array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 177

انحسار توازن الرعب.. وعودة نظام توازن القوى

الإثنين، 29 آب/أغسطس 2022

تحميل    ملف الدراسة

لم يحدث، منذ الحرب العالمية الثانية، أن واجه العالم توتراً ينال من استقرار النظام الدولي وسلام العالم، كما يحصل هذه الأيام على جبهتي شرق أوروبا والمحيط الهادي. ثلاثُ قوىً عظمى ( الولايات المتحدة، الصين، وروسيا )، يبدو أنهم فقدوا عقلانية الردع الاستراتيجي وتخلصوا من عقدة الرادع النووي وعادوا إلى ما يشبه "الحنين"، لآليات الصراع التقليدي على الهيمنة الكونية، بأسلحة تقليدية، لكنها أكثر تعقيداً وتطوراً من الناحية التكتيكية والتكنولوجية، مع إحياء الأيدلوجية. حرب عالمية ثالثة على الأبواب يختفي فيها الرادع الاستراتيجي النووي، ويتقدم فيها السلاح التقليدي، المكلف مادياً والمتقدم تكنلوجياً والمعقد تكتيكيا، مع عودة الصراع الأيدلوجي بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة القومية الشمولية. الهدف الاستراتيجي الأعلى، هو: تغيير النظام الدولي الحالي، بعد خوض حربٍ أو حروبٍ محدودة فاصلة، تتشكل بعدها خريطة النفوذ الاستراتيجي للقوى العظمى، ومن ثمّ تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ متباينة، مع إقامة نظام دولي جديد، له قوانينه الدولية ومؤسساته الأممية ونظامه المالي والاقتصادي المختلف.  

 

 

نهاية الردع الاستراتيجي غير التقليدي

 

طوال ما يقرب من ثمانية عقود، منذ أن وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها، ظل التوازن الاستراتيجي العالمي يقوم على مفهوم الردع الاستراتيجي غير التقليدي ( توازن الرعب النووي )، الذي يستند أساساً على السلاح النووي، مما يعني: استحالة المواجهة المباشرة بين القوى النووية الكبرى، لاستحالة ضمان النصر فيها ولاحتمال الهلاك المتبادل للأطراف المشاركة فيها، بل نهاية الوجود البشري، دعك من استمرار سيطرة الإنسان على كوكب الأرض.

 

حرب الدمار الشامل باستخدام الأسلحة النووية، إذن: يستحيل التفكير في نشوبها أو حتى تجربة استخدامها على نطاق محدود أو التهديد باستخدامها. مع ذلك يرجع لتطوير الأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل بجميع أشكالها وصورها، سيادة ما يسمى بالسلام الكوني، الذي ساد العالم، طوال ثمانية عقود. قارن في هذا الشأن بين نظام توازن القوى الذي ساد في عهد عصبة الأمم ونظام توازن الرعب النووي، الذي ساد بعد الحرب الكونية الثانية. نظام توازن القوى التقليدي، في نسخته الحديثة، دام فقط لعشرين سنة ( ١٩١٩ - ١٩٣٩ م)، بينما توازن الرعب النووي استمر من نهاية الحرب العالمية الثانية ( ١٩٤٥ م)، وحتى الآن، مبدئياً.

 

هذا لا يعني أن نظام الأمم المتحدة في ظل معادلة توازن الرعب النووي كان مستقراً أو كان عادلاً أو كان إنسانياً أو نابذاً لفكرة استخدام القوة لتسوية الخلافات بين أعضاء النظام الدولي، مقارنة بنظام توازن القوى الذي حكم عهد عصبة الأمم. نعني هنا باستقرار نظام الأمم المتحدة، في ظل استراتيجية توازن الرعب النووي: أن العالم، طوال ثمانية عقود، لم يشهد حرباً كونية بين الدول العظمى تلجأ فيها لاستخدام إمكاناتها الاستراتيجية غير التقليدية ( النووية )، أو التهديد باستخدامها،  لخوض حربٍ عالمية مع قوة أو قوىً عظمى أخرى. أو حتى الاقتراب من تصعيد استراتيجي، يقود لاحتمالية نشوب حروب نووية، ولو على نطاق محدود، من المحتمل أن تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل، النووي على وجه الخصوص.

 

رغم هول مجرد تصور استخدام السلاح النووي، إلا أن الفضل في الاستقرار العالمي، الذي ساد العالم لثمانية عقود، يعود إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها السلاح النووي. خلال هذه العقود الثمانية وصل الإنسان إلى أطراف النظام الشمسي، وربما هو في طريقه إلى فضاءات أخرى، ما وراء ذلك. في هذه العقود الثمانية تقدم الطب بصورة لم تحدث في تاريخ البشرية، وجرى التخلص من مئات الأوبئة التي كانت تحصد حياة البشر طوال التاريخ، ما زاد من سكان الأرض إلى مستويات، أضحت عبئا على موارد كوكب الأرض الطبيعية المحدودة.  كما تحسنت سبل العيش للإنسان وجرى التغلب على نقص الكثير من الموارد التي كانت تتسبب في المجاعات والحروب وانتشار الأمراض والفقر وتفشي الجهل. كما جرى تقدم، لم يحدث له نظير طوال تاريخ البشرية، في العلوم والأدب والثقافة والتواصل بين شعوب الأرض قاطبة، بل وحتى انتشار الديمقراطية، ما وراء حزامها الجغرافي شمال الكرة الأرضية، إلى مجتمعات الجنوب، الأبطأ نمواً، بل الأكثر تخلفاً، عند بعضها.  

