array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 178

رفع إنتاج العراق بعد 5 سنوات لثمانية ملايين برميل نفط وينتج الآن 5 ملايين

الأربعاء، 28 أيلول/سبتمبر 2022

للحديث عن نفط العراق لابد لنا من إلقاء بعض الضوء على الحقبة التاريخية للصناعة الاستخراجية في العراق للعقود الخمسة الأخيرة حيث شهدت تطور الإنتاج إلى مستويات عالية نسبياً خلال فترة الاستفرار السياسي النسبي لغاية 1980م، حيث بلغ الإنتاج أكثر من 3 ملايين وخمسمائة ألف برميل يوميًا، لكن الحرب العراقية ــ الإيرانية ألقت بظلالها على هذه الصناعة بشكل كبير، حيث تم استهداف جميع المواقع النفطية والصناعية في العراق ودمرت الحرب الكثير من البنى التحتية ومنها الموانئ في الخليج وحقول الخزانات ومحطات عزل الغاز والضخ. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، إذ بعد إنتهاء الحرب بدأ غزو الكويت من قبل النظام السابق الذي لم يُبقِ من منشآت النفط في العراق كله إلا القليل الذي يعمل، لكن بعد جهود جبارة من الكوادر العراقية التي عملت تحت حصار طال 12 سنة، حيث لم يكن هناك معدات جيدة ولا قطع غيار ولا الكثير من المعدات الثقيلة التي يحتاجونها للبناء أو إزالة الأنقاض، لكنهم استطاعوا أن يعيدوا العمل بالعديد من المنشآت.

خلال هذه الفترة كان العراق تحت الحصار والعقوبات الدولية ولم يستطع تصدير النفط إلا بما يكفي لسد احتياجات الناس من الغذاء تحت قرار مجلس الأمن سيء الصيت "النفط مقابل الغذاء"، وحقيقة إن الحديث عن هذه الفترة مؤلم جدًا لما جرى للعراق خلالها من تدمير وتجويع وعزلة عن العالم وما هو جديد على مستوى التكنولوجيا، واستمر الأمر حتى العام 2003م، عام إسقاط النظام السابق. بل استمر لغاية سنة 2009م، حيث كان العراق يعيش تحت جحيم العمليات الإرهابية التي زادت عن عشرين عملية بالعام شملت تفجيرات وعمليات القتل على الهوية.

خلال تلك الفترة، كان العراق لا يستطيع الالتفات إلى صناعته النفطية التي هجرها المختصون والفنيون سواءٌ بالتقاعد أو الهروب من جحيم العراق، وهكذا بقي العراق بلا كوادر نفطية إلا من مجموعة بسيطة والبلد لم يكن على استعداد لتطوير حقول جديدة ولا إصلاح الأضرار الجسيمة التي أصابت كل شيء بالصناعة الاستخراجية وغير الاستخراجية، حتى الائتمان المالي للعراق لم يكن متوفراً بحيث يستطيع الاقتراض من البنوك الدولية للإصلاح.

لذا إضطر العراق إلى دعوة الشركات العالمية للعمل على تطوير حقوله النفطية وإعادة تطوير حقوله العملاقة التي كانت تعمل سابقًا وفق عقود جديدة  للصناعة النفطية سميت بعقود  الخدمة، حيث الشركات لا تكون شريكًا بالإنتاج بل تأخذ أجرًا على إنتاج النفط وتقوم بعمليات التطوير والبناء على حسابها ولكن تسترد الأموال بعد ثلاثة أشهر، وهي العقود التي سميت بجولات التراخيص، شملت معظم الحقول الجنوبية المنتجة سابقًا، أو التي تم تطويرها بالكامل من قبل الشركات العالمية، هذه الجولات شملت 13 حقلاً عملاقًا وبعض الحقول الكبيرة والمتوسطة الحجم من حيث مخزونها النفطي، أما الحقول الغازية فإن الشركات عجزت عن بدء العمل فيها لكونها تقع في مناطق ساخنة أمنيا. 

حين بدأت الشركات تعمل على تطوير حقول الجنوب لم يكن إنتاجها يزيد عن مليون وخمسمائة ألف برميل يستهلك البلد منها ما يقرب من 700 ألف برميل في المصافي وما بقي لا يزيد عن 800 ألف برميل من حقول للتصدير وأقل منها من حقول شركة نفط الشمال، كركوك وما جاورها من حقول.

