array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 178

الانتخابات لا تغير المشهد السياسي العراقي وتحسمه الميليشيات المسلحة

الأربعاء، 28 أيلول/سبتمبر 2022

يغرق العراق في أزمة سياسية عميقة منذ إجراء الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول/أكتوبر 2021م، بلغت ذروتها بعد إقدام أكبر كتلة شيعية في البرلمان، تلك التابعة لمقتدى الصدر، على الاستقالة في حزيران/يونيو  2022م، ولم تنعكس نتائج تلك  الانتخابات التي أجريت بعد سنوات من الإرباك السياسي والاجتماعي على الأوضاع العامة بالشكل الذي يقدم منهجًا مختلفًا، فقد أسفرت عن فوز التيار الصدري أمام الإطار التنسيقي كمجموعتين شيعيتين أساسيتين ومتنافستين،  وعلاوة على تدني نسبة المشاركة في الانتخابات التي قالت مفوضية الانتخابات أنها كانت 43% في حين أكد بعض الجهات الأخرى غير الرسمية أنها لم تتجاوز 20% في بعض المحافظات لعدم ثقة الشعب العراقي بالانتخابات والطبقة السياسية الموجودة التي تكرر نفسها وسلوكها وتوافقاتها السلطوية منذ عام 2003م، ظهر مرة أخرى التنافس على السلطة وتشكيل الحكومة وتقاسم المناصب والمنافع المادية في الوقت الذي مازال الشعب العراقي يعاني من أزمات حادة في تأمين الخدمات الأساسية والاقتصاد و انتشار البطالة وغياب الديمقراطية والتدخل والاعتداءات الإقليمية على وحدة وسيادة الأراضي العراقية رغم الإمكانات والقدرات الكبيرة في مختلف المجالات والثروات العراقية الهائلة.

إن الأزمة السياسية الحالية في العراق بدأت منذ العام 2003م، اذ لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية خلق نظام سياسي واقتصادي مستقر، ودولة ذات مؤسسات بالمعنى القانوني والسياسي والاقتصادي، وخلال كل تلك السنوات، كانت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تديران الأزمة السياسية، وهنا نقصد أزمة السلطة السياسية التي قامت على أساس المحاصصة القومية والطائفية، ولم تستطع نفس الطبقة الحاكمة في العراق حسم الخلاف السياسي في صفوفها على امتداد ما يقارب عقدين من السنوات ، واستمرت ذات العوامل مع كل لحظة تشكيل حكومة، لكن الجديد في الأزمة الحالية  هو دخول عامل جديد وهو احتجاجات  أكتوبر / تشرين 2019م، التي عمقت من أزمة السلطة السياسية في العراق، وقلبت المعادلة السياسية القائمة على المحاصصة والدستور الذي كتب عام 2005م.

  أثبت الواقع أن الرهان على الانتخابات لتغيير المشهد السياسي في العراق فشل، لأنه ببساطة من يحسم مسألة السلطة السياسية ليس من يحصد الأصوات في الانتخابات، بغض النظر عن شفافيتها ونزاهتها من عدمها، بل من يحسمها هو من يمتلك الميليشيات المسلحة ودعمها الخارجي خاصة ما بعد انتخابات العام 2018 م.

لعل احتجاجات أكتوبر 2019م، أبرز المنعطفات السياسية ما بعد 2003م، حيث كشفت التظاهرات عن مشاركات اجتماعية واسعة شملت طلبة الكليات والمدارس، إضافة إلى فئات اجتماعية شتى، إلا أن أحزاب السلطة هذه المرة استخدمت القوة في محاولة لإنهاء الاحتجاجات مما تسبب في مقتل ما يقارب 800 شخص وإصابة نحو 25 ألفاً، سقطوا في ساحات التظاهرات المختلفة وسط العراق وجنوبه، إن تلك الاحتجاجات أفضت إلى تغيير المعادلة السياسية، واهتمامًا واسعًا بالرأي العام من قبل الساسة، كما أسفرت عن نشوء أحزاب جديدة منبثقة أو تدعي انتماءها للجو الاحتجاجي الأخير وترفع شعاراته. استطاعت تلك القوى الحصول على ما يقارب على 10 % من المقاعد النيابية في الانتخابات التي أجريت أخيراً ، اذ إن واحدة من أبرز أهداف الاحتجاج هو المطالبة بتغيير النظام، أو إبعاد الطبقة الحاكمة، وإيجاد التقاربات إلى تشكيل حكومة جديدة لم تمتد أيديها بدماء الضحايا من المحتجين، إذ أن "استجابة الشارع للاحتجاجات أو دعوات التظاهر التي ينظمها ويدعو لها المثقفون عادة ما يتم الاستجابة لها بعد مرور ما يقارب من السنة من تشكيل كل حكومة، فاحتجاجات 2011م، جاءت بعد سنة من تشكيل حكومة 2010م، واحتجاجات 2015 م، جاءت هي الأخرى عقب سنة من تشكيل حكومة حيدر العبادي، كذلك الاحتجاجات في 2019م، جاءت أيضاً بعد مرور عام من تشكيل حكومة عبد المهدي، إن الدعوة إلى الاحتجاج والتظاهر قد تجد من يستسيغها بعد أن تثبت الحكومات أداءً فاشلاً ومتكرراً وعدم قدرتها على إيجاد الحلول مما يدفع الناس والمهتمين إلى التظاهر وقد تصعد المطالب من اقتصادية وخدمية في 2011م، إلى نظيرتها التي تشتمل على إصلاحات سياسية كما هو الحال في 2015م، وصولاً إلى مطالب بتغيير النظام وطرد الطبقة الحاكمة في 2019م.

