array(1) { [0]=> object(stdClass)#12962 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 177

الصين تسعى للالتزام بالتوازنات الدولية واستبدال الحرب الباردة بالتعاون

الأحد، 28 آب/أغسطس 2022

تتسارع الأحداث في المعمورة شرقاً وغرباً وفي اتجاهات الجنوب والشمال، لتأخذ شكلاً تعقيدياً أكثر كلما تعززت الأحادية والسطوة في إدارة الملفات من جهة، ومن جهة ثانية تحاول الإدارة الأحادية المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور في فلكها أن تعتمد تسخين الجبهات وتبريدها وخلق قضايا تدور جميعها وفق قاعدة "غب الطلب"، لمنع أي محاولة لكبح جماح القطبية الأحادية. وبالتالي يسود الظلم اللاحق بشعوب واثنيات، ويسري قانون الهيمنة والإلغاء والعقوبات الأحادية الجانب التي لا أساس لها في القانون الدولي. هذا ما يعزز الدفع نحو طرح مشروع أممي بديل عن منظمة الأمم المتحدة بعدما فقدت تأثيرها وأصبحت قراراتها غير نافذة. 

فلم يعد خافياً أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ومنظمات أخرى عقدوا سلسلة من الاجتماعات الطارئة مع روسيا هذا الأسبوع. كما أجرى ممثلو الولايات المتحدة وروسيا محادثات في جنيف، وبين روسيا والناتو في بروكسل، أيضاً عقدت روسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا محادثات في فيينا، ورغم ذلك لا زالت العلاقة دون أفق للحل بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا متوترة بسبب القضية الأوكرانية. 

لا شك أن ارتدادات الحرب الروسية الأوكرانية على الواقع الأوروبي كانت كارثية في الاقتصاد والاجتماع، حتى أنها استطاعت خلال هذه الفترة القصيرة أن تشظي حتى حياتهم اليومية والاجتماعية، كما أنها غيرت النمط السائد لدى المجتمع. 

ومع تصاعد حدة المواجهة كشفت أن الحرب هي ثمرة بذور الصراع في شرق أوكرانيا التي زُرِعت عام 2008م، خلال قمة بوخارست في تلك السنة، حيث قيّم حينها قادة الناتو طلب جورجيا وأوكرانيا بالانضمام إلى الحلف والدعم الأمريكي بهذا الخصوص، مما فتح نار القلق الروسي من أن تصبح أوكرانيا ودول أخرى في شرق أوروبا قادرة على تحديد مصير المنطقة وتهديد استقرارها، وفي الوقت عينه تكون قادرة على الانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وتهديد الأمن الروسي في المنطقة، وبالتالي زعزعة المصالح الروسية. 

هكذا اتسعت مروحة الاتهامات فيما بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة منذ فترة طويلة، ووصلت إلى حد اتهام روسيا باحتمال "غزوها" لأوكرانيا في الفترات السابقة، فأعتبر الروسي أن أمنه مهدد فعلياً بسبب توسع الناتو شرقاً، ما جعله محاصراً بفكرة انضمام أوكرانيا إلى الناتو حيث أنه بالتالي تصبح الصواريخ الأمريكية المنتشرة في كييف تصل إلى موسكو في غضون خمس دقائق.

لم يتوقع الغرب انعكاس الحرب الروسية الأوكرانية عليهم مباشرة بهذا الحجم الاقتصادي الكارثي، ما جعل دول أوروبية  أمام خيار من اثنان إما الاستسلام للأمريكي، أو الخروج من تحت عباءته لأن تعمل على ترميم الأمن الأوروبي بما يخدم المصالح الأوروبية مع كافة القوى الدولية. هكذا بدأت دول رئيسية في أوروبا كألمانيا وفرنسا تستشعران الخطر الداهم إلى أوروبا من تمادي العجز والاستسلام، واعتمادهما أسلوب التراجع خطوتين لإعادة التموضع وأخذ مسافة القوي. بعدما انعكس الشعور بالعجز والاستسلام مباشرة على وضعهم الأمني والاقتصادي وهدد اتفاقيات التعاون في أوروبا. وهذا ما يضعنا أمام العديد من السيناريوهات والتباين في ملفات والاختلاف في أخرى. 