                                                          

باختصار: في الثمانية عقود الماضية، نَعُمَ العالم باستقرارٍ كبيرٍ وعايشَ سلاماً ظليلاً وخَبِرَ نمواً مضطرداً في مجالات حياتية كثيرة، لم يحدث في تاريخ البشرية من قبل. كل ذلك، ويا للغرابة، كان بفضل تطوير أكثر الأسلحة دماراً وأفتكها نتيجةً وأفدحها خسارةً وأبهظها ثمناً، عرفتها البشرية طوال تاريخها، ألا وهي: أسلحة الدمار الشامل، التي لا يمكن استخدامها ويستحيل النصر بها، مما فرض توازناً مرعباً بين القوى العظمى، جعلها أكثر عقلانية ورشداً في تبصر خدمة مصالحها، بعيداً عن الحرب واحتمالات نشوبها بين القوى النووية، حتى في نطاقات محدودة، خوفاً من فقدان السيطرة على آلة الحرب، عندما تبدأ حركة سعيرها المهلك، الذي لا يبقي ولا يذر.

 

عقيدة الضربة النووية الأولى

 

لماذا لم تنشب حرب نووية بين القوى العظمى، رغم حدوث سباق تسلح نووي، مثلما كان الأمر في عصر توازن القوى التقليدي. كان عدم استقرار نظام القوى التقليدي في فترة ما بين الحربين، بسبب زيادة الثقة الاستراتيجية لدى قوة عظمى أو عدة قوى عظمى في إمكاناتها الاستراتيجية، لدرجة إغرائها باستخدام إمكانات الردع الاستراتيجي التي تمتلكها، وكانت تعتمد أساساً على الأسلحة التقدليدية، لخوض الحرب من أجل الهيمنة الكونية، مع احتمال كبير بالنصر فيها. أي اختلال في ميزان القوى التقليدي القائم على سباق التسلح، يقود بالتبعية إلى تطوير ذلك الإغراء بخوض الحرب. هذا التفاوت الاستراتيجي بين إمكانات القوى العظمى الاستراتيجية، كان وراء عدم استقرار نظام توازن القوى التقليدي… الأمر الذي قاد إلى نشوب الحربين العظميين، خلال عقدين من الزمان فقط، في النصف الأول من القرن العشرين.

 

في المقابل: طوال الفترة الماضية، منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، لم تطور أيٌ من القوى العظمى، رغم حساسية وشراسة وعمق الخلافات السياسية والأيدلوجية وإغراءات بسط النفوذ والتوسع والشهوة الغريزية للصراع والقتال، لم تطور أيٌ من تلك القوى العظمى عقيدة الضربة الأولى الاستراتيجية ( النووية). لأن الحرب النووية، إن نشبت، فإنها يجب أن تكون بالضربة القاضية، التي تنهي الخصم مرة واحدة وللأبد.  رغم التقدم المتفاوت في صنع وامتلاك وتجربة أسلحة الدمار الشامل، مع التقدم في أنظمة توصيلها عبر القارات لقلب إقليم العدو وتجمعات سكانه ومراكز اتصالاته ومؤسسات حكمه وقلاعه الصناعية المنيعة، لم تفكر أي قوة عظمى في إمكانية استخدام ترسانتها من أسلحة الدمار الشامل لتسوية خلافاتها مع منافسيها وخصومها الدوليين، بضربة أولى واحدة قاضية، مرة واحدة وللأبد.

 

ذلك لأنه لا يمكن، تحت أي ظرف من الظروف مهما كانت إمكانات الردع الاستراتيجي التي تمتلكها دولة عظمى، ومهما بلغ نموها الاقتصادي واستقرارها السياسي وغناها المادي وتقدمها العلمي، أن تضمن استخدام سلاحها غير التقليدي ( النووي ) ضد أيٍ من خصومها الدوليين ( النوويين )، وتأمن في نفس الوقت عدم قدرة ذلك الخصم على الرد بضربة استراتيجية نووية ثانية، يكون فيها هلاك الطرف الذي قام بالضربة الأولى، أو على الأقل عدم القدرة على تحمل تكلفتها الباهظة، بأي حالٍ من الأحوال . إذن: لم تصل درجة القناعة بخوض حربِ نووية أبداً، لدى أي طرف دولي يمتلك السلاح النووي مهما بلغ الخلل في توازن الرعب النووي نتيجة التفاوت في إمكانات الردع الاستراتيجي لدى الدول العظمى، بين تلك القوى العظمى.

 

عدم المرونة الاستراتيجية، التي كان يعاني منها توازن الرعب النووي، أدى مع الوقت، إلى انحسار الردع الاستراتيجي بأسلحة الدمار الشامل، باستحالة استخدامه لخدمة السياسة الخارجية للدول العظمى، حتى ولو على مستوى التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل. لكن السؤال هنا: هل كان نظام الأمم المتحدة، تحت مظلة الردع الاستراتيجي النووي، بما يعنيه من دمار شامل مهلك متبادل، نظاماً دولياً مستقراً، يميل إلى قناعة أطرافه بتحقيق مصالحهم القومية بآليات التعاون والتكامل، مما يجعل حركة الصراع التاريخي بين الدول غير ذات موضوع أو اعتبار.

 

استراتيجية الحروب المحدودة

 

لم تتخلَ الدول العظمى عن غريزتها التوسعية، ولا عن سعيها للمنافسة على مكانة الهيمنة الكونية. انتهت الحرب العالمية الثانية، برسم حدود لنفوذ الدول المنتصرة في تلك الحرب (الحلفاء)، تمثل مجالات حيوية لنفوذها وتوسعها خارج نطاق حدودها السيادية الإقليمية. باختصار: انقسم العالم، بعد الحرب الكونية الثانية، إلى معسكرين شرقي اشتراكي ( شمولي )، بزعامة الاتحاد السوفيتي.. وغربي رأسمالي ليبرالي ( ديمقراطي )، بزعامة الولايات المتحدة. لم تكن حدود المعسكرين الإقليمية واضحة وحادة، لكنها كانت في حقيقة الأمر تفصل بينها مناطق "رمادية" تعكس بؤراً للتوتر، وإمكانات التوسع والاحتواء…. والأكثر: مناطق لعدم الاستقرار، تفسح المجال لمواصلة الصراع بين المعسكرين، دون الاقتراب من نقطة الصدام المباشر بينهما، بمحاذيره الاستراتيجية ( النووية ) المرعبة.

