array(1) { [0]=> object(stdClass)#12152 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 178

اعتماد اليابان على الطاقة يبرز أهمية الحفاظ على علاقات مستدامة مع دول الخليج

الأحد، 28 آب/أغسطس 2022

أثارت واقعة اغتيال رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي خلال تجمع انتخابي بمدينة نارا في 8 من يوليو الماضي، صدمة كبيرة هزت دول العالم أجمع. وتعد مدينة نارا العاصمة القديمة لليابان، ولديها ارتباط تاريخي وثيق مع العائلة الامبراطورية اليابانية تمتد جذوره إلى أكثر من   1300 عامًا. وتضم نارا العديد من المعابد التاريخية والأعمال الفنية التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن عندما كانت عاصمة اليابان.

مأساة اغتيال شينزو آبي ليست مروعة فحسب بل مثيرة للحيرة أيضًا، حيث تأتي في وقت لم تعهد اليابان أية أحداث عنف سياسي قرابة نصف قرن من الزمان بفضل تشديد الرقابة على حيازة السلاح، فضلًا عن تنحي آبي عن منصبه كرئيس للوزراء منذ عام 2020م، وعدم تقلده أي منصب حكومي رسمي بعد ذلك. كما أكد منفذ الهجوم عدم وجود دوافع سياسية وراء ارتكاب فعلته، ليتضح أن الدافع يتعلق بمشاعر غضب وضغينة حملها القاتل تجاه كنيسة التوحيد اليابانية التي ينتمي لها السياسي الراحل، خاصة بعد أن أدى إخلاص والدته تجاه الكنيسة إلى إفلاس عائلته المالي وسوء مستواها المعيشي. ورغم ذلك يظل من الصعب الوقوف على الأسباب والدوافع الحقيقية وراء قيام أحدهما بهجوم مماثل. لكن يبدو أن قاتل رئيس الوزراء آبي، تيتسويا ياجامي البالغ من العمر 41 عامًا، قد استخدم بندقية كبيرة محلية الصنع - يمتلكها على الرغم من خضوعه لفحص نفسي سابق.

وكونها تعد واحدة من أكثر دول العالم أمانًا، عادة ما تكون الإجراءات الأمنية المصاحبة لأية فعاليات سياسية داخل اليابان خفيفة، حتى بالنسبة لرئيس الوزراء السابق، وهو ما يفسر كيف تمكن منفذ الهجوم من تحقيق هدفه. ووفقًا لتقارير إخبارية عدة، أعاد مقتل شينزو آبي الجدل مرة أخرى وبقوة داخل الرأي العام الياباني بشأن المكانة الراسخة التي تتمتع بها المنظمات الدينية، بصفتها صانعة تكتلات تصويتية تتمتع بموثوقية كبيرة كما تشكل جهات تطوعية في مختلف الحملات الانتخابية للحكومة اليابانية، إلى جانب بصمتها التاريخية القوية في العملية السياسية اليابانية.

  بدأت وسائل الإعلام اليابانية في أعقاب الحادث توضيح الروابط التي تجمع بين عائلة شينزو أبي وكنيسة التوحيد على مدار ثلاثة أجيال متعاقبة، حيث كانت الدوافع الأولية والحقيقية المحركة لعائلة آبي منذ تولي الجد الأكبر رئيس الوزراء الأسبق نوبوسوكي كيشي (1957-1960م) هي منع انتشار مبادئ الشيوعية داخل اليابان وكوريا وشرق آسيا. والمفارقة أن تلك المساعي أفضت في نهاية الأمر إلى تحالف محوري مع جماعة "نيبون كاي جي" أو التي تعرف باسم "مؤتمر اليابان"، وهي أكبر منظمة غير حكومية وجماعة ضغط يمينية متشددة وترتبط ارتباطًا وثيقًا ب"مؤسسة اليابان" صاحبة النفوذ الواسع وبعض القادة السياسيين في الداخل.