البداية كانت صعبة جدا حيث أن العراقيين لم يكن لديهم خبرة سابقة بإدارة عقود نفط من هذا النوع  خصوصًا إنها جديدة بالكامل على الصناعة النفطية في العالم أجمع، حيث كانت العقود السائدة إما امتيازات أو عقود مشاركة بالإنتاج، وهذا الأمر وبالرغم من الجهود الجبارة التي بذلها العراقيون للسيطرة على عمل الشركات، لكن كان هناك الكثير من الهدر بالمال العام لصالح الشركات الأجنبية مما دفع الكثير من الاقتصاديين وخبراء النفط للدعوة إلى وقف هذه العقود، لكن مع الوقت وتطور الخبرة لدى الكوادر العراقية التي نما عددها واستعادت عافيتها من حيث اكتسابها الخبرة العالمية من خلال العمل مع الشركات العالمية تمكن العراق من تقليص حجم الهدر ووضع الأمور بنصابها. 

احتياطيات النفط العراقية ونوعيتها وأهم الحقول ومواقعها 

إن الاحتياطي النفطي المعلن هو 148 مليار برميل، ولكن وكما هو الحال في جميع دول الخليج فإن الاحتياطي النفطي المعلن يعتبر أقل من الحقيقي بكثير، فالعراق لديه أكثر من 824 تركيب جيولوجي يحتمل أن يحتوي على النفط أو الغاز بحسب خرائط وزارة النفط وشركة نفط العراق المؤممة، لكن الحقول التي تم استكشافها بالكامل ومنها مسوحات جيوفيزيائية جديدة أكثر حداثة ودقة من السابقة والحفر الاستكشافي هي 114 حقل فقط، حيث تم التأكد من وجود النفط في 84 منها والباقي فيها شواهد غازية لكن للأسف لم تتم عملية استكشافها بالكامل في حينها، من هنا نلاحظ أن نسبة النجاح بالحصول على النفط هي 73% والباقي يحتمل أنه يحتوي على الغاز لكن تأكد وجوده في حقول عكاز والمنصورية والسيبة وحقول أخرى صغيرة تقع شمال محافظة ديالى. 

من هنا يتبين أن لدى العراق 84 حقلًا نفطيًا تم تطوير 33 منها ومازال الباقي ينتظر التطوير، كما ومازال هناك 410 تركيب جيولوجي ثبت وجودها من نتائج المسوحات الزلزالية القديمة لكن لم يتم فيها الحفر الاستكشافي لحد الآن. ومن الجدير بالذكر أن تخمين الاحتياطي العراقي من الخزين النفطي اعتمد رقم افتراضي لنسبة الاستخلاص وهي 20%، أي ما يتم إنتاجه هو 20% من النفط فقط والباقي يترك في الأرض، لكن هذه الطريقة الافتراضية المتحفظة جدًا قد غادرها العالم من زمن طويل، حيث مع تطور التكنلوجيا أصبح من السهل إنتاج الحقول بنسبة استخلاص قد تصل إلى 60% وإن العديد من دول الخليج تنتج حقولها بنسب استخلاص تزيد عن 40%، من هنا ندرك أن الاحتياطي النفطي في العراق أكثر من الضعف عما هو معلن من دون عمليات استكشاف جديدة، ومن الجدير بالذكر إن كلفة تطوير الحقول العراقية وإنتاجها تعتبر هي الأرخص على مستوى العالم وربما المنطقة أيضًا. 

أما الحقول الشمالية في كركوك وما جاورها والحقول التي تقع بداخل الحدود الإدارية لإقليم كوردستان فلها شأن آخر، حيث أن النفط كان قد تفجر من بئر كركوك-1 عام 1927م، حيث أغرق المنطقة المحيطة بالبئر وكاد النفط يصل إلى مدينة كركوك التي تبعد أكثر من 20 كيلومترًا عن البئر، وبدأ الإنتاج الفعلي من الحقل عام 1932م، تلاه عدة حقول مثل حقل باي حسن وجمبور وحقول أخرى، لكن لم يتم تطوير أي حقل في الأراضي التي تقع في إقليم كردستان بسبب التحديات الجيولوجية الكثيرة وصغر الحقول أو عدم احتواء التراكيب الجيولوجية على النفط أو الغاز عدا حقلي خور مور الغازي وحقل طقطق والقبة الشمالية من حقل كركوك، وقبة خورمالة التي تعبر الحدود الإدارية للإقليم، ولكن لم يتم إنتاجها جميعًا للأسباب آنفة الذكر. 

