array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 178

زيارة الرئيس ماكرون للجزائر للمصالحة وتلبية احتياجات فرنسا من الطاقة

الأربعاء، 28 أيلول/سبتمبر 2022

الجزائر وفرنسا، مهما حاولت فلن تستطيع اختصار ما بين هذين الكلمتين أو إلغاءه، أو حتى توضيحه، فالمعلن منه غامض والخفي مبهم، ولا يكاد فصل من فصول العلاقة بينهما ينتهي، حتى تظهر بدايات أخرى بملامح جديدة تتحكم فيها ريشة الماضي الشائك بين الاثنين، وتٌوجهه طموحات النخب المتلاحقة على كلا الضفتين، وفي نظرة سريعة سنجد أن الجزائر التي حصلت على استقلالها سنة ١٩٦٢م، بادرت بسياسات قوية و شاردة بشكل حاد على فرنسا مستعمر الأمس، فكانت السمة الأغلب هي التناطح لا التهادن، وكان الشغل الشاغل للجزائريين في مرحلة ما بعد نيل الاستقلال هو النهوض بالدولة الفتية وإقامة دعائمها بعد خروج الفرنسيين وترك العديد من القطاعات خالية، كعقاب على خطوة الاستقلال التام ، فكان التأميم هو أسرع طريق لاسترجاع الممتلكات و دعم السيادة، فكان تأميم الأراضي سنة ١٩٦٣م، ثم تأميم الموانئ و القواعد في سنة ١٩٦٧م، إلى غاية ١٩٧٠م، و تأميم المحروقات في ١٩٧١م،  و لتسيير كل ذلك اعتمدت الجزائر ، الاشتراكية كنمط اقتصادي، معاكس للنمط الرأسمالي الاستعماري ، كان واضحًا هنا محاولة القيادة الثورية الجزائرية رفض ربط اختياراتها بفرنسا في كل المجالات في رسم مستقبل الجزائر المستقلة، هذا الأمر كان مرفوضًا بكل تأكيد من الجانب الفرنسي، الذي أراد بكل الطرق البقاء كعراب مٌوقر من الجميع، إلا أن فترة التناكف هذه تخللتها أوقات شهر عسل كثيرة بين الجانبين، تفاوتت مدتها بحسب المتاح من استقرار سياسي وانتعاش اقتصادي عرفه البلدان، و بشكل عام نجد في الجزائر نخبة تؤمن إيمانًا قويًا بعظمة فرنسا كدولة يجب أن تكون معها روابط صلبة يسمونها هم بغنيمة حرب، فيما توجد نخبة ساحقة بالمقابل تعتبر فرنسا عدوًا لدودًا، يستمر في ممارساته الاستعمارية عبر اتفاقيات شراكة لا تخدم إلا مصالحه و يلجأ إلى الابتزاز بشكل فاضح في حال تعذر عليه تحقيق ذلك، و بين هذه و تلك تتحدد بشكل كبير معالم العلاقة بين البلدين في كل مرحلة من المراحل، إلا أن الثابت فيها، هو أن ملف الذاكرة وملف التعاون الاقتصادي والأمني وملف  تنقل الأفراد، تعد أهم النقاط الجامعة بين الاثنين، وتأتي الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غير بعيدة عن هذا السياق، هذه الزيارة التي يمكننا تسميتها بزيارة الصلح، استمرت لثلاثة أيام بوفد تعدى التسعين عضوًا، وتٌوجت بالتوقيع على عدد من الاتفاقيات شملت البحث العلمي،  و التعاون الرياضي و المعالجة التاريخية لملف الذاكرة، واتفاق شراكة متجددة، و وٌصفت من الجانب الجزائري بالناجحة، أما الرئيس الفرنسي فأبدى من جهته حماسةَ لما تم خلال أيام الزيارة، فهل فعلاً قد تشكل هذه الزيارة منعطفاً جديدًا للعلاقة بين البلدين أم أن الأمر لا يُعد إلا تحصيلا حاصلا لجملة من الأحداث المتعاقبة التي تتطلب من أحدهما او كليهما التفاعل مع الآخر طوعًا أو جبرًا، خصوصًا أنها تأتي بعد فجوة غير مسبوقة تخللتها العديد من التصريحات والمواقف السلبية التي لم تزد إلا في اتساع مسافه سوء الفهم بين الجزائر و باريس، الأكيد هنا، هو أن الحرب الروسية / الأوكرانية فرضت واقعًا جديدًا في أوروبا التي تستعد لاستقبال شتاء قاس، مع تذبذب موردها الرئيسي من الطاقة، الغاز الروسي، أولاً، و من ثم التدهور الذي عرفته العلاقات الجزائرية / الإسبانية على خلفية تغيير هذه الأخيرة لموقفها التقليدي من ملف قضية الصحراء الغربية ويصبح خط