array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 177

عودة الاحتواء: عقبات وتداعيات وتوقعات

الإثنين، 29 آب/أغسطس 2022

تشكل التدخلات الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية، عبر سياسة "الاحتواء"؛ وإن تبعها الغرب بلا إرادة، تهديداً عميقاً للمؤسسات الجماعية الإقليمية والدولية، وتمثل خلخلة جذرية للتحالفات والاتفاقيات والمعاهدات الضامنة للتعاون والأمن والسلم الدوليين. وما عودة هذه السياسة، أو "عقيدة ترومان"، إلا نموذج يأخذ هذا التدخلات إلى يقين التصديق، إذ شهدت على سوءاتها أحداث كِبَار جِسام عانت منها قارات العالم الخمسة، وبأمثلة من فيتنام، وغرينادا، وتشيلي، وإيران، وأفغانستان، والعراق، والسودان، والصومال. وما أوكرانيا، التي وُضِعَت في فم مدفع فلاديمير بوتين ليلتهمها فتصيبه بعسر الهضم والضعف، الذي يتحقق به مقصود "الهزيمة الاستراتيجية" لـ"الدب" الروسي إلا مُقَدِّمَةٌ لِسُعَارِ حربٍ "باردة" جديدة، قد تحرق بتسخينها الأخضر واليابس. ففي خِضَم المنازلة الروسية – الغربية في أوكرانيا، يجري تهيئة مسرح آسيوي تكون واسطة العقد والعقدة فيه تايوان، التي رفعت "النائبة" الأمريكية نانسي بيلوسي "خِرْقَة" الاستفزاز الحمراء ظناً منها أن "التنين" الصيني سيثور وينفث حممه على تايبيه، فتنقض عليه الطائرات الأمريكية من بوارجها بما حملت من أثقال وأوزار الدمار. لكن وضح أن "التنين" لا تستثيره طوارئ المواقف "المتهورة" كـ"الدب"، إذ هو في الأسطورة الصينية يجلب الماء، الذي يطفئ نيران الحروب ويروي عطش الزروع، لا كما هو في "المِخْيَال" الغربي إذ تخرج من جوفه النار، التي تحرق الأرض ومن عليها.

ويبدو جلياً أن أوار "سكرة" الانتصار في الحرب الباردة لم يخمد بعد في مراكز صناعة القرار في واشنطن والعواصم الغربية، لذلك تمور شهيتها بإلحاح الرغبة في تأجيج صراعات جديدة؛ تستهدف هذه المرة الكبار قبل الصغار، لتضع الجميع تحت رحمة الحكمة الهندية/الإفريقية، التي تقول إن عِرَاكُ الأفيال ستعاني منه مصادر عيشها من عُشْب الأرض، وما يلبد الآفاق من أنباء جوع تعتصر القلوب والعقول قبل البطون، وحديث العارفين عن "أزمة الغذاء" ما هو إلا تلطيف لمأساة ستكون فيها الأرواح البريئة هي الثمن. إذ إن التوتر الأمريكي/الغربي مع روسيا والصين لن تحبس تأثيراته على بقية دول العالم جُدُر الممانعة، أو خيارات التولي عن الزحف، بل هو كغيمة شؤم أينما هطلت شظاياها بان خرابها. فحملات الاستقطاب، التي تجري على قدم وساق في منطقة الخليج وإفريقيا، تحاول أن تسوق الدول سوقاً إلى تبني مواقف خسارتها المضمونة. وما تعانيه أوروبا الآن شاهد ينبغي أن يحفز الجميع على التعقل، إذ تضررت من عقوباتها على روسيا، أكثر مما تضرر الروس، بحسابات أفقدتها الأمان في صيفها وشتائها. نتيجة لذلك، اتفقت 26 من دولها، في شهر يوليو الماضي، على تخفيض طوعي لنسبة استهلاكها من الغاز بـ15%، عَلَّها توفر شيئاً منه لبرد الشتاء القارص، وحتى لا تجعل منه سلاحاً في يد روسيا لترهبها به وقت الحاجة.