أكثر ما يميز إرث شينزو آبي من خلال ولايته غير المسبوقة كرئيس للوزراء -المنقسمة إلى فترتين أولهما غير موفقة واقتصرت على عام فقط (2006-2007م)، تلتها عودة ظافرة امتدت حتى سبعة أعوام (2012-2020م) - هي بصمته القوية في ملف السياسة الخارجية والأمن مقارنة بالشأن الداخلي. وبرغم نجاح رئيس الوزراء الياباني الراحل في الترويج دوليا لأجندته الخاصة بالسياسات الاقتصادية تحت شعار " أبينوميكس" أو "اقتصاد آبي"، غير أن سياساته الخارجية التحويلية بشأن "منطقة المحيطين الهادي والهندي الحرة والمفتوحة" كانت الأكثر انتشارًا وقبولاً. وقد أسهمت استراتيجية شينزو آبي في إضفاء بعد وفهم جديد للدور الذي تلعبه اليابان على الصعيد الدولي، كما أكسبت سياساتها الخارجية مزيدًا من المصداقية، وينسب له الفضل في ابتكار مصطلح "فويب" الذي يعبر عن منطقة المحيط الهادي والهندي حرة ومفتوحة، ويستخدم الآن بشكل شائع في الحديث عن الاستراتيجيات الأمنية والدبلوماسية داخل القارة الآسيوية.

ونجح آبي في إعادة بلورة جهود يابانية سابقة من أجل بناء علاقة أكثر قوة وصلابة مع الهند ودول المحيط الهادي وتطويع هذه الجهود في سبيل إعادة صياغة وتوسيع مكانة اليابان إقليميًا ودوليًا. كما ساهمت جهود رئيس الوزراء الياباني السابق في تكوين "إطار عمل اقتصادي للمحيطين الهندي والهادي من أجل الازدهار"، وهي مبادرة اقتصادية أطلقها الرئيس الأمريكي جون بايدن في 23 من مايو 2022م، لتحل محل "الشراكة عبر المحيط الهادي". وتم إطلاق إطار عمل المبادرة الاقتصادية بمشاركة 14 دولة عضو مؤسس، آخرها فيجي، التي تعد أول جزيرة في جنوب المحيط الهادئ تنضم إلى المبادرة، مع دعوة مفتوحة للدول الأخرى للانضمام في أي وقت.

مواقف شينزو آبي كان يمليها الصعود اللافت للقوة الصينية عسكريًا واقتصاديًا، فضلاً عن خطابات بكين الصارمة وأفعالها داخل بحري الصين الجنوبي والشرقي وما حولهما. وتحت قيادة آبي، التزمت الدولة اليابانية بتحديد ساحة استراتيجية ودبلوماسية تجعل من الصعب على بكين بسط هيمنتها داخل آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، وبالتالي كان العمل على تعميق العلاقات مع الهند ودول المحيط الهادئ جزءًا أصيلاً من هذه الاستراتيجية، مثلما كانت جهود رئيس الوزراء الراحل الرامية لتعزيز حضور اليابان الدفاعي في المنطقة بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

كان رئيس الوزراء آبي أيضًا من أبرز المؤيدين لمقترحات تعديل الدستور الياباني، من أجل تمكين الجيش الياباني (قوات الدفاع الذاتي) من الاضطلاع بدور أكبر إلى جانب حليفه الرئيسي، الولايات المتحدة. إلى جانب ذلك، سعى آبي إلى بناء روابط دبلوماسية أكثر عمقًا مع دول منطقة جنوب شرق آسيا، حتى إنه عمل على تحسين العلاقات مع كوريا الجنوبية، الجارة الأكثر شراسة ومنافسة لليابان، كما حاول حل أزمات اختطاف مواطنين يابانيين من قبل كوريا الشمالية.

وقد ظل التوتر في العلاقات اليابانية الصينية قائمًا خلال عهد آبي، لاسيما بعد الزيارة التي قام بها إلى ضريح ياسوكوني المثير للجدل، والذي تم تشييده عام 1869م، لتخليد ذكرى 2.5 مليون ياباني لقوا حتفهم إبان بداية القرن التاسع عشر ومن ضحايا الحرب العالمية الثانية. وبرغم أنه لم يعد يترأس أقوى فصيل داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي (سيوا كاي)، ظل شينزو آبي من أبرز وأشهر المدافعين عن تعزيز قدرات اليابان العسكرية. لذلك أبدى في كثير من الأحيان عزمه استكمال الجهود التي بدأها جده رئيس الوزراء الأسبق نوبوسوكي كيشي، ووالده سينتارو آبي، الذي عمل كوزير للخارجية في الفترة ما بين عامي 1962 حتى 1986 م، من أجل مراجعة المعاهدة الأمنية مع الولايات المتحدة، بهدف تعزيز قدرات الدفاع اليابانية.

