهود الموثوقة في إنشاء مثل هذا البرنامج الجديد لاحتواء إيران سيكون الوسيلة الأوضح لاكتساب نفوذ جديد في مواجهة طهران، وقد أكد البيت الأبيض فيما يتعلق بزيارة الرئيس بايدن على "إننا لا نسعى إلى قطع العلاقات"، وأن هناك الكثير على المحك في العمل مع السعودية على احتواء إيران، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وحماية حوالي 70 ألف أمريكي يعيشون ويعملون في المملكة. وتم التأكيد على أن هدف رحلة بايدن هو الالتزام الأمني الجديد نحو دول الخليج بالتعاون مع إسرائيل، وهي الخطوة الأولى نحو تحمل هذه الدول للمسؤولية الأساسية عن أمنها واستقرارها الإقليميين. بحيث تلعب الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا في بادئ الأمر لخلق البنية الأمنية الإقليمية ودعم التحالف المحتمل وحمايته. وحين تتيقن من فاعلية واستدامة هذا التحالف فإنه من الممكن حينها تقليص الوجود العسكري لها في المنطقة، وتحويل عبء الدفاع تدريجيًا وبشكل متزايد إلى الشركاء المحليين.

مما يعني أن أحد أهداف رحلة الرئيس بايدن إلى المنطقة هو المساعدة، بل ربما قيادة نظام أمني إقليمي أطلق عليه تسمية ناتو عربي أو شرق أوسطي وأترك لأهل الاختصاص تفاصيل هذا الموضوع وسأكتفي بما نشرته مجلة إيكونيميست البريطانية باختصارـ قالت المجلة: في 20 يوليو أعطى وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غاتس أول تأكيد رسمي لهذا التحالف عندما أبلغ أعضاء الكنيست إنه كان  يعمل مع أمريكا على برنامج لتعزيز التعاون الدفاعي بين إسرائيل والدول العربية، وشمل ذلك بناء نظام دفاع جوي في الشرق الأوسط ضد المحاولات الإيرانية لاستهداف دول المنطقة باستخدام الصواريخ وصواريخ كروز والطائرات بدون طيار وأن الأمر الأكثر إثارة للدهشة حين قال إن "هذا البرنامج يعمل بالفعل وقد أدى فعلاً إلى إحباط المحاولات الإيرانية". ويتجنب القائد السابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية استخدام مصطلح التحالف ويقول إن التحالف هو أعلى مستوى من العلاقات الأمنية بين الدول التي تتطلب أيضاً إجراءات هجومية. ما لدينا هو "إمكانية التعاون الدفاعي ضد تهديد مشترك." هذا على الجانب الإسرائيلي أما عن الجانب العربي فإن الإشارة الوحيدة|إلى قيام مثل هذا التحالف صدرت عن العاهل الأردني الملك عبدلله عندما قال في مقابلة تلفزيونية إنه يؤيد قيام (ناتو) في الشرق الأوسط.

كما تردد أيضًا أن مثل هذا التحالف يمكن أن يقنع دول الخليج بأن الولايات المتحدة لا تدير ظهرها لحلفائها وأنها، بدلاً من ذلك، مستعدة للالتزام مجددًا بأمنهم الأساسي. مما يشجعهم على العودة للالتزام بإطار عمل أمني تعمل فيه واشنطن كمركز للتنسيق باعتباره أمرًا في غاية الأهمية بالنسبة للجانبين.

في حين أن الإدارة الأمريكية تسعى لحماية مصالحها وترتيب أولوياتها في منطقة الشرق الأوسط، فإنه أيضًا من حق دول مجلس التعاون وحلفائها من الدول العربية أن تكون لديها مصالح وأجندات وطنية وأولويات جيوسياسية خاصة بها قد لا تتطابق مع الأجندة الأمريكية بما في ذلك رغبتها في تنويع شراكاتها وتوسيع علاقاتها مع مختلف الدول الإقليمية والعالمية. ومن ثم فإن قادة هذه الدول لن يتقبلوا محاولة الإدارة الأمريكية الضغط عليهم لتغيير سياساتهم في "أوبك بلاس" من ناحية حجم الإنتاج أو سعر البيع، أو اتخاذهم لموقف معاد لكل من بكين وموسكو. كما يجب إدراك أن الاختلافات والتباينات الاجتماعية والثقافية قد لا تتلاءم وتتطابق مع المعايير التي تسعى الإدارة الأمريكية لتعميمها.

ففي حين أن دول المنطقة تثمن الدور الأمريكي وتسعى أن تكون حليفًا قويًا للسياسة الأمريكية، على واشنطن استيعاب أن أسلوب التعامل الذي يسوده التعالي والفوقية لم يعد يجدي، وأنه بدون فهم أمريكي عميق لاختلاف الثقافات وتباين التوجهات المستقبلية يستحيل إقامة شراكة استراتيجية وازنة ودائمة.