إن تراجع أوروبا؛ على استحياء عن مواقفها التابعة لأمريكا، انعكاس لإدراكها بأنها اندفعت بعاطفتها لا بعقلها مع مخططات واشنطن من دون أن تحسب كامل خسارتها. غير أن أوروبا لا تجد السلوى الآن إلا في معاناة الدول النامية الصامتة؛ وفي إفريقيا خاصة، التي خرجت من حجر الوباء إلى حصار الغذاء، إذ هي تُدرك، أكثر من غيرها، أن خسارتها ليست في مصادر الطاقة فقط، فالنفط والغاز الروسي تجتهد في تعويضهما عبر مسارات وعرِة وعالية التكلفة، وبتنازل مُقَدَّر من مستوى الرفاهية، التي كانت قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن تأثير مقدمات "الاحتواء" الجديد لروسيا يتوقع أن يفقدها الأمن الفردي والجماعي. فقد قضت عسكرة هذا "الاحتواء" على أهم بنود معاهدة هلسنكي، وأصبح "الناتو" أشبه بـ"مهرب" للأسلحة منه إلى المنظمة الدفاعية الفاعلة. ومع زيادة التصعيد، تتزايد احتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية، أو عالمية، لن تسعها حدود أوروبا وحدها هذه المرة، كما حدث فيما يُسمى مجازاً بـ"الحربين العالميتين" السابقتين. فالتقارير المثيرة للقلق لا تكتفي بما وقع في أحد مفاعلات مدينتي "تشيرنوبل وزابورجيا" النووية فقط، وإنما الخشية أن تتكرر هذه "الأخطاء" ولعبة "اللوم" المتبادلة بين موسكو وكييف، حتى تقع الكارثة، التي يصعب على الجميع درء خطر الكارثة بعد وقوعها. وفي هذا خطر حقيقي على الأمن والسلام العالمي، خاصة بعد أن انتقصت البدايات من دور منظمة الأمم المتحدة، وألقت بظلال شك كثيفة على نجاعة مجلس الأمن الدولي، وعلى مستقبل تركيبته، بعد أن صارت الدول دائمة العضوية هي المهدد الرئيس لهذا الأمن والسلام العالمي.


في المنهج:

يقدم هذا المقال نظرة عامة موجزة عن خلفية العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، بإشارات مقتضبة إلى أزمة أوكرانيا والطاقة والأمن الأوروبي مع موسكو، ومجالات الخلاف الرئيسة مع بكين حول تايوان، والعلاقات الاقتصادية، والحد من التسلح، وهونغ كونغ، وحقوق الإنسان، ويشير بعض التوقعات والآثار على دول الخليج العربية وإفريقيا، باعتبار تقارب الأولى مع الولايات المتحدة، ونفوذ روسيا في الكثير من أقطار الثانية، وما يمكن أن يحدثه استمرار أزمة أوكرانيا من نقص في الغذاء، وربما جوع يفتك بالكثيرين من مواطني القارة السمراء، ونتيجة تداعيات التطورات الأخيرة بين الغرماء الثلاثة على الأمن والسلم العالمي. ومن خلال تتبع التحولات في معنى واستخدام وفهم استراتيجية "الاحتواء"، يعرض المقال وصفاً متوازناً لمدى تأثير تدخلات الولايات المتحدة في الواقع من خلال مثل هذه الاستراتيجية المثيرة للجدل. فقد سعت واشنطن دائماً لدعم مجالات نفوذها، وخلق شبكة عالمية من الوكلاء الإقليميين، وفقاً لاعتبارات سياسية واقتصادية براغماتية، في سياق أوسع لخطاب السياسة الخارجية. فتاريخ استراتيجية "الاحتواء" لا يُبشرُ بكثير خير، ففي حين تم استبداله إلى المواجهة العلنية في سنوات الحرب الباردة المبكرة بعمليات "مكافحة التمرد" الأكثر سرية، عند نهاية الحرب العالمية الثانية،، بعد أن يُستخدم في سياق الحرب الباردة بين "القوى العظمى"، إلا هذا "الاحتواء" كان في كلتا الحالتين صراعٌ من أجل المصالح والنفوذ في إطار خطاب أيديولوجي غير متسامح.