من هنا بدأت وجوه التغيّرات غير المسبوقة تكشف وضوحها بعد أكثر من مئة سنة حيث كانت التغييرات فيها تدريجياً في المراحل الانتقالية، فدخل العالم كله في أتون الاضطرابات والتحولات في وقت لا زالت انعكاسات جائحة كورونا تفرض بنفسها وتنعكس سلباً على الاقتصاد العالمي، لتزيد طينة كورونا بلة الأزمة الأوكرانية، وارتداداتها على اقتصاد عالمي ليزداد هشاشة وإنهاكاً بالحروب والكوارث، وتتعاقب التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية. فتضرّ بنظام الأمن الدولي بشكل خطير. ويظهر الواقع بشكل كامل أن المواجهات والاضطرابات المختلفة في العالم اليوم تعود غالباً إلى عدم الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وبالتالي يهدد الحالة الوجودية لها كمنظمة أممية. 

وبالعودة إلى المشهد الميداني العام، بدى أن الحرب الروسية الأوكرانية بعد انقضاء أكثر من خمسة أشهر على اندلاعها تحوّلت إلى حرب "استنزاف"، والتأخر في حسم النتيجة يغرق الروس في الوحل الأوكراني الداخلي والعودة إلى حرب العصابات ما يطيح بكل ما أنجزته روسيا خلال هذه الحرب. إلا أن أوروبا لا تريد ل"القيصر" الروسي أن يخرج منتصراً من تلك الحرب، كما لا تريده أن يطيل أمدها حتى لا يصبح الرهان على تحقيق أهداف وانتصارات تسجلها الضربات والعمليات العسكرية في المدن الأوكرانية، حتى لا يذهب بنشوة الانتصار لأن يستحكم في شؤونهم ومصالحهم مع الغرب، خلافاً لمصلحة الصين التي تريد أن تتوقف الحرب رحمة بالشعبين، لذلك تحاول الصين أن تلعب دور المحايد الإيجابي اتجاه روسيا. عكس الأمريكي الذي يريد استمرار الحرب لما يؤدي إلى استنزاف الطاقات لدى الروس والأوروبيين لإضعافهم ويحاول إقحام الصين في دائرة أكاذيبه أن بكين هي من تؤجج الصراع بدعم روسيا وذلك بهدف حشد تأييد أوروبي له في مواجهة الصين بشرق آسيا وبهدف احتوائها، علماً أن الموقف الصيني منذ بداية الحرب الأوكرانية الروسية كان واضحاً بالدعوة لاحترام سيادة الدول ودعوة الطرفين للتفاوض ومناقشة سبل الشواغل الأمنية الروسية. 

وفي هذا المضمار تستثمر الصين في تمتين العلاقات سياسياً واقتصادياً، الأمر الذي يدفع بالدول الأوروبية إلى التعاون مع الصين وتبني طريق الحل السلمي وكبح جنوح الأزمات إلى الحروب ما يساهم في تعزيز خيار الرهان على الاستثمار في السلم وليس على الحروب كما عودتهم الإدارة الأمريكية. 

لذلك فإن الصين لا ترى أن "القوة والحرب والعقوبات هم السبيل الأساسي لحل النزاعات، إنما تجد الحوار والتشاور هما الوسيلة الأنجح وذا فعالية لحل الخلافات". وانطلاقاً من مفاهيمها هذه تؤكد أن حل الأزمة الأوكرانية الراهنة تحتاج إلى تفاهمات وإلى تنازلات من أجل السلام، باعتبارها أن هذه المواقف مهمة، والأهم تخفيف الاحتقان والتجييش لأنه بمثابة صب الزيت على النار وتصعيد التوترات، فالمطلوب اليوم وبإلحاح التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة جميع الدول وضمان سلامة أراضيها. 

فيبدأ الانطلاق بالاتجاه الصحيح بتعزيز محادثات السلام وحل النزاعات سلمياً، والتمسك بمبدأ الأمن غير القابل للتجزئة ومراعاة الشواغل الأمنية المعقولة لأصحاب الشأن.