 

على تخوم كل معسكر كانت هناك بؤرٌ لعدم الاستقرار، تشملُ متنفساً لارتفاع درجة حرارة الصراع بينها، بحروبٍ باردة، تزداد سخونتها على تلك التخوم، دون الخوف من أن تتحول إلى حربٍ ساخنة بين المعسكرين، بصورة مباشرة، من المحتمل أن تتطور ومن ثَمّ رفع درجة سخونتها باستخدم أسلحة الدمار الشامل ( النووية ).

 

نظام الحرب الباردة، الذي بدأ بنهاية الحرب الكونية الثانية، أو بالأحرى نهاية عقد الأربعينيات من القرن الماضي عندما أسفر الاتحاد السوفيتي عن إمكاناته النووية الاستراتيجية غير التقليدية بتفجير أول قنبلة نووية سوفيتية ( ٢٩ أغسطس ١٩٤٩ م) بعد أربع سنوات وثلاثة وعشرين يومًا من إلقاء الولايات المتحدة لأول قنبلة نووية على مدينة هوريشيما في اليابان (  ٦ أغسطس ١٩٤٥م ). شكل هذا التطور الاستراتيجي الهام العلاقة الصراعية بين المعسكرين إما من أجل الحفاظ على حياض كل معسكر الحيوي، أو التمدد إلى مناطق متنازع عليها، ولم يتم ترسيمها كمناطق نفوذ خالصة لكل معسكر.

 

كانت بؤرُ عدم استقرار نظام الأمم المتحدة، بصورة أساسية، تقع خارج نطاق ساحة الحدود الفاصلة التقليدية بين المعسكرين في أوروبا. كانت قارة آسيا، بصورة خاصة، مناطق صراع المعسكرين غير المباشرة، كما هو الحال في الحرب الكورية ( ١٩٥٠ – ١٩٥٣م ).. حرب فيتنام ( ١٩٥٥ – ١٩٧٥م) .. حروب الشرق الأوسط ( النظامية ) بين العرب وإسرائيل ( ١٩٤٨،  ١٩٥٦، ١٩٦٧ و ١٩٧٣م )،  حرب أفغانستان ( ١٩٧٩ – ١٩٨٨ م). هذا لا يعني أن القارة الأوروبية كانت بمنأىً عن نقاط التماس الخطرة بين المعسكرين اللدودين. كان هناك التدخل السوفيتي العنيف لإخماد ثورة المجر ( ١٩٥٦ م) والتدخل السوفيتي لقمع ثورة التشيك ( ١٩٦٨م). في المقابل: كانت هناك اختراقات سوفيتية في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، في الأمريكيتين الوسطى والجنوبية، مثل: ما حدث في أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا (  أكتوبر ١٩٦٢ م)، حيث حبس العالم خلال تلك الأزمة أنفاسه لمدة ١٣ يوماً. كما تدخلت الولايات المتحدة لإسقاط حكومة سلفادور اللندي الاشتراكية في تشيلي المنتخبة ديمقراطياً ( سبتمبر ١٩٧٣ م).

 

 

انهيار نظام الحرب الباردة

 

لم يصمد نظام الحرب الباردة بثنائيته القطبية، طويلاً. في أقل من نصف قرن، أنهار أحد أعمدة نظام الحرب الباردة الاثنتين. بانهيار الاتحاد السوفيتي من داخله ( ٢٦ ديسمبر ١٩٩٢ م)، انهار نظام الحرب الباردة، ووجدت الولايات المتحدة نفسها تتزعم النظام الدولي، وهي لا تمتلك الإرادة ولا الموارد الكافية لتتبوأ مكانة الهيمنة الكونية. الولايات المتحدة، لم ترق إلى مكانة الهيمنة الكونية، لأنها هزمت منافسها عليها ( الاتحاد السوفيتي )، في حربٍ كونية فاصلة، التي كانت الآلية الحاسمة لتتابع الأنظمة الدولية الحديثة المتعاقبة، على الزعامة الأممية، منذ نهاية القرن الخامس عشر.

 

الولايات المتحدة لم تنتصر على عدوها السوفيتي اللدود، في حربٍ فاصلة، فحسب… بل أنها لم تتطور لديها الإرادة السياسية، لتبوؤ مكانة الهيمنة الكونية الرفيعة، التي وجدت نفسها على سدتها، بصورة مفاجئة. من أهم: مقومات تبوؤ مكانة الهيمنة الكونية الرفيعة، لأي قوة عظمى،  ليس فقط التمتع بامتيازاتها، بل أيضاً دفع تكلفتها. الولايات المتحدة أرادت أن تتزعم عالم ما بعد عهد الحرب الباردة الجديد بعقلية التاجر الجشع، الذي يسعى وراء الاحتكار، دون أن يتحمل مسؤولية استقرار السوق. كل الأنظمة الدولية الحديثة المتعاقبة، جرت عملية تغيير زعاماتها، نتيجة خوضِ حروبٍ كونية فاصلة، وللاحتفاظ بمكانة الهيمنة الكونية، لابد من دفع تكلفة استقرار النظام الدولي الذي تسيدته.

