array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

إيـران النووية.. ما بين الحيرة الدولية والقبول المستتر

السبت، 01 كانون2/يناير 2011

منذ أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية قيوداً على التجارة مع إيران عقب واقعة احتجاز رهائن أمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران على يد طلاب تابعين للحرس الثوري أواخر عام 1979م، دخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في دوامة العقوبات الدولية سواء الفردية منها أو الأممية، والتي هدفت كلها باختلاف آلياتها المتبعة إلى إعاقة أي نشاط إيراني نووي من شأنه تهديد أمن منطقة الخليج الغنية بالنفط، اعتقاداً بأن التكنولوجيا المستخدمة في البرنامج النووي الإيراني لتخصيب اليورانيوم كطاقة نووية يمكن استخدامها في إنتاج سلاح نووي.

رغم مرور ما لا يقل عن ثلاثين عاماً مملوءة بالعقوبات والقرارات الرافضة لنشاطات طهران النووية (خضعت إيران لأربع مجموعات من العقوبات، وذلك بخلاف إجراءات أحادية الجانب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وغيرهما)، فإن الواقع المُعاش يؤكد استمرارية إيران في تنفيذ برنامجها النووي من دون توقف، ففي التاسع من فبراير 2010م أعلن علي أكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية وزير الخارجية، بدء بلاده عمليات إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة داخلياً، وبعد مرور شهور معدودة، وتحديداً قبل إعادة جلسات التفاوض التي انقطعت قرابة العام الكامل في ديسمبر 2010م مع مجموعة (5+1)، أعلن صالحي وصول أول شحنة من (الكعكة الصفراء) المنتجة محلياً إلى منشأة أصفهان تمهيداً لإنتاج الوقود النووي.

أضف إلى ذلك، ما تحويه كل من منشأتي (نتانز وقم) النوويتين (أكثر من 1500 جهاز طرد مركزي)، وسعي طهران الدؤوب إلى تشغيل أجهزة الطرد الجديدة (أيار3 وأيار4) مع بدايات 2011م ، وبالتالي الوصول لامتلاكها أكثر من ستة آلاف جهاز طرد مركزي، يؤكد إصرار إيران على حيازة الوقود النووي، فوفقاً للمعهد الأمريكي للعلوم والأمن الدولي، المنشأة  التي تضم بداخلها (1500) جهاز طرد مركزي كافية لإنتاج كمية من اليورانيوم عالي التخصيب في عام واحد، وبالتالي إمكانية صنع قنبلة ذرية.

وأمام إصرار طهران الواضح على المُضي قدماً لامتلاك الوقود النووي رغم كم العقوبات والقرارات المفروضة ضدها، يقف رافضو إيران النووية موقفاً (حائراً) حول كيفية التعامل مع القدرات النووية الإيرانية الصاعدة، بخاصة أن معظم خيارات التعامل مع طهران لا تأتي بنتائج جيدة؛ فالمفاوضات غالباً طويلة المدى ولم تؤد إلى نتائج ملموسة يمكن الارتكان إليها، إذ ظل العناد والمراوغة  طبيعة السلوك الإيراني المتبع طوال فترات التفاوض قديماً وحديثاً.

أما العقوبات فأثبتت التجربة عدم نجاحها بالقدر الكافي، بل جاءت بنتائج عكسية، إذ تمسكت إيران أكثر ببرنامجها النووي، وفي إطار التمسك ببرنامجها ابتدعت طرقاً شتى للتغلب على العقوبات المفروضة عليها، كتغيير أسماء شركاتها بإطلاق أسماء وهمية عليها (كانت التايمز البريطانية، قد نشرت تقريراً بينت فيه أن السلطات البحرية الإيرانية تتحايل بتغيير أسماء سفنها).

ويأتي الخيار العسكري رغم ما يحمله من حسم نهائي للملف النووي الإيراني، مغامرة دولية وخيمة العواقب لأطراف عدة (العراق نموذجاً)، فقد يزيد توجيه ضربة عسكرية لإيران احتمالات انقطاع إمدادات النفط من منطقة الخليج العربية مما سينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي، ولا تقتصر العواقب على الإمدادات النفطية لدول العالم فحسب، بل له آثار خطيرة على منطقة الخليج العربية في حال اللجوء إليه، فقد تزداد الاحتقانات الداخلية في دول الخليج العربية، خصوصاً إذا اتخذ الشيعة في تلك الدول موقفاً متعاطفاً مع طهران وهو أمر غير مستبعد، لكن أمام الخوف من (التغول) الإيراني في المنطقة، قد تفُضل دولاً خليجية كالمملكة العربية السعودية توجيه ضربة عسكرية لإيران على أساس أن توجيه الضربة الآن ممكن أما فيما بعد فقد يستحيل.