بعد دخول داعش للعراق ومنها أراضي كركوك تمكن الكرد من السيطرة على حقول كركوك، طبعًا بالاتفاق مع داعش، وتفردوا بدون أي سند قانوني أو دستوري بإنتاجها وتمكنوا من توقيع عقود مع شركات عالمية على مبدأ عقود المشاركة بالإنتاج وتمكنوا من أكتشاف حقلين أو ثلاثة صغيرة لا يزيد إنتاجها عن 150 ألف برميل يوميًا، ولكن من خلال سيطرتهم على حقول كركوك وبسبب التفجيرات ألتي تعرّضَ لها الأنبوب الرابط بين كركوك وفيش خابور وإخراجه عن الخدمة تمكنوا من مد إنبوب نفط من قبة خورمالة إلى فيشخابور بديلاً عن الخط التابع لشركة نفط الشمال و الخط الجديد يمر عبر أراضي تابعة للإقليم، جرى ذلك بعد الاتفاق اللصوصي مع الحكومة التركية بعيدًا عن بغداد بحيث أصبح بإمكان الكرد ضخ النفط العراقي من حقول نفط الشمال إلى ميناء جيهان التركي، فضلاً عن عمليات تهريب النفط من خلال الناقلات الحوضية عبر 22 معبرًا غير رسمي إلى تركيا والبعض منه عبر إيران، بحيث أصبح الإقليم يضخ 620 ألف برميل نفط عبر الخط العراقي التركي وكمية أخرى ليست بالقليلة تُنقَل من خلال التهريب باستعمال الحوضيات الجزء الأكبر منها يذهب إلى تركيا وجزء آخر يذهب إلى أفغانستان يصعب تقديرها، ومازال الأمر على هذه الحال والدولة لا تستطيع إتخاذ قرار حاسم بهذا الأمر لضعفها وتآمر بعض الساسة المؤثرين  لصالح دول خارجية.

بهذا السياق وبعد ضغط من النخب العراقية أقام العراق دعوى قضائية ضد تركيا لإخلالها بالعقد بين الدولتين بشأن الخط، حيث رفعت القضية إلى محكمة غرفة تجارة باريس المختصة بالفصل في النزاعات من هذا النوع بين الدول، وبعد عدة توقفات لعمل المحكمة استطاع العراق أن يصل إلى نتيجة جيدة بهذا الشأن ويُنتظَر الآن صدور الحكم النهائي لصالحه في القريب العاجل، بذات الوقت بقي الإقليم ومازال متمردًا على الشرعية الدستورية بالرغم من صدور قرار قضائي من المحكمة الاتحادية العليا التي أحكامها تعتبر دستورية وغير قابلة للنقض أو الاستئناف وتُلزِم جميع السلطات في البلد من تنفيذ قراراتها على وفق ما جاء في الدستور العراقي.

مستقبل صناعة النفط العراقية

كأي صناعة لكي تنمو بحاجة إلى وضع سياسي وأمني مستقر وهذا ما لم يتحقق بشكل كامل، خصوصًا الوضع السياسي، فالوضع السياسي مازال ينذر بحرب بين الأطراف المتصارعة على السلطة لتحقيق مكاسب حزبية وفئوية ضيقة فضلاً عن الفساد الذي استشرى في البلد بسبب هذا الوضع المَرَضي الذي يبدو وكأنه مرض مستعصي على الحل. 

هذا الوضع مع عدم استفرار لحد الآن تسبب بتلكؤ وزارة النفط من الوفاء بالتزاماتها عبر جميع الوزارات الحالية والسابقة، وأهمها توفير الماء من أجل الضخ لدعم الضغط المكمني في الحقول خصوصًا القديمة منها، وكذلك تسبب بعدم استغلال الغاز لسد الحاجة المحلية لإنتاج الكهرباء واحتياجات الصناعة، وكذلك عدم اكتمال البنية التحتية لجمع النفط وخزنه وتصديره عبر المنافذ البحرية، فهي ما زالت بحاجة إلى عمل ليس بالقليل لتكتمل، كما وأن مياه الضخ لحد الآن لم تبدأ رغم أنها تسببت بخسارة إنتاج كنتيجة لتناقص الضغط تزيد على المليونين برميل منذ العام 2011م، ولحد الآن، أما الغاز المصاحب مازال نصفه غير معالج ليكون صالحًا للاستعمال والعراق يصرف ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار على شراء الغاز لسد احتياجاته. 