 

جشع الولايات المتحدة، مع تجذر ثقافة العزلة القارية، التي اصطبغت بها الثقافة السياسية الأمريكية كانت، إلى حدٍ كبيرٍ، وراء التحول الذي يشهده العالم هذه الأيام، نحو عودة غريزة الصراع للعلاقات الدولية، وبداية عدم استقرارٍ خطيرٍ في النظام الدولي، يتجاوز محاذير آلية توازن الرعب النووي، الذي كان وراء استقرار نظام الحرب الباردة، إيذاناً بالعودة إلى آلية نظام توازن القوى التقليدي بكل ما يحمله من مظاهر عدم الاستقرار، للنظام الدولي.. ومن تهديدٍ خطيرٍ لسلامِ العالم.

 

إحياء جبهة أوروبا

 

تشهدُ الحربُ الدائرة، في أوكرانيا، بعودة الصراع التقليدي في أوروبا، الذي ظن العالم أنه انتهى، واُستبدل بخيار التعاون والتكامل الاقتصادي بين أعداء الأمس، لتطل برأسها علامات عدم الاستقرار، ربما بصورة أكثر حدة مما كان عليه الحال في العقد الثاني من القرن العشرين، عندما نشبت الحرب العظمى عام ١٩١٤م. 

 

لقد أفاق الدب الروسي من سباته العميق، الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي ( ٢٦ ديسمبر ١٩٩١ م). منذ ذلك الحدث الجلل، الذي قوض ثاني أكبر القوى العظمى في العصر الحديث، وروسيا الاتحادية تعاودها كوابيس محاولة جيرانها في الغرب غزوها، في القرنين التاسع عشر، في حملة نابليون التي احتلت موسكو ١٨١٣م، وحملة هتلر (عملية بروسيا)، الأكثر دماراً ووحشيةً، في الحرب العالمية الثانية، التي أوشكت على اجتياح روسيا، بما يفوق حملة نابليون.

 

أوروبا تاريخياً لم تعتبر روسيا أوروبية، بالرغم من مصاهرة عروش أوربية لقياصرة روسيا. وأوروبا، كانت تاريخياً تنظر إلى روسيا كونها غنية بمواردها الطبيعية، كمصدر لوارداتها من المواد الأولية، خاصةً مصادر الطاقة الأحفورية، لتغذية حاجة آلتها الصناعية المتقدمة والعملاقة.. وأيضاً: تنظر أوروبا المتقدمة صناعياً والمستقرة سياسياً لروسيا كونها سوقاً محتملاً لصادرات أوروبا الصناعية. كما أن أوروبا كانت تنظر إلى روسيا، على أنها دولة اقطاعية زراعية متخلفة تحكمها ثقافة شمولية مستبدة، ليست أهلاً لا لثورة صناعية، ولا لتحول ديمقراطي محتمل. كارل ماركس ( ١٨١٨ - ١٨٨٣ م)، كان يستبعد قيام ثورة للبروليتاريا في روسيا، لأنها مجتمع اقطاعي لم يتم مراحل التحول الثوري ( الدياليكتيكي)، كمجتمعات أوروبا الصناعية المقدمة، مثل انجلترا وهولندا وألمانيا.

 

  روسيا اليوم، في عهد فلاديمير بوتن، ينتابها نفس هاجس الأمن تجاه حدودها الغربية مع أوروبا، مثل ما كان الأمر في عهود القياصرة وزعامات الحزب الشيوعي في فترة الاتحاد السوفيتي. بانهيار الاتحاد السوفيتي، وعد الغرب أنه لن يمتد شرقاً، ليصل إلى حدود روسيا التاريخية، وتعهد بعدم توسيع حلف شمال الأطلسي ليضم إليه دول شرق أوروبا. لم يف الغرب، بتعهداته تلك وواصل مشروعه التوسعي تجاه حدود عرين الدب الروسي شرقاً، حتى بلغ نقطة عدم الاحتمال الحرجة، بمحاولة ضم أوكرانيا إلى معاهدة حلف شمال الأطلسي  ( النِيتو )،  مما يعني تجاوز الخطوط الحمر للحدود  الطبيعية  لروسيا الاتحادية مع أوربا ما وراء جبال الأورال، ليلتف النيتو من خلال سهول البلقان جنوباً ليكون على أعتاب الحدود الجنوبية لروسيا الاتحادية في عمق مجالها الحيوي المغلق في حوض البحر الأسود. تطورٌ لا يمكن لروسيا احتماله، فكان قرارُ غزوَ أوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير الماضي.

 

موسكو، لأول مرة منذ الحرب العالمية تفتح جبهة قتال مع جيرانها في الغرب، منذ اجتياح جحافل الجيش الأحمر عبر بولندا وبقية دول أوروبا الشرقية لغزو ألمانيا ودخول برلين وإسقاط نظام هتلر النازي في: أبريل/ مايو ١٩٤٥م، موسكو دخلت أوكرانيا، في أول حرب على حدود أوروبا، منذ الحرب العالمية الثانية، متحدية الناتو بزعامة الولايات المتحدة، ومتخطية كل خطوط الالتماس الخطرة مع الغرب، بما فيها التوازن الاستراتيجي غير التقليدي. روسيا بقرار غزو أوكرانيا كانت تضحي بمستقبل علاقتها الاقتصادية مع الغرب، الذي فُرض عليها بسبب ذلك الغزو لأوكرانيا، أقسى العقوبات الاقتصادية، الكفيلة بعودة روسيا إلى الوراء لعقود. موسكو وازنت بين مقتضيات أمنها القومي، وعودة دورها كقوة عظمى تمتلك الإرادة والموارد للمنافسة على مكانة الهيمنة الكونية، وبين ما يمكن أن تجنيه من مكاسب اقتصادية ضخمة بعلاقتها مع الغرب ضمن مشاريع تكامل عملاقة مع الاقتصاد الأوروبي النامي والمزدهر، في مجال الطاقة بالذات، وخاصةً مع أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي وثالث اقتصاد في العالم ( ألمانيا).

