array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 177

لخليج يسعى للحياد الايجابي والمنطقة لا تحتاج تأييد قوة ضد أخرى

الأحد، 28 آب/أغسطس 2022

"لن ننسحب ونترك فراغًا في المنطقة تملؤه الصين وروسيا وإيران"، هكذا جاءت كلمات الرئيس الأمريكي جون بايدن خلال لقائه مع القادة العرب بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية أواسط يوليو الماضي.

كما احتفى الرئيس الأمريكي بخارطة الطريق الاستراتيجية الجديدة التي اعتمدها حلف شمال الأطلسي " ناتو" في يونيو الماضي، والتي أقرت للمرة الأولى، بأن الصين تشكل تحديًا لمصالح دول الحلف، واصفًا سياساتها بـ “القسرية" وعملياتها السيبرانية حول العالم بـ “الخبيثة". وحذر المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الناتو، من مساعي صينية روسية تستهدف "تقويض النظام الدولي المؤسس على قواعد"، فيما تعهد المسؤولون الأوروبيون عقب انتهاء قمة الناتو الأخيرة، بتركيز جهودهم على مجابهة نفوذ الصين داخل القارة وتقليص اعتماد الدول الأوروبية على الإلكترونيات والبرامج التقنية وغيرها من المنتجات الأخرى الصينية". وتعد خارطة طريق حلف الناتو الاستراتيجية لعام 2022م، أول وثيقة تأتي على ذكر الصين بشكل مباشر وتناقش ضرورة العمل على تقليص المخاطر واتباع الشفافية بوصفهما السبيل الأمثل في النقاش مع روسيا والصين من أجل الحد من التسلح.

وحول روسيا، أكد الناتو عدم سعيه وراء خوض مواجهة مع الجانب الروسي، وعدم تشكيله أي تهديد للفيدرالية الروسية، وبالتالي يظل التحالف الغربي على استعداد للإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع موسكو في سبيل إدارة وتخفيف المخاطر ومنع التصعيد وزيادة الشفافية. وتزعم خارطة الطريق الاستراتيجية الجديدة لحلف الناتو سعيه لنشر الاستقرار واستشراف مستقبل المنطقة الأوروبية الأطلسية، ووضع توقعات بشأن مستقبل العلاقات بين دول الحلف وروسيا. كما أكد حلف الناتو عزمه الإبقاء على خيار التعامل البناء مع الصين بما يشمل ذلك العمل على ترسيخ الشفافية بهدف حماية المصالح الأمنية لدول الحلف.

وبينما شكك المسؤولون الأمريكيون طويلا بشأن وجود تهديد مشترك من جانب الغريمين التقليديين لواشنطن- روسيا والصين- تغيرت تلك النظرة الآن، حتى أن كبار مسؤولي إدارة جون بايدن يعتقدون بأن التحالف بين موسكو وبكين بلغ مرحلة أعمق وأقوى من أي وقت مضى على مدار الستين عاما الماضية. ودفعت حالة الاستنفار الأمريكية من أجل احتواء النفوذ الروسي والصيني إلى ما يشبه " زواج مصلحة" بين موسكو وبكين، ومنحهما الدافع من أجل حشد الموارد، والاستخبارات ضد عدو مشترك، كما أشعل رغبة ملحة لدى كلا البلدين للحد من النفوذ الأمريكي وتقويض قدرات واشنطن العسكرية والمالية، عبر توحيد جهودهما في سبيل تحقيق هذا الهدف.

وكانت العلاقات بين روسيا والصين قد اكتسبت زخما تحت وطأة الضغط الأمريكي الممارس منذ عام 2014م، حينما أقرت واشنطن وحلفاؤها عقوبات ضد كيانات ومسؤولين روس بسبب ضم الكرملين منطقة شبه جزيرة القرم وإشعاله فتيل حركات تمرد في شرق أوكرانيا. وجاء الغزو الروسي لأوكرانيا نهاية فبراير الماضي ليعزز التقارب بين موسكو وبكين. ففي أغسطس 2021م، أتمت الصين وروسيا بناء أول جسر للسكك الحديدية بين البلدين، ويمتد على نهر آمور في سيبيريا. فيما من المتوقع أن ينقل خط أنابيب سيبيريا- الذي تبلغ تكلفته 55 مليار دولار وبدأ تشغيله في 2019م، -ما يصل إلى 1.3 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي الروسي إلى الصين بحلول عام 2025م، وبعد سنوات من غموض الموقف الروسي حيال أزمة تايوان، صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في أكتوبر الماضي بأن الكرملين يعتبر تايوان جزءً من الأراضي الصينية. ومن جانبهم، يراقب المسؤولون الصينيون عن كثب ردود فعل الولايات المتحدة وحلفائها من الأوروبيين حيال الجهود الروسية من أجل ضم أجزاء كبيرة من الأراضي الأوكرانية إلى السيادة الروسية.

