array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 177

الاحتواء منفردًا أو مزدوجًا سيكون على حساب القوة الغربية والأسطول الخامس

الأحد، 28 آب/أغسطس 2022

كان مولد ذلك التوجه الجيواستراتيجي الأمريكي ، مواكبًا لبدايات القرن الواحد والعشرين، الذي شهد أحداثًا وتفاعلات وتغيرات دولية وإقليمية هامة قادت إلى هذا التوجه الأمريكي، ولعل أهمها للولايات المتحدة هو أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001م، وما أعقبه من غزو العراق وزيادة كثافة التواجد العسكري الأمريكي والغربي - منذ تحرير الكويت- في الخليج  وفي أفغانستان على مقربة من المحيط الهندي المؤدي إلى الصين، التي غدت قوة عسكرية متسارعة النمو وقوة اقتصادية طموحة تسعى إلى المنافسة على الصدارة.

 وكذلك روسيا التى بدأت في التعافي من فترة الوهن الذى صاحب بعد مرحلة تفكك الاتحاد السوفيتي الذي ورثته روسيا، ومحاولة استعادة أجزاء من هذا الميراث ولو بالوسائل العسكرية التي استهلتها في جورجيا عام 2008م، فالقرم عام 2014 م، وصولاً إلى أوكرانيا في فبراير2022م، ومازالت حتى كتابة هذه السطور.

أما إقليميًا فقد كان الشرق الأوسط مسرحًا حاضرًا - وخاصة إقليمه الفرعي في الخليج – فقد نٌسب العمل الإرهابى الكبير في سبتمبر 2001م، ضد الولايات المتحدة  إلى الشرق الوسط والخليج حيث ينتمي معظم الإرهابيين، كما شهد الإقليم الصعود الإيراني  المتنامي سياسيًا وعسكريًا مع طموح نووى أوشك أن يصل إلى هدفه باستهلاك الوقت مقتديًا بالتجربة الكورية الشمالية في ظروف مشابهة.ليزداد خلل التوازن في المنطقة لغير صالح العرب بشكل عام والخليج بشكل خاص.

كان الاحتواء الأمريكي والأطلسي لروسيا واقعًا بالفعل وخاصة بعد انضمام معظم دول أوروبا الشرقية إلى الإتحاد الأوروبى أو منظمة حلف شمال الأطلسي أو كليهما، ليتجة نظر الإدارة الأمريكية إلى الصين مدعمة بالتواجد الغربي الكثيف في الخليج وأفغانستان وتشكيل الأسطول الخامس  في الخليج على مقربة من المحيط الهندي المؤدي إلى المحيط الهادي عبر بحر الصين الجنوبي- الإندو باسيفك – الذى اعتبرته الإدارة الأمريكية أهم أقاليم القرن الأمريكي الجديد.

وهنا يجدر بنا أن نلقي نظرة  على تلك القوى العسكرية  الثلاثة المكوٍنة لهذا الاحتواء، مع أخذ فرنسا وبريطانيا فقط من حلف الناتو لتشكلان مع الولايات المتحدة ما رمزنا له (بالمعسكر الغربي) بينما رمزنا لروسيا والصين (بالمعسكر الشرقي)

المقارنة الاستراتيجية العسكرية بين القوى الثلاثة:

 

مدفعية

مجنزرات

دبابات

هيل

هجومي

نقل

وهيل

طائرات

مقاتلة

اجمالي

ق جو

احتياط

بالألف

قوة عسكرية

المقارنات

2837

45193

6612

910

6445

2740

13247

442

1.3 مليون

الولايات المتحدة

215

5015

227

24

275

142

693

37

194

ألف

بريطانيا

214

6558

406

69

560

266

1055

35

205

الف

فرنسا

3266

56766

7245

1003

13725

3148

14995

514

ألف

1.7

مليون

إجمالى غربى

 