  

    من الجانب الآخر، غزو روسيا لأوكرانيا أفاق أوروبا من سباتها العميق، لتستعيد ذكريات غزو الاتحاد السوفيتي لشرق أوروبا، في الحرب العالمية الثانية، الذي انتهت بدخول الجيش الأحمر لبرلين، سابقاً لكل جيوش الحلفاء الغربيين، قبيل إعلان استسلام ألمانيا النازية رسمياً ( ٧ مايو ١٩٤٥م ). ألمانيا، أكبر شريك اقتصادي للاتحاد الروسي، استشعرت خطراً استراتيجياً واضحاً وناجزاً من غزو روسيا لأوكرانيا، وأحيا ذلك لدى الألمان نزعة قومية، ربما تعيد إلى أوروبا والعالم تجربة ألمانيا النازية، من جديد. لقد استشعرت برلين، بغزو روسيا لأوكرانيا، خطراً استراتيجياً واضحاً وناجزاً جعلها تستفيق من وهم الحماية الخارجية لأمنها، تحت مظلة الناتو بزعامة الولايات المتحدة، لتعلن عن عزمها تطوير قدراتها الدفاعية، بما لا تسمح به التزاماتها تجاه حلفائها الغربيين، متجاوزةً بذلك القرار الاستراتيجي الخطيرحتى دستورها، من أجل تطوير استراتيجية دفاعية وطنية خاصة بها، لمواجهة إحياء روسيا لتطلعاتها التوسعية في شرق أوربا، التي عبرت عنها بغزوها لأوكرانيا.

 

إحياء جبهة الباسفيك

في الجانب الآخر من العالم شرقاً تتفاعل إرهاصات أخطر ساحة محتملة لصراع دولي قادم، بين قوة عظمى قائمة وقوة عظمى جديدة في طور النشوء والارتقاء، لا تخفي تطلعاتها للمنافسة على مكانة الهيمنة الكونية، متسلحةً باقتصاد نامٍ هو الثاني على مستوى العالم.. وبترسانة نووية مهيبة، وبحضور دولي متنامٍ ومتحفزٍ… والأهم: مُفْصِحَاً عن تطلعات إقليمية طموحة، مرشحةً لأن تكون لها تفرعات عالمية ممتدة. الصينُ اقتربت من تحقيقِ مشروعِ زعيمها العتيد تنغ هيستو بينغ ( ١٩٠٤ – ١٩٩٢م)، الذي وعد عام  ١٩٧٨م، حين تقلده رئاسة البلاد وزعامة الحزب الشيوعي بعد تخلصه من عصابة الأربعة بزعامة زوجة ماو: أن تكون الصينُ خلال خمسين عاماً قوة عظمى مؤهلة للمنافسة على مكانة الهيمنة الكونية. يبقى ٦ سنوات على التاريخ الذي وضعه تنغ هيستو بينج، لتحقيق ذلك الوعد، حيث قطعت الصين، في السنوات الماضية، شوطاً كبيرًا، لإنجاز استحقاقاته.

 

طموحات الصين الكونية، تمس الولايات المتحدة، بصورة مباشرة، تتضاءل أمامها تحديات روسيا لزعامة الولايات المتحدة للنيتو في ساحة الصراع التقليدي الرئيسي في العالم القديم بأوروبا، هذه الأيام كما يبدو من أزمة غزو روسيا لأكرانيا. الصينُ تهدد الولايات المتحدة مباشرةً في أمنها القومي، بطول وعمق المحيط الهادي. تاريخياً: جبهة المحيط الهادي أكثر خطراً من الناحية الاستراتيجية لأمن الولايات المتحدة القومي، من جبهة الأطلنطي. طوال الحربين العظميين، لم تهدد جبهة الأطلنطي أمن الولايات المتحدة، بصورة مباشرة، كما حدث على جبهة الباسفيك.

 

في الحربِ العالميةِ الثانية، تمكنت اليابان من إغراق معظم الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر بجزر هاوي ( ٧ ديسمبر ١٩٤١ م)، في الوقت الذي كان فيه وفد ياباني رفيع المستوى يتفاوض في واشنطن لاحتواء تداعيات الحرب في أوروبا، وتفادي الصدام المباشر في المحيط الهادي بين الولايات المتحدة وامبراطورية اليابان. كان حينها الباسفيك جبهة مفتوحة، محتملٌ اشتعالها في أي وقت. اشتعال جبهة المحيط الهادي كان يعني تهديداً مباشراً، بصورة جلية وناجزة للساحل الغربي للولايات المتحدة، من كاليفورنيا جنوباً إلى ألاسكا شمالاً.

 

 بل أن اليابانيين وصلوا فعلياً إلى سواحل الولايات المتحدة الشمالية الغربية واحتلوا بعض الجزر الأمريكية قبالة ساحل ألاسكا، مثل جزيرتي كيسكا وجزيرة أتو في أرخبيل الوشيان ( ٥ -١٥ يوليو ١٩٤٢ م) ، كما في نفس الفترة قصف اليابانيون مدينة دويتش هاربر في ألاسكا، حتى تم طرد اليابانيين من تلك الجزر بمساعدة الكنديين ( ٢٨ يوليو ١٩٤٣ م). ولو لم تنتصر الولايات المتحدة في معركة ميد وي البحرية الفاصلة ( ٢ يونيه ١٩٤٢م )، ضد الأسطول الياباني، لكانت نتيجة الحرب العالمية الثانية على جبهة الباسفيك مختلفة تماماً عن تلك التي انتهت عليه باستسلام اليابان ( ٧ ديسمبر ١٩٤٥ م).