فبالنسبة للقضية الأوكرانية، لا تسعى الصين لتحقيق مصالح جيوسياسية، ولن تراقب الحدث من مسافة آمنة، ولن تجلس مكتوفة الأيدي، أو تضيف الوقود إلى النار. إن الهدف الوحيد الذي تتوقعه الصين هو تحقيق السلام في أوكرانيا.

أما في الشرق الأوسط، ظل الأمن والتنمية هما المعضلتان على مدار فترة زمنية طويلة، فتحاول بكين الاستثمار في هذا الشرق الذي يقوم فوق صفيح ساخن، بتغليبها مبدأ السلام على الحروب، فكانت مبادرتها ذات النقاط الخمس بشأن تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. والنقطة الرابعة الحل السياسي للمسألة السورية، وأما النقطة الثالثة تنفيذ «حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل»، أما الثانية، التي تهدف إلى العمل بجد للتخلص من تدخل القوى الكبرى، والمضي قدماً بروح الاستقلال والاعتماد على الذات، واستكشاف مسار التنمية للخروج من شرنقة الريعية. 

كل المعطيات والأحداث تأخذنا إلى استنتاج أن الطريق ما زال طويلاً لإحلال السلام وتعزيز التنمية في الشرق الأوسط.

لهذا كان للقضية الفلسطينية حيز مهم وواسع لدى الصين، والذي لا يخفي أن التوترات الأمنية الأخيرة في غزة وما قبلها ما هي إلا جولة جديدة من التصعيد الإسرائيلي الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية التي تعتبر أكبر مظلمة تاريخية، والمطلوب من المجتمع الدولي والأمم المتحدة الاعتراف بحق هذا الشعب المظلوم وتصحيح المسار في أسرع وقت ممكن. 

فإن أردنا التدقيق بموقف "بكين" أو حتى بالخيار، نجدها دائماً تبدي استعدادها للتعاون مع جميع الدول والشعوب المحبة للسلام والموجهة نحو التنمية، ما يجعلها من أقرب الأنظمة للبشرية، ومن هذا المنطلق فتحت ولازالت أبواب الصداقة والتعاون مع الدول العربية كافة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لحماية التعددية، والدفاع عن الإنصاف والعدالة، ومعارضة الهيمنة والأحادية، ودعم الجهود كافة التي تسهم في إيجاد حلول سلمية للأزمات، واستكمالاً لرؤيتها في أهمية النهضة التنموية تعمل في مشروعها العصري «الحزام والطريق» وفق سياسة السلام، لهذا يتم التحضير للقمة الصينية - العربية، من هنا لن تتأخر الصين في خلق قواسم فرص تنموية مع دول المنطقة، بما يرسخ أسس السلام والأمن وبناء مجتمع ومستقبل مشترك صيني- عربي في العصر الجديد. 

واستتباعاً فالوضع الأمريكي لم يعد أفضل في الوطن العربي، بل تعمقت "الهوة" خاصة مع الدول الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، فترجمت المشهدية العامة لزيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السعودية خاصة، بمشهد الزيارة الباهتة فلم يسجل فيها أي إنجاز على قدر مستوى الاهتمام، حتى أن الأمريكي صاغ بيانه بكثير من التزلف ولأول مرة غلب عليه طابع العمومية والعجلة. 

لا سيما أن التعاطي الأمريكي الأخير مع ملف القضية الفلسطينية، ووضعه في براد التسويات، فاقم الأزمة واتسعت تشققات زعزعة الثقة بين الدول العربية والإدارة الأميركية، وبدى واضحاً الموقف العربي الجاف منذ ما قبل الحرب الروسية الأوكرانية باعتبار أن أولوياتها تبدلت، وفي هذه الأجواء كان "الفتور" هو الغالب في استقبال سيد البيت الأبيض. ربما ما نراه اليوم من الموقف العربي جاء متأخراً، إنما خير له من ألا يأتي أبدًا، فكان نتيجة فعلية لشعوره أن السياسة التي كانت سائدة أعطت الأحادية القطبية أداة كانت أقرب إلى الابتزاز من التسويات بغياب الوزن العربي، حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتادت أن تنصب نفسها على أنها "شرطي العالم " وأن تتعامل مع البلدان الأخرى على أنها وصية عليها كما أن القيادة الأميركية مازالت تعيش حالة الانفصام عن الواقع والمنطق ونكران حقيقة ما وصل إليه العالم مؤخراً.