14145

30122

12420

544

1979

1511

4273

250

الف

850

الف

روسيا

5854

35000

5250

281

1198

1571

3285

510

الف

2مليون

الصين

19999

65122

17670

825

3177

3082

7558

760

ألف

 

2.85

مليون

إجمالى شرقى

 

التقييم والتصنيف العسكري العام للطرفين الغربي والشرقى :

طبقًا لمراكز التقييم العسكري العالمية المتخصصة، تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في صدارة التصنيف والترتيب الدولي لعدد 142 دولة  تليها روسيا في المركز الثاني ثم الصين في  المركز الثالث، وإذا تمت إضافة فرنسا وبريطانيا فقط - من حلف الأطلنطى(30) دولة -إلى الولايات المتحدة، فإن ذلك يعزز صدارة الأخيرة كما يعزز محصلة القوة الغربية، ليس فقط من حيث عدد نظم التسلح الذي تعنى به تلك المراكز المتخصصة، بل من حيث الكيف والتكنولوجيا المتقدمة والتي تستوردها كل من روسيا والصين من الغرب وخاصة من تلك الدول الثلاث.

سكان

مليون

نسمة

مساحة

مليون

كم مربع

ميزانية

عسكرية

ملياردولار

 

فرقاطات

مدمرات

غواصات

حاملة

هيل

حاملة

طائرات

صواريخ

ميدان

المقارنات

335

 

9.827

770

--

94

68

9

11

1366

الولايات المتحدة

67

 

244.

68

12

6

10

--

3

44

بريطانيا

 

68

644.

40

11

10

10

3

1

130

فرنسا

 

470

10.715

878

23

110

88

12

15

1432

إجمالي غربي

142

 

17.1

145

11

15

70

--

1

3391

روسيا

1398

 

9.597

230

49

41

78

1

2

3160

الصين

1540

26.697

375

60

56

149

1

3

6551

إجمالي شرقي

ونلاحظ أن تلك المراكز تعنى  بالرصد والتقييم والترتيب  فقط لنظم التسلح القليدي التي وردت في جدول الأمم المتحدة لهذا الشأن الذي صدر فى بدايات  تسعينيات القرن الماضى، ليبقى خارج التقييم والترتيب نظم التسلح فوق التقليدية وكذلك النووية التي تشكل عصب أسلحة التدمير الشامل، حيث تشمل الأسلحة فوق التقليدية التى تملكها كل الدول السابقة محل الدراسة ومنها (الصواريخ الباليستية والكروز ومضداتها- والأقمار الاصطناعية العسكرية- والطائرات غير المأهولة الدرونز- وما يستجد ) كما يبقى خارج الترتيب والتقييم  أقوى عناصر أسلحة التدمير الشامل - والتى تملكها كل تلك الدول الخمس  التى تشكل فقط النادى النووي وأيضًا الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وتملك حق الاعتراض (فيتو)-  وهي القدرات النووية بشقيها الذري والهيدروجيني ، حيث تأتي روسيا في مقدمة عدد الرؤوس النووية، ثم الولايات المتحدة ، ثم الصين، ففرنسا، وأخيرًا بريطانيا.

وتتراوح وسائل الإطلاق النووي بين البري والجوي والبحري ، حيث يرتبط ذلك بالموقع والموقف الجيوستراتيجي لكل من تلك الدول من جهة، والدولة أو الهدف المعادي من جهة أخرى. ولذلك تتفوق روسيا فى وسائل الإطلاق البري الثابت والمتحرك على جنزير أو سكك حديدية على حساب تفوقها البحري والجوي، عكس الولايات المتحدة التي تتفوق  فى سائل الإطلاق الجوي والبحري (سى بيد) على حساب تفوقها البرى، بينما تتفوق الصين- نسبيًا- بريًا وبحريًا على حساب تفوقها الجوي، وتتفوق بريطانيا في المجالين البحري والجوي، بينما تتفوق فرنسا في المجالين البري الجوي.