 

الولايات المتحدة، لا تهددها جبهة الباسفيك، بصورة مباشرة بحكم خطرها الناجز على أمنها القومي، فحسب…. بل تهدد مصالحها الممتدة والحيوية مع حلفائها في منطقة غرب الباسفيك، من اليابان شمالاً إلى أستراليا جنوباً، مروراً بالفلبين وكوريا الجنوبية وأندرنيسيا ومليزيا وسنغفورا وتايلند وكامبوديا ولاوس، وحتى فيتنام.

 

اليابان، على سبيل المثال: لن تسمح بفرض أيَ شكلٍ من أشكالِ الهيمنةِ الإقليميةِ للصين في منطقةِ بحر اليابان وبحري الصين الشرقي والجنوبي، حيث هناك خلفية تاريخية مريرة بين البلدين في تلك المنطقة الحيوية استراتيجياً لليابان. كما أن اليابان، عبرت في أكثر من مناسبة عن رفضها لأي شكل من أشكال الهيمنة الإقليمية في المنطقة للصين، وعن استعدادها للدخول في حرب مع الصين، إن قررت الصين غزو جزيرة تايون وإلحاقها بالبر الصيني عنوةً. حتى أن اليابان من أجل تحقيق هدفها الاستراتيجي في مقاومة أيَ شكلٍ من أشكالِ التوسعِ الصينيِ في المنطقة،  مستعدةٌ أن تتخلى عن كل التزاماتها الدولية، بما فيها التزاماتها للولايات المتحدة بنبذ اللجوء للقوة لتسوية خلافاتها الإقليمية والدولية، والنص على ذلك في دستورها.

 

مشكلة الصين، إقليمياً لا تقف عند تحفظ اليابان تجاه استراتيجية الصين التوسعية في منطقة غرب الباسفيك، بل هناك دولٌ أخرى في المنطقة تنازع الصين دعواها الإقليمية والتاريخية في المنطقة. الفلبين وهي حليفٌ تاريخيٌ قويٌ للولايات المتحدة، تتوجس خيفةً من دعاوى الصين التاريخية والإقليمية في بحر الصين الجنوبي. وكان أن حدثت مناوشات حول بعض الجزر في تلك المنطقة بين الدولتين.. وطالما اشتكت الفلبين من بناء الصين لجزر صناعية في مناطق متنازع عليها بين الدولتين في بحر الصين الجنوبي.  فيتنام، بالرغم من التاريخِ المريرِ القريبِ مع الولايات المتحدة، تشعر أنها أقربُ للتحالف مع الولايات المتحدة في مواجهة التطلعات التوسعية للصين في منطقة بحر الصين الجنوبي، وفي منطقة الهند الصينية، بصورة عامة،  بالرغم ما يجمع الصين من أيدلوجية شيوعية واحدة وتماثل شديد التطابق بين نظامي الحكم في بكين وهانوي.

 

تقريباً: هناك مشكلة إقليمية بين الصين وبقية دول حوض بحر الصين الجنوبي، مثل: كوريا الجنوبية أندونيسيا ماليزيا وتايلند، وكل الدول المطلة على سواحل بحر الصين الجنوبي، تتوجس خيفةً وتستشعر خطراً ناجزاً لتوجهات الصين التوسعية في المنطقة، ليس فقط لدواعٍ استراتيجية، بل أيضاً: لأسباب اقتصادية نظراً لما يزخر به قاع بحر الصين الجنوبي من موارد طبيعية غنية، بالذات مكامن غنية وواعدة لمصادر الطاقة الإحفورية من نفطٍ وغاز.

 

الولايات المتحدة، كقوة عظمى تجوب أساطيلها البحرية بحار العالم ومحيطاته تعتبر قضية حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، خاصة في مضائقه، بالذات مضيق تايوان، قضية ذات أهمية استراتيجية كبرى. يهم الولايات المتحدة أن يكون بحر الصين مفتوحاً ليس فقط لعبور قطعها الحربية من خلاله، ولكن خدمةً لحرية التجارة العالمية، وأن يكون للشركات الأمريكية نصيبٌ في التنقيب عن الثروات الطبيعية الضخمة، وخاصةً مصادر الطاقة الإحفورية، المتواجدة في قاع بحر الصين الجنوبي. التزامات الولايات المتحدة تجاه أمن حلفائها في منطقة غرب الباسفيك، إذن: تتكامل مع متطلبات أمنها القومي. جبهة غرب الباسفيك، استراتيجياً تعتبر جبهة دفاعية متقدمة عن البر الأمريكي في الساحل الغربي للولايات المتحدة وكذا تواجدها السيادي في منطقة المحيط الهادي، التي توجد به أحد ولاياتها الخمسين، وكذا تمتلك الولايات المتحدة  الأمريكية ثمانية جزر في المحيط الهادي، مثل: جزيرة بيكر.. حيد أرخبيل جزر مبد وي.. وجزيرة هاولاند، وغيرها.

 

ساحة الحرب الكونية الثالثة وأدواتها وأبعادها الأيدلوجية

حرب روسيا على أوكرانيا، تعتبر شرارة الحرب العالمية الثالثة، على جبهة أوروبا، وربما تمتد إلى جبهة المحيط الأطلسي، كما كان الأمر في الحربين العظميين. روسيا، إن هي تمكنت من تحقيق أهداف حملتها العسكرية على أوكرانيا، فإن طموحات روسيا التوسعية، قد تتجاوز متطلبات أمنها القومي، إلى التعبير عن طموحات توسعية، قد لا تقف عند حدود المجال الحيوي الذي رسمته الحرب العالمية الثانية في عمق أوروبا الشرقية، ربما إلى ما وراء ذلك، لعمق أوروبا الغربية الاستراتيجي، حتى المحيط الأطلسي،  وربما ما وراءه.