أما الاستكشاف بالنسبة للحقول الغازية فهو يبدو شبه مستحيل بسبب وجود عناصر مسلحة من بقايا ما تسمى بداعش والمنظمات الإرهابية الأخرى تسرح وتمرح في وادي حوران الذي يمتد على طول الحدود مع سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية حيث إن الدراسات تدل على وجود كميات هائلة من الغاز فيها، وإن أحد الحقول الغازية الكبيرة يقع مقابل الحدود السورية، حقل عكاز، مكتمل الاستكشاف ولكن لم تستطع الدولة تطويره رغم الجهود المضنية التي بُذلت. 

أما المناطق الآمنة في العراق فإنها تشهد جميع الأنشطة التي تتعلق بالنفط والغاز بحرية تامة وبقيت بمعزل عن تدخل الأحزاب وقطعانها المستعدة لتدمير كل شيء وهي تلك المناطق التي تقع بين بغداد والخليج العربي، أي المناطق الجنوبية، طبعًا عدا تلك المناطق التي تقع غرب هذه المناطق.

هناك نشاط أصبح ملحوظًا في قطاع التصفية فهناك عدد من المصافي التي يتم إنشاؤها وأخرى تتوسع كلها في الجنوب ما عدا واحد يقع شمال بغداد في محافظة صلاح الدين أما البقية تقع في الجنوب وهي مصفى كربلاء وتوسعة مصفى الدورة وتوسعة مصفى البصرة الكبير ومصفى الفاو ومصافي أخرى إستثمارية مازالت في طور التعاقد مع المستثمرين الأجانب. 

يسعى العراق لرفع الطاقة الإنتاجية إلى مستوى 8 ملايين برميل يوميًا، وهو الآن ينتج ما يقرب من 5 ملايين برميل يوميًا يذهب قسم منها للتصدير لاتزيد عن ثلاثة ملايين وأربعماءة ألف برميل يوميًا وقدرة إنتاجية وتصديرية تصل إلى أربعة ملايين برميل يوميًا لا يتسطيع العراق استغلالها كلها بسبب التزامه بضوابط أوبك+. 

لابد من الحديث عن حقول شمال العراق التي سيطر عليها إقليم كردستان بعيدًا عن الشرعية الدستورية ورغم صدور حكم من المحكمة الاتحادية العليا بعدم شرعية هذه السيطرة وعدم دستورية قانون النفط والغاز في الإقليم لكن الإقليم تمسك بهذه الحقول بسبب ضعف الحكومة الاتحادية، ولم يكتفِ الإقليم بذلك فسيطر على حقل كركوك وعدة حقول أصغر حوله، كما تم الاتفاق بين الإقليم والحكومة التركية للسيطرة على الخط الناقل للنفط من حقول كركوك لنقل النفط من كردستان إلى ميناء جيهان التركي بالرغم من وجود إتفاقية بين تركيا والحكومة الاتحادية في بغداد، لكن الاستخفاف بالعراق من قبل تركيا وتمرد الكرد على الشرعية الدستورية ذهب الاثنان بعيدًا بتصدير النفط وبيعه بالرغم من عدم موافقة بغداد، المهم في الأمر إن العراق كان قد تقدم إلى محكمة غرفة تجارة باريس للتحكيم بمثل هذه القضايا وما رشح عن الجلسة قبل صدور الحكم بأنه سيكون لصالح العراق وتغريم تركيا ما لا يقل عن 26 مليار دولار، ونحن بانتظار صدور الحكم النهائي. 