الإنعكاس الجيوستراتجى على المجالات العسكرية ونظم التسلح للطرفين الغربى والشرقي :

 -المسرح الأوروبى الغرب (الولايات المتحدة وحلف الناتو) ضد روسيا :

يشكل الغرب كتلة جيواستراتيجية واحدة شرق وغرب شمال المحيط الأطلنطي (حيث استوحيت التسمية بمنظمة حلف شمال الأطلنطي- ن ا ت و) بوقوع أوروبا شرقًا والولايات المتحدة وكندا غربًا.

وقد زادت دول الحلف من 13 دولة قبل تفكك الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو،إلى 30 دولة بانضمام معظم دول أوروبا الشرقية- عدا بلاروسيا وأوكرانيا- فرضت اليابسة الأوروبية على دولها المتوسطة والصغيرة في المساحة  الاعتماد على قوات برية محدودة مع قوات جوية نوعية وخاصة بريطانيا وفرنسا-وفى الطريق ألمانيا- مع الإعتماد هلى الدعم الأمريكى الكبير فى شتى مجالات التسلح مع الاعتماد على الأسطيل الأمريكية  الرئيسية (الثانى فى المحيط الأطلسى والسادس فى البحر المتوسط) مع دعم بحري بريطاني وفرنسي حتى مستوى حاملات الطائرات وحاملات المروحيات حيث بلغت عدد 26حاملة مقابل حاملة واحدة لروسيا،وكذلك الحال فى القوات الجوية كمًا ونوعًا،عكس القوات البرية وخاصة الدبابات ومركبات القتال المدرعة ونظم صواريخ الميدان التى تحقق فيها روسيا تفوقًا عدديًا بصفتها دولة برية(يابسية) كأكبر مساحة دولة فى العالم، أما القوات البحرية فإن التفوق النوعى للغرب رغم التفوق العددي الروسي في بعض المجالات، حيث بدأت روسيا خطة تطوير وتحديث طموحة منذعام 2018م، بتراكم عائدات الطاقة كأحد أكبر مصادرها في العالم، وإن ظلت الميزانية العسكرية محدودة مقارنة بالولايات المتحدة وحدها (  145: 770 ) مليار دولارللعام 2021– 2022م،حيث تقارب الميزانية العسكرية للولايات المتحدة ضعف ميزانيتي روسيا والصين مجتمعتين (140+230) مليار دولار.

 مسرح جنوب شرق آسيا - الإندوباسيفيك - (الولايات المتحدة وحلف الناتو) ضد الصين:

 تحتل الصين المرتبة العسكرية الثالثة عالميًا، وينتمى إليها هذا المسرح بنسبة كبيرة، والذي جمع بين طبيعة المسرح البحري والبري على الترتيب، وتعتبر بحريي الصين الشرقي والجنوبي هما فنائيها البحريان وخاصة الأخير حيث يقع به وعلى شاطئة كل من تايوان التي تعتبرها الصين جزءًا من ترابها الوطني -وعلاقتها  الخاصة بالولايات المتحدة، التي أججتها زيارة السيدة نانسي بيلوسي رئيس مجلس النواب الأمريكي  في أول أغسطس 2022م، وكذلك هونج كونج وعلاقتها الخاصة ببريطانيا.كما أن امتداد بحر الصين الجنوبي يؤدي إلى أستراليا المنافس الإقليمي الصيني اللدود والتي انضمت مؤخرًا(2021م) إلى المحور الأمني العسكرى (اوكاس) الذي ضم كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وابتاعت أستراليا بموجبه ثمانية غواصات نووية أمريكية عالية التطور من طراز فرجينيا،وهو ما أثار الصين ودفعها إلى موضع قدم جنوبي في جزر سليمان بموجب اتفاق دفاعي وهو ما يشكل توجه استراتيجي عسكري جديد للصين استتبعة بدء مد جسور صداقة جديدة بين الولايات المتحدة وتلك الجزر.