 

حلم روسيا التاريخي بالتواجد في المياه الدافئة والتخلص من طبيعة أطرافها الجغرافية المائية المتجمدة، معظم شهور السنة، خاصة في موانئها في بحر اليابان، وكذا التخلص من محبسها على سواحل بحري قزوين والأسود المغلقين، تشكل معضلة استراتيجية كبرى لا تتناسب مع ضخامة إقليمها الجغرافي بموارده الطبيعية الغنية وموارده البشرية الشحيحة، نسبياً. هذا الوضع الجغرافي القاسي في ظروفه المناخية والغني بموارده الطبيعية والشحيح في كثافته السكانية، وراء العزلة التاريخية لروسيا، وسبباً مباشرًا يفسر خلفية الثقافة الشمولية لأنظمة الحكم المستبدة، التي حكمت روسيا،  منذ عهود القياصرة، إلى عهد الرئيس بوتن الحالي، مروراً بتجربة الاتحاد السوفيتي.

 

نفس الوضع الجيوسياسي، ينطبق تقريباً على جبهة الباسفيك المرشحة لتكون ساحة الحرب الكونية القادمة، في نصف الكرة الأرضية الشرقي على جبهة الباسفيك. التنافس على مكانة الهيمنة الكونية، قد لا يختلف كثيراً عما كان عليه الحال أثناء الحرب العالمية الثانية. الجبهة الغربية كانت تمتد من الاتحاد السوفيتي حتى سواحل المحيط الأطلسي غرباً.. وكذا جبهة الباسفيك كانت تمتد بعرض وعمق المحيط الهادي، من سواحل الولايات المتحدة الغربية، غرباً  إلى اليابان والصين والهند الصينية وأستراليا، شرقاً، وصولاً إلى حدود شبه القارة الهندية، في المحيط الهندي.

 

ليس فقط هناك تشابه بين الحرب العالمية الثانية، والحرب العالمية الثالثة ( المحتملة )، من حيث ساحة المعارك المفترضة، بل أيضاً: في نوعية الأسلحة التي تدار بها المعارك. كانت الحربين العظميين تعتمدان أساساً على الأسلحة التقليدية، وإلى حدٍ ما على أسلحة الحرب الكيميائية، خاصةً، أثنا الحرب العظمى. نفس الشيء، إلى حدٍ كبيرٍ، متوقع أن تدار آلة الحرب العالمية الثالثة القادمة، بأسلحة تقليدية، لكن بتكنلوجيا متقدمة.. وأسلحة ذكية.. وأنظمة اشتباك وسيطرة متقدمة، مع استخدام أقل للقوة البشرية، تفادياً للخسارة البشرية المحتملة.

 

هناك تشابه آخر بين سيناريو الحرب العالمية القادمة، والحربين العظميين، بالذات الحرب العالمية الثانية. الحرب العالمية الثانية، يحتسبها علماء السياسية والاقتصاد والمؤرخون العسكريون، كونها حرباً بين أنظمة شمولية وأخرى ديمقراطية. انهيار نظام الحرب الباردة.. ونجاح مشاريع التكامل الاقتصادي بين أعداء الأمس، خاصةً على المسرح الأوروبي، دفع الكثير من علماء السياسة والمؤرخين والفلاسفة، إلى القول، بنهاية الأيدلوجية. لكن عودة حركة الصراع الحالية، بين قطبين تحكمهما فلسفة سياسية متناقضة، في إطار أنظمة سياسية تحكمها خلفية سياسية ذات أيدلوجيات متضادة، تسترجع ثنائية الأنظمة الشمولية والديمقراطية.

 

الحرب القادمة، من أهم مصادر وقود إشعالها، الثنائية الفلسفية والسياسية، بين الأنظمة الشمولية والديمقراطية. لقد أكدت على هذه الخلفية الأيدلوجية للصراع بين القوى العظمى، هذه الأيام، السيدة/ نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي أثناء زيارتها الآسيوية الأخيرة،  التي شملت سنغافورا وماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان، عندما تكلمت عن التزام الولايات المتحدة بالحرية ونشر الديمقراطية، عند حديثها عن خصوم الولايات المتحدة، سواء على الجبهة الأوروبية أو جبهة الباسفيك، وتعني روسيا والصين، باعتبارهما، من وجهة نظرها، أنظمة شمولية فاشية، أعداء للحرية والديمقراطية.   

 

خاتمة: انحسار إمكانات الردع الاستراتيجي.. والعودة لحركة الصراع العنيف

 

ستحاول الأطراف المتصارعة، في أي حربٍ كونية تشترك فيها قوىً عظمى، قدر الإمكان تفادي استخدام السلاح النووي، أو حتى التهديد به، لعدم جدواه الاستراتيجية في تحقيق أهداف الصراع، نفسه. سيتحرى المحاربون الرئيسيون في أي حربٍ كونية قادمة، تفادي الاقتراب من المجال الإقليمي السيادي لأطراف الصراع، واحتواء القتال ضمن ساحات الوغى البعيدة عن أراضي أطراف الصراع المباشرة، وتحري عدم امتداد ألسنة نيران الحرب لأقاليم وسكان أطراف الصراع المباشرين. لأن معنى ذلك تجاوز الخطوط الحمر المرسومة لصراع كوني مثل هذا على مكانة الهيمنة الكونية، لا على تحري هزيمة ماحقة للخصم في معركة فاصلة. ففي تجاوز مثل هذا الخط الأحمر مجازفة للجوء إلى أسلحة الدمار الشامل، النووية بالذات.