 من هذه الغطرسة يتجه العالم حاليًا للانتقال من الأحادية إلى عالم متعدد الأقطاب يحفظ لكل شعب حقه ودوره وفق إمكانياته، على أساس استراتيجية التنمية والتشارك والتعاون السلمي وفق سياسة الربح المشترك، إضافة إلى السعي لإحلال السلام والاستقرار بهدف إيجاد الأرضية الخصبة للتنمية والتعاون لبناء مجتمع أفضل مشترك للبشرية جمعاء وهذه الاستراتيجية تتبناها الصين والعديد من الدول وخاصة العربية. 

أما الولايات المتحدة وحلفاؤها فهي مستمرة بالسعي للحفاظ على استراتيجية الأحادية الأمريكية والمفهوم الاستعماري عبر سياسة الاحتواء ومبدأ الهيمنة وبسط النفوذ، إذ تعمد على إثارة الفتن والنزاعات العرقية والدينية ودعم القوى الانفصالية بهدف احتواء الدول وتعطيل نهضتها ونشر حالة عدم الاستقرار، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة عبر تدخلاتها في تايوان وفي الشرقين الأوسط والأدنى وإثارتها لملفات بطريقة ابتزازية تحت مسميات "حقوق الإنسان". 

أما زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لجزيرة تايوان الصينية فما هي إلا أداة من أدوات هذه الاستراتيجية التحريضية، وكأنهم لازالوا يعيشون في عصر الاستعمار ويمارسون دبلوماسية السفن المسلحة التي سادت منذ أكثر من مئة وعشرون عامًا مضت. 

المطلوب اليوم حث الولايات المتحدة أن تستفيق من سباتها وتعلم أن العالم اليوم لم يعد العالم الذي يمكن فيه للقوى الإمبريالية أن تستعرض قوتها وتقرر مصير الشعوب كما تشاء، فيخطئ من يظن أن الصين والدول العربية اليوم هي نفسها تلك القديمة التي تعرضت للانتهاك والتدخل ولابتزاز القوى الاستعمارية. 

فالتعاون الصيني/ العربي يمكّن كلا الطرفين من مواجهة سياسة الاحتواء، ويخرجهما من "دائرة الإملاءات"، ويفرض قواعد جديدة لإدارة الملفات الدولية المبنية على التعددية وبالتالي إصلاح وتحديث آلية عمل مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة. 

 

وكثيراً ما كانت أمريكا تستخدم الدول العربية كساحات مواجهة لتنفيذ أجندتها في مواجهة القوى التي تعتبرها خطرًا على أحاديتها وهيمنتها ما أدى إلى استنزاف الطاقات العربية ومنع نهضتها بالإضافة إلى منع توحيد صفوفها مع القوى الأخرى أهمها روسيا والصين. 

ومع بروز القيادات العربية الشابة وفي مقدمتها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي رسم خارطة طريق ترتكز على دراسات ومشاريع تنموية من شأنها النهوض بالمجتمع العربي كشعوب، وتعزز القدرات الاقتصادية والعسكرية بهدف الخروج من دائرة الابتزاز الأميركي وكسر الهيمنة للوصول إلى استقلالية القرار وفتح الأبواب والتعاون مع جميع القوى وبتوازن، منها الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا. وفي هذا الواقع المتخبط وانشغال العالم بالعديد من الجبهات أصبح لزاماً على الدول العربية الخروج من دائرة الابتزاز الأمريكي ورفضهم أن يكونوا أداة في مواجهة روسيا والصين، وذلك يكون برفض الانخراط بالأحلاف العسكرية والتجمعات السياسية واتخاذ مسافة واحدة من الجميع ما يمكّنهم من إحداث توازن كبير وعميق ومهم في مجال السياسة الخارجية والتعاون والتبادل، بحيث  تعمل هذه الدول على ضمان أن لا يتصاعد النزاع المسلح بين روسيا والغرب في أوكرانيا إلى نزاع دولي مدمر أو تصاعد التنافس الاقتصادي والجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة إلى صراع عسكري مدمر آخر، ويعتبر بناء قدرات دول الخليج وتعزيز القدرات الدبلوماسية من أجل التنسيق الرفيع المستوى للتنمية والاستثمار والسياسة التجارية أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق هذا الهدف.