كما يقلق الصين ويؤثر على بناء نظم تسلحها، التواجد الأمريكي البحري الكثيف من أسطولها السابع غرب المحيط الهادى وقيادته باليابان وأيضًا التواجد البريطاني البحري في أرخبيل الفيلبين، حيث التواجد والمرور الأمريكي البريطاني الاستفزازي الدائم خلال مضيق تايوان المتاخم للساحل الصيني.ورغم ذلك لا تمتلك الصين سوى ثلاث حاملات طائرات أحدهم حاملة مروحيات، ورغم امتلاكها العديد من سفن السطح الكبيرة والغواصات، إلا أنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة التى تستوردها من الغرب. وتتفوق في القوات البرية كروسيا ، كما تمتلك قوة بشرية كبيرة تحت السلاح سواء عاملة أو إحتياطية  توفرها بسهولة القوة البشرية للدولة (1.3 مليار نسمة) وتضعها في المرتبة الأولى عالميا لقرابة (2 +5.) مليون جندي عامل واحتياط على الترتيب.

 (الجيواستراتجى ) ونظرية الاحتواء الأمريكى الغربى لروسيا والصين :

 

يشمل مصطلح الجيواستراتيجي المستحدث في داخله مصطلحين فرعيين، الأول هو(الجغرافيا) الراسخة منذ القدم، وقوامها الرئيسي هو اليابس والبحاروما يعلوهما من مجال جوي ارتبط بالجاذبية الأرضية، وحديثًا تخطاها إلى الفضاء الخارجي ليضاف عامل الزمن حيث المجالات الفرعية الإلكترونية والسيبرانية وما يستجد بعد تقنية الـ (جي 5)،وهذا المجال هو مسرح الأقمار الاصطناعية - بما فيها العسكرية - وسفن الفضاء وتعبره مؤقتا الصواريخ الباليستية قبل العودة تاليًا إلى المجال الجوي والجاذبية الأرضية. أما المصطلح الثانى فهو (الاستراتيجية) بمجالاته الرئيسية الأربعة - السياسية - والعسكرية -والاقتصادية - والاجتماعية، والمجال الأخير قد  يتفرع إلى  التكنولوجيا والقوى الناعمة والثقافة . الخ، كمحصلة للقوى الشاملة للدولة.

وهنا وفي إطار الاحتواءالأمريكي  الغربي المزدوج لروسيا والصين، سنركز  في الجغرافيا على اليابس والبحار، وفى الاستراتيجية سنركز على المجال العسكرى وما يمسه من مجالات أخرى كالآتى:

المسرح الصيني في جنوب شرق آسيا،  والمسرح الروسى العام وخاصة فى شرق أوروبا،يشكلان مسرحان استراتيجيان منفصلان، رغم الحدود البرية المشتركة من شرق منغوليا وحتى جنوب (فلاديفستك) الروسية إلى بحر اليابان، التى تبعد عن اوروبا الشرقية بمسافة 110 خط طول أى اكثر من  12 الف كم.. وكذلك الحدود البحرية حيث الاتصال في أقصى الشرق بين البحر الأصفر الصيني الى بحر(أوكيتسك) الروسي عبر بحر اليابان.

وإن البديل هو خط مرور دولي طويل يمتد من الصين- إلى الهند- إلى الخليج العربي - فالبحر الأحمر وقناة السويس- فالبحر المتوسط -ثم المضايق التركية إلى البحرالأسود.. وإذا كان المستهدف بالدعم البحري إلى روسيا خلال بحر البلطيق، فستزداد المسافة مجددًا بالدوران حول أوروبا من الجنوب والغرب. والعكس صحيح من روسيا إلى الصين .

وبالتالى تظهر صعوبة المناورة بين المسرحين برًا وبحرًا نظرًا لطول المسافات ومدى الانكشاف والتعرض والاستهداف عكس المناورة بالقوات الجوية التي يمكن أن تتم على وثبات .