  تعد أزمة تشكيل الحكومة العراقية الحالية من أطول أزمات البلاد بعد العام  2005م، كمنتظم دستوري لتشكيل الكابينة الحكومية ،اذ أدخلته في صراعات تسببت في انقسام الشارع العراقي، اذ أسفرت نتائج الانتخابات إلى صراعات سياسية كادت تودي بأمن البلاد إلى الهاوية بعد أن شهد الشارع العراقي انقساماً بين أنصار الإطار التنسيقي الموالي لإيران، الذي يرغب في تشكيل الحكومة الجديدة وفق الشكل التوافقي والمعمول به في الحكومات السابقة، وبين التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر الذي كان يرغب في تشكيل حكومة أغلبية وطنية على الرغم من انسحابه من العملية السياسية واستقالة نوابه من البرلمان العراقي، وأفرزت هذه الأحداث سلسلة أزمات تسببت في معاناة العراقيين حيث تولد بعد كل انتخابات أزمة سياسية خانقة، وجرت العادة أن ينتظر العراقيون أشهراً لتشكيل الحكومة وتسمية الرئاسات الثلاث.

  على الصعيد الداخلي تكمن الأزمة العراقية في غياب الديمقراطية، حيث أن الشعب العراقي وبمختلف مكوناته ظل يعاني من غياب أي مسارات للمستقبل،  ولم تكن هناك الظروف المناسبة والمساعدة لتأسيس مسارات اجتماعية  وسياسية واقتصادية ديمقراطية، ولم تقدم الطبقة السياسية  مع ولاءاتها وتبعياتهم المختلفة أي تركيز وجهود كافية لبناء الذهنية والسلوك الديمقراطي و الثقافة والمؤسسات اللازمة لتحقيق التحول الديمقراطي في المجتمع العراقي وبناء الديمقراطية كنظام للحياة، بل إن هذه الطبقة التي تحكمت بالعراق من شماله إلى جنوبه وبعد ما يقارب من20 عامًا ظهرت أنها غير قادرة على حل أزمات و قضايا الشعب العراقي واحتياجاته الأساسية وتحولت هي نفسها إلى عبء وأزمة للشعب العراقي، كما ظهر مع تحركات تشرين والعديد من حالات الانتفاض والرفض الشعبي والشبابي لحالات الفساد والنهب والسرقة من قبل الطبقة الحاكمة وأدواتهم سواء في بغداد أو الإقليم ، ومن الطبيعي عندما تغيب الديمقراطية والإرادة المجتمعية الحرة لن تكون الإدارة الموجودة لها علاقة بالشعب ومصالحه بل إن كل مسؤول سيكون همه كيفية سرقت أموال الشعب وإيداعه في البنوك الغربية كما ظهر مع الحسابات المختلفة للمسؤولين العراقيين في البنوك الأجنبية في الوقت الذي يحتاج العراق والعراقيون لهذه الأموال لمواجهة البطالة والفقر وبناء وإعمار العراق وتأمين حاجات الشعب الأساسية الخدمية.