كيفية تعزيز أواصر العلاقة وإزالة الشك والريبة خاصة لدى الجانب الخليجي

 

الشعور المتزايد في دول مجلس التعاون هو تضاؤل الاهتمام الأمريكي بمشاكلها الأمنية، في حين تتوقع منها واشنطن الاستجابة لمطالبها بقوة، وكان آخرها فيما يتعلق بسعر وإنتاج النفط، بينما تدير ظهرها لمطالب هذه الدول في المجال الأمني. إن سياسة الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط وعدم تركيزها على ما تعتبره دول الخليج قضايا حرجة جعلتها تدرك أن الإدارة الحالية، على عكس سابقتها، لا تعتبرها حليفًا مهمًا، بل وتعمل أحيانًا ضد مصالحها.

لذلك من أجل تعزيز أواصر العلاقة وإزالة الشك والريبة يجب أولا أن تدرك إدارة بايدن أن دول المجلس بالإضافة إلى مصر التي اجتمع بايدن مع قادتها هي قوة إقليمية واقتصادية لا يستهان بها فهي تملك صناديق سيادية تبلغ ثروتها ما يزيد على 3 تريليون دولار، والتي تعادل ثلث الثروة السيادية بالعالم وما يمثّل أكثر من 10 % من حجم الدين الأمريكي العامّ. وأنّ مجموع مشترياتها من الأسلحة يتعدّى 12 مليار دولار سنوياً بما في ذلك المساعدات لكلّ من مصر والأردن في المجال العسكري. وأنّ مجموع حصص هذه الدول في سوق النفط يقارب ربع الإنتاج اليومي العالمي، وأنّ احتياط مصر من الغاز يؤهّلها لأن تكون لاعباً رئيسياً في سوق الغاز مطلع عام 2030م، كما ذكر عماد الدين أديب.

يضاف إلى ذلك أن دول الخليج أيضًا يمكنها أن تلعب دورًا هامًا في المساعدة في الكثير من الحلول للمشاكل الأمريكية الإقليمية من خلال لعبها دور الوسيط مع الكثير من الأطراف وضمن الدور الاستراتيجي للقواعد العسكرية الموجودة في المنطقة.

 

الخاتمة

إن دول مجلس التعاون الخليجي لم تكن يوماً في موقع قوة كما هي عليه اليوم. حتى عندما استخدمت النفط كسلاح في عام 1973م.فقد كانت تلك الخطوة جزئية، أما اليوم فإنها عنصر قيادي في بلورة نظام عالمي جديد يشمل شعوب الأرض كلها بدون استثناء، وهي تدرك أبعاد هذه القوة ما دفعها إلى تعزيز وحدة البيت الداخلي. بدءًا من قمة العلا، ثم محاولات ترتيب البيت الإقليمي، وهو ما نجح فيه سمو ولي العهد محمد بن سلمان من خلال زياراته لكل من الأردن ومصر وتركيا، ثم جلسات الحوار المتعددة بين السعودية وإيران بوساطة عراقية لتخفيف حدة التوتر بين الرياض وطهران مع استضافة قطر للحوار الأمريكي الإيراني حول الاتفاق النووي وهو ما سوف تظهر بعض نتائجه بعد قمة جدة.

إن دول المجلس تعتبر الولايات المتحدة شريكًا استراتيجيًا مهمًا لها وتدرك ضرورة هذه الشراكة التي ترغب في استمرارها وتقويتها ولا شك أن التعاون والتنسيق والالتزام المتبادل هو المدخل للتخفيف من تراجع العلاقة بينهما وتلك مصلحة حيوية للجانبين. لقد حان الوقت لكلا الجانبين لوضع تصور واقعي للمضي قدمًا وفق آفاق استراتيجية جديدة تدرك التحول الحالي الذي حصل في المنطقة.

إن ما يقلق دول المجلس هو اندفاع واشنطن بصورة غير مسبوقة نحو توقيع الاتفاق النووي مع إيران متجاهلة أهدافها التوسعية وأجندتها المذهبية وتهديدها لدول المنطقة من خلال دعمها بالمال والسلاح لميليشيات إرهابية تعبث بأمن واستقرار المنطقة. ومن ثم فإن مواجهة نشاطات إيران تعتبرها دول المجلس البند الأبرز الذي يفضل أن تدركه الإدارة الأمريكية من أجل تصويب العلاقات الخليجية الأمريكية وإعادة تشكيلها على أساس يخدم المصالح المشتركة لها ولدول منطقة الشرق الأوسط، وبما يقدم من استراتيجيات جديدة وعصرية في ظل المنافسة الدولية الموسعة.

وفي الختام لا يمكن القول إلا أن مهمة بايدن للشرق الأوسط صعبة فهو يريد أن يكسب الإسرائيليين ودول الخليج من دون أن يخسر الاتفاق النووي مع إيران.

مقالات لنفس الكاتب