النظرية الأمريكية  للاحتواء المزدوج وانعكاسها على أمن الخليج :

 ارتبطت تلك النظرية بهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية خلال الفترة الرئاسية الأولى من عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما ونائبه جو بايدين (يناير2009- يناير2017م)، واستمر ذلك لاحقًا في كتاباتها وأحد محاور برنامجها الانتخابي الرئاسي الديمقراطي حيث خسرت أمام الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وإن ظلت فلسفتها تعرف بنظرية أو استراتيجية كلينتون للاحتواء المزدوج. وكانت النظرية تُعنى باحتواء كل من روسيا الاتحادية والصين الشعبية في آن واحد، على الأقل خلال العقود الأولى من القرن الواحد والعشرين، ثم أضافت لاحقًا إن  القرن الواحد والعشرين  (للإندوباسيفيك ) يجب أن يكون قرنًا أمريكياً.

مهد ذلك التوجه إلى إرساء الحوار الأمني الرباعي (كواد) الذى ضم الولايات المتحدة والهند واليابان واستراليا، ولاحقا فى سبتمبر 2021م، تم إرساء التحالف الأمنى (أوكوس) وهو تحالف محور ضم الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا - ونلاحظ أن الأخيرة والولايات المتحدة مشتركان في كلا التحالفين- وان كان  التحالف الأخير ذو طا بع أمني عسكري  بوضوح..

إنعكاس احتواء الصين على الأمن الخليجى:

سوف يتأثر بالسلب نتيجة سحب أجزاء من الأسطول الخامس الأمريكى في الخليج العربي(قيادته في البحرين) وهو ما يُخل بالتوازن العسكري العام والبحري بشكل خاص لصالح إيران، وقد يستتبعه (تخفيف) للقوات الأمريكية الأخرى في الخليج بما فيها بعض قوات الناتو – وذلك لدعم شرق المحيط الهندي وغرب الأرخبيل الدولي (فيتنام-تايلاند – سنغافوره - ماليزيا- الفليبين- اندونيسيا- استراليا)  على أن يدعم الجانب الشرقي للأرخبيل أي غرب المحيط الهادي من الأسطول السابع الأمريكي وقيادته في اليابان-كما سبق- حيث يشكلان قوس احتواء بحري لشرق وجنوب الصين..ويلاحظ هنا محدودية دورحلف الأطلنطي في الاحتواء حيث لم يشارك منه مع الولايات المتحدة سوى بريطانيا فقط .

الاحتواء الغربى (الولايات المتحدة والناتو)  لروسيا  :

يعتبر الاحتواء الغربي الأمريكي وحلف الأطلنطي لروسيا أكثر حساسية وتهديد منه لاحتوائهما للصين، فمسرح أوروبا الشرقية متاخم في معظمه للحدود الروسية البرية والبحرية من إستونيا شمالاً مرورًا بلاتفيا- ورومانيا- وبلغاريا -وتركيا- وبتمام انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو سوف تزداد حدود الحلف المتاخمة لروسيا شمالاً لمسافة 1300 كم وحتى الحدود النرويجية الروسية، حيث لا يتبقى من تلك الحدود المشتركة بين الحلف وروسيا سوى بلاروسيا وأوكرانيا طبقًا لنهاية حربها مع روسيا.

وهنا تشارك جميع دول حلف الناتو في الاحتواء ،كما أن العاصمة الروسية موسكو لاتبعد كثيرًا عن الحد الأمامي لدفاعات الحلف وهو ما يزيد من الحساسية الروسية وتجعلها الأقرب من الغرب لاستخدام الأسلحة النووية إذا ما فرض عليها خيار البقاء .