ويبدو أن حيرة القوى الدولية في التعامل مع الملف النووي الإيراني، قد تطول لاسيما في ظل غياب رؤية دولية موحدة في مواجهة إيران، وكذلك في ضوء التمسك الإيراني ببرنامجه النووي باعتباره حقاً مشروعاً له، لكن ما يُثير القلق والاهتمام في الوقت ذاته أن تُفرز هذه الحيرة الدولية في التعامل مع الصعود النووي الإيراني، ما يمكن تسميته قبولاً دولياً مستتراً بإيران النووية، خاصة أن الفترات الأخيرة شهدت ما يصب في ذلك الاتجاه.

فالولايات المتحدة الأمريكية رغم محاولاتها المستمرة لإجهاض إيران النووية (تدرس حالياً فرض عقوبات جديدة على طهران اعتماداً على موجة الاضطرابات الداخلية التي حدثت فيها مؤخراً)، فإنها غيرت نوعاً ما من لهجة خطابها السياسي في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، فمن تبني خيارات حاسمة إلى خيارات أقل حسماً، وذلك في حال اعتبرنا الخيارات التفاوضية العقابية أقل حسماً.

ويحمل خطاب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون خلال لقائها طلاباً جامعيين في الدوحة فبراير 2010م، الذي قالت فيه: (إن الولايات المتحدة لا تنوي اللجوء إلى القوة ضد طهران بسبب أزمة ملفها النووي، وإنما تسعى إلى تعزيز الضغوط الدولية عليها عبر مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وذلك من خلال استهداف المشاريع التي يسيطر عليها الحرس الثوري بشكل أساسي)، دلائل على أن الإدارة الأمريكية فضلت الخيارات الأقل حسماً (العقابية والتفاوضية)، وبالتالي وضعت امتلاك إيران للسلاح النووي في دائرة الاحتمالات الممكنة، وذلك بعكس ما كان يُقال في السابق بأن كافة الخيارات متاحة بما فيها الخيار العسكري، كقول متحدث  البيت الأبيض روبرت غيبس (إنه لن يُستبعد أي خيار بما في ذلك الخيار العسكري للتعامل مع طموحات إيران النووية).

غير أن تركيز الإدارة الأمريكية على الحلول العقابية تجاه طهران عبر مجلس الأمن، يؤكد أنها وجدت في اتخاذ قرار حاسم بشأن إيران أمراً يصعب تحقيقه، وذلك لصعوبة التمرير من قبل الصين وروسيا، فالولايات المتحدة الأمريكية تعي جيداً أن سبب توقيع الصين وروسيا على كافة القرارات السابقة التي اتُخذت ضد طهران، أنها قرارات من الممكن التغلب عليها.

والموقف الأخير من جانب روسيا بموافقتها على العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران في مجلس الأمن، وعدولها عن تزويد إيران بمنظومة صواريخ (إس 300)، لا يمكن اعتباره تحولاً كاملاً في الموقف الروسي تجاه إيران، خاصة بعد تزويد روسيا مفاعل بوشهر النووي باليورانيوم المخصب، أضف إلى ذلك رفض توجيه عقوبات خانقة لطهران، وهو ما أكده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في تصريح له إلى وسائل إعلام روسية قبل حزمة العقوبات الأخيرة (لا نريد إجراءات تُتخذ بذريعة انتهاك حظر انتشار الأسلحة النووية، فيما هي تنطوي على أهداف أخرى مثل خنق إيران)، وكانت المحصلة في النهاية قرارات جديدة غير نافذة.

ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة وروسيا فحسب، فقد عبرت تصريحات كبار مسؤولي الدولة العبرية، التي ترفض تماماً فكرة وجود (إيران نووية)، عن قبول مستتر بإيران النووية، فوزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك، الذي دائماً ما يقول بإمكانية أن تقوم بلاده بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، ويطالب الأمريكيين بإعطائه الأدوات ليقوم هو بالمهمة، يبدو أنه وضع على قمة أجندته احتمالات امتلاك إيران للقنبلة النووية وسط هذه الحيرة الدولية، فتصريحه لوكالة (أسوشيتد برس) بأنه (لا يعتقد أن الإيرانيين حتى إن حصلوا على القنبلة سوف يستخدمونها في المنطقة .. هم يعلمون ما سيلحق ذلك، هم راديكاليون، ولكن ليسوا مجانين كلياً، لديهم عملية اتخاذ قرار متطورة، ويفهمون الواقع)، يؤكد أن إسرائيل أخذت ترى اقتراب إيران أكثر من امتلاك القنبلة النووية، لذا وضعت احتمالات امتلاك إيران للقنبلة النووية على قمة أجندتها. وتوقعات إسرائيل في حال امتلاك إيران للقنبلة الذرية باستبعادها استعمال الإيرانيين لها، لأنهم يمتلكون منظومة متطورة لاتخاذ القرار، يمكن قراءتها بأن إسرائيل تُمهد في خطابها للمجتمع الإسرائيلي أولاً والدولي ثانياً لتصريحاتها المقبلة في حال امتلاك إيران للسلاح النووي.    

وتكشف القراءة الجيدة لموقف دول الخليج العربية من الملف النووي الإيراني، أن دول الخليج رأت أن الحيرة الدولية تزيد من فرص امتلاك إيران للقنبلة النووية، وإزاء ذلك اتخذت دول الخليج اتجاهين مختلفين، فالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة اتخذتا سباق التسلح سبيلاً في مواجهة إيران النووية، وتحتل الدولتان صدارة قائمة الدول في شراء الأسلحة من الولايات المتحدة خلال عام 2008م، فالمملكة العربية السعودية عززت قدراتها الدفاعية بعقد صفقات سلاح ضخمة كالأخيرة مع الولايات المتحدة والتي وصلت قيمتها إلى 60 مليار دولار، وبموجبها ستحصل الرياض على 84 طائرة جديدة من مقاتلات (إف 15) وتستفيد من تحديث 70 طائرة أخرى، وشراء 3 أنواع من المروحيات، 70 منها من طراز (أباتشي) و72 من نوع (بلاك هوك) و63 من طراز (ليتل بيرد). ويشير تقرير صادر عن معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي إلى أن دولة الإمارات احتلت وللمرة الخامسة على التوالي المركز الثالث في قائمة أكبر مستوردي السلاح في العالم في 2008م بعد حصولها على 6 في المائة من واردات السلاح في العالم خلال الفترة من 2004 إلى 2008، وبلغت قيمة مشتريات الإمارات في العام الأخير 9.7 مليار دولار، وشهد العام نفسه صفقة شراء نظام الدفاع الصاروخي المتطور (THAAD) البالغة حوالي 6.5 مليار دولار مع توقع بتسليمه عام 2012م.

أما دول مثل قطر والبحرين والكويت بجانب تعزيز قدراتها الدفاعية، كان اللجوء إلى عقد اتفاقيات دفاعية مع إيران، فـقطر وقعت في 24 فبراير 2010م مذكرة للتعاون الدفاعي، وكذلك مملكة البحرين التي توصلت أخيراً مع إيران وفقاً للسفير الإيراني في الدوحة إلى اتفاقية لترسيم الحدود بين قطر والبحرين وإيران، ووضع خريطة المثلث الحدودي، وأشار السفير الإيراني إلى أنه سيتم توقيع اتفاق ثلاثي بين البحرين وقطر وإيران بشأن تحديد الحدود البحرية بعد دراسة الأمور في العواصم الثلاث، وأضاف (إنه لا توجد أي مشكلة وكل الأمور واضحة وشفافة، وهنالك اتفاق على نصوص الاتفاقية العسكرية وسيتم التوقيع عليها قريباً).

وأخيراً، إن صح القول بأن القوى الدولية وغيرها تتجه إلى القبول المستتر بإيران النووية، فإننا على ما يبدو على موعد خلال الأعوام القليلة المقبلة أن تسمع أذهاننا خبر (امتلاك إيران للسلاح النووي)، وحينها سوف تتغير قواعد اللعبة كاملة في منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً الخليج العربي.

مقالات لنفس الكاتب