 

على سبيل المثال: الناتو، بمساعدته لأوكرانيا، لا يسعى إلى تحقيق هزيمة منكرة بروسيا، ولا حتى إذلالها وإراقة ماء وجهها،  بقدر ما يسعى لإفشال خطة غزو روسيا لأوكرانيا، دون تعرض أراضي روسيا لأي تهديدٍ مباشرٍ لها، بوصول ألسنة الحرب إلى أراضي روسيا أو مدنها أو الإضرار المباشر بسكانها. من هنا يمكن تفسير تزويد الولايات المتحدة والدول الأوروبية لأوكرانيا بأسلحة تقليدية متقدمة وذكية بالغة الدقة والأثر التدميري، بما لا يتجاوز متطلبات الدفاع المشروعة لأوكرانيا في استعادة أراضيها، أو جزء منها التي احتلتها روسيا في الحرب الحالية أو في حرب عام ٢٠١٤م، بما فيها شبه جزيرة القرم وإقليم دومباس، بطول الساحل الجنوبي لأوكرانيا، من ميناء ماريوبول، حتى أوديسا مرورًا بخيرسون.

 

الناتو، كما يتحرى ألا يتدخل مباشرة في القتال، ضد حملة روسيا على أوكرانيا، يتحرى أيضاً عدم تزويد أوكرانيا بأسلحة تقليدية نوعية تطال الأراضي الروسية على الحدود مع أوكرانيا. الانتصار في الحرب على ساحة أوكرانيا، بالنسبة للروس تحقيق أهداف الحملة العسكرية على أوكرانيا، بجعلها منزوعة السلاح، في أقصى متطلبات الحملة، والاحتفاظ بالأقاليم التي احتلتها في حرب ٢٠١٤م، بالذات شبه جزيرة القرم، مع إضافة اقتطاع إقليم دونباس، في مقابل التخلي عن مواقع احتلها الروس في جنوب أوكرانيا.

 

في المقابل: أقصى ما يرمي إليه الناتو بزعامة الولايات المتحدة من مساعدة أوكرانيا: إفشال حملة روسيا العسكرية على أوكرانيا، وتمكين كييف من استرجاع كافة الأراضي التي خسرتها في حرب ٢٠١٤م، بالذات شبه جزيرة القرم.. وطرد الروس من جميع الأراضي الأكرانية، التي احتلتها في هذه الحرب، مع إن أمكن تحميل روسيا تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا… ويقع في أقصى طموحات الولايات المتحدة والناتو تحميل موسكو التبعة القانونية والأخلاقية لقرار غزوها أوكرانيا، وربما إحداث تغيير سياسي جذري في مؤسسات الحكم بموسكو.

 

بينما يعتبر الغرب، انتصاراً مرضياً في أوكرانيا: تمكين أوكرانيا من استعادة معظم الأراضي التي خسرتها في الحرب الحالية، ربما مع بعض التعديلات في الحدود أو إعطاء إقليم دونباس مزيداً من الحكم الذاتي والقبول بتعليم اللغة الروسية وجعلها لغة رسمية للإقليم، مع قبول مبدأ التفاوض حول مصير جزيرة القرم.

 

على جبهة الباسفيك، أشعلت زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي/ السيدة نانسي بيلوسي ( ١ – ٥ أغسطس الماضي ) ، فتيل الصراع من جديد حول مصير جزيرة تايوان. الولايات المتحدة عند موقفها المبدئي، الذي حددته زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون لبكين ( ٢١ – ٢٨ فبراير ١٩٧٢م )،   بتأكيد سيادة الصين على الجزيرة، في إطار معادلة دولة بنظامين، مثل ما هو الحال بالنسبة لمدينة هونغ كونغ، مع التزام أمني أمريكي بالدفاع عن الجزيرة في مواجهة أي محاولة صينية لإلحاق الجزيرة عنوةً بالصين، دون تشجيع الجزيرة على إعلان استقلالها بالصين.

 

الصين، من الجانب الآخر وإن كانت توافق على معادلة دولة واحدة بنظامين، إلا أنها لا تستبعد إلحاق الجزيرة بجمهورية الصين الشعبية بالقوة، إذا لزم الأمر. فقضية تايوان بالنسبة لبكين قضية سيادة لا تحتمل أية مساومة عليها. في النهاية : حدثت الزيارة، المثيرة للجدل،  وأكدت رئيسة مجلس النواب الأمريكي، خلالها، على موقف الولايات المتحدة من القضية.. كما أكدت على التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن تايوان ضد أية محاولة لإلحاق الجزيرة ببكين، بالقوة.

 

الصين، للرد على زيارة السيدة بيلوسي لتايوان، قامت بإجراءات أسمتها عقابية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، بما فيها تعليق بعض الاتفاقات ذات الطبيعة الاقتصادية والأمنية، مع واشنطن، مع إعلان فرض عقوبات على السيدة بيلوسي شخصياً!  بالإضافة إلى إعلان بكين عن مناورات عسكرية بالذخيرة الحية حول الجزيرة وفي مضيق تايوان…. بينما واصلت القطع البحرية الأمريكية، تأكيد مبدأ حرية الملاحة في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، متحديةً إدعاءات السيادة الصينية على المنطقتين.

 

تطورات مقلقة تعكس توتراً حقيقياً في ساحة الحرب العالمية الثانية التقليدية، على جبهتي الأطلنطي الأوروبية، وجبهة غرب الباسفيك الآسيوية، بوصفهما ساحتان محتملتان لحرب كونية قادمة، بين قوىً عظمى تمتلك إمكانات ردع استراتيجية مرعبة، لكنها لم تتخل عن احتمالات نشوب الصراع بينها، بأدوات عسكرية تقليدية، متخليةً عن حذر الانجرار لحرب كونية، غير تقليدية ( نووية )، كما كان عليه الحال في عهد الحرب الباردة.

مقالات لنفس الكاتب