كثير من أبناء الشعب الياباني لم يستوعب حتى الآن حقيقة أن مقتل آبي ليس حادثة عشوائية وأن السياسي الراحل هو حفيد رئيس الوزراء الأسبق نوبوسوكي كيشي الذي تعرض أيضًا لمحاولة اغتيال من قبل شخص ما سدد إليه 6 طعنات بالسكين، بعد وقت وجيز من تمرير المراجعة الخاصة بالمعاهدة الأمنية مع الولايات المتحدة، ولكن على عكس آبي، تمكن الجد من البقاء على قيد الحياة.

 

اليابان وآراء التحالف حيال الصين وروسيا

(تم كتابة هذا الفصل بالاشتراك مع الأستاذ الضيف بجامعة جيفو النسائية يوشياكي يانو والمستشار المؤسس لمنتدى اليابان للأمن)

زادت الصين من إنفاقها العسكري على نحو كبير منذ تسعينيات القرن الماضي، وفي الوقت الذي التزمت فيه كل من واشنطن وموسكو بمعاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، غطت بكين منطقة غرب المحيط الهادي وشمال المحيط الهندي بنظم سلاح منع الوصول أو حظر المنطقة الدفاعية (إيه 2- إيه دي)، وهي استراتيجية تستهدف إنشاء نظام يمنع حاملات الطائرات الأمريكية من الدفاع عن اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية.

كما دعا الرئيس الصيني شي جين بينج إلى "إعادة البناء العظيم للشعب الصيني" وكشف عن سعيه وراء خطة لتحويل بحر الصين الجنوبي إلى قاعدة عسكرية، إلى جانب بناء قاعدة في جيبوتي، وتوسيع النفوذ الصيني في جنوب المحيط الهادي.

ومنذ انتهاء الحرب الباردة، سعت الصين وروسيا إلى تعزيز علاقاتهما الثنائية من أجل خدمة مصالحهما المشتركة في مجابهة هيمنة النفوذ الأمريكي. كما عارضت الصين العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل حلف شمال الأطلسي "ناتو" ومجموعة السبع ضد روسيا بسبب غزوها العسكري لأوكرانيا. وساعد ذلك بدوره في تعميق أواصر العلاقات بين البلدين. وخلال اجتماع القمة الصيني الروسي المنعقد في يونيو الماضي، صرح الجانبان بأنه سيتم تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي بينهما، فيما شهدت الأعوام الأخيرة، تدريبات عسكرية مشتركة بين البلدين ومنها تدريبات عقدت بالقرب من اليابان كسلاح للتخويف العسكري.

 وقد ساهم التعاون الوثيق بين روسيا والصين إلى توازن القوى النووية العالمية ومن ثم تقويض الهيمنة الأمريكية، كما تتمتع بكين بأفضلية على صعيد الأسلحة النووية متوسطة المدى وحتى على صعيد الأسلحة النووية التكتيكية قصيرة المدى.  وتمتلك روسيا، التي تولي اهتماما كبيرا لحماية حدودها الممتدة عبر مسافات طويلة، نحو 1800 رأس حربية، في حين يقدر عدد الرؤوس الحربية النووية التي تمتلكها الصين حاليا بنحو 350، وسط جهود حثيثة من أجل زيادة الإنتاج. من جانبها، تضع وزارة الدفاع الأمريكية تقديرات بشأن تخطي ترسانتها 1000 بحلول 2030م.

ويرى البعض أن تنامي التهديد الناجم عن صعود القوة الصينية ساهم في تقويض رد فعل حلف الناتو تجاه الحرب في أوكرانيا وسط مخاوف من تصعيد نووي، فيما تشير التقييمات العسكرية الأمريكية الأخيرة إلى أن الجيش الصيني يتمتع بقدرات عسكرية أكبر مقارنة بالولايات المتحدة داخل المنطقة الآسيوية من حيث عدد صواريخ أرض-جو وصواريخ الدفاع الجوي والسفن البحرية في المناطق الساحلية من الصين.

ليست الولايات المتحدة وحدها المعرضة للتهديد الناجم عن تنامي قدرات الصين النووية وغير النووية، بل إلى جانبها اليابان وتايوان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، والهند.  وهو ما دفع رئيس الوزراء الياباني الراحل شينزو أبي للتقدم بمقترح بشأن تبني الولايات المتحدة مفهوم" منطقة المحيطين الهندي والهادي الحرة والمفتوحة" الذي يجمع بين الدول الأربع وهم: اليابان، والولايات المتحدة، وأستراليا، والهند.