 وتعد الشراكة  الصينية - الروسية استراتيجية أساسية وتوافقهما هو "توافق الضرورة"، وما تمليه الحاجة إلى خلق نظرة جديدة إلى العالم من أجل فهم مصالح كل دولة في ظل خلفية العولمة، وبهدف تحقيق السلام في العالم مستقبلاً. إذ تمكّنت روسيا من إنجاح استراتيجية النهوض بعد عشر سنوات من المعاناة بحثًا عن هوية جديدة في غياب أيديولوجية الاتحاد السوفياتي المنحلّ، وانهيار ركائزه الاقتصادية وهياكله السياسية. 

فجرى تأطير هذا التوافق بمعاهدة الصداقة الصينية -الروسية وإصدار بيانهما المشترك حول العلاقات الدولية والتنمية المستدامة العالمية، وفق أهداف وآليات لتحقيقها كما جاءت الشركات المكملة مع الدول الأخرى كمنظمة "شنغهاي" ومجموعة دول "البريكس" لترسّخ الارتباط الوثيق بين روسيا والصين، ولإعطاء هذا التوافق قيمة مضافة بانضمام قوى ضخمة ذات حيوية لتحقيق الأهداف نفسها.

ويمكن تلخيص هذه الأهداف المشتركة كما يأتي:

- السعي لكبح جماح سيطرة الدولار الأمريكي ودوره كعملة عالمية في التجارة الدولية.

- خلق توازن في الاقتصاد العالمي متحرّر من تجاذبات البورصات الدولية والمضاربة على المقوّمات الأساسية لاقتصاد بعض الدول من مواد أولية وخدمات مختلفة.

- خلق مؤسسات رديفة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي المسيطر عليهما من قبل الغرب تعنى بالتنمية المستدامة في دول العالم الثالث، وتحمي مصالح الدول الصاعدة ونموّها عبر استقرار سعر الصرف بين عملاتها.

- حماية قيمة الأصول المحلية من المخاطر الخارجية التي يسبّبها النظام المالي العالمي الخاضع لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية.

- مواجهة أخطار الإرهاب والتطرّف الديني والعرقي.

- إصلاح بنية مجلس الأمن الدولي وإعطاؤه حصرية معالجة النزاعات المسلّحة في العالم ورفض تفرّد الأحلاف العسكرية بالتصرّف من خارج قراراته وآلياته المعتمدة.

وحيث أن الدولتين (روسيا والصين) هما عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، ويملكان حق النقض في القرارات الدولية، فقد مارستا هذا الحق في الأزمة السورية الداخلية. بالإضافة إلى استخدام نفوذهما للتخفيف من وطأة العقوبات الاقتصادية الأحادية الجانب المفروضة من الولايات المتحدة على الدول، جاء ذلك على قاعدة احترام سيادة الدول ورفض التدخل الخارجي في الشأن الداخلي لأي دولة وليس دعمًا لطرف ما في مواجهة الآخر. 

بعد الإخفاقات الأمريكية، السياسية والعسكرية، بدءاً من أفغانستان مروراً بالعراق وصولاً إلى سوريا ولبنان، وبعد الأزمة الاقتصادية العالمية وركود السوق التجاري في الولايات المتحدة وأوروبا وفشلهم في مواجهة "جائحة كورونا وتداعياتها" التي كشفت مدى حالة الضعف في المنظومتين الأمريكية والأوروبية. 