كيف ومتى تسترد صناعة النفط بالعراق عافيتها:

بعد أن تعاقد العراق مع شركات عالمية ومنها بي بي وأكسون موبيل وشيل وتوتال وشركات صينية عديدة تعود ملكيتها لدولة الصين وشركات أخرى روسية مختلفة وماليزية وغيرها من الشركات العالمية، أصبح من الصعب جدًا التراجع عن سقوف الإنتاج المتعاقد عليها خصوصًا وإن الحكومة العراقية قد خفضت السقوف من 12 مليون برميل إلى تسعة ملايين برميل يوميًا في المراحل الأولى من عمليات التطوير وما صاحبها من تعديل للعقود بسبب عدم تحمل الأسواق العالمية لكل هذه الكميات من النفط على المستويين البعيد والمتوسط وكذلك التزام العراق أمام أوبك+ التي يحرص العراق على عضويته فيها. وهكذا فإن عمليات التطوير في الحقول القديمة والجديدة على يد الشركات العالمية وأخرى بحدود الخمسة حقول يتم تطويرها بالجهد الوطني، ويتوقع أن يبلغ الإنتاج منها بعد أربع أو خمس سنوات ثمانية ملايين شرط أن يتوفر الماء للضخ في الحقول القديمة خصوصًا لدعم الضغط المكمني للحقول التي يعاد تطويرها مثل حقل الرميلة والزبير ونهر عمر في البصرة وحقول أخرى في محافظة ميسان جميعها من الحقول المتوسطة.

العمل أيضًا جارٍ على تحديث البنية التحتية والتوسعات الجديدة بما يتعلق الأمر بالطاقة الخزنية وفي مناطق متعددة من العراق والتي تصب جميعًا في خزانات الفاو ومنها إلى التصدير من خلال مينائين عميقين وهما ميناء البصرة وميناء خور العمية وخمسة منصات عائمة طاقة كل منها 800 ألف برميل يوميًا بحيث تصل الطاقة التصديرية ثمانية ملايين برميل من الخليج العربي، كما ويجري العمل على إقامة منشآت لمعالجة الغاز الحامضي بحيث يتوقف استيراد الغاز لسد النقص الحاصل بإنتاج الكهرباء واحتياجات أخرى بسيطة.

آنذاك سيكون لدى العراق طاقة إنتاجية بحدود الثمانية ملايين برميل يوميًا وطاقة تصديرية تزيد عما يمكن تصديره من النفط الخام بعد تزويد المصافي المحلية.

 أزمة أسواق النفط العالمية التي سببتها الحرب الأوكرانية

إن أزمة أسواق النفط العالمية التي سببتها الحرب الأوكرانية أثرت بشكل مباشر على دول غرب أوروبا تحديدًا كونها من الدول المستوردة للنفط و43% تأتي من روسيا في حين تم حظر استيراد النفط الروسي من قبل هذه الدول، إلا أن النفط الروسي لم يتوقف فقد تم تحويله إلى الصين والهند من حيث الأساس ومن ثم يباع إلى العالم حيث أن روسيا أعطت خصم جيد للمشترين من حلفائها، وهكذا فإن النفط الروسي لم يتوقف بل تغيّر مسار الشحنات من روسيا مباشرة وأصبح يذهب إلى دول أوروبا وغيرها عبر دول أخرى، أما النفط العراقي لم يتأثر مطلقًا بهذه الحرب أو العقوبات الأمريكية على روسيا، لأن ما تخسره من زبائن في شرق آسيا يستبدل بدول أوروبية.

لكن وتائر التضخم المالي بارتفاع في الدول الصناعية الكبرى خصوصًا الأوروبية وهذا قد يؤثر في نهاية المطاف على أسعار السلع التي تنتجها هذه الدول، عمومًا إن دول الخليج ومنها العراق تمتلك النفط الذي يحتاجه الغرب وإن ارتفعت أسعار السلع يمكن أن ترتفع أسعار النفط تبعًا لذلك.

للحديث عن دور العراق في أزمة الطاقة لابد الحديث عن أوبك+ حيث إن هذه المنظمة تم إنشاؤها أساسًا لدعم استفرار الأسواق النفطية.

الفكرة الأساسية هي أن معظم دول العالم لديها مصادر للطاقة الأحفورية، ولكن غير كافية فهي تضطر لاستيراد النفط من دول تمتلك فائض من النفط عن حاجتها معروض للتصدير، وهكذا تم إنشاء المنظمة لهذه الدول، وأصبح بيدها أن تغرق الأسواق بالنفط فتنهار الأسعار أو تحدث شحة به فترتفع الأسعار، أي أن استفرار أسواق الطاقة من عدمه أصبح بيد هذه الدول بعد أن أدرك جميع المنتجين أن مصلحة دول أوبك+ أولاً والتي تأتي من استقرار الأسواق وفرض السعر المنصف للبائع والمشتري على حد سواء بعد أن كانت هذه الأمور تتحكم بها الدول العظمى بالضد من مصالح منتجي النفط.