  أما على صعيد التدخلات الخارجية فقد جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) بمثابة صدمة للأحزاب السياسية التابعة لفصائل الحشد الشعبي، إذ خسرت أكثر من نصف مقاعدها في البرلمان، فيما كان الفائز مقتدى الصدر، والذي قدم نفسه باعتباره معارضاً للولايات المتحدة وإيران. في ظل النتائج عمت الفوضى شوارع العراق، وتعرض رئيس الوزراء العراقي لمحاولة اغتيال، كما جاءت زيارة قائد الحرس الثوري الإيراني لبغداد، في سياق يبرز الدور الإيراني في التحكم في العملية السياسية على نحو ما حدث في 2003م، المختلف الآن أنه في سياق خروج أهم خصوم إيران من العراق، فهل ستتخلى إيران عن سياسة الفوضى والحلول التي تديرها وفق قواعدها؟ وهل ستتيح للعراق اتباع نهج السياسة المستقلة النشطة؟

 جاءت نتيجة الانتخابات على نحو زادت من مقاعد "كتلة الصدر"، وهي الأكبر في البرلمان المؤلف من 329 مقعداً لتصل إلى 73 مقعداً، بدلاً من 54 في البرلمان السابق، فيما انهار "تحالف الفتح" المنافس الرئيسي لها منذ سنوات، والذي يضم الفصائل المرتبطة بالميليشيات المسلحة الموالية لإيران، إذ حصلت على 14 مقعداً نزولاً من 48، والتي كانت حصدتها في انتخابات عام 2018م،بعد المشاركة في محاربة تنظيم "داعش" في العراق،  كما جاءت القوى السنية في المرتبة الثانية، ما قد يمنح الأحزاب السياسية السنية أكبر قدر من المشاركة بالقرار السياسي .

  بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، نزل عديد من أنصار الميليشيات التي خسرت مقاعدها بالبرلمان إلى الشوارع، وادعوا أن الانتخابات تم تزويرها ضدهم. إن الفوضى التي صاحبت شوارع العراق ما بعد النتائج لم تقتصر فقط على تظاهرات الغاضبين، الذين نظموا اعتصامًا بالقرب من المنطقة الخضراء في بغداد لأسابيع، بدعوى تزوير الانتخابات، بل أثار هجوم بطائرة من دون طيار على مقر إقامة رئيس الوزراء العراقي شبح استمرار العنف من قبل الجماعات المسلحة العراقية، ومن المؤكد أن رئيس الحكومة العراقية بدأ منذ أن أدى اليمين الدستورية في السابع من مايو (أيار) 2020م، وبعد أشهر عدة من الفراغ الحكومي، بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي في أواخر عام 2019 م، بسبب الاحتجاجات الحاشدة في وسط العراق وجنوبه، باتخاذ سياسة في الداخل والخارج مختلفة عن سابقيه ممن تحكمت إيران بشكل أو آخر في توليهم المنصب، فقد تعهد الكاظمي بوضع الجماعات المسلحة تحت سيطرة الدولة، كما انتهج سياسة خارجية عراقية نشطة تهدف إلى عودة العراق لمحيطه الإقليمي بشكل مستقل، وكان آخر مظاهرها مؤتمر دول جوار العراق.

   اعتاد الحرس الثوري أن يمثل أحدى مظاهر التحكم الإيراني في العملية السياسية، إذ لعب سابقاً قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، دوراً بارزاً في الفترة التي تلت العام 2010م، فكانت له علاقة بالوساطة بين الفصائل المتنافسة، واشترك في كل مناقشات الحكومة العراقية، فكان لإيران دور في اختيار نوري المالكي رئيساً للوزراء لولاية ثانية، كما حرصت على تعيين أعضاء في الحرس الإيراني أو مرتبطين به كسفراء لها في بغداد لتقديم النصح والحلول حين استعصاء الأزمات بين القوى والأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي العراقي اعتادت إيران توظيف استراتيجية متعددة الأبعاد لتنفيذ سياستها الخارجية، وأحد هذه الأبعاد هو الأداة السياسية التي وظفتها إيران لتقديم الدعم لحلفائها، والذي قدمته من خلال أشكال متعددة ومتنوعة، باختلاف الظروف الذاتية والداخلية لكل حالة. وفي الحالة العراقية، وظفت الأداة السياسية عبر بناء نظام سياسي حليف والتحكم في العملية السياسية. وتتجلى فاعلية الأداة السياسية في الحالة العراقية على نحو كبير، إذ عملت إيران على تعزيز نفوذها السياسي في العراق من خلال آليتين، الأولى هي التحكم في العملية السياسية، والثانية دعم الفصائل المسلحة والأحزاب الشيعية الموجودة في العراق. وفي هذا السياق، اعتمدت إيران على الأحزاب التي اتخذت من إيران منفى لها، حيث عملت على ما يلي:

- تأييد إعادة تأسيس نظام الحكم على أساس طائفي:

أدركت إيران أن أفضل طريقة للتحكم في العملية السياسية بالعراق هي ضمان تصعيد وتمكين الأحزاب الشيعية في عراق ما بعد الغزو الأمريكي من خلال الانتخابات، وسعت إيران عبر النظام البرلماني إلى دعم حلفائها من الشيعة، فشجعتهم على الترشح ضمن قوائم محددة في انتخابات 2005م، معتمدة على المتغير الديموغرافي الذي سيرجح النتيجة لصالح الأغلبية الشيعية، بالتالي تأتي حكومة شيعية صديقة لها، فدعمت قائمة "التحالف العراقي الموحد" الذي قوامه من الشيعة، بالدعاية وإدارة الانتخابات وتقديم الدعم المالي. وحثت العراقيين النازحين على العودة إلى موطنهم للتصويت في الانتخابات، وبالفعل فاز "التحالف العراقي الموحد" بأغلبية مقاعد البرلمان. وتشكل التحالف من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية العراقي و"حزب الدعوة"، وكلاهما على علاقات تاريخية جيدة بإيران. ودفع تحكم إيران في العملية السياسية ونتيجة الانتخابات التي فاز بها التحالف الشيعي، إلى أن أعادت الولايات المتحدة تقييم سياستها داخل العراق، فسعت للاقتراب من الكتلة الكردية والسنية.

- تدخل إيران لضمان أن يتولى الحكم في العراق نخبة موالية لها:

  عمدت إيران إلى توسيع قاعدة القوى السياسية الشيعية داخل العراق، وحثّها على التمسك بذهنية عدم التفريط بالسلطة، مكرسة كل جهدها السياسي والأمني والمالي لتحقيق هذا الهدف، والذي شمل تخصيص موازنات ضخمة لدعم الشخصيات والرموز العراقية المعروفة لديها وفقاً لمبدأ ضمان الولاء وعدم الخروج من دائرة السيطرة والتحكم. ودفعت بشخصيات لأن تكون مشروع سلطة نحو واجهة المشهد السياسي ودعمتها بكل وسائل الحضور والتنافس مع الأضداد، أي إن إيران خططت منذ وقت مبكر لتعزيز ودعم وتطوير طبقة سياسية شيعية حاكمة لتولي قيادة العراق. عملت إيران على محاور عدة متوازية للتأثير ومحاولة التحكم في القرار العراقي من خلال التعاطي مباشرة مع القيادات العراقية الجديدة التي تعاملت مع إيران في زمن المعارضة.

وهناك أحزاب تصدت للمشهد السياسي بدعم مالي ولوجيستي إيراني، مما ضمن لإيران بعد فوز هذه الأحزاب بالانتخابات حرصها بالنيابة عن طهران على الحفاظ على المصالح الإيرانية ليس داخل العراق فحسب؛ بل حتى خارجه، وعند ظهور تنظيم «داعش» عام 2014م، واحتلاله نحو ثلث مساحة العراق وإحكام سيطرته على مدن رئيسية شمال وغرب ووسط العراق، وما شكله هذا الاحتلال المفاجئ من تهديد جدي بلغ حتى العاصمة بغداد ، سارعت إيران لدعم مشروط للعراق بالأسلحة والعتاد والخبراء والمستشارين؛ وعلى رأسهم  قاسم سليماني قائد فيلق القدس مع فصائل الحشد الشعبي والتي تشكل أغلبها  فصائل مسلحة موالية لطهران. فكان سليماني بمثابة الأب الروحي والقائد العسكري والعقـائدي المباشر لتلك الفصائل، وبعد الانتهاء من حرب « داعش» تحول بعض هذه الفصائل إلى حركات سياسية في خطوة يراد منها توسيع قاعدة السلطة الشيعية المتعاطفة مع طهران، فخاضت انتخابات 2018م،  وفازت كما هو متوقع بفعل عاملين: إدراك الشارع العراقي دورها في القضاء على خطر «داعش»، والدعم الإيراني غير المحدود لها في خوض مغامرة الانتخابات. فأصبح لها تمثيل واسع ومؤثر داخل البرلمان العراقي، ولم تكتفِ بذلك؛ بل سارعت إلى تشكيل تحالف قوي بعد الانتخابات سمي «تحالف الفتح» وله نحو 45 مقعداً. فكان هذا التحالف نواة لتحالف أكبر سمي «تحالف البناء» ليتصدر المشهد السياسي العراقي فيما بعد ولايزال.