حيث أن العالم بعد جائحة فيروس كورونا ليس كما قبلها ولم يعد تصنيف الدول العظمى بالقوة العسكرية بل بقدرة الدولة على مواجهة الكوارث وبتماسك جبهتها داخلياً هذا ما يضع الجميع أمام ضرورة إعادة تقييم من هو بالمرتبة الأولى ومن هي الدولة الأقدر. لذلك بدأ الجميع يفتّش عن بدائل ووسائل جديدة لقيادة العالم بطريقة أكثر استقرارًا وأمنًا، وأقل تفرّدًا وهيمنة أحادية، فوجدت بعض الدول الكبرى أنه يجب مشاركة الولايات المتحدة قيادة العالم وقيامه على ركائز صلبة ليصبح أكثر توازنًا واستقرارًا.

حيث إنه مثلاً عند تسلّم  اليمين المحافظ الحكم في الولايات المتحدة استسهل استعمال القوة العسكرية من دون أن يستشرق النتائج والتداعيات لاحتوائها، على أساس أن تفعيل "الفوضى الخلاقة" من شأنه تصحيح الأخطاء التاريخية، وذلك وفق مفاهيم مزاجية تتعلّق بالخير والشر، وفي إطار من "الغموض الإيجابي" للمناورة في هامش عريض من دون رقيب أو حسيب. لقد أعطت الولايات المتحدة لنفسها امتياز الاستعلاء والاستكبار في التعامل مع بقية الدول على أساس أنها القطب الأوحد المؤثّر في العالم.

لذلك أقدمت الدول الكبرى، وتلك الصاعدة بقوة في المجال الاقتصادي على شركات استراتيجية لمواجهة الهيمنة الأمريكية، واستئثارها بالنظام المالي العالمي. 

ومع بدء وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وضع خطته على أنه أكثر الرؤساء في الحزب الجمهوري يميناً متشدداً، وبالتالي تبدلت الأولويات فأصبحت الصين هي الهدف الرئيسي لكونها تعتبر الأقوى اقتصادياً وتعتبرها أمريكا منافساً قوياً بانتهاج الصين رؤية النمو الاقتصادي البطيء الثابت لتدخل السوق التجاري العالمي دون منازع، لذلك بدأت الإدارة الأمريكية باعتماد سياسة احتواء الصين، فوجهت كل أدواتها لمواجهتها. وتبدلت الاهتمامات والأهداف من الشرق الأوسط إلى الشرق الأدنى لتلعب بذات الخطة التي اعتمدتها في الأوسط ألا وهي "الفوضى الخلاقة"، وبعدها حاولت إدارة ترامب باستغلال جائحة كورونا عبر توجيه أصابع الاتهام للصينيين واختلاق الأكاذيب مما زاد الأمور تفاقماً وتعقيداً بين الدولتين. ولكن سرعان ما تكشفت الحقائق، وأعطت الصين دروساً بماهية القوة من خلال التماسك الداخلي والقدرة على مواجهة الكوارث بنظامين سياسي متوازي وحكيم، ونظام علمي مواكب لكل التطورات العلمية والتكنولوجية، وبعد فشل ترامب في استخدام الجائحة كأداة للابتزاز وجر العالم لحرب باردة مدمرة، أتت إدارة بايدن وارثة إرثاً ثقيلاً من المشاكل الخارجية والداخلية،  فبدت إدارة بايدن متخبطة وغير قادرة على معالجة القضايا الداخلية، وغياب الرؤية في معالجة القضايا الخارجية إقليميًا ودولياً مما جعلها تراوح في دوامة خطة ترامب. 

إن ما وصل إليه العالم اليوم نتيجة للسياسات الأمريكية المتعاقبة يجعل الجميع وفي مقدمتهم حلفائها وخاصة الأوروبيين تحت الضغط نتيجة الاستنزاف المستمر في الاقتصاد، ما قد يدفع باتجاه تغيير في المواقف الأوروبية ووقف الاندفاع نحو التصعيد والضغوط والعودة إلى حالة الاستقرار السياسي وعدم الانجرار في ما تخطط له الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يعني في المحصلة النهائية أن سلوك الدبلوماسية الصينية سيضمن العودة السريعة لجميع الأطراف إلى الالتزام بالتوازنات الدولية والسعي لاستبدال مفهوم الحرب الباردة بمفهوم التعاون والتشارك لبناء مستقبل أفضل مشترك للبشرية جمعاء.

مقالات لنفس الكاتب