القوى العظمى والشرق الأوسط

لطالما كانت منطقة الخليج مركزا لصراع القوى العظمى بفضل موقعها الاستراتيجي بين الشرق والغرب وتمتعها بثروات طبيعية هائلة، حيث تسعى الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والصين إلى تعزيز مصالحها، فيما تحاول دول المنطقة حماية مصالحها وقيمها.

وقد شهدت معظم الصراعات الإقليمية تشابه في المواقف الأمريكية والأوروبية، بينما تتخذ موسكو وبكين مواقف مغايرة. وبرغم التحولات التي شهدتها سياسات القوى العالمية الأربع على مدار العقود القليلة الماضي، غير أنها كانت وستظل مدفوعة بمزيج يجمع بين السعي وراء تحقيق مصالح قومية ونشر قيم وأيدولوجيات هذه الدول.

وترتكز السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه دول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط على تحقيق خمسة أهداف رئيسية: ضمان استقرار إمدادات النفط وأمن إسرائيل ومنع انتشار السلاح النووي، إلى جانب محاربة الإرهاب وإعلاء الديمقراطية واقتصاد السوق. وقد اختلف ترتيب هذه الأولويات من إدارة أمريكية إلى أخرى. ومع انسحاب بريطانيا من شرق قناة السويس أوائل سبعينات القرن الماضي، سطع نجم الولايات المتحدة كقوة عالمية رائدة في المنطقة. وبرغم كونها الضامن الأمني الرئيسي لدول الخليج، إلا أن القادة الأمريكيين ظلوا ضد فكرة نشر قوات أمريكية في المنطقة لفترات طويلة. كما عمدت واشنطن إلى استغلال قوتها الناعمة واستعراض عضلاتها الاقتصادية والمالية في سبيل تحقيق أهدافها الاستراتيجية.  

وقد تسببت سياسات إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في حالة من الاستياء لدى معظم قادة أوروبا بسبب عدم قلة تنسيق الجهود عبر المحيط الأطلسي. على النقيض، أكدت إدارة الرئيس جون بايدن رغبتها في العمل عن كثب مع حلفاء وشركاء الولايات المتحدة، أما عن سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه المنطقة ودول الخليج، فتختلف قليلا من حيث الدوافع عن الولايات المتحدة، بحيث يغلب عليها أكثر الرغبة في تحقيق مصالح اقتصادية وجيوسياسية عن التركيز على تطبيق مبادئ الشفافية والمحاسبة وغيرها من القيم الليبرالية الأخرى. وتعد منطقة الشرق الأوسط الباحة الخلفية للقارة العجوز، وبالتالي تتصدر قضية منع تدفق اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين أولويات الأجندة الخارجية للاتحاد الأوروبي حيال المنطقة.

على صعيد آخر، حافظت موسكو على نهجها الثابت تجاه الشرق الأوسط منذ بداية الألفينات، مدفوعًا إلى حد كبير بمخاطبة المخاوف والتحديات الاستراتيجية والاقتصادية. ولم يخف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قط طموحاته الرامية لإعادة روسيا إلى مكانتها كقوة عالمية فبعد أن ولت الأيام التي كانت فيها موسكو قادرة على استمالة حلفائها عبر سلاح الأيديولوجية. لجأت روسيا -عوضًا عن سياسات الجذب والإقناع -إلى انتهاج الدبلوماسية الجادة والإغراءات الاقتصادية والقوة العسكرية وغيرها من الإجراءات القسرية. كما رسخت روسيا نفسها كلاعب رئيسي في أزمة سوريا وليبيا، فضلاً عن المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي. فيما حافظت على علاقات موسعة مع تركيا وإسرائيل.