انعكاس احتواء روسيا على أمن الخليج :

سوف يتأثر بالسلب أيضًا ولكن ليس بشكل مباشر كما سبق الإشارة إليه في الاحتواء الصيني، ولكن سيكون بشكل غير مباشر كما يتم حاليًا من تقارب روسي ــ إيراني  نتييجة الأزمة الأوكرانية وبحث روسيا عن أصدقاء وشبه حلفاء جدد تجمعهم معها العداء تجاه الولايات المتحدة من منطلق (عدو عدوي..صديقي) فسوف تجمعهما مقاومة العقوبات الاقتصادية الغربية، مع إمداد إيران بما هو حديث فى الترسانة الروسية وخاصة ما هو متقدم  فى مجالات القوات الجوية من طرازات(سوخوى - ومبج)وكذلك نظم الدفاع الجوي المتطورة من طرازات (إس إس 400) وربما طراز500 فور إتاحته مستقبلاً، مما سيؤثر بالسلب على أهم نقاط التفوق الخليجى بامتلاك قوات جوية متفوقة كمًا ونوعًا فى مواجهة التفوق الإيرانى الصاروخى.. كما يعطي الممر البحرى الروسي- الإيراني القصير والخاص خلال بحر قزوين المغلق، المزيد من  السرية والخصوصية بعيدًا عن خطوط الملاحة والممرات الدولية كقناة السويس وباب المندب وهورموز..حيث تستخدم روسيا حاليًا هذا الممر الملاحي الخاص لنقل المسيرات الإيرانية لإشراكها في الحرب الأوكرانية.كأحد مخرجات زيارة بوتين لطهران مؤخراً.

بالإضافة إلى إحتمالية  أن تأخذ روسيا منحى غض الطرف -على الأقل – تجاه تحجيم البرنامج النووي الإيرانى وعدم القيام بأي دور فعًال في المباحثات الجارية لإحياء إتفاق 5+1 بالإضافة إلى عدم توقف روسيا عن إمداد إيران بخلايا حديثة للطرد المركزى (سنترفيوج)، سواء لاستيعاض ما يتوقف ،أو ممكن أن يتلف نتيجة  أي ضربات معادية (إسرائيلية) وكل ذلك يُسرٍع من خطى إيران لزيادة نسبة تخصيب(إثراء/إغناء)اليورانيوم إلى نسبة 90% للوصول إلى (العتبة النووية) ليستيقظ العالم يومًا على تجربة نووية إيرانية فى جبال زاجروس أو صحراء لوط !!

وهنا سوف يصبح الخلل في موازين القوى في الخليج العربي مختل بشكل كبيرلصالح إيران و لغير صالح العرب، ليكون البحث عن نقاط (توازن جديدة ) أكثر صعوبة رغم ضروريتها..مع أهمية البدء فى بناء الجيوش الخليجية الذكية التي تعتمد على الكيف وليس الكم ،المتعارض مع الموقف الديموجرافي لمعظم دول مجلس التعاون الخليجى.ي

مخرجات مؤتمر الناتو بمدريد وإنعكاسه على الأزمة الأوكرانية والشرق الأوسط :

كان آخر إجتماع للحلف ، وعقد فى مدريد فى 29 يونيو2022 م، فى ذكرى انضمام أسبانيا إلى الحلف،وكانت أهم قراراته ذات العلاقة بروسيا والصين هي التصدى للنفوذ العسكري  الروسي والصيني، وحاليًا تجاه روسيا منفردة،  باستمراروحدة الحلف  لدعم أوكرانيا والتصويت على انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف، وهو ما سوف يزيد الحدود المباشرة للحلف مع روسيا لمسافة 1300 كم لإرهاق روسيا في حالة فتح جبهتين، بالاضافة إلى قرار زيادة  دعم قوات الحلف فى بحر البلطيق لذات الهدف.

وتجاه الصين كان برمزية حضور الدول المحيطة بها كمراقبين وهم، كوريا الجنوبية – استراليا – نيوزيلاندا – واليابان .. بالإضافة إلى قرارات أخرى مثل رأب الصدع الذي خلفته سياسة الرئيس الأمريكي السابق ترامب تجاه الحلف- وكذلك مقاومة الإرهاب المتنامي في إفريقيا (كطلب فرنسا) وأيضًا الإعداد لقمة المناخ القادمة في شرم الشيخ بمصر. وهنا نلاحظ أن المؤتمر لم يتعرض لمشكلات الشرق الأوسط وخاصة إيران..