أما الآن، فإن أمريكا والغرب؛ مدفوعان بسيكولوجية "دور الشرطي"، و"التفوق الحصري" للرأسمالية الليبرالية، مع إمكانات عسكرية واقتصادية؛ يذهب الظن إلى أنها منقطعة النظير، يسعيان إلى استدعاء ما يُعرف باسم "عقيدة ترومان"، بكل ما شابها من نواقص ونكسات. ولذلك، يخلص المقال إلى أن مستقبل العلاقات الأمريكية الروسية والصينية لا يمكن التنبؤ به بثقة، إذا لم تعجل هذه الدول الثلاث باتخاذ خطوات لتحسين وإدارة العلاقات فيما بينها، رغم أنه لا يبدو أن حدوث اختراقات فورية محتملة في ظل التصعد الراهن أمر ممكن. إذ إنه على المدى المتوسط، سيعتمد مستقبل العلاقات على تطوير آليات جديدة للحوار الأمريكي – الروسي من جهة، والأمريكي - الصيني من الجهة الأخرى، على أن يتعزز بمبادرات وقف ما يجري من محاولات "احتواء" وفرض عقوبات، ومن ثم البدء في عملية التغيير، التي تستصحب الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والخلافات السياسية. ومن الواضح أن تحسين آليات الحوار وأدواته يمكن أن يساعد في زيادة التواصل والثقة في العلاقة بين هذه الأطراف ذات الوزن الثقيل. ومع ذلك، حتى يتم توضيح نتيجة عملية الانتقال من حالة الصراع الحالية، وما يستتبعها من إجراءات سياسة "الاحتواء" والعقوبات، إلى وضع أكثر تفاؤلاً بإمكانية الحوار، فمن المرجح أن تستمر السياسة الخارجية الأمريكية، وعلاقتها الثنائية الرئيسية مع روسيا والصين، كعامل لعدم اليقين في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتأثيرات ذلك المتعدية على بقية دول العالم.

عودة الاحتواء:

يسجل التاريخ أن الولايات المتحدة الأمريكية تبنت سياسة "الاحتواء" الخاصة بها، في نهاية أربعينيات القرن الماضي، بحجة منع الشيوعية من الانتشار أكثر في أوروبا وبقية العالم. وقد توافق السياسيون في واشنطن على تحديد المفهوم، لأول مرة، بعد تلقيهم برقية مطولة أرسلها الدبلوماسي "جورج كينان"، في 22 فبراير 1946م، من مقر عمله كقائم بالأعمال في السفارة الأمريكية في موسكو. ونشرها، في عام 1947م، كمقال في مجلة "فورين أفيرز"، بعنوان: "مصادر السلوك السوفيتي"، وزَيَّلَهُ باسم مستعار هو "السيد إكس". وسارع الرئيس هاري ترومان إلى اعتماد سياسة "الاحتواء" كجزء من "عقيدة ترومان" عام 1947، التي أعادت تعريف السياسة الخارجية الأمريكية على أنها سياسة تدعم "الأشخاص الأحرار الذين يقاومون محاولات القهر من قبل الأقليات المسلحة، أو الضغوط الخارجية". وجاء ذلك في ذروة الحرب الأهلية اليونانية 1946-1949م، عندما كان الكثير من العالم ينتظر لمعرفة الاتجاه، الذي ستسلكه اليونان وتركيا، حيث وافقت الولايات المتحدة على مساعدة كلا البلدين لتجنب احتمال أن يقودهم الاتحاد السوفيتي إلى الشيوعية. وكان مستشارو السياسة الخارجية الأمريكية يعتقدون أنه بمجرد سقوط دولة واحدة في قبضة الشيوعية، فإن كل دولة مجاورة ستسقط أيضاً، مثل صف من الدومينو. عُرف هذا الرأي بنظرية الدومينو. وقد أدى الالتزام بسياسة الاحتواء ونظرية الدومينو في النهاية إلى تدخل الولايات المتحدة في غالب قارات العالم.