ومع اندلاع ثورات "الربيع العربي" عام 2011م، استشعرت موسكو مخاطر أمنية كبيرة في المنطقة، واعتبر الكرملين الانتفاضات في العديد من البلدان العربية بمثابة إعادة استنساخ لما يسمى بـ “الثورات الملونة"، أي الإطاحة بالحكومات الموالية لموسكو في أوروبا الشرقية. وسعى القادة الروس إلى عرقلة هذه التجربة المريرة ووقف ما يعتبرونه "مؤامرة غربية" ضد المصالح الوطنية لروسيا كما أتاحت ثورات "الربيع العربي" فرصًا للروس على صعيد الجغرافيا السياسية، فمن خلال تدقيق عميق للدور الروسي خلال النزاعات الإقليمية، يظهر أنه حتى وإن لم تكن موسكو قادرة على فرض نتائج بعينها، تظل قادرة على تغريم الغرب ثمنًا باهظًا لمحاولات فرضه خيارات سياسية لا تتماشى مع رغباتها.

تشبه السياسات الصينية حيال منطقة الخليج والشرق الأوسط في كثير من ملامحها النهج الروسي، إذ لا تسعى بكين إلى إعلاء مبادئ الشيوعية داخل المنطقة، على النقيض، أطلق القادة الصينيون مبادرة "الحزام والطريق" عام 2013م، ليتضاعف حجم التجارة والاستثمارات الصينية في العديد من بلدان المنطقة بشكل كبير.  ويحظى ما يسمى بـ"النموذج الصيني" بقبول جيد لدى العديد من دول الخليج. ومثلها مثل روسيا، تحافظ الصين على علاقات دافئة مع العديد من القوى الإقليمية مثل إيران وإسرائيل وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وبخلاف موسكو، تعتمد بكين بشكل كبير على إمدادات النفط والطاقة القادمة من منطقة الخليج، ولا يزال أمامها دور كبير لتلعبه في الحفاظ على الأمن البحري للمنطقة.

 من جانبه، أراد جون بايدن من خلال زيارته الأخيرة إلى المنطقة وحضوره قمة الناتو، إظهار قدرة الولايات المتحدة على صد النفوذ الصيني والروسي. وحدد الرئيس الأمريكي الخطوط العريضة لـ "إطار عمل جديد للشرق الأوسط" يتكون من خمسة أجزاء: دعم التنمية الاقتصادية والأمن العسكري وإعلاء قيم الحرية الديمقراطية. كما لخص الرئيس بايدن السياسات الأمريكية الراهنة بالتشديد على أن الولايات المتحدة "تستثمر في بناء مستقبل إيجابي في المنطقة عبر شراكة مع حلفائها ولن تترك مكانها في المنطقة وتذهب إلى أي مكان".

وكشف رد فعل دول الخليج تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا عن عمق الانقسامات بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. أما عن الصين، فقد جاء الموقف المستقل نسبيًا لحلفاء واشنطن في المنطقة تجاه الصراع الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، بمثابة تتويج للجهود الرامية إلى دفع المزيد من حلفاء أمريكا للإبحار بعيدًا عن الفلك الأمريكي.  فالهدف الرئيسي للسياسات الصينية في المنطقة هو استمالة أكبر عدد من شركاء الولايات المتحدة صوب تأسيس حياد استراتيجي دونما التوقع منهم تحدي مصالح واشنطن بشكل مباشر.

وتظل لحرب روسيا وأوكرانيا تأثيراتها على منطقة الخليج حتى وإن لم تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها، مثل التقلبات في أسواق الطاقة والانعكاسات المترتبة على العقوبات المتعددة المفروضة على روسيا، فضلًا عن احتمالات ضعف دول المنطقة أمام تداعيات المنافسة الشديدة بين القوى العظمى- من حيث الاضطرار إلى الانحياز إلى طرف دون آخر - جميعها عوامل كفيلة بأن تمثل ضغوطًا منهجية على قادة الخليج، تفرض حتمية التعامل معها.

وفي منافستها أمام الصين كقوة عظمى، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بعلاقات وثيقة مع دول المنطقة وسط مصالح تجارية متدفقة بين الجانبين منذ عقود في أعقاب اكتشاف النفط، ورغم ذلك يدرك العديد من مستشاري الرئيس جون بايدن أن مهمة مجابهة النفوذ الصيني في المنطقة ستكون شاقة. فقد استطاع المارد الصيني تحقيق تقدم ساحق في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، وفي ظل انشغال الولايات المتحدة بخوض صراعات وحروب إقليمية، أطلقت الصين مبادرة "الحزام والطريق" التي اكتسبت زخمًا وتطورات عبر مختلف البلدان الخليجية. كما عملت شركة هواوي، عملاق التكنولوجيا الصيني، على نشر وتثبيت شبكات الاتصالات عبر مختلف أنحاء المنطقة، انطلاقًا من النظرية القائلة بأن الدولة التي تتحكم في تدفق الإلكترونات عبر الشبكات القومية، ستسيطر بشكل مذهل على البنية التحتية للمنطقة.  وخلال فترة رئاسة إدارة دونالد ترامب، حذرت الولايات المتحدة حلفاءها في المنطقة من مغبة التوقيع مع شركة هواوي والموردين الصينيين الرئيسيين الآخرين، وإما ستحرم من إمكانية النفاذ إلى التقارير الاستخباراتية وسيتم تحديد مشاركتها في التحالفات العسكرية.