الغاز على المحك في المواجهة، لتجد أوروبا برمتها، نَفسها أمام أزمة طاقة حقيقية، تدفع بدولها بشكل حثيث إلى إيجاد بدائل مضمونة وموثوقة، وليس هناك أفضل من الجزائر ، الجار الجنب والذي يحتل المرتبة السابعة عالميًا في توريد الغاز، ظهر هذا بشكل جلي في اتفاقية التعاون الموقعة مع إيطاليا خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مايو ٢٠٢٢م، واستفادت بموجبها روما من إمدادات كبيرة من الغاز والكهرباء، حتى أن التوقيع شكل صدمة للشريك الاقتصادي التقليدي فرنسا ،كما استقبلت العاصمة الجزائر خلال الفترة الأخيرة  الكثير من الوفود الأوروبية على رأسها الألماني، و صلب انشغالها الطاقة،  من جانب آخر توضع اللمسات الأخيرة لانطلاق تجسيد خط الغاز العابر للصحراء نيجيريا النيجر والجزائر نحو أوروبا لنقل ما قد يصل إلى ٣٠ مليار متر مكعب سنويًا إلى أوروبا وبكلفة تقدر بـ ١٣ مليار دولار، كل هذا وحال باريس يقول (جحا أولى بلحم ثوره)، وغير بعيد عن خط الغاز العابر للصحراء نجد مالي بقيادة جديدة ترفض التواجد الفرنسي بأي شكل كان وتطرد آخر جندي فرنسي تعلن عنه القيادة العسكرية الفرنسية، منتصف شهر أغسطس في بيان رسمي، بعد تسع سنوات من التواجد، وتحركات مماثلة تشهدها اليوم تشاد والنيجر وبوركينافاسو، ما يجعل النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل على حافة الاندثار الفعلي، وربما الاجتماع الأمني الفريد من نوعه والمنعقد لأول مرة خلال الزيارة، و ضم كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية الجزائرية تحت قيادة الرئيس تبون والذي يشغل أيضًا منصب وزير الدفاع مع نظرائهم الفرنسيين جاء ليعكس أهمية هذا الملف للجانب الفرنسي قبل الجزائري، كما يعكس أيضًا مدى أهمية الجزائر بحكم موقعها و ثقلها، ونشاطها الدبلوماسي والأمني في المنطقة، ندرك هنا و بشكل لا يحتمل الشك أو الريبة في أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر تحمل أكثر مما أعلن عنه، حاجة أمنية واقتصادية فرنسية ترتطم بجبل من المطالب الجزائرية القديمة الجديدة، على رأسها ملف الذاكرة ذلك الجرح الغائر الذي يرفض الاندمال، فرغم تراجع الرغبة الملحة لدى الجزائر للحصول على اعتذار فرنسي بائن عن جرائم الحقبة الاستعمارية وحرب التحرير، نظرًا إلى أن ذلك سيترتب عليه الكثير من الالتزامات القانونية و المالية، لا تريد باريس أن ترى أنها غير ملزمة بقبول الانخراط فيها بشكل طوعي الآن، إلا أن الجعبة الجزائرية في هذا الملف حبلى، تعويضات ضحايا التجارب النووية التي أجريت في الصحراء الجزائرية بين سنتي ١٩٦٠ و ١٩٦٦م، ومعرفة مصير ٢٢٠٠ مفقود خلال ثورة التحرير ما بين ١٩٥٤ و ١٩٦٢م، واسترجاع الأرشيف وجماجم الشهداء،  جل هذه المطالب مرفوض فرنسيًا، لأن بعض الأطراف النافذة تحاول بالمقابل تقديم شروط تعجيزية للجانب الجزائري على رأسها تعويض الأوربيين عن أملاكهم السابقة والسماح للحركي ( الجزائريون الذين حاربوا إلى جانب فرنسا) بالعودة إلى الجزائر ، بالإضافة إلى ذلك يبقى ملف التعاون الاقتصادي أعرج بالنسبة للجزائريين مادامت الاتفاقيات السابقة تعاملت مع الجزائر كسوق للبضاعة الفرنسية دون نقل التكنلوجيا، اليوم شركاء كثر يتزاحمون على المرتع الجزائري، الصين، وروسيا، وتركيا، والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى عدد من الدول الأوروبية كل في مجاله، وتوقيع اتفاق شراكة استثنائية بين الجزائر وفرنسا تتويجًا لزيارة وصفت بالممتازة لن تعطي ثمارها إن لم تدرك باريس، أن الوقت ليس الوقت، وأن الجزائر لم تعد تلك الجزائر.

مقالات لنفس الكاتب