وتقول ديبورا ولش لارسون، في مقالها الموسوم بـ"عودة الاحتواء"، الذي نشرته مجلة فورين بولسي الأمريكية، الصادرة في 15 يناير 2021م، إن سياسة "الاحتواء" قد تكون واحدة من أنجح السياسات الخارجية للولايات المتحدة خلال الفترة من عام 1947م، حتى نهاية الحرب الباردة، التي استخدمتها الولايات المتحدة لمنع توسع القوة والنفوذ السوفييتي. ورغم ما يناصب هذا القول من خلاف حول طبيعة النجاح والفشل، إلا أن النقاد والسياسيين يتحدثون اليوم عن اندلاع حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، يجدر بنا التساؤل عما إذا كانت بعض أشكال "الاحتواء" يمكن أن تكون منطقية مرة أخرى للعقود القادمة أيضاً. ومثلما تعترف لارسون بأن هناك اختلافات شاسعة في طبيعة التهديد، الذي واجه الولايات المتحدة في الخمسينيات وما يجري الآن، فمن المؤكد أن هناك الكثير من الأسباب لإلقاء نظرة ثانية على عودة سياسة "الاحتواء"، والنهج، الذي يمكن أن يعتمد بشكل أكبر على الجوانب الموضوعية للسياسة الأصلية، التي تمثلت في تعزيز التعاون متعدد الأطراف، وإزالة الحواجز التجارية، واعتماد مبادئ السوق بين الحلفاء، بعيداً عن النهج السلبي، الذي صارت تستسهله واشنطن؛ كالردع العسكري والحظر الاقتصادي، والذي يمكن أن يقطع شوطاً طويلاً ومضنياً نحو تأمين المصالح الأمريكية، وبتكلفة باهظة على كل الأطراف. والأمثلة على ذلك لا يأتيها الحصر؛ من فيتنام ولاوس وكوريا والعراق وأفغانستان وإيران في آسيا، إلى بنما ونيكاراغوا وتشيلي في أمريكا الوسطى والجنوبية، وحالة غرينادا في البحر الكاريبي، والصومال والسودان في إفريقيا.

القضايا الرئيسة:

لقد أدت التطورات المتلاحقة، بعد نهاية الحرب الباردة، إلى تغيير مناخ العلاقات الدولية برمته، خاصة بين أمريكا وروسيا والصين، التي تمكنت من التعاون، في التسعينيات، في عدد من المجالات، وساهمت معاً في معالجة العصي من الملفات؛ مثل المفاوضات لإنهاء الصراع في كمبوديا في عام 1991م. ولكن بشكل عام، انخفض مستوى الثقة في العلاقة بينها. فرفضت الصين المحاولة الحازمة من قبل إدارة كلينتون في عام 1993م، لربط استمرار وصول الصين إلى الوضع التجاري الطبيعي، أو التفضيلي، المعمول به بموجب أحكام "الدولة الأكثر رعاية"، وظلت تساور القادة الصينيون شكوك في أن الولايات المتحدة عازمة على تقويض نظام الحزب الشيوعي الصيني، بعد أن تخلصت من تهديد حلف وارسو. والمؤكد أن واشنطن غير راغبة، أو مستعدة، لقبول صعود الصين إلى مركز القوة الكبرى، مثلما تخشى تموضع روسيا في مكانة الاتحاد السوفيتي وكتلته الاشتراكية. في الواقع، إن مستويات الشك، التي ينطوي عليها الأمر، في موسكو وبكين، تزداد بمعدل يقترب بالجميع من المواجهة الساخنة، التي بدأت للتو في أوكرانيا، ولا يستبعد أن تمتد إلى تايوان، خاصة وأن قادة الصين، قد تَلَبَّدَت بينهم والأمريكيون غيوم من الشك العميق، بدلاً من التعاون المنشود. ومن الواضح أن مناخ انعدام الثقة صار يعقد التعامل مع القضايا الثنائية والمتعددة الأطراف، ودخل البلدان؛ روسيا والصين، مرحلة تجييش العواطف القومية، وبما قد يفوق ما حدث في الغرب بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

إن العلاقات بين الدول الكبرى الثلاثة كانت ذات أهمية بالغة في البيئة الدولية لما بعد الحرب الباردة، لكن واشنطن لم تحافظ على الانسجام، أو الثقة، في علاقتها مع بكين في التسعينيات، إذ تصاعد الخلاف منذ اجهاض تظاهرات "تيانانمين" في عام 1989م، وزاد بشكل ملحوظ منذ منتصف عام 1995م، لا سيما بشأن قضية تايوان، التي طال أمدها. وكثيراً ما تؤدي التدريبات العسكرية، التي تُجريها الصين حول تايوان، وقيام الولايات المتحدة بإرسال حاملات طائراتها للوقوف بالقرب من الجزيرة المتمردة، إلى إثارة القلق والمخاوف في شرق آسيا، والكثير من عدم الاطمئنان في بقية أنحاء العالم. وما الترقب العالمي الهائل لكيفية وصول رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايبيه إلا شاهد تسابقت حوله التوقعات، وضاقت معه القلوب والأنفاس. وقد صدق توماس فريدمان في وصف زيارتها بـ"المتهورة"، لأنها أضافت للتوتر القائم بين واشنطن وبكين تعقيدات جديدة، ووضعت تايبيه أمام تحدٍ لا قِبَلَ لها به، ولن يجعلها أكثر أماناً عما كانت عليه قبله. فما بدا وكأنه انتصار معنويٌ لأمريكا لهبوط بيلوسي آمنة في مطار تايبيه، وإذلال سياسي للصين لعدم وفائها بتهديدات منعها، سيدفع بكين بالتأكيد نحو بناء إجماع وطني يُعْلِي من ضرورة الإسراع باسترداد سيادتها على الجزيرة، والاستعداد الأوسع للمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وعند ذلك فقط ستدرك واشنطن أن ما تحقق من مغامرة "النائبة" بيلوسي ما هو انتصار زائف ومكلف جداً، وهي شبيهة بمساعي الرئيس فلوديمير زيلينسكي للانضمام لحلف "الناتو"، التي أفقدت الغرب قوة الحليفة أوكرانيا؛ ربما إلى الأبد.