 ومن جانبهم، استثمر قادة الخليج بكثافة في علاقات بلادهم مع الصين وأقاموا روابط شخصية مع الرئيس الصيني تشي بينج، فيما رسمت روسيا نفس مسار بكين داخل منطقة الخليج وإن كان ذلك بدرجة أقل، وربما يرى الكرملين في تردد دول مجلس التعاون الخليجي في الالتزام كليًا بالخط الأمريكي حول أزمة أوكرانيا عائدًا استراتيجيا بالغ الأهمية لاستثمار بلاده في العلاقات مع دول المنطقة. ويعود السبب وراء تنامي النفوذ الروسي داخل منطقة الخليج إلى الأجندة الأمنية المشتركة في كل من سوريا وليبيا، حيث تسعى موسكو لأن تصبح شريكًا رئيسيًا عبر نشر قواتها ومرتزقة "واجنر" في سوريا وليبيا، إلى جانب حرصها على التنسيق مع الدول الخليجية بشأن إنتاج النفط الخام عبر آليات منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"

على الجانب الآخر، نجحت بكين في أن تصبح أكبر شريك تجاري لدول الخليج على مدار الأعوام الماضية، فضلاً عن كونها أكبر مستورد للنفط الخليجي عالميًا، ومصدر رئيسي للاستثمارات المباشرة داخل منطقة الخليج عبر مبادرة "الحزام والطريق". ويتشارك الجانبان-الصيني والخليجي-رؤية موحدة تدعم انفتاح المنطقة على القوى العالمية الأخرى مثل الصين وروسيا والهند والتعاون في مجالات الأمن البحري والطاقة المتجددة إضافة إلى التعاون في المجال العسكري المتطور وتكنولوجيا الاتصالات.

وأصبح التعاون الثنائي بين بكين ودول مجلس التعاون الخليجي في تجارة النفط إلى جانب الاستثمارات الصينية المباشرة في المنطقة أمرًا لا غنى عنه لدفع عملية التحول الاقتصادي بعيدًا عن طاقة الوقود الأحفوري، إلى جانب كون بكين مصدرًا رئيسيًا للتكنولوجيا المتطورة. وبالتالي فإن هذا المستوى من العمق في العلاقات والاعتماد الاقتصادي بين الجانبين منح الصين نفوذا استراتيجيا غير مسبوق.

الآفاق المستقبلية:

ترى العديد من القوى الإقليمية أنه من غير المجدي تحويل صراع القوى العظمى بين الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى لعبة محصلتها النهائية صفر. إذ تبدو دول الخليج غير مستعدة لاختيار الولايات المتحدة على حساب الصين أو روسيا، وترغب عوضًا عن ذلك في الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، من منطلق أن هذا التوازن سيخدم مصالحهم على المدى البعيد. ويرى قادة الخليج استفادة حقيقة في الحفاظ على علاقات نفطية جيدة مع روسيا عبر منظمة أوبك، لاسيما مع نظرتها إلى الولايات المتحدة كمنافس لها داخل أسواق النفط العالمية لا صديق.

وفي نهاية المطاف، تظل واشنطن الداعم والشريك الأمني الرئيسي لدول المنطقة لكن ليس على حساب تخليها عن تعاونها مع روسيا أو الصين، التي تربطها بهم علاقات اقتصادية وتجارية قوية مرشحة لتشهد مزيدًا من التوسع في المستقبل.