أهمية النفط العربي ومنه النفط الخليجي في المرحلة القادمة:

من أهم الدول العربية في منظمة أوبك هي المملكة العربية السعودية والعراق ودولة الإمارات والكويت وهي الوحيدة من بين دول أوبك من تمتلك قدرة إنتاجية فائضة وقدرة تصديرية فائضة أيضًا، حيث بالمجموع تمتلك هذه الدول قدرات إنتاجية وتصديرية فائضة بحدود 3 ملايين برميل يوميًا وهي الوحيدة التي تستطيع تعويض أي نقص في الأسواق العالمية، كما وتمتلك مرونة عالية برفع إنتاجها إلى مستويات أعلى، كما وتمتلك من التنوع في أنواع النفط ما يمكنها سَـد أي نقص كان.

بالرغم من أن الدول الصناعية الكبرى في العالم وعلى رأسها أمريكا ودل أوروبا الغربية هي المستهلك الأكبر للوقود الإحفوري إلا أن الغرب وجه أصابع الاتهام إلى منتجي النفط في العالم وهم الأقل استهلاكا للقود الإحفوري، مرة تأتي من مؤتمرات تهتم بالبيئة ومرة على شكل برامج يراد تطبيقها على المنتجين وأخرى تحمل روح التحدي من إقرار ضرائب على منتجي الطاقة، إلا أن الاستهلاك مستمر وفي تصاعد مستمر أيضًا لولا جائحة كورونا الأخيرة التي شلت الحركة في الدول الصناعية الكبرى لوقف خطر الفايروس كوفيد19.

ولكن خلال الحرب الأوكرانية  ــ الروسية صار الغرب صديقًا للطاقة الأحفورية وراح يطالب دول الأوبك بزيادة إنتاجها بعد أن فرضت أمريكا عقوبات على النفط والغاز والفحم الروسية، وهكذا دخل الغرب بمواجهة مع دول أوبك+ في الفترة الأخيرة من خلال محاولات الضغط على هذه الدول برفع إنتاجها من أجل تخفيض الأسعار لكن لم تستجب هذه الدول لمثل هذه الدعوات التي تضر بمصالحها، كما حاولت دول الغرب تحديد سقف لأسعار النفط على مستوى العالم ولم تفلح في هذا المسعى، وآخِر ما كان بجعبتها هو مسألة نوبكNOPIC إي لا أوبك بعد اليوم، ولم تحقق أي نجاح بهذه المسألة أيضًا، حيث إن دول أوبك+ أصبحت متضامنة مع بعضها البعض بما يضمن قوتها ويحقق مصالحها وليس بإمكان الغرب الآن خلق حالة من التوتر بين أعضاء هذه المنظمة لكن تلك الدول قد اتخذت إجراءات لدعم روسيا برغم اختلاف أنظمة الحكم فيها.

ومنذ بضعة سنوات راح الغرب يحاول زرع فكرة أن العالم سيتخلى عن الوقود الإحفوري على أبعد حد هو عام2050م، أي بعد 28 سنة من الآن، وهذا محض هراء ولا يمكن تحقيقه بأي حال من الأحوال.

العالم والعرب يتذكرون عندما كان يقال أن عصر الفحم قد انتهى للأبد وذلك في بداية القرن العشرين بعد اكتشاف النفط ومعرفة كيفية الاستفادة منه، لكن وبعد 120 عامًا مازال الفحم الحجري يتربع على الموقع الثاني من سلم استهلاك الوقود الإحفوري، حيث إن النفط يتربع على المركزالأول بنسبة 34% من استهلاك العالم والفحم الحجري بنسبة 27% ويليهما الغاز بنسبة 10% ومن ثم يأتي اليورانيوم، وأخيرًا تأتي بدائل الطاقة التي سميت بالنظيفة التي عمل عليها الغرب عبر أكثر من قرن وصرف ترليونات الدولارات لتطويرها، لكنها مازالت في المركز الأخير من سلم الطاقة، حيث أن نسبتها لا تزيد عن 10% وإن كلف إنتاجها وحتى تشغيلها مازالت عالية، وهنا نسأل كم سنة يحتاج الغرب إلى رفع هذه النسبة إلى 100% بحيث يستغني عن الوقود الإحفوري، من هي البنوك التي ستمول هذه المشاريع التي سترفع نسبة مشاركة الطاقة النضيفة لتصل في سلم الطاقة إلى 100% ؟

أظهر تقرير لشبكة "رين 21"، نُشر خلال سبتمبر 2021م، أن نسبة الوقود الأحفوري في استهلاك الطاقة العالمي حالياً لا تزال مرتفعة كما كانت عليه قبل 10 سنوات، فيما ازدادت نسبة الطاقات المتجددة بشكل طفيف.