وبالقدر نفسه يمكن معاينة الوضع الماثل مع روسيا، التي كانت للعالم مصلحة حيوية في تقدم علاقاتها مع أمريكا والغرب بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي. إلا أن الحساسيات، التي ظهرت حول قضايا؛ من بينها أوكرانيا، والتهديد الذي يشكله توسع "الناتو" لأمن روسيا القومي، واحتمالية تأثير التوترات في العلاقات بين واشنطن وبكين على المصالح السياسية العالمية لموسكو، زادت ولم تنقص. وإذا كان هناك عاملان رئيسان قد غذيا الصعوبات، التي واجهتها واشنطن وبكين؛ وهما، تايوان واقتران النمو الاقتصادي الديناميكي للصين بالكثير من عدم اليقين السياسي في الغرب، فإن العلاقة مع موسكو لم تتحرر تماماً من تأثير نهاية الحرب الباردة. إذ ترى واشنطن أن انتهاء الشيوعية كأيديولوجية ذات مصداقية في روسيا وتراجعها في الصين، جعل البلدين يركزان بشكل متزايد على القومية كأساس لشرعيتهما، والعمل على توسيع علاقاتهما الخارجية بشكل كبير، خاصة مع جيرانهما في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا. ومع ذلك، تسببت عملية التحول السياسي في كلا البلدين، في المزيد من القلق من أن العواصم المتنافسة على الخلافة السياسية للنظام العالمي جعلتهم يلجؤون نحو اتخاذ مواقف حازمة في السياسة الخارجية، لا سيما فيما يتعلق بقضايا السيادة الإقليمية، التي تدخل في حَيِّزها كل من أوكرانيا وتايوان.

ففي حالة أوكرانيا، تُثبت الأيام أن الغرب بقيادة أمريكا قد ترك كل ادعاءات "عقلانيته" المفترضة وتصرف بردود فعلٍ لونتها غلالة كثيفة من عاطفة "الأنا والآخر" تجاه روسيا؛ القيادة والشعب والثقافة والكنيسة، فصارت مواجهة عنصرية بكل أبعادها. الأمر الذي جعل تكلفة القرارات باهظة الثمن؛ ليس على موسكو فحسب، بل على كل العواصم، التي قادتها واشنطن إلى حمأة المقاطعة والعقوبات؛ إذ هم معلقون الآن بين يدي تطرف السياسة وطقسهم، ويعانون زمهرير صيف غير مسبوق، وتشخص أعينهم إلى برد شتاء ليس لهم منجاة منه من دون تَعَطُّفٍ روسيٍ، ونفحةٍ من غاز "نورد ستريم". لذلك، بدلاً من "مسرح" زيلنسكي، وتكرار أسلوب "عنجهية الكاوبوي"، الذي أعادته إلى الأذهان نانسي بيلوسي، ينبغي على الدول الثلاثة التعامل مع قضاياها بحكمة تجنبها والعالم مأساة حرب أخرى لن يكون فيها منتصر. فهذه البلدان تُدرك أن هناك مجالات سياسية ذات أهمية خاصة في علاقتها، ما كانت لتتأخر درجة حساسية أيٍ منها عن الأخرى. غير أن زيارة بيلوسي جعلت من تايوان مرة أخرى القضية الأكثر حساسية بين واشنطن وبكين، إذ تناست الأولى أن مخاوف الثانية سبق أن زادت بسبب الزيارة غير الرسمية، التي قام بها رئيس تايوان لي تنغ هوي إلى الولايات المتحدة في يونيو 1995م، ونلحظ دائماً ظهور توترات بشأن ما تدعيه الولايات المتحدة من تجاوزات الصين في مجالات التجارة الخارجية وسباق التسلح وحقوق الإنسان، وغير ذلك من مصادر الخلاف المستمر. وقد أثبتت الأيام أنه لا يمكن حل أي من هذه المجالات بسهولة، ومن المحتمل أن يكون كل منها محور لمزيد من الخلاف، خاصة بعد التصعيد الـ"بيلوسي" الأخير.