هل يستطيع الناتو وآخرين صياغة (هيلسنكى)جديدة للأمن والتعاون؟:

يتسائل بعض المتفائلين، هل يمكن عقد مثل تلك الإتفاقية التي وقعت في  فنلندا وحملت اسم عاصمتها في الأول من أغسطس عام 1975م، كدعوة الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون  منذ نهاية ستينيات القرن الماضي وتأخر عقدها بسبب حرب أكتوبر 1973م،  وذلك لكبح زمام التصاعد بين الشرق والغرب وحلفيهما  منذ الحرب العالمية الثانية وتقسيم ألمانيا وبرلين وتأجج الحرب الباردة طيلة ثلاثين عامًا. وحيث نجح الإتفاق جزئيًا في بناء الثقة فى إطار ضبط التسلح مع الحد والخفض لبعض الأسلحة النووية كمعاهدات (سوات 1 و 2) مع احترام حدود الدول والعرقيات والأديان واللغات ..إلخ

ولكن ذلك لم ينجح  أو يصمد كثيرًا، فلأسباب حدودية وعرقية ولغوية، احتلت تركيا شمال قبرص، وروسيا لجورجيا والقرم وأجزاء من أوكرانيا، والولايات المتحدة للعراق وأفغانستان..وبقيت قضية فلسطين كما هي بل ازدات سوءًا وظلمًا وتعقيدًا، وإذا كانت (هيلسينكى) قد عقدت في خضم الحرب الباردة  والحوارات السياسية، فقد تغير الموقف الآن إلى حرب (ساخنة) وحوارالمدافع والطائرات والأساطيل وكافة وسائل القتل والدمار.. فلنبحث عن إيقاف لتلك الحروب أولًا، ثم نبحث عن هيلسينكي جديدة، ونأمل أن تكون عادلة..

ونخلص الى :

لقد بنيت نظرية الاحتواء المزدوج الأمريكي المدعوم من بعض أعضاء حلف الناتو- في بداية هذا القرن- على القوة الأمريكية الغربية وتموضعها في شرق أوربا في مواجهة روسيا الآخذة في التعافي، وفي جنوب الإندوباسيفيك والخليج واستراليا في مواجهة الصين الآخذة في التحول من دولة نامية متقدمة إلى قوة كبرى عسكرية وإقتصادية، ولكن ظهر مدى صعوبة ذلك عندما وضعت النظرية موضع التنفيذ خلال الحرب الروسية على أوكرانيا مع بدايات العام الحالي . وإن الاحتواء لروسيا استنزف الكثير للجهود الغربية  العسكرية والاقتصادية ولم يتبق الكثير ليوجه لاحتواء الصين في ذات الوقت.وإن تم منفردًا أو مزدوجًا فسيكون على حساب القوة الغربية والأسطول الخامس في الخليج .

وفىي كلتا الحالتين سوف يقع الضرر على الوطن العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص، حيث إن الإحتواء الروسي قد أوجد مقاربات استراتيجية برهن عليها لقاء رؤساء روسيا وتركيا وإيران في طهران مؤخرًا،مع دعم عسكري روسي متقدم إلى إيران، يصاحبه غض طرف روسي وعدم حماس تجاه إحياء إتفاق 5+1 مما يقرب إيران خطوات من امتلاك سلاحها النووى ليزيد خلل التوازن الإستراتيجى العسكرى لغير الصالح العربي والخليجى مما قد يجبر بعض الدول العربية الرئيسية إلى إنتهاج نهج إيران بحثًا عن إصلاح خلل التوازن الإستراتيجى، والبحث عن معادلة توازن جديدة اقتداءًا بتجربة شبه القارة الهندية، طالما فشلت جهود إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل.

مقالات لنفس الكاتب