لم تكتف إيران بمقاربتها مع القوى الشيعية بل اندفعت نحو علاقات متينة مع المكونات الأخرى مثل السنّة والأكراد، وتربطها علاقات وثيقة ببعض القوى السياسية السنّية والأحزاب الكردية الحاكمة، وبإمكانها العمل معها بما يخدم مصالحها على الصعيدين المحلي والإقليمي، إذ تغيرت معادلة النفوذ الإيراني بعد حدثين مهمين: أولهما اندلاع المظاهرات الحاشدة على نحو غير مسبوق في بغداد ومدن وسط وجنوب العراق في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019م، واستمرارها حتى يومنا هذا، وثانيهما هو مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وغيابهما عن ساحة الأحداث، وبلغت تداعيات الحدث الأول حد سماع صرخات عالية من الشباب العراقي في المدن الشيعية؛ وفي مقدمتها النجف وكربلاء، تندد بالوجود الإيراني وتطالب بالتخلص منه. وهذه الهتافات رددتها شريحة من شباب المكون الشيعة الذين يرون تأثير إيران السلبي ودعمها الأحزاب التي تصدرت المشهد السياسي رغم فشلها في تقديم الخدمات وتوفير فرص العمل وإعادة بناء مدن العراق المدمرة جراء سلسلة الحروب والإهمال واستشراء الفساد.

 

 من جهة أخرى، هناك خلاف في الرؤى حول مستقبل السياسة في العراق؛ حيث إن إيران تقوم على مبدأ ولاية الفقيه، في حين أن المرجعية في النجف لا تتوافق مع هذا التوجه. والمرجع الشيعي علي السيستاني سبق له أن عارض التزام العراق بـ«ولاية الفقيه»، وعمل جاهداً لتقليص النفوذ الإيراني داخل الحوزة العلمية في النجف وقطع السبيل أمام توريط العراق في صراعات إيران الإقليمية والدولية من خلال خطب الجمعة التي يلقيها نيابة عنه ممثله؛ في الأضرحة المقدسة في النجف وكربلاء، وهناك أمثلة كثيرة على هذا الاختلاف، فعلى سبيل المثال دعا المرشد علي خامنئي إلى إخراج القوات الأجنبية من العراق والمنطقة في خطبته يوم 17 يناير (كانون الثاني) الماضي، ومورست ضغوط عقب هذه الدعوة على مجلس النواب والحكومة لتفعيل قرار البرلمان لإخراج القوات الأمريكية، فجاء رد السيستاني في خطبة الجمعة 31 يناير بقوله: «يتحتم الإسراع في إجراء الانتخابات المبكرة ليقول الشعب كلمته ويكون مجلس النواب القادم المنبثق عن إرادته الحرة هو المعني باتخاذ الخطوات الضرورية للإصلاح وإصدار القرارات المصيرية التي تحدد مستقبل البلد، ولا سيما فيما يخص المحافظة على سيادته واستقلال قراره السياسي ووحدته؛ أرضاً وشعباً». عند ذاك توقفت محاولات جر البرلمان نحو اتخاذ قرار مصيري لا يخضع للتأثيرات والضغوط الداخلية والخارجية، وقد يكون تأثيرها الأخير على كاظم الحائري المرجع لاتباع مقتدى الصدر باعتزال الفتوى وتحويل مقلديه إلى خامنئي جزء من استراتيجية التعقيد في المشهد العراقي لترويض خصومها وفرض حلولها.

 

ومما لا شك فيه أن إيران الآن بصدد مراجعة سياستها الإقليمية، تمهيداً لرسم أدوار وتحديد أدوات وخلق عوامل مؤثرة جديدة... والأهم من ذلك ؛ دراسة كيفية التعاطي مع الداخل العراقي والمنطقة في ظل الصراع الدائر مع دول المنطقة وأمريكا، ناهيك بأن الاقتصاد الإيراني أصبح اليوم أضعف من أي وقت مضى، والشعب الإيراني بات يعاني الأمرّين جراء تداعيات العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، لذلك باتت القيادة الإيرانية منشغلة بإعادة حساباتها في كل الميادين، وفي العراق على نحو خاص، لكن ليس بالشكل الذي يجعلنا نعتقد أنها ستغادر استراتيجية الحلول الجاهزة لحلفائها في العراق.

مقالات لنفس الكاتب