ومما لا شك فيه أن التوتر المستمر في العلاقات بين أمريكا وروسيا والصين له تداعيات مهمة على مصالح السياسة الخارجية للدول النامية، خاصة في الخليج وإفريقيا. فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا، تأثر مناخ العلاقات الدولية حيث أظهرت العواصم الثلاثة حساسية متزايدة بشأن الروابط الرسمية وغير الرسمية بين أيٍ من دول الخليج وإفريقيا مع أوكرانيا وتايوان، وصارت "المعايرة" تتحدد؛ سلباً وإيجاباً، وفقاً لوجهة نظرٍ تقول إن أثقل أوزانها هو الانحياز، لا الحياد. فأمريكا لا تقبل من دول الخليج إلا تأييد وجهتها السياسية فيما يتعلق بأوكرانيا وتايوان، وروسيا والصين تضغطان على دول إفريقيا لتأييد مواقفهما فيما تعتبرانه حق لهما أصيل في هاتين الدولتين (أوكرانيا وتايوان)، كقضية أمن قومي بالنسبة للأولى، ومسألة سيادة بالنسبة للثانية. من هنا، يصعب على أيٍ من الدول الخليجية والإفريقية الرد بشكل حاسم على المطالبات بإعادة تأكيد مواقفها السياسية في كل مرة تضطرب فيها علاقات روسيا والصين مع الولايات المتحدة فيما لا يمس مصالح غيرها بشكل مباشر، إلا إذا كانت ستؤثر بشكل واضح على أهداف السياسة الثنائية والمتعددة الأطراف، أو ستثبط قدرتها، أي دول الخليج وإفريقيا، على التعاون الاقتصادي مع بعضها، ومع غيرها، وعلى متابعة جهودها نحو تيسير التجارة الإقليمية وتحريرها بما يُعَظِّم مصالحها المشتركة.

نكسة التنافس:

كانت الولايات المتحدة والصين تتمتعان بما يعتبر على نطاق واسع كواحدة من أهم العلاقات الثنائية في العالم، وبالقدر نفسه تشكلت علاقات أمريكا وأوروبا بروسيا ما بعد الحرب الباردة حيث تطورت الشراكة الاقتصادية إلى تعاون سياسي وتقارب استراتيجي، لم يستثن حتى "الناتو" من معادلاته، مما زاد من فاعلية كل الاتفاقيات السابقة واللاحقة في أوروبا، بما في ذلك معاهدة هلسنكي. ومثلما لعبت التجارة الصينية سريعة النمو دوراً رئيساً في عملية الإنتاج الموجه للتصدير مع الولايات المتحدة والغرب بشكل عام، خلقت مصادر الطاقة الروسية رابطة اقتصادية شديدة الأهمية مع أوروبا. وعُدَّ التعاون بين أمريكا والصين وأوروبا وروسيا أمراً حيوياً لآفاق الحفاظ على التعاون الأمني ​​والاقتصادي؛ ليس فقط بين هذه الدول وحسب، بل وتعزيزه في العالم أجمع. ومع ذلك، شهدت العلاقات الأمريكية الصينية في الآونة الأخيرة خلافات وتوترات أشد من سابقتها، إذ عارضت الصين حلف الـ"أوكوس" بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا. كما تؤدي التدريبات العسكرية، التي تجريها الصين في مضيق تايوان من وقت لآخر إلى استجابة حادة من واشنطن، والتي يضطرها الموقف أن ترسل في كل مرة حاملات طائراتها إلى المنطقة. الأمر الذي كثيراً ما يعوق التواصل والحوار بين البلدين، ويثير قلق دول شرق آسيا. وتُحْسَب التوترات الأخيرة، التي أوجدتها زيارة نانسي بيلوسي كمصدر قلق إضافي لكل الدول، التي لديها علاقات ثنائية كبيرة مع كلا البلدين، والتي تعتبر العلاقات البناءة بين الولايات المتحدة والصين ضرورية لآفاق التعاون الإقليمي والدولي.