وعلى الرغم من التقدم الهائل الذي حققته روسيا في المنطقة على مدى العقدين الماضيين، فإن قدرتها على قلب النتائج لصالحها على المدى الطويل بدلا من الاكتفاء بانتزاع مكاسب قصيرة الأجل وتعطيل سياسات الغرب، تظل مقيدة في النهاية بمحدودية الأدوات المتاحة في جعبتها. إن النفوذ الاقتصادي الضئيل لروسيا داخل الشرق الأوسط يعد سببا في الحد من بصمتها داخل المنطقة، والذي يزداد خفوتا أمام وهج النفوذ الاقتصادي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين. لذلك تسعى موسكو في أعقاب غزوها لأوكرانيا، إلى تسخير أية مكاسب استراتيجية حققتها من خلال تدخلاتها المتعددة في الأزمات التي شهدتها المنطقة، فضلاً عن الاستعانة بخدمات دبلوماسية من قبل الأطراف الاقليمية التي تلقت مساعدات ودعم روسي في أوقات سابقة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، امتنعت دول المنطقة التي تتعاون مع روسيا، ومن بينها شركاء أمنيين للولايات المتحدة، عن الانضمام إلى الإدانة التي يقودها الغرب للعدوان الروسي ورفضت الانضمام إلى الجهود المستهدفة عزل روسيا اقتصاديا. إن دعم بوتين يسلط الضوء على إدراك العرب نفاق المعسكر الغربي الذي اتخذ موقفًا صارمًا منذ بداية الغزو الروسي ولاسيما ترحيب أوروبا باللاجئين الأوكرانيين، والذي يتناقض بشكل حاد مع تقاعس الغرب عن حل النزاع السوري وما نتج عنه من نزوح جماعي للاجئين السوريين. ما يعد دليلاً واضحًا على أن الجمهور العربي لا يزال متشككا في نوايا واشنطن وسياساتها داخل المنطقة، خاصة بعد عقود من تدخلاتها العسكرية وازدواجية المعايير بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

رغم ذلك، لا يمكن ترجمة غموض الموقف العربي إزاء حرب روسيا وأوكرانيا على إنه تدشين لنظام أمني جديد في المنطقة تسيطر عليه موسكو أو حتى بكين، التي أكد قادتها مرارًا عدم عزمهم ممارسة أي دور على الصعيد الأمني أو النزاعات السياسية بالمنطقة سواء كان داخل الدول العربية أو إيران وإسرائيل. وتؤكد وثائق حكومية استراتيجية عمق الروابط الاقتصادية ومساعدة بكين لدول المنطقة على التطوير مع التقليل في الوقت ذاته من احتمالات وجود أي دور آخر قد تخطط له بكين.

وعلى الصعيد المحلي يتأرجح الخبراء الصينيون بين الحذر من انخراط سياسي أعمق في المنطقة- وتعلم الدروس المستفادة من التجربة الأمريكية-وبين الرغبة في تعميق الروابط مع مصدر عالمي رئيسي للنفط في وقت يتنامى فيه انعدام الأمن في مجال الطاقة. وتشير المبادرات الأخيرة من قبل بكين إلى أن الغلبة ستكون لكفة تعميق الانخراط السياسي في المنطقة، ويمكن الاستدلال على ذلك بالمقترح المكون من أربع نقاط الذي قدمه وزير الخارجية الصيني وانج يي بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عقب اشتعال الأحداث بين تل أبيب وحركة حماس في مايو 2021م، والذي أثار الاهتمام لمجرد تناوله مسائل استراتيجية جوهرية مثل حل الدولتين، وعاصمة فلسطينية في القدس الشرقية، وأهمية تحرك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

في السياق ذاته، اتضح أن اتفاقية التعاون التجارية لمدة 25 عامًا التي أبرمتها بكين مع طهران مجرد حبر على ورق. فبموجب الاتفاقية، يتعين على الشركات الصينية ضخ استثمارات بقيمة 16 مليار دولار سنويًا داخل إيران، في حين لم يتعد إجمالي الاستثمارات الصينية داخل إيران منذ عام 2005 حتى عام 2020 م، مبلغ 4,7 مليار دولار.

وعلى الصعيد الأمني، بدأت الصين توسيع نطاق مشاركتها العسكرية، منذ عام 2020م، عقب المساهمة ب 1800 من قواتها ضمن بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط وما حوله، كما شاركت البحرية الصينية أيضًا في مهام الأمن البحري في بحر العرب وخليج عدن وأنشأت أول قاعدة عسكرية خارجية لها داخل دولة جيبوتي في عام 2017م.

إن التوتر المتزايد بين واشنطن وبروكسل من جانب وموسكو وبكين من الجانب الآخر، يتيح لدول الخليج فرصًا وتحديات عدة وتشير الدراسة الدقيقة للعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والقوى العالمية إلى أن قادة الخليج يسعون إلى الحفاظ على "الحياد الإيجابي" مع جميع القوى العالمية. لاسيما وأن منطقة الخليج تتمتع بتعاون استراتيجي واقتصادي وثيق مع كافة القوى العظمى ولا تحتاج إلى الوقوف مع قوة عالمية واحدة ضد أخرى.

مقالات لنفس الكاتب