رغم النزاعات الحدودية بين الهند والصين، حافظت الهند على سياسة الحياد وعدم الانحياز، ما يعكس شعور بعدم الثقة متأصل تجاه الولايات المتحدة وبريطانيا، فلطالما اعتمدت الهند على روسيا في استيراد الأسلحة والطاقة منخفضة التكلفة. ومع بداية الحرب الروسية -الأوكرانية، اختلفت الهند مع مجموعة الدول السبع وحلف الناتو بشأن العقوبات المفروضة على روسيا. ومنذ ذلك الحين تعمل على تقوية علاقاتها مع موسكو من خلال زيادة حجم وارداتها من النفط الخام الروسي.

ويخشى البعض من أن تحالف "أوكوس" الأمني أو ما يعرف بالتحالف الأنجلو سكسوني العسكري، الذي تم تدشينه في سبتمبر من عام 2021م، بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، بهدف دعم تطوير ونشر غواصات نووية داخل أستراليا، قد ينزع التعاون الأمني القائم تحت مظلة استراتيجية المحيطين الهندي والهادي حرة ومفتوحة. فرغم أن استراتيجية "فويب" تضمن التعاون على الصعيد التقني والاقتصادي، إلا أن قضايا الأمن الجوهرية لا تشكل جزءًا أصيلاً من هذا التعاون.  وفي آخر اجتماعات الحوار الأمني الرباعي “كواد" الذي يضم كل من اليابان والهند إلى جانب أستراليا والولايات المتحدة المنعقد في مايو الماضي، لم تلوم الهند روسيا بسبب غزو أوكرانيا، ولم تكن لتوافق على تعزيز تعاونها الأمني مع الدول الثلاث فيما يتعلق بقضايا الأمن الجوهرية باستثناء قضية المراقبة البحرية.

اليابان من جانبها، تسعى لتعزيز تعاونها الأمني مع كل من أستراليا والمملكة المتحدة، لتستكمل مسيرة تعاونها القائم مع واشنطن، لكنها قد تواجه صعوبة في تأسيس نظام يكفل حق الدفاع الجماعي عن النفس مثل حلف الناتو. إذ تحتاج اليابان إلى إجراء تعديلات دستورية تمكنها ممارسة حق الدفاع الجماعي عن النفس، ويسهل عملية تطوير قوة عسكرية يابانية تتجاوز إطار الدفاع عن أراضيها فقط. ومن المرجح أن تستغرق عملية تمرير ميزانية دفاعية تسهل التزام طوكيو ببنود المعاهدة وقتًا طويلاً.

وفي حال تعاونت بين اليابان مع دول حلف الناتو في المستقبل، فمن المتوقع أن يظل ضمن نطاق تبادل المعلومات والبحوث المشتركة وتطوير المعدات وتصدير الأسلحة إلى جانب التبادل العسكري والتدريبات المشتركة لاسيما مع المملكة المتحدة وفرنسا. كما ستعمل اليابان على تعزيز التعاون الشامل مع الدول الآسيوية في عموم الصين، بما في ذلك تايوان ودول جنوب شرق آسيا والهند، بالتوازي مع التعاون القائم مع الولايات المتحدة وأستراليا.

ا} دول الشرق الأوسط على الحياد في الأمم المتحدة

  امتناع ممثلي الدول العربية عن التصويت على القرار الأمريكي ضد روسيا خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في ال 7 من أبريل الماضي، إلى جانب مواصلة تركيا نهجها الدبلوماسي المستقل حيال موسكو، وعدم مشاركة تل أبيب في مقترح مجلس الأمن، إنما يعكس وجود توجه معين داخل الشرق الأوسط حيال الأزمة الروسية-الأوكرانية.

كما دعت كلاً من إيران وسوريا علانية إلى معاداة الولايات المتحدة، حتى أن بعض الحلفاء المقربين للإدارة الأمريكية في المنطقة والدول التي اعتمدت على مدار عقود طويلة على واشنطن لتوفير الدعم الأمني أرادوا عدم الانحياز، ما يعد دليلاً على وجود رغبة لدى البعض في الإبحار بعيدًا عن الفلك الأمريكي.