الخاتمة:

لا يمكن أن يكون هناك شك في الدور المؤثر، الذي لعبته المذاهب السياسية والعسكرية و"الاستراتيجيات الكبرى" لمعالجة الوضع الجيوسياسي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. وكان مبدأ "الاحتواء"، الذي صاغه جورج كينان في عام 1946م، هو، الذي أحدث تأثيراً دائماً على سلوك وتدخلات السياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، وما يزال. رغم أنها فُهمت في البداية على أنها احتواء أيديولوجي للشيوعية في أوروبا الغربية من خلال توفير المساعدة الاقتصادية؛ فيما راج عن خطة مارشال، إلا أن اندلاع الحرب الكورية في عام 1950م، أثبت أنه لحظة انطلاق لـ"عسكرة الاحتواء''، الذي صار التهديد باستخدام القوة فيه هو المتحكم في العصب الاستراتيجي لهذا المبدأ. إذ إنه من خلال استعادة تفاصيل التدخلات الأمريكية العلنية في الحرب الباردة؛ من الحرب الكورية وحرب فيتنام، إلى تدخلاتٍ أكثر سرية في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا جنوب الصحراء، والتحول المصاحب في المعنى العقائدي والاستخدام والإدراك الراهن، حاولنا تقديم نظرة نحسب أنها متوازنة حول ما يمكن أن تحدثه تدخلات الولايات المتحدة والغرب، مدفوعة في الواقع باستراتيجية كبرى تستهدف "احتواء" روسيا والصين معاً، من حالة استقطاب في الخليج وإفريقيا.

وعلى الرغم من أن المعنى الأيديولوجي لـ"عقيدة الاحتواء" لم يعد موجوداً في الواقع، إلا أننا نشهد محاولات مستميته للكشف عن "قولبة" جديدة لهذا المعنى، أو بعبارة أخرى، عن محاولة التأسيس لـ"مرونة" معينة في تفسير "الاحتواء" من جانب المسؤولين في الحكومة الأمريكية، رغم أن ما يُقال في الخطاب الرسمي حول البلدين الخصمين؛ روسيا والصين، ما هو إلا غطاء استطرادي لأهداف استراتيجية أخرى، لا يمكن تسميتها على النحو، الذي كانت عليه الحرب الباردة، أو الإفصاح عن مراميها العسكرية في العلن. وما تؤكده المؤشرات الآن سرعان ما يقترب بنا من هذا الفهم، إذ تحولت المداولات حول المدى، الذي كانت فيه تدخلات الولايات المتحدة في الحرب الباردة مدفوعة باستراتيجية كبرى لـ"الاحتواء السوفيتي" إلى حجج معيارية حول أهداف ومنطق السياسة الأمريكية. فقد كانت واشنطن ترى أنها يجب أن تحقق توازناً بين حساب ثابت لسياستها الخارجية، مع الأخذ في الاعتبار الخصائص التاريخية والسياقية لكل صراع ستُقْبِلُ عليه، فيما يظل خطر إعادة التفسير الانتقائي لتاريخ الحرب الباردة قائماً. وذلك ما يجب وضعه في الاعتبار، من دون أن نغفل أن حرباً باردة جديدة قد بدأت بالفعل، ربما تحاول تعريف نفسها بنظريات، أو عبر مدارس فكرية، تُثَبِّت أصولها المستجدة ببراغماتية السياسة في أمريكا والغرب، أو بدعوى أنها من مطلوبات الاستراتيجيات الكبرى المزعومة. ففي حين أن هذه الاستراتيجيات طرأ عليها الكثير من التغيير في المنطلقات والأهداف، إلا أن المنظور "الأرثوذكسي" لتفسير التاريخ السياسي لـ"الاحتواء" يرجع الأصول الحقيقية، التي بنيت عليها مبادئه أثناء الحرب الباردة، والتي نظرت إلى الاتحاد السوفيتي كقوة عدوانية وتوسعية، في حين كانت وجهة النظر السوفيتية تلقي باللوم على سياسة خارجية أميركية توسعية؛ سياسية واقتصادية، واتهمتها بأنها هي، التي تسببت في نشوب الحرب الباردة السابقة، وربما اللاحقة أيضاً. 

مقالات لنفس الكاتب