الوقود الأحفوري ما زال يمثل 80,2% من الاستهلاك الإجمالي للطاقة، بحسب دراسة أجريت عام 2019، مقارنة بـ80,3% عام 2009.

الكل يعرف أن الطاقة النظيفة ليست رخيصة من ناحية الكلفة الاستثمارية أو التشغيلية لأن هذه المنظومات بحاجة إلى بطاريات لخزن الطاقة وبدونها ستكون مشلولة فالطاقة الشمسية تتوقف خلايا إنتاجها عن العمل بعد غياب الشمس لذا فهي بحاجة إلى بطاريات عملاقة لتغطية باقي ساعات اليوم وكذلك طاقة الرياح لتكون مستدامة طيلة اليوم وأيام السنة ، هي أيضًا بحاجة إلى بطاريات عملاقة كتلك التي نحتاجها لخزن الطاقة الشمسية وهكذا باقي البدائل، وبعد أن أنتجت تسلا وشركات أخرى السيارات الكهربائية إرتفع سعر طن الليثيوم بين ليلة وضحاها من 3 آلاف دولار للطن إلى 77 ألف دولار للطن يوم 17 سبتمبر 2022، ومازالت الأسعار ترتفع بشكل جنوني، كما وارتفع سعر الطن الواحد من هايدروكسيد الليثيوم 120 مرة عما كان عليه العام الماضي في مثل هذا الوقت، وهذه المادة تعتبر أساسية لصناعة البطاريات ولا يوجد لها بديل عملي لحد الآن.

هناك أمور كثيرة لا يمكن أن تتغير خلال ثلاثة عقود قادمة كما يحلمون؟ فأين ستذهب مصانع المحركات التي تعمل بالوقود الإحفوري؟ هل ستختفي أم تتحول إلى الدول الفقيرة كمشاريع إستثمارية من قبل مالكي هذه المصانع حاليًا؟ وأين ستذهب المصافي والمصانع البتروكيمياوية؟ وهل تستطيع الدول الفقيرة والتي تزداد فقرًا يومًا بعد آخر شراء تكنلوجيا الطاقة النظيفة؟

ثم إن التحسينات التي توصلت لها التكنلوجيا الحديثة بتقليل الانبعاثات المضرة بالبيئة من المصافي ومحطات إنتاج الطاقة التي تعمل بالوقود الإحفوري قد قدمت بدائل عملية ومتاحة للجميع ولكن بسعر أعلى قليلاً، فمثلاً مصفى بطاقة 150 ألف برميل باليوم بدلاً من أن تكون كلفة بنائه 4 مليارات دولار يمكن بناء آخر يعمل على وفق المعيار الأوروبي قد لا تكون كلفته تزيد عن خمسة مليارات دولار حيث تقل نسبة الانبعاثات الغازية منه بنسبة لا تزيد عن 30% عن المصفى على وفق المعايير الهندسية القديمة، ومعايير يورو 6 ستكون الانبعاثات المضرة للبيئة منه بحدود الصفر لكن كلفة بنائه ما بين 6 إلى 7 مليارات دولار، ولكن هذا المصفى سيعمل لمدة لا تقل عن 50 سنة، بمعنى أن الزيادة بكلفة الإنتاج ستكون أقل من سنت واحد، ولكن الغرب ترك هذه التحسينات على الصناعة وذات الكلف القليلة نسبيًا وذهب إلى ما هو مستحيل التحقيق، أي إيقاف استعمال الوقود الإحفوري.

حقيقة هذا الموضوع بحاجة إلى دراسة موسعة لتقديمه للقارئ الكريم ولكن هذا ما سمحت به هذه الفسحة الضيقة من الورق.

مقالات لنفس الكاتب