ب} العلاقات اليابانية الخليجية المستقبلية في أعقاب حرب أوكرانيا

حافظت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات على دورهما الريادي في سوق النفط العالمي بدعم تعاونهما مع روسيا عبر تحالف " أوبك بلس" النفطي. ورغم اعتماد البلدين التاريخي على الولايات المتحدة لتوفير الدعم الأمني، غير أن العديد من المراقبين رأوا أن الدعم الأمريكي لم يكن مؤثرًا أو فعالاً لحماية مصالح البلدين وغيرهما من الدول المنتجة للنفط.

 جاء ذلك في أعقاب الهجوم الحوثي على منشآت تابعة لشركة أرامكو، عملاق النفط السعودي، في سبتمبر من عام 2019م، وما تلاه من هجمات متكررة على منشآت نفطية إماراتية منذ يناير الماضي. وقد أدت خيبة الأمل حيال الحماية الأمنية الأمريكية وبطء التعاون العسكري إلى تنامي شعور انعدام الثقة حيال التطمينات والوعود الأمريكية الأمنية السابقة ومن ثم أفضى لعلاقات أكثر قربًا مع روسيا بوصفها بديل أمني لواشنطن. ويبدو أن هناك رغبة لدى كلا من المملكة العربية السعودية والإمارات في عدم المخاطرة بخسارة العلاقات الدبلوماسية المتطورة مع روسيا والتعاون القائم مع موسكو على الصعيد الأمني لاسيما فيما يتعلق بصفقات السلاح، وهو ما دفع الرياض وأبو ظبي لتبني موقف أكثر حيادية تجاه روسيا.

تعتمد سياسة الطاقة اليابانية على مبدأ " 3 إي + إس"، وهو ضمان استدامة موارد الطاقة الآمنة، وركيزته ثلاثة أهداف: الحفاظ على مصادر طاقة مستقرة إلى جانب تحقيق كفاءة اقتصادية وتوافق بيئي في الوقت ذاته. رغم ذلك سيظل الوقود الأحفوري التقليدي ومصادر الطاقة المتجددة عوامل غاية الأهمية في تحقيق سياسات استدامة موارد الطاقة الآمنة وضمان أمن الطاقة في اليابان، التي بات جليًا إنها تعاني من نقص في مصادر الطاقة.

وقد أدرك المهتمون بالشأن الياباني منذ قرن من الزمان، حقيقة أن البلاد عرضة لأية اضطرابات تطرأ على إمدادات الوقود. وفي نهاية عصر الامبراطور تايشو، كتب الجغرافي شيجا شيجيتاكا كتابا بعنوان "بلاد غير معروفة" عن السفر حول العالم من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا والشرق الأوسط. ويعد هذا الكتاب الأول في اليابان الذي يجادل بأن نقص النفط والطاقة سيخلف تداعيات قوية من شأنها تقويض مسيرة تحقيق نمو اقتصادي وعسكري مستدام للبلاد. وفي كتابه، اعتبر شيجا النفط مفتاح اليابان لبسط هيمنتها على طرق التجارة البرية والبحرية والجوية، وأنه لا بديل عن الاعتماد على الواردات النفطية في سبيل تحقيق ذلك، ورأى أن أهم ركائز سياسة الطاقة اليابانية في ظل هذه الظروف، أن يعي جميع أبناء الشعب الياباني أن انقطاع إمدادات النفط كفيل بأن يتسبب في انهيار الدولة.

ختامًا، أصبح من الأهمية بمكان التفكير مليًا في الآثار العالمية المحتملة للحرب في أوكرانيا والتوترات المتزايدة في منطقة بحر الصين الجنوبي، وقد تعمد كثير من دول العالم لتقييم تأثير اضطرابات سلاسل التوريد العالمية سواء كان على صعيد إمدادات الغذاء والطاقة أو النفاذ إلى المعدات والمكونات الإلكترونية المهمة استراتيجيًا بما في ذلك رقائق الحاسوب والمعادن النفيسة. ليجد العالم نفسه في مواجهة تحدي مشترك يستدعي توجيه السياسات صوب تحقيق مزيد من الاكتفاء الذاتي وتعديل النموذج القديم للعولمة بما يتناسب مع المعطيات والمتغيرات الطارئة.

وفي ظل اعتماد اليابان على التجارة الدولية في توفير إمدادات الطاقة التي لا يمكن الاستغناء عنها، تبرز أهمية الحفاظ على علاقات مستدامة مع دول الخليج وإدراك أهمية الدور الذي تلعبه سياسة الطاقة المستدامة والآمنة مع دول المنطقة في رسم مستقبل اليابان وازدهارها الاقتصادي على المدى الطويل.

مقالات لنفس الكاتب